تفسير الطبري
· آل عمرانافتح في القارئرَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴿١٩٢﴾
القول في تأويل قوله : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته. قال: ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب.
* ذكر من قال ذلك:
8356 - حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار قالا أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس في قوله: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: من تُخلد. (33)
8357 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هي خاصة لمن لا يخرج منها.
8358 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحمْليّ قال، قلت للحسن: يا أبا سعيد، أرأيت ما تذكر من الشفاعة، حق هو؟ قال: نعم حق. قال، قلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله تعالى: " ربنا إنك من تدخل النار فقد &; 7-478 &; أخزيته " و يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا (34) [سورة المائدة: 37]؟ قال فقال لي: إنك والله لا تسطو على بشيء، (35) إنّ للنار أهلا لا يخرجون منها، كما قال الله. قال قلت: يا أبا سعيد، فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبًا في الدنيا فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها ثم أخرجهم، بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به. (36)
8359 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هو من يخلد فيها.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب.
* ذكر من قال ذلك:
8360 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر، عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبدالله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "؟ قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار! وإن دون ذلك لخزيًا. (37)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندي، قول جابر: " إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها ". وذلك أن " الخزي" إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، (38) ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو " الخزي".
* * *
وأما قوله: " وما للظالمين من أنصار "، يقول: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه.
-------------------------
الهوامش:
(33) الأثر: 8356 -"أبو حفص الجبيري" ، لم أجده ، والذي يروى عنه أبو جعفر هو عمرو بن علي الفلاس ، "أبو حفص الصيرفي" ، وهو في المخطوطة"الحبرى" غير منقوطة ، ولا أدري أيقرأ"الجبيري" أو "الخيبري" ، ولم أجد هذه النسبة في ترجمة"عمرو بن علي الفلاس" ، . وعمرو بن علي الفلاس يروي عن مؤمل بن إسماعيل كما مضى في مواضع كثيرة منها رقم: 1885 ، 1891 ، 1898 ، وغيرها كثير.
(34) في المطبوعة والمخطوطة ، أسقط"الواو" بين الآيتين ، والصواب إثباتها كما يدل عليه سياق سؤاله ، وجواب الحسن له.
(35) في المطبوعة: "إنك والله لا تستطيع على شيء" ، وهو كلام لا خير فيه ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، غيره الناشرون إذ لم يفهموه. وقوله: "لا تسطو علي بشيء" ، أي: إنك لا تحتج علي بحجة تقهرني بها وتغلبني. وأصله من"السطو" ، وهو البطش والقهر. و"فلان يسطو على فلان" ، أي يتطاول عليه.
(36) الأثر: 8358 -"قبيصة بن مروان بن المهلب" روى عن والان ، وروى عنه حماد بن زيد. مترجم في الكبير 4 / 1 / 177 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 125. والأشعث الحملي" منسوب إلى جده ، وهو: "الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني الأعمى" ويقال: "الأزدي" ، و"حدان" بطن من الأزد. روى عن أنس ، والحسن ، وابن سيرين. وروى عنه شعبة ، وحماد بن سلمة ، ويحيى بن سعيد القطان ، مترجم في التهذيب.
(37) الأثر: 8360 -"الحارث بن مسلم الرازي" مضى برقم: 8097 ، و"بحر السقاء" ، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء" مضى أيضًا برقم: 8097 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "الحارث بن مسلم ، عن يحيى بن عمرو بن دينار" ، وهو خطأ صرف.
وهذا الأثر قد أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 300 ، ولم يقل فيه شيئًا ، وقال الذهبي في تعليقه: "قلت: بحر هالك" ، ورواه بأتم مما هنا ، بيد أن السيوطي في الدر المنثور 2: 111 ، خرجه ، ونسبه للحاكم وابن جرير ، وساق لفظ الأثر بأتم من لفظ أبي جعفر ، ومخالفًا لفظ الحاكم ، ولفظه: "قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة ، فانتهت إليه أنا وعطاء ، فقلت: "وما هم بخارجين من النار"؟ قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار. قلت لجابر: فقوله: إنك من تدخل النار فقد أخزيته..." ، وسائر لفظه مطابق لما في الطبري.
وفي المخطوطة: "حين أحروه بالنار" ، والصواب ما في المطبوعة ، موافقًا لفظ الحاكم والسيوطي. وفي المخطوطة والمطبوعة: "وما إخزاؤه" وهو لا يستقيم ، والصواب ما في الدر المنثور. وقوله: "ما أخزاه" تعجب. والذي في الحاكم"قد أخزاه حين أحرقه بالنار". فهما روايتان تصحح إحداهما معنى الأخرى. ويدل على صواب ذلك ترجيح الطبري لقول جابر في الفقرة التالية.
(38) انظر تفسير"الخزي" فيما سلف 2: 314 ، 525.
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل " المنادي" الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
فقال بعضهم: ا " لمنادي" في هذا الموضع، القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
8361 - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي صلى الله عليه وسلم. (39)
8362 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا منصور بن حكيم، عن خارجة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: ليس كل الناس سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن المنادي القرآن. (40)
* * *
وقال آخرون: بل هو محمد صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك:
8363 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان ": قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.
8364 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول محمد بن كعب، وهو أن يكون " المنادي" القرآن. لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [سورة الجن: 1، 2]
وبنحو ذلك:-
8365 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان " إلى قوله: " وتوفَّنَا مع الأبرار "، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وأما مؤمن الإنس فقال: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا "، الآية.
* * *
وقيل: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، يعني: ينادي إلى الإيمان، كما &; 7-482 &; قال تعالى ذكره: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [سورة الأعراف: 43] بمعنى: هدانا إلى هذا، (41) وكما قال الراجز: (42)
أَوْحَــى لَهــا القَــرَارَ فَاسْـتَقَرَّتِ
وَشَـــدَّهَا بِالرَّاسِـــيَاتِ الثُّبَّــتِ (43)
بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [سورة الزلزلة: 5]
* * *
وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم. (44)
* * *
فتأويل الآية إذًا: ربنا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان= يقول: إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك=" فآمنا ربنا "، يقول: فصدقنا بذلك يا ربنا. =" فاغفر لنا ذنوبنا "، يقول: فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا=" وتوفنا مع الأبرار "، (45) يعني بذلك: واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم.
* * *
و " الأبرار " جمع " بَرَ"، وهم الذين برُّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم. (46)
----------------------------
الهوامش:
(39) الأثر: 8361 -"قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي" مضى برقم: 489 ، 2792 ، وهو ثقة معروف ، أخرج له الستة ، وتكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري: بأنه يخطئ في بعض روايته ، بأنه سمع من الثوري صغيرًا.
و"موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي" ، ضعيف جدا ، مضى برقم: 1875 ، 1876 ، 3291.
(40) الأثر: 8362 -"منصور بن حكيم" ، لم أعرفه ولم أجد له ترجمة ، وكذلك"خارجة" لم أعرف من يكون فيمن اسمه"خارجة" ، وأخشى أن يكون فيهما تصحيف أو تحريف.
(41) انظر ما سلف 1: 169.
(42) هو العجاج.
(43) سلف تخريجهما في 6: 405 ، تعليق: 3.
(44) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 111.
(45) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 111.
(46) وانظر تفسير"البر" فيما سلف 2: 8 / 3: 336 - 338 ، 556 / 4: 425 / 6: 587.
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴿١٩٤﴾
القول في تأويل قوله : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيهم ما وعدهم، وقد علموا أن الله منجز وعده، وغيرُ جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قيل: اختلف في ذلك أهل البحث. (47)
فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج المسألة، ومعناه الخبر. قالوا: وإنما تأويل الكلام: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا: " إن توفيتنا مع الأبرار، فأنجز لنا ما وعدتنا "، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء، (48) ولكنه تفضل بابتدائه، ثم ينجزه. (49)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك قول من قائليه على معنى المسألة والدعاء لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، (50) لا أنهم كانوا قد &; 7-484 &; استحقوا منـزلة الكرامة عند الله في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يُخلف وعده. قالوا: ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسهم، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه. قالوا. وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين.
* * *
وقال آخرون: بل قالوا هذا القول على وجه المسألة، والرغبة منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، فيعجل ذلك لهم. قالوا: ومحال أن يكون القوم= مع وصف الله إياهم بما وصفهم به، كانوا على غير يقين من أن الله لا يخلف الميعاد، فيرغبوا إلى الله جل ثناؤه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعدوا النصرَ، ولم يوقَّت لهم في تعجيل ذلك لهم، لما في تعجَله من سرور الظفر ورَاحة الجسد.
* * *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل [لهم] خزيهم، ولنا الظفر عليهم. (51)
يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا الآيات بعدها. وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيت قولهم في شيء. وذلك أنه غير موجود في كلام العرب أن يقال: " افعل بنا يا رب كذا وكذا "، بمعنى: " لتفعل بنا كذا وكذا ". (52) ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل لآخر (53) : " أقبل إليّ وكلمني"، بمعنى: " أقبل إليّ لتكلمني"، وذلك غير موجود في الكلام ولا معروف جوازه.
وكذلك أيضًا غير معروف في الكلام: "آتنا ما وعدتنا "، بمعنى: " اجعلنا ممن آتيته ذلك ". وإن كان كل من أعطى شيئًا سنيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مثله في المعنى الذي أعطيه. ولكن ليس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إليه. (54)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك (55) = وعجَل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك- ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا. وقد:-
8366 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك "، قال: يستنجز موعود الله على رُسله.
* * *
---------------
الهوامش:
(47) "أهل البحث" ، أهل النظر من المتكلمين ، وانظر ما سلف 5: 387 ، تعليق 2 ، وأيضا: 406 ، تعليق: 1.
(48) في المخطوطة: "بعطية" ، وعلى الياء شدة ، وكأن الصواب ما في المطبوعة على الأرجح.
(49) في المطبوعة: "تفضل بإيتائه" ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني أن الله ابتدأه متفضلا به من غير سؤال ولا دعاء.
(50) في المطبوعة: "بل ذلك قول من قائله" على الإفراد ، وصواب السياق الجمع ، كما في المخطوطة.
(51) في المطبوعة: "فعجل حربهم" ، وفي المخطوطة ، غير منقوطة ، إلا نقطة على الخاء ، وصواب قراءتها ما أثبت. وزدت"لهم" بين القوسين ، استظهارًا من قوله"ولنا الظفر عليهم". ولو كان قوله"ولنا" تصحيف"وآتنا" ، لكان جيدًا أيضًا ، ولما احتاج الكلام إلى زيادة"لهم".
(52) في المطبوعة: "بمعنى أفعل بنا لكذا الذي. ولو جاز ذلك..." ، وهذا خلط ليس له معنى مفهوم. وفي المخطوطة: "بمعنى: افعل بنا كذى الذي. ولو جاز ذلك" ، وهذا خلط أشد فسادًا من الأول. والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته ، لأن هذا رد من أبي جعفر على أصحاب القول الأول الذين قالوا إنها بمعنى: "لتؤتينا ما وعدتنا" في تفسير"وآتنا ما وعدتنا" ، ولأنه مثل بعد بقوله: "أقبل إلي وكلمني" ، أنه غير موجود بمعنى"أقبل إلي لتكلمني".
(53) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يقول القائل الآخر" وهو خطأ لا شك فيه.
(54) وهذا رد على أصحاب القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها قبل. وهم الذين قالوا إن قوله: "وآتنا ما وعدتنا" ، على معنى المسألة والدعاء لله بإن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم.
(55) في المخطوطة: "بأيدينا على من كفر بك" ، وأرجح ما جاء في المطبوعة.
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ﴿١٩٥﴾
القول في تأويل قوله : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين= بما وصف من أدعيتهم أنهم دعوا به (1) = ربُّهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرًا، ذكرًا كان العامل أو أنثى.
* * *
وذكر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بال الرجال يُذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة "؟ فأنـزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية.
8367 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تُذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟ فنـزلت: " أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى "، الآية. (2)
8368 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلا من ولد أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ".
8369 - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أنها &; 7-488 &; قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنـزل الله تعالى: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عملٍ عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ". (3)
* * *
وقيل: " فاستجاب لهم " بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر: (4)
وَدَاٍع دَعَـا يَـا مَـنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى?
فَلَــم يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيبُ (5)
بمعنى: فلم يجبه عند ذاك مجيب.
* * *
وأدخلت " من " في قوله: " من ذكر أو أنثى " على الترجمة والتفسير عن قوله: (6) " منكم "، بمعنى: " لا أضيع عمل عامل منكم "، من الذكور والإناث. وليست " من " هذه بالتي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام في الجحد، (7) لأنها دخلت بمعنى لا يصلح الكلام إلا به.
* * *
وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخل في قولهم: " قد كان من حديث "، قال: و " من " ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله: " لا أضيع ".
* * *
وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال: = لا تدخل " من " وتخرج إلا في موضع الجَحد. (8) وقال: قوله: " لا أضيع عمل عامل منكم "، لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول: " لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت "، فتدخل،" ولا "، (9) لأنه لم ينله الجحد، ولكن " مِنْ" مفسرة. (10)
* * *
وأما قوله: " بعضكم من بعض "، فإنه يعني: بعضكم= أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= من بعض، في النصرة والملة والدين، (11) وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل، على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكرٍ منكم ولا أنثى.
* * *
&; 7-490 &;
القول في تأويل قوله : فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فالذين هاجروا " قومَهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، (12) " وأخرجوا من ديارهم "، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة=" وأوذوا في سبيلي"، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو " سبيل الله " التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها (13) =" وَقَاتَلُوا " يعني: وقاتلوا في سبيل الله =" وقتلوا " فيها (14) =" لأكفرن عنهم سيئاتهم "، يعني: لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم (15) =" ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا "، يعني: جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله (16) =" من عند الله "، يعني: من قبل الله لهم (17) =" والله عنده حسن الثواب "، يعني: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، كما:-
8370 - حدثنا عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: " أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة "، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: " ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا " فيقول الرب جل ثناؤه: " هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي". فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ . (18) [سورة الرعد: 24]
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وقاتلوا وقتلوا ".
* * *
فقرأه بعضهم: ( " وَقَتَلُوا وَقُتِّلُوا " ) بالتخفيف، بمعنى: أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا ) بتشديد " قتَلوا "، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقتَّلهم المشركون، بعضًا بعد بعض، وقتلا بعد قتل.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين: ( وَقَاتَلُوا وَقَتَلُوا ) بالتخفيف، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقَتَلوا.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: " وَقُتِلُوا " بالتخفيف." وقاتلوا "، بمعنى: أن بعضهم قُتِل، وقاتل من بقي منهم.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها، إحدى هاتين القراءتين، وهي: " وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا " بالتخفيف، أو " وَقَتَلُوا " بالتخفيف " وَقَاتَلُوا " لأنها القراءة المنقولة نقل وراثةٍ، وما عداهما فشاذ. وبأيّ هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوَهما، قرأ قارئ فمصيب في ذلك الصوابَ من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قرأة الإسلام، مع اتفاق معنييهما.
------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة"فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم..." وهو كلام لا يستقيم. وفي المخطوطة: "فأجاب الله هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوه به ربهم.." وهو أيضًا غير مستقيم ، والصواب الراجح ما أثبت. لأن الله عدد أدعيتهم التي دعوه بها قبل في الآيات السالفة ، فكان صوابًا أن يذكرها إجمالا في بيان تفسير الآية. وغير مستقيم في العربية أن يقال: "وصف عن فلان كذا" ، فلذلك رجحت قراءتها كما أثبت. والناسخ كما ترى كثير السهو والغلط.
وسياق الكلام"فأجاب هؤلاء الداعين... ربهم" برفع"ربهم" ، وما بينهما فصل في السياق ، وهو تأويل قوله: "فاستجاب لهم ربهم".
(2) الحديث: 8367 - هذا إسناد صحيح. ومؤمل: هو ابن إسماعيل ، وهو ثقة ، كما ذكرنا في: 2057.
سفيان - هنا - : هو الثوري ، وإن كان مؤمل يروى أيضا عن ابن عيينة. ولكن بين أنه الثوري في رواية الحاكم ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.
والحديث رواه الطبري أيضا ، فيما يأتي في تفسير الآية: 25 من سورة الأحزاب (ج22 ص8 بولاق) ، عن ابن حميد ، عن مؤمل ، بهذا الإسناد. وذكره سببًا لنزول تلك الآية.
والحديث مروي على أنه سبب في نزول هذه الآية وتلك.
فرواه الحاكم في المستدرك 2: 416 ، من طريق الحسين بن حفص ، عن سفيان بن سعيد [وهو الثوري] ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة ، قالت: "قلت: يا رسول الله ، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فأنزل الله عز وجل: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" الآية ، وأنزل: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
والحسين بن حفص الهمداني الإصبهاني: ثقة ، كما ذكرنا في شرح: 2435.
وقد ذكر ابن كثير رواية الطبري الأخرى ، في سورة الأحزاب 6: 533 ، غير منسوب.
ورواه أحمد في المسند 6: 301 (حلبى) ، سببًا لنزول آية الأحزاب. رواه من وجهين ، جمعهما في إسناد واحد: من رواية عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، ومن رواية عبد الرحمن بن شيبة المكي الحجبي = كلاهما عن أم سلمة.
ثم أعاده مرة أخرى ، ص: 305 من الوجهين ، فرقهما إسنادين.
ورواه المزي في تهذيب الكمال ، في ترجمة"عبد الرحمن بن شيبة" ، بإسناده إليه.
وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن النسائي رواه في التفسير من طريق عبد الرحمن. فهو في السنن الكبرى.
ورواه الطبري ، فيما سيأتي (ج22 ص8 بولاق) ، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أم سلمة - سببًا لنزول آية الأحزاب.
ويحيى بن عبد الرحمن: تابعي ثقة جليل رفيع القدر.
وذكر ابن كثير 6: 533 أنه رواه النسائي من طريقه ثم أشار إلى رواية الطبري إياه.
وانظر أيضا الدر المنثور 5: 200.
فالحديث في الموضعين في الطبري ، من طريق مجاهد = مختصر.
وانظر الروايتين التاليتين لهذا.
(3) الحديثان: 8368 ، 8369 - الرجل من ولد أم سلمة: أبهم هنا ، ولكنه عرف من إسناد آخر.
وكذلك ذكره الترمذي في روايته مبهمًا.
فرواه 4: 88 ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بهذا الإسناد.
وكذلك أبهمه سعيد بن منصور: فرواه عن سفيان ، به. فيما نقله عنه ابن كثير في التفسير 2: 326.
وبينه الحاكم في المستدرك.
فرواه 2: 300 ، من طريق يعقوب بن حميد: "حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سلمة بن أبي سلمة: رجل من ولد أم سلمة ، عن أم سلمة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ، ولم يخرجاه. سمعت أبا أحمد الحافظ - وذكر في بحثين في كتاب البخاري: يعقوب عن سفيان ، ويعقوب عن الدراوردي = فقال أبو أحمد: هو يعقوب بن حميد". والذهبي وافق الحاكم على أنه على شرط البخاري.
ويعقوب بن حميد بن كاسب: مضى توثيقه في: 4779 ، 4880 ، ومضى اعتراض الذهبي على الحاكم في تصحيح حديثه هناك. فالعجب أن يوافقه هنا!
و"سلمة بن أبي سلمة" هذا: هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة" ، نسب إلى جده الأعلى. وبعضهم يذكر نسبه كاملا ، وبعضهم ينسبه لجده ، يقول: "سلمة بن عمر بن أبي سلمة". وأم سلمة أم المؤمنين: هي أم جده"عمر بن أبي سلمة".
و"سلمة" هذا: مترجم في تهذيب التهذيب ، ولم يترجم في أصله"تهذيب الكمال". وله ترجمة في الكبير للبخاري 2 / 2 / 81 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 166.
والحديث ذكره السيوطي 2: 112 ، دون التقيد بتابعي معين عن أم سلمة ، وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني.
(4) كعب بن سعد الغنوي.
(5) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 1: 320 ، تعليق: 1 / 3: 483 ، تعليق: 1.
(6) "الترجمة": البدل ، كما سلف في 2: 340 ، تعليق: 1 ، ص: 374 ، 420 ، 424 - 426. أما "التفسير" ، فكأنه عنى به"التبيين" ، ولم يرد التمييز ، وانظر فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء السالفة.
(7) انظر زيادة"من" في الجحد فيما سلف 2: 126 ، 127 ، 442 ، 470 / 5: 586.
(8) انظر ما سلف 2: 127.
(9) في المطبوعة"فيدخل" بالياء ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها.
(10) يعني بقوله"مفسرة" مبينة ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .
(11) في المطبوعة: "والمسألة والدين" ، والصواب من المخطوطة.
(12) انظر تفسير"هاجر" فيما سلف 4: 317 ، 318.
(13) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف 3: 563 ، 583 ، 592 / 4: 318 / 5: 280 / 6: 230.
(14) في المطبوعة والمخطوطة: "وقتلوا: يعني ، وقتلوا في سبيل الله ، وقاتلوا فيها" قدم وأخر في سياق الآية ، وفي سياقة المعنى ، والصواب ما أثبت ، وإن كانت إحدى القراءات تجيز ما كان في المخطوطة ، وانظر القراآت في الآية بعد.
(15) انظر تفسير"التكفير" فيما سلف قريبًا ص: 482.
(16) انظر تفسير"الثواب" فيما سلف 2: 458 / 7: 262 ، 304.
(17) انظر تفسير"عند" فيما سلف 2: 501.
(18) الحديث: 8370 - أبو عشانة ، بضم العين المهملة وتشديد الشين المعجمة ، المعافري ، بفتح الميم: هو حي بن يؤمن بن عجيل المصري. تابعي ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 110 ، وابن سعد 7 / 2 / 201 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 276.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2: 71- 72 ، من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب -وهو عبد الله- بهذا الإسناد ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ورواه أيضا الطبراني ، من طريق أحمد بن صالح ، عن ابن وهب - فيما نقل عنه ابن كثير 4: 519
ورواه أحمد في المسند ، بنحوه: 6570 ، من طريق معروف بن سويد الجذامي ، عن أبي عشانة المعافري.
ثم رواه - بنحوه أيضًا: 6571 ، من طريق ابن لهيعة ، عن أبي عشانة.
ورواه أبو نعيم في الحلية - مختصرًا - من طريق معروف بن سويد 1: 347. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 259 ، من روايتي المسند ، وذكر في الأولى أنه رواه أيضًا البزار ، والطبراني ، "ورجالهم ثقات". وذكر في الثانية أنه رواه أيضًا الطبراني ، "ورجال الطبراني رجال الصحيح ، غير أبي عشانة ، وهو ثقة". وذكره السيوطي 2: 112 ، ونسبه لابن جرير ، وأبي الشيخ ، والطبراني والحاكم"وصححه" ، والبيهقي في الشعب.
ثم ذكره مرة أخرى 4: 57- 58 ، ونسبه لأحمد ، والبزار ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، والحاكم"وصححه" ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية ، والبيهقي في شعب الإيمان.
ولم يذكره ابن كثير في هذا الموضع ، بل ذكره في ذاك الموضع ، في تفسير سورة الرعد ، كما أشرنا إليه.
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ﴿١٩٦﴾
القول في تأويل قوله : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولا يغرنك " يا محمد= (تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) ، يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، (19) كما:-
8371 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) ، يقول: ضربهم في البلاد.
* * *
= فنهى الله تعالى ذكره نبيّه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره. وخرج الخطاب بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله= ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا. (20)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة.
8372 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) ، والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك.
-------------------
الهوامش :
(19) انظر تفسير"التقلب" فيما سلف 3: 172.
(20) أخشى أن يكون سقط من هذه العبارة شيء ، وإن كان الكلام مفهوم المعنى ، وكأن أصل العبارة"كما قد بينا فيما مضى قبل - ولم يكل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الشرك والكفر شيئًا من أمر الله ، ولكن كان بأمر الله صادعًا ، وإلى الحق داعيًا".
مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴿١٩٧﴾
وأما قوله: " متاع قليل "، فإنه يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم=" ثم مأواهم جهنم "، بعد مماتهم.
* * *
و " المأوى ": المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه. (21)
* * *
ويعني بقوله: " وبئس المهاد ". وبئس الفراش والمضجع جهنم. (22)
-----------------
الهوامش :
(21) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف ص: 279.
(22) انظر تفسير"المهاد" فيما سلف 4: 246 / 6: 229.
لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴿١٩٨﴾
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (198)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (23) " لكن الذين اتقوا ربهم "، لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه=" لهم جنات " يعني: بساتين، (24) =" تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها "، يقول: باقين فيها أبدًا. (25) =" نـزلا من عند الله "، يعني: إنـزالا من الله إياهم فيها، أنـزلوها.
ونصب " نـزلا " على التفسير من قوله: " لهم جنات تجري من تحتها الأنهار "، كما يقال: " لك عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا "، وكما يقال: " هو لك صدقة ": و " هو لك هبة ". (26)
* * *
= وقوله: " من عند الله " يعني: من قبل الله، (27) ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم.
* * *
وقوله: " وما عند الله خير للأبرار "، يقول: وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، " خير للأبرار "، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - (28) وهم أهل طاعته (29) باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل.
* * *
8373 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " وما عند الله خير للأبرار "، قال: لمن يطيع الله.
8374 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، عن عبد الله قال: ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله: " وما عند الله خير للأبرار "، وقرأ هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ . (30) [سورة آل عمران: 178]
8375 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: " وما عند الله خير للأبرار "، ويقول: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا . (31)
-----------------------
الهوامش :
(23) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(24) انظر تفسير"الجنة" فيما سلف 1: 384 / 5: 535 ، 542 / 6: 261 ، 262 / 7: 227.
(25) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف 6: 261: 262 تعليق: 1 ، والمراجع هناك ، وفهارس اللغة.
(26) "التفسير" ، عند الكوفيين ، هو التمييز عند البصريين ، وانظر ما سلف 2: 338 ، تعليق: 1 / 3: 90 ، تعليق: 2 / 5: 91 ، تعليق: 4 وانظر معاني القرآن للفراء 1: 251.
(27) انظر تفسير"عند" فيما سلف قريبًا ص: 490 ، تعليق 6 ، والمراجع هناك.
(28) في المطبوعة: "وما عند الله خير من كرامته للأبرار" ، وهو فاسد المعنى ، وكان مثله في المخطوطة ، إلا أنه ضرب على"خير" بإشارة الحذف ، ولكن الناشر لم يدرك معنى الإشارة فأبقاها. فأفسدت الكلام.
(29) انظر تفسير"الأبرار" فيما سلف قريبًا ص: 482 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.
(30) الحديث: 8374 - مضى برقم: 8267 ، عن محمد بن بشار ، عن عبد الرحمن -وهو ابن مهدي- عن سفيان.
ورواه ابن أبي حاتم ، من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش كما نقله ابن كثير عنه 2: 328.
(31) الحديث-: 8375 - فرج بن فضالة: ضعيف ، كما بينا في: 1688.
لقمان: هو ابن عامر الوصابي الحمصي. وهو ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 251 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 182- 183. ولم يذكرا فيه جرحا.
و"الوصابي": بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة ، كما ضبطه ابن الأثير في اللباب ، والذهبي في المشتبه ، ووهم الحافظ ابن حجر ، فضبطه في التقريب بتخفيفها.
والحديث ذكره ابن كثير 2: 328 - 329 ، عن هذا الموضع من الطبري. ووقع في طبعته"نوح ابن فضالة" بدل"فرج بن فضالة" ، وهو خطأ مطبعي سخيف.
وذكره السيوطي 2: 104 ، عند الآية السابقة: 178 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر.
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿١٩٩﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها أصحمة النجاشي، وفيه أنـزلت.
* ذكر من قال ذلك:
8376 - حدثنا عصَام بن رواد بن الجراح قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو بكر الهذليّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله: أن &; 7-497 &; النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اخرجوا فصلوا على أخ لكم ". فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: " هذا النجاشي أصحمة "، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! (32) فأنـزل الله: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ". (33)
8377 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: يصلَّى على رجل ليس بمسلم! قال: فنـزلت: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله ". قال قتادة: فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة! فأنـزل الله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة: 115]
8378 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، ذكر &; 7-498 &; لنا أن هذه الآية نـزلت في النَّجاشي، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وصدَّقوا به. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته، قال لأصحابه: " صلّوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم "! فقال أناس من أهل النفاق: " يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه "؟ فأنـزل الله هذه الآية: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ".
8379 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، قال: نـزلت في النجاشي وأصحابه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم = واسم النجاشي، أصحْمة.
8380 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الرزاق، وقال ابن عيينة: اسم النجاشي بالعربية: عطية.
8381 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، طعن في ذلك المنافقون، فنـزلت هذه الآية: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله "، إلى آخر الآية.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك عبد الله بن سَلامٍ ومن معه.
* ذكر من قال ذلك:
8382 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: نـزلت -يعني هذه الآية- في عبد الله بن سلام ومن معه.
8383 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في &; 7-499 &; قوله: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، الآية كلها= قال: هؤلاء يهود.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك مُسْلِمة أهل الكتاب.
* ذكر من قال ذلك:
8384 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم "، من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد. وذلك أنّ الله جل ثناؤه عَمّ بقوله: " وإنّ من أهل الكتاب " أهلَ الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى. وإنما أخبر أن من " أهل الكتاب " من يؤمن بالله. وكلا الفريقين =أعني اليهود والنصارى= من أهل الكتاب.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في الخبر الذي رويتَ عن جابر وغيره: أنها نـزلت في النجاشي وأصحابه؟
قيل: ذلك خبر في إسناده نظر. ولو كان صحيحًا لا شك فيه، لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف. (34) وذلك أنّ جابرًا ومن قال بقوله، إنما قالوا: " نـزلت في النجاشيّ"، وقد تنـزل الآية في الشيء، ثم يعم بها كل من كان في معناه. فالآية وإن كانت نـزلت في النجاشيّ، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشيّ، حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيّ في اتباعهم &; 7-500 &; رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتصديق بما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك من اتباع أمر الله فيما أمر به عباده في الكتابين، التوراة والإنجيل.
* * *
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: " وإن من أهل الكتاب " التوراة والإنجيل=" لمن يؤمن بالله " فيقرّ بوحدانيته=" وما أنـزل إليكم "، أيها المؤمنون، يقول: وما أنـزل إليكم من كتابه ووحيه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم=" وما أنـزل إليهم "، يعني: وما أنـزل على أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنجيل والزبور=" خاشعين لله "، يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين، (35) كما:-
8385 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في قوله: " خاشعين لله "، قال: الخاشع، المتذلل لله الخائف.
* * *
ونصب قوله: " خاشعين لله "، على الحال من قوله: " لمن يؤمن بالله "، وهو حال مما في" يؤمن " من ذكر " من ". (36)
* * *
=" لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا "، يقول: لا يحرِّفون ما أنـزل إليهم في كتبه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، (37) ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنـزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم.
* * *
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه (38) " أولئك لهم أجرهم "، هؤلاء الذين يؤمنون بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم=" لهم أجرهم عند ربهم "، يعني: لهم عوض أعمالهم التي عملوها، وثواب طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه (39) =" عند ربهم " يعني: مذخور ذلك لهم لديه، حتى يصيروا إليه في القيامة، فيوفِّيهم ذلك =" إنّ الله سريع الحساب "، وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء، فلذلك قال: " إن الله سريع الحساب ". (40)
---------------------
الهوامش :
(32) "العلج": الرجل من كفار العجم ، غير العرب ، والجمع"علوج" و"أعلاج".
(33) الحديث: 8376 - عصام بن رواد بن الجراح: مضت ترجمته وتوثيقه: 2183. وقع هنا في المطبوعة"عصام بن زياد بن رواد بن الجراح"؛ فزيادة اسم"زياد" في نسبه لا أصل لها. وثبت في المخطوطة بحذفها ، على الصواب.
أبوه"رواد بن الجراح": مضت ترجمته وتضعيفه: 126 ، 2183.
أبو بكر الهذلي: سبق بيان ضعفه جدًا ، في: 597 ، وشرح: 2526.
وهذا الحديث ذكره السيوطي 2: 113 ، ولم ينسبه لغير الطبري.
وذكره ابن كثير 2: 330 ، عن الطبري ، ولكن في روايته خلاف في بعض لفظه لما هنا ، ولم يذكر أول إسناده. فلعله نقله عن موضع آخر من الطبري.
وهذا الحديث ضعيف كما ترى ، وسيأتي قول الطبري ، ص: 499 س: 15"قيل: ذلك خبر في إسناده نظر".
والضعف إنما هو في هذا الإسناد لحديث جابر ، أما أصل المعنى ، في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي صلاة الجنازة الغائبة ، فإنه ثابت صحيح لا شك في صحته. رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر ، ومن حديث أبي هريرة. انظر المنتقى: 1821 - 1824.
(34) في المطبوعة: "خلاف" ، والصواب ما في المخطوطة. وقوله: "بخلاف" ، أي بمخالف.
(35) انظر تفسير"الخشوع" فيما سلف 2: 16 ، 17.
(36) انظر معاني القرآن للفراء 1: 251.
(37) انظر تفسير"الاشتراء" وتفسير"الثمن" فيما سلف قريبًا: 459 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(38) في المطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(39) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف 2: 148 ، 512 / 5: 519.
(40) انظر تفسير"سريع الحساب" فيما سلف 4: 207 / 6: 279.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: " اصبروا على دينكم وصابروا الكفار ورَابطوهم ".
ذكر من قال ذلك:
8386 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، &; 7-502 &; عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه سمعه يقول في قول الله: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، ولا يدعوه لشدة ولا رخاء ولا سَرَّاء ولا ضراء، وأمرهم أن يُصابروا الكفار، وأن يُرابطوا المشركين.
8387 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا "، أي: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله=" واتقوا الله لعلكم تفلحون ".
8388 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، يقول: صابروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله.
8389 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله.
8390 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: اصبروا على ما أمرتم به، وصابروا العدو ورابطوهم.
* * *
&; 7-503 &;
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على دينكم، وصابروا وَعدي إياكم على طاعتكم لي، ورَابطوا أعداءكم.
* ذكر من قال ذلك:
8391 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، يقول: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. (41)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم ورابطوهم.
* ذكر من قال ذلك:
8392 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم.
8393 - حدثني المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد الله المدنّي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، فذكر له جموعًا من الروم وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما نـزل بعبد مؤمن من منـزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عُسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورَابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ". (42)
* * *
وقال آخرون: معنى: " ورابطوا "، أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدة بعد واحدة.
ذكر من قال ذلك:
8394 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال، حدثني داود بن صالح قال، قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نـزلت هذه الآية: " اصبروا وصابروا ورابطوا "؟ قال قلت: لا! قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. (43)
8395 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط". (44)
8396 - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن مهاجر قال، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، &; 7-506 &; عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفِّر به الذنوب؟" قال: قلنا: بلى يا رسول الله! قال: " إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط ". (45)
8397 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يحطُّ الله به الخطايا ويَرفع به &; 7-507 &; الدرجات؟" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: " إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط". (46)
8398 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. (47)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال في ذلك: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله،=" اصبروا " على دينكم وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني" الصبر " على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنـزيل. فلذلك قلنا إنه عني بقوله: " اصبروا "، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها. (48)
=" وصابروا "، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين.
* * *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في" المفاعلة " أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم. (49)
* * *
وكذلك قوله: " ورابطوا "، معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله.
* * *
قال أبو جعفر: ورأى أن أصل " الرباط"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما &; 7-509 &; ارتبط عدوهم لهم خيلهم، (50) ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له. (51)
* * *
وإنما قلنا معنى: " ورابطوا "، ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني" الرباط". وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه= حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل. (52)
* * *
القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: " واتقوا الله "، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه (53) =" لعلكم تفلحون "، يقول: لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده، (54) كما:-
&; 7-510 &;
8399 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في قوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني.
* * *
آخر تفسير سورة آل عمران. (55)
* * *
---------------
الهوامش:
(41) الأثر: 8391 -"أبو صخر" هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق ، أبو صخر الخراط ، صاحب العباء ، سكن مصر. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
(42) الأثر: 8393 -"مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالي ، المدني ، مولى ميمونة أم المؤمنين ، وأمه أخت مالك بن أنس ، روى عن خاله مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وعبد الله بن عمر العمري ، وغيرهم. روى عنه البخاري والترمذي ، عن محمد بن أبي الحسن عنه وابن ماجه ، عن الذهلي عنه ، والربيع المرادي ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة وآخرون. قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث صدوق". وقال= ابن سعد"كان ثقة ، وبه صمم". مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 397 ، والجرح 4 / 1 / 315. وكان في المطبوعة: "المرى" ، وفي المخطوطة مثلها ، وتقرأ"المزني" والصواب"المدني" أو "المديني" في نسبه كما جاء في المراجع ، وابن كثير 2: 337.
وفي ابن كثير 2: 337: "مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة" ، وفي الدر المنثور 2: 114"مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة" ، وفي المطبوعة والمخطوطة: "مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة" ، بحذف"من" والصواب إثباتها.
ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن"مهما" لا تدخل على الماضي ، وقد وردت في الآثار والأخبار والأشعار ، من ذلك قول أبي هريرة للفرزدق: "مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله" (الكامل 1: 70) وقول الأسود بن يعفر (نوادر أبي زيد: 159):
أَلا هَــلْ لِهَـذَا الدَّهْـرِ مِـنْ مُتَعَلَّـلِ
سِـوَى النَّـاسِ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ
وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا في المستدرك 2: 300 بإسناده قال:
"أخبرنا أبو العباس السباريّ ، حدثنا عبد الله بن علي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم ، وقد تألّبَ عليه القوم ، فكتب إليه عمر: "سلام الله عليك ، أمّا بعد ، فإنه ما ينزلْ بعبد مؤمن من منزلة شدة ، إلا يجعل الله له بعدها فرجًا ، ولن يغلب عُسْرٌ يُسْرين ، (يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
فكتب إليه أبو عبيدة: "سلامٌ عليك ، أما بعد ، فإن الله يقول في كتابه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأوْلادِ) - إلى آخرها".
قال: فخرج عمر بكتابه ، فقعد على المنبر ، فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهْل المدينة ، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة: أَنِ ارغبوا في الجهادِ".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
(43) الأثر: 8394 -"مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير" ، مضت ترجمته برقم: 6456. و"داود بن صالح التمار المدني" ، . روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، والقاسم ، وسالم ، وأبي سلمة. قال أحمد: "لا أعلم به بأسًا" ، وذكره ابن حبان في الثقات ، مترجم في التهذيب. و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" من التابعين ، روى عن خلق من الصحابة والتابعين. كان ثقة فقيها كثير الحديث.
والأثر خرجه ابن كثير في تفسيره 2: 332 ، وذكر سياق ابن مردويه له (2: 331) من طريق"محمد بن أحمد ، حدثنا موسى بن إسحاق ، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي ، أنبأنا ابن أبي كريمة ، عن محمد بن يزيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل على أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية" ، وساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ورواه الحاكم في المستدرك 2: 301 من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن المبارك ، بمثل رواية الطبري ، إلا أنه قال في جواب السؤال: "قال: قلت: لا. قال: يا ابن أخي إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي..." بلفظه.
وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 113 ، ونسبه لابن المبارك وابن المنذر ، والحاكم ، وصححه ، والبيهقي في شعب الإيمان.
وفي جميع هذه المواضع: "انتظار الصلاة بعد الصلاة" ، والثابت في المخطوطة"خلف الصلاة" ، وكان الكاتب قد كتب فيها"بعد" ثم جعل الباء والعين خاء ، ومد الدال وعقد عليها فاء ، فالظاهر أنه كتبها كما كان يحفظها ، ثم استدرك ، لأنه رأى في النسخة التي كتب عنها"خلف".
(44) الحديث: 8395 - أبو السائب: هو سلم بن جنادة. وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان.
عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: ضعيف جدا ، رمي بالكذب. وقد مضى في: 7855.
شرحبيل: لست أدري من هو؟ والإسناد ضعيف من أجل عبد الله بن سعيد ، كما ترى.
ولو صح هذا الإسناد لظننت أنه"شرحبيل بن السمط الكندى" ، من كبار التابعين ، مختلف في صحبته. وهو معاصر لعلي. ومن المحتمل أن يروي عنه أبو سعيد المقبري ، الذي يروي عن علي مباشرة.
والحديث نقله ابن كثير 2: 332 ، عن هذا الموضع. ولم ينسبه لغير الطبري. وأشار إليه السيوطي 2: 114 ، بعد حديث جابر ، الآتي بعد هذا ، فقال: "وأخرج ابن جرير عن علي مثله".
ومعنى الحديث ثابت عن علي ، من وجه آخر صحيح. ولكن ليس فيه قوله: "فذلك الرباط" - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 36 ، وقال: "رواه أبو يعلى ، والبزار ، ورجاله رجال الصحيح".
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 97 ، وقال: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. والحاكم ، وقال: صحيح على شرط مسلم".
(45) الحديث: 8396 - محمد بن مهاجر بن أبي مسلم ، الأنصاري الشامي: ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما. مترجم في التهذيب. والكبير للبخاري 1 / 1 / 229 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 91.
يحيى بن يزيد الجزري ، أبو شيبة الرهاوي: قال البخاري في الكبير 4 / 2 / 310: "لم يصح حديثه" وذكره في الضعفاء أيضا ، ص: 37 ، وقال مثل ذلك. وقال ابن أبي حاتم 4 / 2 / 198 ، عن أبيه: "ليس به بأس ، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء ، يحول من هناك".
فمثل هذا حديثه حسن. ثم هو لم ينفرد براوية هذا الحديث ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.
زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. قال ابن سعد 7 / 2 / 180: "كان ثقة كثير الحديث ، فقيها راوية للعلم". أخرج له الجماعة كلهم.
شرحبيل -هنا-: هو ابن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار. مختلف فيه ، والحق أنه ثقة. إلا أنه اختلط في آخر عمره ، إذ جاوز المئة. وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: 2104 ، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 252 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن سعد 5: 228 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 338- 339.
وقد بين ابن حبان في صحيحه ، في رواية هذا الحديث ، أنه شرحبيل بن سعد.
والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (2: 330 من مخطوطة الإحسان) ، من طريق أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، به.
وأبو عبد الرحيم: هو خالد بن أبي يزيد الحراني ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. فروايته متابعة صحيحة ، توثق رواية يحيى بن يزيد ، التي هنا ، وتؤيدها.
والحديث نقله ابن كثير 2: 332 ، عن رواية الطبري هذه.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 160- 161 ، عن رواية ابن حبان في صحيحه ، وأشار إليه أيضا قبل ذلك ، ص: 128.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 37 ، ونسبه للبزار ، وذكر أن"في إسناده شرحبيل بن سعد ، وهو ضعيف عند الجمهور ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج له في صحيحه هذا الحديث".
وذكره السيوطي 2: 114 ، ونسبه لابن جرير ، وابن حبان.
(46) الحديث: 8397 - خالد بن مخلد: هو القطواني. ومحمد بن جعفر: هو ابن أبي كثير. وقد مضى مثل هذا الإسناد في حديث آخر: 2206.
والحديث رواه أحمد في المسند: 7208 ، من طريق شعبة ، عن العلاء ، عن أبيه ، دون كلمة"فذلك" الرباط".
ورواه أحمد أيضا: 7751 ، مع هذه الكلمة - من طريق مالك عن العلاء.
ثم رواه ثالثًا: 8008 ، (ج2 ص303 حلبي) ، من طريق مالك أيضًا. وفي آخره: "فذلكم الرباط" - ثلاث مرات.
وهو بهذا اللفظ ، في الموطأ ، ص: 161.
وكذلك رواه النسائي 1: 34 ، من طريق مالك.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (2: 329- 330 من مخطوطة الإحسان) ، من طريق مالك.
ونقله ابن كثير 2: 331 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من حديث مالك ، كرواية الموطأ.
ورواه مسلم 1: 86 ، من طريق مالك ، ومن طريق شعبة. وذكر أن رواية مالك -عنده-"فذلكم الرباط" مرتين.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 97 ، 128 ، ونسبه لمالك ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي.
وذكره السيوطي 2: 114 ، وزاد نسبته للشافعي ، وعبد الرزاق.
وانظر الإسناد التالي لهذا.
(47) الحديث: 8398 - القاسم: هو ابن الحسن ، والحسين: هو ابن داود المصيصي ، ولقبه"سنيد".
وهذا الإسناد"القاسم ، عن الحسين" يدور عند الطبري كثيرًا ، في التفسير والتاريخ ، فما مضى منه في التفسير: 144 ، 165 ، 1688. وفي التاريخ -مثلا- 1: 21 ، 41.
أما "سنيد" فقد ترجمنا له في: 144 ، 1688.
وأما "القاسم بن الحسن" - شيخ الطبري: فلم أجد له ترجمة. ولكن في تاريخ بغداد 12: 432- 433 ترجمة"القاسم بن الحسن بن يزيد ، أبو محمد الهمذاني الصائغ" ، المتوفى سنة 272. فهذا يصلح أن يكون هو المراد ، ولكن لا أطمئن إلى ذلك ، ولا أستطيع الجزم به ، بل لا أستطيع ترجيحه.
وعسى أن نجد ما يدل على حقيقة هذا الشيخ ، في فرصة أخرى ، إن شاء الله.
إسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري القارئ ، وهو ثقة مأمون. مضت الإشارة إليه في شرح: 6884.
وهذا الحديث تكرار لما قبله.
وكذلك رواه مسلم 1: 86 ، والترمذي. (رقم: 51 بشرحنا) = كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر. ورواه الترمذي أيضا: 52 ، من طريق الدراوردي ، عن العلاء. وقال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح".
(48) انظر تفسير"الصبر" فيما سلف 2: 11 ، 124 / 3: 214 ، 349 / 5: 352 / 6: 264 / 7: 181.
(49) في المطبوعة: "وإلا يكن عددهم" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
(50) في المخطوطة: "كما ارتبط عددهم لهم حملهم" ، ولعل صواب قراءتها"جيادهم" ، ولكني تركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو صواب حسن.
(51) "الرجلة" (بضم الراء وسكون الجيم): المشي راجلا غير راكب.
(52) قوله: "حجة" ، فاعل قوله: "حتى تأتي بخلاف ذلك..". وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه..." ، والصواب"مما يوجب" كما أثبتها ، وفي المطبوعة أيضا: "إلى الخفي من معاينة" ، وهو خطأ ظاهر.
(53) في المطبوعة: "وتتقدموا" بالواو ، والصواب من المخطوطة. وقوله: "تتقدموا نهيه" هكذا جاء متعديا ، وكأنه أراد: أو تسبقوا نهيه ، وسبقهم نهيه. أن يخاطروا بالإسراع إلى المحارم بشهواتهم ، قبل أن يردهم نهي الله عن إتيانها.
(54) انظر تفسير"لعل" فيما سلف 1: 364 ، 365 ، ومواضع أخرى كثيرة. وانظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 1: 249 ، 250 / 3: 561 / 7: 91.
(55) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه:
"يتلوه القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا"
ثم يتلوه ما أثبتناه في أول تفسير سورة النساء.