تفسير الطبري
· النساءافتح في القارئيَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾
القول في تأويل قوله عز وجل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة "، احذروا، أيها الناس، ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به.
ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، مُعَرِّفًا عباده كيف كان مُبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، (1) ومنبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة= وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة= وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب &; 7-514 &; الأدنى= (2) وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذُل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له، فقال: " الذي خلقكم من نفس واحدة "، يعني: من آدم، كما:-
8400 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا " خلقكم من نفس واحدة "، فمن آدم عليه السلام. (3)
8401 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة "، يعني آدم صلى الله عليه. (4)
8402 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " خلقكم من نفس واحدة "، قال: آدم.
* * *
ونظير قوله: " من نفس واحدة "، والمعنيُّ به رجل، قول الشاعر.
أَبُــوكَ خَلِيفَــةٌ وَلدَتْــهُ أُخْــرَى
وَأَنْـــتَ خَلِيفَـــةٌ, ذَاكَ الكَمَــالُ (5)
فقال،" ولدته أخرى "، وهو يريد " الرجل "، فأنّث للفظ " الخليفة ". وقال تعالى ذكره: " من نفس واحدة " لتأنيث " النفس "، والمعنى: من رجل واحد. ولو قيل: " من نفس واحد "، وأخرج اللفظ على التذكير للمعنى، كان صوابًا. (6)
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وخلق منها زوجها "، وخلق من النفس الواحدة زوجها= يعني بـ" الزوج "، الثاني لها. (7) وهو فيما قال أهل التأويل، امرأتها حواء.
* ذكر من قال ذلك:
8403 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وخلق منها زوجها "، قال: حواء، من قُصَيري آدم وهو نائم، (8) فاستيقظ فقال: " أثا "= بالنبطية، امرأة.
8404 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
8405 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وخلق منها زوجها "، يعني حواء، خلقت من آدم، من ضِلَع من أضلاعه.
8406 - حدثني موسى بن هارون قال، أخبرنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أسكن آدمَ الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها. (9) فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ. (10)
8407 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ألقي على آدم صلى الله عليه وسلم السَّنة -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبدالله بن العباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه، من شِقٍّه الأيسر، ولأم مكانه، (11) وآدم نائمٌ لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضِلَعه تلك زوجته حواء، فسوَّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِفت عنه السِّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون، والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي! فسكن إليها. (12)
8408 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وخلق منها زوجها ". جعل من آدم حواء.
* * *
وأما قوله: " وبثَّ منهما رجالا كثيرًا ونساء "، فإنه يعني: ونشر منهما، يعني من آدم وحواء=" رجالا كثيرًا ونساء "، قد رآهم، كما قال جل ثناؤه: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [سورة القارعة: 4]. (13)
* * *
يقال منه: " بثَّ الله الخلق، وأبثهم ". (14)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
8409 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء "، وبثَّ، خلق.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: " تَسَّاءَلونَ" بالتشديد، بمعنى: تتساءلون، ثم أدغم إحدى " التاءين " في" السين "، فجعلهما " سينًا " مشددة.
* * *
وقرأه بعض قرأة الكوفة: " تَسَاءَلُونَ"، بالتخفيف، على مثال " تفاعلون "،
* * *
وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان= أعني التخفيف والتشديد في قوله: " تساءلون به "= وبأيِّ ذلك قرأ القارئ أصابَ الصواب فيه. لأن معنى ذلك، بأيّ وجهيه قرئ، غير مختلف.
* * *
وأما تأويله: واتقوا الله، أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضًا سأل به، فقال السائل للمسئول: " أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزِم عليك بالله "، وما أشبه ذلك. يقول تعالى ذكره: فكما تعظّمون، أيها الناس، رّبكم بألسنتكم حتى تروا أنّ من أعطاكم عهده فأخفركموه، (15) فقد أتى عظيمًا. فكذلك فعظّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، كما:-
8410 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، قال يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به.
8411 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.
8412 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس مثله.
8413 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " تساءلون به "، قال: تعاطفون به.
* * *
وأما قوله: " والأرحام "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضهم: معناه: واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم قال السائل للمسئول: " أسألك به وبالرّحِم "
ذكر من قال ذلك:
8414 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم.
8415 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو كقول الرجل: " أسألك بالله، أسألك بالرحم "، يعني قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ".
8416 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: " أسألك بالله وبالرحم ".
8417 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو كقول الرجل: " أسألك بالرحم ".
8418 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: " أسألك بالله وبالرحم ".
8419 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن منصور -أو مغيرة- عن إبراهيم في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: هو قول الرجل: " أسألك بالله والرحم ".
8420 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن قال: هو قول الرجل: " أنشدك بالله والرحم ".
* * *
قال محمد: (16) وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله: " وَالأرْحَامِ" بالخفض عطفًا بـ" الأرحام "، على " الهاء " التي في قوله: " به "، كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام= فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب، لأنها لا تَنسُق بظاهر على مكني في الخفض، (17) إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر. (18) وأما الكلام، فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق، والرديء في الإعراب منه. ومما جاء في الشعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض، قول الشاعر: (19)
نُعَلِّـقُ فِـي مِثْـلِ السَّـوَارِي سُـيُوفَنَا
وَمَـا بَيْنَهَـا والكَـعْبِ غُـوطٌ نَفَـانِفُ (20)
فعطف بـ" الكعب " وهو ظاهر، على " الهاء والألف " في قوله: " بينها " وهي مكنية.
* * *
وقال آخرون: تأويل ذلك:واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
* ذكر من قال ذلك:
8421 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.
8422 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا "، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اتقوا الله، وصلُوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة.
8423 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها.
8424 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الذي تساءلون به، واتقوه في الأرحام.
8425 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قول الله: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
8426 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: هو قول الرجل: " أنشدك بالله والرَّحم ".
8427 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله، وصلوا الأرحام.
8428 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
8429 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: اتقوا الله في الأرحام فصلوها.
8430 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
8431 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي حماد، وأخبرنا أبو جعفر الخزاز، عن جويبر، عن الضحاك: أن ابن عباس كان يقرأ: " والأرحام "، يقول: اتقوا الله لا تقطعوها.
8432 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: اتقوا الأرحام.
8433 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال،" واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، أن تقطعوها.
8434 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= وقرأ: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [سورة الرعد: 21].
* * *
قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا بمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= عطفًا بـ" الأرحام "، في إعرابها بالنصب &; 7-523 &; على اسم الله تعالى ذكره.
قال: والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، (21) النصب: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ )، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، على ما قد وصفت قبل. (22)
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا.
* * *
ويعني بقوله: " عليكم "، على الناس الذين قال لهم جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ، والمخاطب والغائب إذا اجتمعا في الخبر، فإن العرب تخرج الكلام على الخطاب، فتقول: إذا خاطبتْ رجلا واحدًا أو جماعة فعلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلا " فعلتم كذا، وصنعتم كذا ".
ويعني بقوله: " رقيبًا "، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها، كما:-
8435 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إن الله كان عليكم رقيبًا "، حفيظًا.
8435م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد في قوله: " إن الله كان عليكم رقيبًا "، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها.
ومنه قول أبي دُؤاد الإيادِيّ:
كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ لِلضُّرَبَاءِ أَيْدِيهمْ نَوَاهِدْ (23) ---------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة والمخطوطة وعرف عباده..." ، واستظهرت من نهج أبي جعفر في بيانه ، ومن قوله بعد: "ومنبههم" ثم قوله: "وعاطفًا" ، على أن الصواب"ومعرفًا" ، وهو مقتضى سياق الكلام بعد ذلك كله.
(2) قوله: "وعاطفًا" ، عطف على قوله: "معرفًا عباده... ومنبههم...".
(3) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم" ، وأثبت ما فيه المخطوطة.
(4) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(5) سلف البيت وتخريجه في 6: 362.
(6) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 252.
(7) انظر تفسير"الزوج" فيما سلف 1: 514 / 2: 446 ، وأراد بقوله في تفسير"الزوج""الثاني لها" ، أن"الزوج" هو"الفرد الذي له قرين" ، فكل واحد من القرينين ، يقال له: "زوج" ، ثم قيل لامرأة الرجل ، وللرجل صاحب المرأة: "زوج".
(8) القصرى (بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء) والقصيري (بضم القاف وفتح الصاد ، على التصغير): أسفل الأضلاع ، أو هي الضلع التي تلي الشاكلة ، بين الجنب والبطن.
(9) قوله: "وحشا" ، أي وحده ليس معه غيره.
(10) الأثر: 4806- مضى هذا الأثر مطولا برقم: 710 ، وكان في المطبوعة هنا: "لتسكن إلي" باللام في أولها ، وأثبت نص المخطوطة ، وما سلف في الأثر: 710.
(11) لأم الشيء لأمًا ، ولاءمه ، فالتأم: أصلحه حتى اجتمع وذهب ما كان فيه من الصدع. وفي روايته في الأثر رقم: 711: "ولأم مكانه لحما".
(12) الأثر: 8407- مضى هذا الأثر برقم: 711 ، وتخريجه هناك.
(13) انظر معاني القرآن للفراء 1: 252.
(14) انظر تفسير"بث" فيما سلف 3: 275.
(15) أخفر الذمة والعهد: نقضه وغدره وخاس به ، ولم يف بعهده.
(16) قوله: "قال محمد" ، يعني محمد بن جرير الطبري ، أبا جعفر صاحب التفسير. وهذه أول مرة يكتب فيها الطبري ، أو أحد تلامذته ، أو بعض ناسخي تفسيره"قال محمد" ، دون كنيته قال"أبو جعفر". وانظر ما سيأتي ص: 569 ، تعليق: 2.
(17) قوله: "تنسق" ، أي تعطف. و"النسق" العطف ، انظر فهارس المصطلحات في هذه الأجزاء من التفسير ، و"المكني" الضمير ، انظر فهارس المصطلحات.
(18) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 252 ، 253 ، وقد ذكر هذه القراءة بإسنادها إلى إبراهيم بن يزيد النخعي ، وهي قراءة حمزة وغيره.
(19) هو مسكين الدارمي.
(20) معاني القرآن للفراء 1: 253 ، الحيوان 6: 493 ، 494 ، الإنصاف: 193 ، الخزانة ، 2: 338 ، العيني (بهامش الخزانة) 4: 164 ، وهو من أبيات ذكرها الجاحظ ، وأتمها العيني ، يمجد نفسه وقومه ، قال:
لَقَــدْ عَلِمَـتْ قَيْسٌ وَخِـنْدِفُ أنَّنــي
بِثَغْـرِهِمُ مِـنْ عَـارِمِ النَّـاسِ وَاقِـفُ
وَقَـدْ عَلِمُـوا أَنْ لَـنْ يُبقَّـى عَـدُوُّهُمْ
إِذَا قَذَفَتْــه فــي يَــدَيّ القَـوَاذِفُ
وأنَّ أبَانَــا بِكــرُ آدَمَ، فَــاعْلَمُوا،
وَحَـوَّاءَ، قَــرْمٌ ذُو عَثَـانينَ شَـارِفُ
كَــأَنَّ عَــلَى خُرْطُومِــهِ مُتَهافِتًـا
مِـنَ القُطْــنِ هَاجَتْـهُ الأكُفُ النَّوَادِفُ
وَللَصَّــدَأُ المُسْــوَدُّ أَطْيـبُ عِنْدَنَـا
مِـنَ المِسْـكِ، دَافَتْـهُ الأَكُفُّ الـدَّوَائِفُ
تُعَلَّـقُ في مِثْـلِ السَّـوَارِي سُـيُوفُنَا
ومـا بَيْنَهـا والكَـعْبِ غُـوطٌ نفـانِفُ
وَتَضْحَـكُ عِرْفَـانَ الـدرُوع جُلُودُنَـا
إِذَا جَـاء يَـوْمٌ مُظْلِـمُ اللَّـوْن كاسِفُ
في أبيات أخر ، ورواية الحيوان: "والكعب منا تنائف" ، وفي الطبري ومعاني القرآن والخزانة"نعلق" بالنون ، وكلتاهما صواب. و"السواري" جمع سارية ، وهي الأسطوانة. و"الغوط" جمع غائط ، وهو المطمئن من الأرض. و"النفانف" جمع نفنف: وهو الهواء بين شيئين ، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوي بعيد فهو نفنف.
(21) في المخطوطة والمطبوعة: "لا نستجيز القارئ أن يقرأ" بتعريف"القارئ" ، وهو خطأ صوابه ما أثبت.
(22) انظر ما سلف قريبا ص: 519 ، 520.
(23) تهذيب الألفاظ: 475 ، المعاني الكبير: 1148 ، مجاز القرآن 1: 113 ، الميسر والقداح: 133 ، وغيرها ، وهو من أبيات جياد في نعت الثور الأبيض ، لم أجدها مجتمعة ، منها:
وَقَـــوَائِمٌ خُــذُفٌ، لَهَــا مِــنْ
خَلْفِهَــــا زَمَـــــعٌ زَوَائِـــدْ
كَمقَـــاعِدِ الرُّقَبَـــاءِ لِلضُّـــرَ
بَــــاءِ أَيْــــدِيهِمْ نَوَاهِــــدْ
لَهَـــقٌ كَنَــارِ الـرَّأْسِ بِــالـ
عَلْيَــــاءِ تُذْكِيهَـــا الأَعَـــابِدْ
وَيُصِيــخُ أَحْيَانًــا كَمَـــا اسْـ
ـتَمَــعَ المُضِــلُّ لِصَــوْتِ نَاشِـدْ
يصف قوائم هذا الثور ، "خذف" جمع خذوف ، وهي السريعة السير والعدو ، تخذف الحصى بقوائمها. أي تقذفه. و"الزمع" جمع زمعة ، وهي هنة زائدة ناتئة فوق ظلف الشاة والثور ، مدلاة فيها شعر. ثم وصف هذه الزمع الناتئة خلف أظلاف الثور ، وشبه إشرافها على الأظلاف بالرقباء المشرفين على الضرباء ، وقد مدوا أيديهم. وهذا وصف في غاية البراعة والحسن. و"الرقباء" جمع رقيب ، وهو أمين أصحاب الميسر ، يحفظ ضربهم بالقداح ويرقبهم. و"الضرباء" جمع ضريب ، وهو الضارب بالقداح. وزعم ابن قتيبة أن قوله: "أيديهم" أي: أيدي الضرباء ، وأخطأ ، إنما عنى أيدي الرقباء لا الضرباء. وقوله: "لهق" هو البياض ، يعني بياض الثور ، فشبه بياضه بياض النار على رأس رابية مشرقة ، تذكي لهيبها العبيد. ثم وصف الثور عند الارتياع ، فقال إنه يصيخ -أي ينصت مميلا رأسه ناحية من الفزع- و"المضل" الذي أضاع شيئًا فهو يترقب أن يجده."والناشد" ، هو الذي ينشد ضالة ، أي يعرفها ويصفها. فهو يصغي لصوت المنشد المعرف إصغاء من يرجو أن تكون هي ضالته. وهذا من جيد الشعر وبارعه.
وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾
القول في تأويل قوله : وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره أوصياءَ اليتامى. يقول لهم: وأعطوا يا معشر أوصياء اليتامى: [اليتامى] أموالهم إذا هم بلغوا الحلم، (24) وأونس منهم الرشد (25) = " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، يقول: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم، كما:-
8436 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: الحلال بالحرام.
8437 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
8438 - حدثني سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: الحرام مكان الحلال.
* * *
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في صفة تبديلهم الخبيث كان بالطيب، الذي نهوا عنه، ومعناه. (26)
فقال بعضهم: كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيِّد من ماله والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الرديء والخسيس، فذلك تبديلهم الذي نهاهم الله تعالى عنه.
* ذكر من قال ذلك:
8439 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: لا تعط زيفًا وتأخذ جيِّدًا.
8440 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي= وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب= ومعمر عن الزهري، قالوا: يعطي مهزولا ويأخذ سمينًا.
8441 - وبه عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك قال: لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا.
8442 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: " شاة بشاة "! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: " درهم بدرهم "!!
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تستعجل الرزق الحرام فتأكله قبل أن يأتيك الذي قُدِّر لك من الحلال.
* ذكر من قال ذلك:
8443 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: لا تعجِّل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدِّر لك.
8444 - وبه عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مثله.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، كالذي:-
8445 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا يورِّثون الصغار، يأخذه الأكبر= وقرأ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قال: إذا لم يكن لهم شيء: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ [سورة النساء: 127]، لا يورثونهم. (27) قال: فنصيبه من الميراث طيِّب، وهذا الذي أخذه خبيث.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويل ذلك: ولا تتبدلوا أموال أيتامكم -أيها الأوصياء- الحرامَ عليكم الخبيثَ لكم، فتأخذوا رفائعها وخيارَها وجيادَها. بالطيب الحلال لكم من أموالكم= [أي لا تأخذوا] الرديء الخسيس بدلا منه. (28)
وذلك أنّ" تبدل الشيء بالشيء " في كلام العرب: أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه المأخوذ منه أو يجعله مكان الذي أخذ. (29)
* * *
فإذْ كان ذلك معنى " التبدل " و " الاستبدال "، (30) فمعلوم أنّ الذي قاله ابن زيد= من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبرِ ولد الميت جميع مال ميِّته ووالده، دون صغارهم، إلى ماله- قولٌ لا معنى له. لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلم يستبدل مما أخذ شيئًا. فما " التبدل " الذي قال جل ثناؤه: " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب "، ولم يتبدَّل الآخذ مكان المأخوذ بدلا؟
* * *
وأما الذي قاله مجاهد وأبو صالح من أن معنى ذلك: لا تتعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال= فإنهما أيضًا، إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: " إن الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها "، ففساده نظير فساد قول ابن زيد. لأن من استعجل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الحلال، فلم يبدِّل شيئًا مكان شيء. وإن كانا قد أرادا بذلك، (31) أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلُهم ذلك &; 7-528 &; سببًا لحرمان الطيِّب منه فذلك وجه معروف، ومذهب معقول. يحتمله التأويل. غير أن أشبه [القولين] في ذلك بتأويل الآية، ما قلنا؛ (32) لأن ذلك هو الأظهر من معانيه، لأن الله جل ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلأن يكون ذلك من جنس حُكمِ أول الآية وآ خرها، [أولى] من أن يكون من غير جنسه. (33)
* * *
القول في تأويل قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا تخلِطوا أموالهم -يعني: أموال اليتامى بأموالكم- فتأكلوها مع أموالكم، (34) كما:-
8446 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم "، يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعًا.
8447 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن مبارك، عن الحسن قال: لما نـزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليُّ اليتيم يعزل مالَ اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [سورة البقرة: 220] قال: فخالطوهم واتقوا. (35)
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره [بقوله]: (36) " إنه كان حوبًا كبيرًا "، إن أكلكم أموال أيتامكم، حوبٌ كبير.
* * *
و " الهاء " في قوله: " إنه " دالة على اسم الفعل، أعني" الأكل ".
* * *
وأما " الحوب "، فإنه الإثم، يقال منه: " حاب الرجل يَحُوب حَوبًا وحُوبًا وحِيَابة "، ويقال منه: " قد تحوَّب الرجل من كذا "، إذا تأثم منه، ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي: (37)
وَإنَّ مُهَـــــاجِرَيْنِ تَكنَّفَـــــاهُ
غَدَاتَئِــذٍ لقَــدْ خَطَئَــا وحَابَــا (38)
ومنه قيل: " نـزلنا بحَوبة من الأرض، وبحِيبَةٍ من الأرض "، إذا نـزلوا بموضع سَوْءٍ منها.
* * *
و " الكبير " العظيم. (39)
* * *
فمعنى ذلك: إنّ أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم، إثم عند الله عظيم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
8448 - حدثني محمد بن عمرو وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " حوبًا كبيرًا " قال: إثمًا.
8449 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
8450 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إنه كان حوبًا كبيرًا "، قال: إثمًا عظيما.
8451 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كان حوبًا " أما " حوبا " فإثمًا.
8452 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " حوبًا "، قال: إثمًا.
8453 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إنه كان حوبًا كبيرًا " يقول: ظلمًا كبيرًا.
8454 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " إنه كان حوبًا كبيرًا " قال: ذنبا كبيرًا= وهي لأهل الإسلام.
8455 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا قرة بن خالد قال، سمعت الحسن يقول: " حوبًا كبيرًا "، قال: إثمًا والله عظيمًا.
------------------------
الهوامش :
(24) في المخطوطة والمطبوعة ، أسقط ما وضعته بين القوسين ، ولكن السياق يقتضي إثباتها ، وكأن الناسخ غره التكرار ، فأسقط إحداهما ، فأساء.
(25) انظر تفسير"آتى" في فهارس اللغة ، وتفسير"اليتامى" فيما سلف 2: 292 / 3: 345 / 4: 295.
(26) في المطبوعة: "في صفة تبديلهم الخبيث بالطيب" ، أسقط الناشر"كان" لأن عربيته أنكرت عربية أبي جعفر!! وهي الصواب المحض ، فأثبتها.
(27) في المطبوعة والمخطوطة: "لا يورثوهم" ، والصواب ما أثبت.
(28) هذا الذي زدته بين القوسين ، استظهار من تأويله الآتي. والجملة بغير هذه الزيادة لا تكاد تستقيم.
ثم انظر تفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 559 / 7: 424 = وتفسير"الطيب" فيما سلف 3: 301 / 5: 555 / 6: 361 / 7: 424.
(29) انظر تفسير"تبدل" و"استبدل" فيما سلف 2: 112 ، 130 ، 494.
(30) في المطبوعة: "التبديل" ، وأثبت الصواب من المخطوطة.
(31) في المطبوعة: "وإن كانا أراد بذلك" بحذف"قد" وفي المخطوطة: "وإن كان قال أراد بذلك" وهو فساد من عجلة الناسخ ، ولكن صواب قراءتها ما أثبت.
(32) في المطبوعة: "غير أن الأشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا" ، وهو غير جيد ، وفي المخطوطة: "غير أن أشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا" ، وبين أن الناسخ عاد فسها ، فأسقط"القولين" وهو ما أثبته ما بين القوسين.
(33) في المطبوعة: "فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية ، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه" جعل"وآخرها" ، "فأخرجها" ، فأنزل الكلام منزلة من الفساد لا مخرج منها. وأما المخطوطة فكان سياقها: "فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية وآخرها من أن يكون من غير جنسه" ، وهو سهو من الناسخ وعجلته أفسد الجملة ، صواب"فلا يكون""فلأن يكون" ، والصواب أيضًا زيادة"أولى" التي وضعتها بين القوسين.
(34) انظر تفسير"أكل الأموال" فيما سلف 3: 548 ، 549 = وتفسير"إلى" بمعنى"مع" فيما سلف 1: 299 / 6: 443 ، 444.
(35) الأثر: 8447- هذا الأثر لم يروه أبو جعفر في تفسير آية سورة البقرة 4: 349- 355 ، وهو من الدلائل على اختصاره تفسيره هذا.
(36) الذي بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام بغيرها.
(37) في المطبوعة والمخطوطة: "بن الأسكن" ، وهو خطأ صرف.
(38) مضى البيت وتخريجه في 2: 110 ، وسيأتي في 13: 37 (بولاق) ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 13 ، ولم أثبتت هناك ، مواضع تكراره في التفسير ، فليقيد هناك ، وروايته هناك: "لعمر الله قد خطئا وخابا" بالخاء ، وأرجح أن أجود الروايتين ، روايته في هذا الموضع ، بالحاء المهملة؛ وإن كانت أكثر الكتب قد أثبتها بالخاء المعجمة ، وأرجح أيضًا أنه تصحيف قديم ، ومعنى رواية أبي جعفر أشبه بسياق الشعر إن شاء الله.
(39) انظر تفسير"كبير" فيما سلف 2: 15 / 3: 166 / 4: 300.
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ﴿٣﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا= إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة= فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.
* ذكر من قال ذلك:
8456 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: " وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء "، فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حِجر ولِّيها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سُنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهُنَّ من النساء. (40)
8457 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تبارك وتعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء "، قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة، تكون في حجر ولِّيها تُشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوَّجها بغير أن يُقسِط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سُنتَّهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن= قال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا. (41)
8458 - حدثنا الحسن بن الجنيد وأخبرنا سعيد بن مسلمة قالا. أنبأنا إسماعيل بن أمية، عن ابن شهاب، عن عروة قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: يا أم المؤمنين، أرأيت قول الله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "؟ قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك: أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيكمِّلوا لهن الصداق، ثم أمروا أن ينكحوا سواهن من النساء إن لم يكملوا لهن الصداق. (42)
8459 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب.
8460 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، مثل حديث ابن حميد، عن ابن المبارك. (43)
8461 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: نـزل= تعني قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، الآية= في اليتيمة تكون عند الرجل، وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثم يضربها، ويسيء صحبتها، فوُعظ في ذلك. (44)
* * *
قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل، جواب قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا "، قوله: " فانكحوا " .
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حِذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم. (45) وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا، مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به. فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها= فلا تعدلوا فيها، من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مُؤن نسائكم، &; 7-535 &; فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ= وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.
ذكر من قال ذلك:
8462 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال، سمعت عكرمة يقول في هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: كان الرجل من قريش يكون عنده النِّسوة، ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام، قال: فنـزلت هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " .
8463 - حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، قال: كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: " ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان "؟ فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع.
8464 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قصر الرجال على أربعٍ من أجل أموال اليتامى.
8465 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدِلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن &; 7-536 &; لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك. وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
* ذكر من قال ذلك:
8466 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، كان الناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو يُنهوا عنه، قال: فذكروا اليتامى، فنـزلت: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، قال: فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النساء.
8467 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) إلى: " أيمانكم "، كانوا يشددون في اليتامى، ولا يشددون في النساء، ينكح أحدُهم النسوة، فلا يعدل بينهن، فقال الله تبارك وتعالى: كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى، فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الأربع. فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.
8468 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " حتى بلغ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ، يقول: كما خفتم الجور في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء، (46) وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة &; 7-537 &; فما دون ذلك، فأحل الله جل ثناؤه أربعًا، ثم صيَّرهن إلى أربع قوله: (47) " مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة "، يقول، إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث، وإلا فثنتين، وإلا فواحدة. وإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
8469 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، يقول: ما أحل لكم من النساء=" مثنى وثلاث ورباع "، فخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى: أن لا تقسطوا فيهنَّ.
8470 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: جاء الإسلام والناس على جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء فيتّبعوه، أو ينهوا عن شيء فيجتنبوه، حتى سألوا عن اليتامى، فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ".
8471 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، بعث الله تبارك وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنـزل الله تبارك وتعالى: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء.
8472 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا &; 7-538 &; يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: " وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية. (48)
8473 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، كانوا في جاهليتهم لا يرزأون من مال اليتيم شيئا، وهم ينكحون عشرًا من النساء، وينكحون نساء آبائهم، فتفقدوا من دينهم شأن النساء، فوعظهم الله في اليتامى وفي النساء، فقال في اليتامى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ إلى إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ووعظهم في شأن النساء فقال: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " الآية، وقال: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [سورة النساء: 22].
8474 - حدثت عن عمار عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " إلى " ما ملكت أيمانكم "، يقول: فإن خفتم الجور في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النساء، (49) قال: وكان الرجل يتزوج العشر في الجاهلية فما دون ذلك، وأحل الله أربعًا، وصيَّرهم إلى أربع، يقول: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "، وإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوفوا في النساء أن تَزْنُوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.
* ذكر من قال ذلك:
8475 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، يقول: إن تحرَّجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتحرّجوا من الزّنا، وانكحوا النساء نكاحًا طيبًا=" مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ".
8476 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا أنتم ما حل لكم منهن.
* ذكر من قال ذلك:
8477 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "، قال: نـزلت في اليتيمة تكون عند الرجل، هو وليها، ليس لها ولي غيره، وليس أحد ينازعه فيها، ولا ينكحها لمالها، فيضربها، ويسيء صحبَتها. (50)
8478 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن في هذه الآية: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " أي: ما حَلّ لكم من يتاماكم من قراباتكم=" مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: تأويلها: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجورُوا فيه منهن، من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن ".
وإنما قلنا إنّ ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخَلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا . ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء، مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن، (51) كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهن وحلّلته، مثنى وثُلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها، &; 7-541 &; ولكن تسرَّوا من المماليك، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.
ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة. وإن خفتم في الواحدة، فما ملكت أيمانكم= فترك ذكر قوله: " فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء "، بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ".
* * *
فإن قال قائل: فأين جواب قوله: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى "؟
قيل: قوله " فانكحوا ما طاب لكم "، غير أن المعنى الذي يدل على أن المراد بذلك ما قلنا قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ".
* * *
وقد بينا فيما مضى قبلُ أن معنى " الإقساط" في كلام العرب: العدل والإنصاف= وأن " القسط": الجور والحيف، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (52)
* * *
وأما " اليتامى "، فإنها جمع لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع. (53)
* * *
وأما قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، فإنه يعني: فانكحوا ما حلَّ لكم منهن، دون ما حُرِّم عليكم منهنّ، كما:-
8479 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ما حلّ لكم.
8480 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، يقول: ما حلَّ لكم.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ولم يقل: " فانكحوا مَنْ طاب لكم "؟ وإنما يقال: " ما " في غير الناس.
قيل: معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: فانكحوا نكاحًا طيبًا، كما:-
8481 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا.
8481م - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
فالمعنيّ بقوله: " ما طاب لكم "، الفعل، دون أعيان النساء وأشخاصهنَّ، فلذلك قيل " ما " ولم يقل " من "، كما يقال: " خذ من رقيقي ما أردت "، إذا عنيت: خذ منهم إرادتك. ولو أردت: خذ الذي تريد منهم، لقلت: " خذ من رقيقي من أردت منهم ". (54) وكذلك قوله: " أو ما ملكت أيمانكم "، بمعنى: أو ملك أيمانكم.
* * *
وإنما معنى قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قيل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [سورة النور: 4].
* * *
وأما قوله: " مثنى وثلاث ورباع "، فإنما تُرك إجراؤهن، لأنهن معدولات عن " اثنين " و " ثلاث " و " أربع "، كما عدل " عمر " عن " عامر "، و " زُفرَ" عن " زافِر " فترك إجراؤه، وكذلك،" أحاد " و " ثناء " و " مَوْحد " و " مثنى " و " مَثْلث " و " مَرْبع "، لا يجري ذلك كله للعلة التي ذكرت من العدول عن وجوهه. ومما يدلّ على أن ذلك كذلك، وأن الذكر والأنثى فيه سواء، ما قيل في هذه السورة و " سورة فاطر "، [1]: " مثنى وثلاث ورباع " يراد به " الجناح "، و " الجناح " ذكر= وأنه أيضًا لا يضاف إلى ما يضاف إليه " الثلاثة " و " الثلاث " وأن " الألف واللام " لا تدخله= فكان في ذلك دليل على أنه اسم للعدد معرفة، ولو كان نكرة لدخله " الألف واللام "، وأضيف كما يضاف " الثلاثة " و " الأربعة ". (55) ومما يبين في ذلك قول تميم بن أبيّ بن مقبل:
تَـرَى النُّعَـرَاتِ الـزُّرْقَ تَحْـتَ لَبَانِهِ
أُحَــادَ وَمَثْنَـى أَصْعَقَتْهَـا صَوَاهِلُـهْ (56)
فرد " أحاد ومثنى "، على " النعرات " وهي معرفة. وقد تجعلها العرب نكرة فتجريها، كما قال الشاعر: (57)
وَإنَّ الغُـــلامَ المُسْــتَهَامَ بذِكْــرِهِ
قَتَلْنَـا بِـهِ مِـنْ بيـن مَثْنًـى وَمَوْحَدِ (58)
بِأَرْبَعَــةٍ مِنْكُــمْ وَآخَــرَ خَـامِسٍ
وَسَـادٍ مَـعَ الإظْـلامِ فِـي رُمْح مَعْبَدِ
ومما يبين أن " ثناء " و " أحاد " غير جاريةٍ، قول الشاعر: (59)
وَلَقَــدْ قَتَلْتُكُــمُ ثُنَــاءَ وَمَوْحَــدًا
وَتَــرَكْتُ مُـرَّةَ مِثْـلَ أَمْسِ المُدْبِـرِ (60)
وقول الشاعر: (61)
مَنَــتْ لَــكَ أنْ تُلاقِيَنــي المَنَايَـا
أُحَــادَ أُحَــادَ فِـي شَـهْرٍ حَـلالِ (62)
ولم يسمع من العرب صرف ما جاوز " الرُّبَّاع " و " المَرْبع " عن جهته. لم يسمع منها " خماس " ولا " المخْمس "، ولا " السباع " ولا " المسبع "، وكذلك ما فوق " الرباع " إلا في بيت للكميت. (63) فإنه يروي له في" العشرة "،" عشار " وهو قوله:
فَلَــمْ يَسْــتَرِيثُوكَ حَــتَّى رَمَــيْ
تَ فَـوْقَ الرِّجَـالِ خِصَـالا عُشَـارَا (64)
يريد: " عشرًا، عشرًا "، يقال: إنه لم يسمع غير ذلك. (65)
* * *
= وأما قوله: " فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة "، فإن نصب " واحدة "، بمعنى: فإن خفتم أن لا تعدلوا= فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح، (66) فيما أوجبه الله لهن عليكم= فانكحوا واحدة منهن.
ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع، كان جائزًا، بمعنى: فواحدة كافية، أو: فواحدة مجزئة، كما قال جل ثناؤه: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (67) [سورة البقرة: 282].
* * *
وإن قال لنا قائل: قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر، نكاحُ أربع، فكيف قيل: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، وذلك في العدد تسع؟ (68)
قيل: إن تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم= وإما ثلاث، إن لم تخافوا ذلك= وإما أربع، إن أمنتم ذلك فيهن.
يدل على صحة ذلك قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "، لأن المعنى: فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة. ثم قال: وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم.
* * *
فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، وذلك أمر، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟
قيل: نعم، والدليل على ذلك قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ". فكان معلومًا بذلك أن قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجورَ فيه من عدد النساء، لا بمعنى الأمر بالنكاح، فإن المعنيّ به: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهن، فكذلك فتحرّجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجورَ فيه منهن، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن العرب تُخرِج الكلام بلفظ الأمر ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد، كما قال جل ثناؤه: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف: 29]، وكما قال: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [سورة النحل: 55 ، سورة الروم: 34]، فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيدُ والزجر والنهي، (69) فكذلك قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، بمعنى النهي: فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء.
* * *
وعلى النحو الذي قلنا في معنى قوله: " أو ما ملكت أيمانكم " قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
8482 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، يقول: فإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
8483 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو ما ملكت أيمانكم "، السراري.
8484 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم "، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك.
8485 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك، قوله: " فإن خفتم ألا تعدلوا "، قال: في المجامعة والحب.
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (3)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره (70) وإن خفتم أن لا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباعَ فنكحتم واحدة، أو خفتم أن لا تعدلوا في الواحدة فتسررتم ملك أيمانكم، فهو " أدنى " يعني: أقرب، (71) =" ألا تعولوا "، يقول: أن لا تجوروا ولا تميلوا.
* * *
يقال منه: " عال الرجل فهو يعول عَوْلا وعيالة "، إذا مال وجار. ومنه: " عَوْل الفرائض "، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص.
وأما من الحاجة، فإنما يقال: " عال الرجل عَيْلة "، وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعر: (72)
وَمَــا يَــدْرِي الفَقِـيرُ مَتَـى غِنَـاهُ
وَمَــا يَــدْرِي الغَنُّـي مَتَـى يَعِيـل (73)
بمعنى: يفتقر.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
8486 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، قال: العوْل الميل في النساء.
8487 - حدثنا ابن حميد قال، حدثني حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: لا تميلوا.
8488 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، أن لا تميلوا.
8489 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
8490 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل &; 7-550 &; قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة: " ألا تعولوا " قال: أن لا تميلوا= ثم قال: أما سمعت إلى قول أبي طالب:
بِمِيزان قِسْطٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ (74)
8491 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير، عن حريث، عن عكرمة في هذه الآية: " ألا تعولوا "، قال: أن لا تميلوا= قال: وأنشد بيتًا من شعر زعم أن أبا طالب قاله:
بِمــيزَانِ قِسْــطٍ لا يُخِـسُّ شَـعِيرَةً
وَوَازِنِ صِــدْقٍ وَزْنُـهُ غَـيْرُ عَـائِلِ (75)
* * *
قال أبو جعفر ويروي هذا البيت على غير هذه الرواية:
بِمِــيزَانِ صِــدْقٍ لا يُغـلُّ شَـعِيرَةً
لَـهُ شَـاهِدٌ مِـنْ نَفْسِـهِ غَـيْرُ عَائِلِ (76)
* * *
8492 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ألا تعولوا "، قال: أن لا تميلوا.
8493 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم مثله.
8494 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي قال: كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه عليه فيه: " إنِّي لست بميزان لا أعول ".
8495 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثّام بن علي قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك في قوله: " أدنى ألا تعولوا "، قال: لا تميلوا. (77)
8496 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، أدنى أن لا تميلوا.
8497 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ألا تعولوا "، قال: تميلوا.
8498 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: أن لا تميلوا.
8499 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: تميلوا.
8500 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أدنى ألا تعولوا "، يعني: أن لا تميلوا.
8501 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، يقول: ذلك أدنى أن لا تميلوا.
8502 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، قال: أن لا تجوروا.
8503 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون، وعارم أبو النعمان قالا حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك مثله.
8504 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن مجاهد: " ذلك أدنى ألا تعولوا " قال: تميلوا. (78)
8505 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ذلك أدنى ألا تعولوا "، ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين= وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة=" أن لا تعولوا "، أهون عليك في العيال. (79)
------------------
الهوامش :
(40) الحديث: 8456- روى الطبري هذا الحديث- مطولا ومختصرًا- بسبعة أسانيد: 8456- 8461 ، 8477. وهو ثابت صحيح ، في الصحيحين وغيرهما.
وهذا الإسناد: هو من رواية عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري. وسيأتي: 8460 ، من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، دون ذكر لفظه ، إحالة على هذه الرواية.
وقد رواه البخاري في صحيحه اثنتي عشرة مرة ، سنشير إليها ، إن شاء الله.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 7: 141- 142 ، بأسانيد ، من أوجه متعددة.
(41) الحديث: 8457- وهذا من رواية ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري.
وسيأتي: 8459 ، من رواية الليث بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، دون ذكر لفظه ، إحالة على هذه الرواية. ورواه البخاري 5: 94- 95 (فتح) ، من طريق الليث ، عن يونس ، عن الزهري.
وقد رواه مسلم 2: 398- 399 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس- أطول مما هنا. لكن ليس فيه ما ذكر في آخره هنا ، من كلام ربيعة الذي رواه عنه يونس. وليس هذا من صلب الحديث.
ورواه البخاري 9: 91 (فتح) ، من رواية حسان بن إبراهيم ، عن يونس ، عن الزهري- بنحو مما هنا ، مع اختصار قليل. وليس فيه كلمة ربيعة.
وقوله: "أعلى سنتهن في الصداق"- هذا هو الثابت في صحيح مسلم أيضًا. وفي المخطوطة"سبيلهن" بدل"سنتهن". والظاهر أنه تصحيف من الناسخ.
(42) الحديث: 8458- الحسن بن الجنيد بن أبي جعفر البزار البغدادي: ثقة. أخرج عنه ابن خزيمة في صحيحه. وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 4 ، فلم يذكر فيه جرحًا والخطيب 7: 292 ، كلاهما في ترجمة"الحسن". وترجمه الحافظ المزي في التهذيب الكبير باسم"الحسين". وتبعه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ، تبعًا لترتيب الكتاب ، ولكنه صرح بأنه"بفتح الحاء والسين" ، يعني"الحسن" ، وهو الصواب. سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان: ضعيف. قال البخاري في الكبير 2 / 1 / 473: "فيه نظر". وذكر أن عنده"مناكير". وقال في الضعفاء ، ص15: "منكر". وقال ابن معين: "ليس بشيء". وقال أبو حاتم: "هو ضعيف الحديث ، منكر الحديث"- ابن أبي حاتم 2 / 1 / 67.
ووقع في المطبوعة هنا: "الحسن بن جنيد وأبو سعيد بن مسلمة" ، وهو خطأ ، كتب"وأبو" بدل"وأنا" اختصار"وأخبرنا".
إسماعيل بن أمية الأموي: مضت ترجمته في: 2615. وضعف هذا الإسناد ، من أجل سعيد بن مسلمة ، لا يمنع صحة الحديث في ذاته من أوجه أخر ، كما مضى ، وكما سيأتي.
(43) الحديثان: 8459 ، 8460- هما تكرار للحديثين: 8457 ، 8456. وقد أشرنا إلى كل منهما في موضعه.
(44) الحديث: 8461- القاسم: هو ابن الحسن. و"الحسين": هو ابن داود الملقب"سنيد". انظر ما مضى في الإسناد: 8398.
حجاج: هو ابن محمد المصيصي الأعور. مضت ترجمته في: 1691. وترجم له أخي السيد محمود ، في ج6 ص548 ، تعليق: 3.
والحديث -من هذا الوجه- رواه البخاري 8: 179 (فتح). من طريق هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، به ، نحوه. ولكن سياقه يوهم أنها نزلت في شخص معين. فقال الحافظ: "والمعروف عن هشام بن عروة التعميم. وكذلك أخرجه الإسماعيلي ، من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج. ولفظه: أنزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة ، إلخ".
أقول: ورواية حجاج ، هي هذه التي في الطبري أيضًا.
ورواه البخاري أيضًا 8: 199 (فتح) ، من طريق أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، على الصواب.
وكذلك رواه مسلم ، بنحوه 2: 399 ، من طريق أبي أسامة ، عن هشام.
ورواه البخاري أيضًا ، بنحوه 9: 119 ، من طريق عبدة ، وهو ابن سليمان ، عن هشام ابن عروة.
وسيأتي: 8477 ، من رواية وكيع ، عن هشام. ونخرجه هناك ، إن شاء الله.
ونحن ذاكرون هنا باقي طرقه في الصحيحين -عدا رواية وكيع تتمة للفائدة:
فرواه البخاري 5: 94- 95 (فتح) ، ومسلم 2: 399 = كلاهما من طريق صالح ، عن الزهري ، عن عروة.
ورواه البخاري 5: 292 (فتح) ، و 9: 169- 170 و 12: 298 = من طريق شعيب ، عن الزهري.
ورواه أيضًا 9: 117 ، 169- 170= من طريق عقيل ، عن الزهري.
ورواه أيضًا 9: 162 ، من طريق أبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، مختصرًا.
وابن كثير ذكر حديث عائشة 2: 342- 343 ، من روايتين من روايات البخاري. ولم يزد في تخريجه شيئا.
والسيوطي ذكره بثلاثة ألفاظ ، مطولا ومختصرًا 2: 118. وزاد نسبته لعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
(45) في المطبوعة: "حذرًا على أموال اليتامى" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(46) في المخطوطة: "جميع النساء" ، والصواب ما في المطبوعة.
(47) في المطبوعة: "ثم الذي صيرهن إلى أربع" ، زاد"الذي" ، وما في المخطوطة صواب جيد.
(48) الحديث: 8472- عبد الله بن صالح ، كاتب الليث بن سعد: مضت ترجمته وتوثيقه في: 186.
معاوية بن صالح الحضرمي: سبق توثيقه في: 186. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 335 ، والصغير ، ص: 193 ، وابن سعد 7 / 2 / 207 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 382- 383. وتاريخ قضاة قرطبة ، ص: 30- 40 ، وقضاة الأندلس للنباهي ، ص: 43.
علي بن أبي طلحة: قد بينا في: 1833 أنه لم يسمع من ابن عباس. فيكون هذا الإسناد منقطعًا ، ضعيف الإسناد لانقطاعه.
والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى 7: 150 ، من طريق عثمان بن سعيد ، عن عبد الله بن صالح ، بهذا الإسناد.
وأشار إليه الحافظ في الفتح 8: 179- 180؛ في شرح حديث عائشة؛ قال: "تأويل عائشة هذا؛ جاء عن ابن عباس مثله. أخرجه الطبري".
وذكره السيوطي 2: 118 ، ونسبه لابن جرير ، وابن أبي حاتم ، فقط.
(49) في المخطوطة والمطبوعة هنا"في جميع النساء" ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف ص: 536 ، تعليق: 1.
(50) الحديث: 8477- هذا إسناد ضعيف ، لضعف سفيان بن وكيع ، وقد بينا ضعفه مرارًا ، أولها في: 142 ، 143.
ولكن الحديث في ذاته صحيح ، كما مضى في: 8456- 8461 ، وفي الروايات التي خرجناها من الصحيحين.
ثم هو ثابت صحيح من رواية وكيع ، من غير رواية ابنه سفيان عنه.
فرواه البخاري 9: 160 (فتح) ، بأطول مما هنا= عن يحيى ، عن وكيع ، بهذا الإسناد.
ويحيى -شيخ البخاري في هذا الإسناد- قال الحافظ في الفتح: "هو ابن موسى ، أو ابن جعفر. كما بينته في المقدمة". والذي في مقدمة الفتح ، ص: 236 ، أن ابن السكن نسبه"يحيى بن موسى".
(51) لعل الأجود أن يقول: "وأعلمهم كيف المخلص لهم" ، كالتي تليها.
(52) انظر ما سلف 6: 77 ، 270.
(53) انظر تفسير"اليتامى" فيما سلف قريبًا ص: 524 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(54) انظر معاني القرآن للفراء 1: 253 ، 254.
(55) انظر معاني القرآن للفراء 1: 254 ، 255.
(56) من قصيدة له طويلة نقلتها قديمًا ، ومعاني القرآن للفراء 1: 255 ، 345 والحيوان 7: 233. واللسان (نعر) (فرد) (صعق) (ثنى) ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 7: 184 (بولاق). يصف فرسه ، وبعد البيت.
فَرِيسًــا ومَغْشِــيًّا عَلَيْــه، كأَنَّـه
خُيُوطَــةُ مَــارِيٍّ لَــوَاهُنَّ فَاتِلُـهْ
ويروى البيت: "النعرات الخضر" ، و"أحاد ومثنى" و"فراد ومثنى". والنعرات جمع نعرة (بضم النون وفتح العين والراء): وهو ذباب ضخم ، أزرق العين ، أخضر ، له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافر فيؤذيها ، وربما دخل أنف الحمار فيركب رأسه ، فلا يرده شيء.
و"اللبان": الصدر من ذي الحافر: و"أصعقتها": قتلتها. و"صواهله" جمع صاهلة ، وهو مصدر على"فاعلة" ، بمعنى"الصهيل" ، كما يقال ، "رواغي الإبل" ، أي رغاءها. وقوله في البيت الثاني: "فريسًا" ، أي قتيلا ، قد افترسه ودقه وأهلكه ، و"الخيوطة" جمع خيط ، كالفحولة والبعولة ، جمع فحل وبعل."والماري": الثوب الخلق. يصف الذباب المغشى عليه ، كأنه من لينه في تهالكه ، خيوط لواه لاو من ثوب خلق.
(57) لم أعرف قائلهما.
(58) معاني القرآن للفراء 1: 254 ، وقد كان البيت في المطبوعة والمخطوطة:
قتلنـا بِـه مِـنْ بيـن مَثْنًـى وموْحَدٍ
بأربعــةٍ مِنْكُــمْ وآخــر خـامِسِ
وهو كما ترى ملفق من البيتين اللذين أثبتهما من معاني القرآن ، والذي قاله الطبري هنا ، هو نص مقالة الفراء في معاني القرآن. وقوله: "وساد" أي: سادس ، يقولون: "جاء سادسًا وساديًا وساتًا".
(59) هو صخر بن عمرو السلمي ، أخو الخنساء.
(60) مجاز القرآن 1: 115 ، والأغاني 13: 139 ، والمخصص 7: 124 ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: 394 ، والبطليوسي: 466 ، والخزانة 4: 474. وسيأتي في التفسير 22: 76 (بولاق) وغيرها ، إلا أن ابن قتيبة في أدب الكاتب رواه"كأمس الدابر" وتابعه ناشر التفسير في هذا الموضع فكتب"كأمس الدابر" ، ولكنه في المخطوطة ، وفي الموضع الآخر من التفسير ، قد جاء على الصواب. وهما بيتان قالهما في قتله دريد بن حرملة المري ، في خبر مذكور ، وبعده:
وَلقَــدْ دَفَعْــتُ إلـى دُرَيْـدٍ طَعْنَـةً
نَجْـلاءَ تُـزْغُلُ مِثْـلَ عَـطَّ المَنْحَـرِ
والطعنة النجلاء: الواسعة. و"أزغلت" الطعنة بالدم: دفعته زغلة زغلة ، أي دفعة دفعة. وعط الثوب عطًا: شقه. والمنحر: هو نحر البعير ، أي أعلى صدره ، حيث ينحر ، أي: يطعن في نحره ، فيتفجر منه الدم.
وأما رواية"كأمس الدابر" فقد ذكر الجواليقي أبياتًا ليزيد بن عمرو الصعق الكلابي هي:
أَعَقَــرْتُمُ جَــمَلِي برَحْــلِيَ قائمًـا
ورَمَيْتُــمُ جَــارِي بِسَــهْمٍ نَـاقِرِ
فــإِذا ركــبتُمْ فَالْبَسُــوا أَدْرَاعَكُـمْ
إنَ الرِّمَــاحَ بَصِــيرَةٌ بالحَاسِــرِ
إِذْ تَظْلِمُــون وتــأكُلُونَ صَــدِيقَكُمْ
فــالظُّلْمُ تَــارِككُمْ بجَــاثٍ عَـاثِرِ
إِنّــي سَــأقتلكُمُ ثُنَــاءَ ومَوْحَـدًا
وَتَــركتُ نَـاصِرَكُمْ كَـأمْسِ الدَّابِـرِ
(61) هو عمرو ذي الكلب ، أخو بني كاهل ، وكان جارًا لهذيل. ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن لصخر الغي الهذلي ، وهو خطأ.
(62) ديوان الهذليين 3: 117 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 115 ، والمعاني الكبير: 2840 المخصص 17: 124 ، الأغاني 13: 139. ورواية الديوان"في الشهر الحلال" ، وأخطأ صاحب الأغاني فنسب البيت لصخر بن عمرو ، ورواه"في الشهر الحرام". قوله: "منت لك" ، أي: قدرت لك منيتك أن تلقاني في شهر حلال ، خلوين ، وحدي ووحدك ، فأصرعك لا محالة. وذلك أنه كان قد لقيه قبل ذلك في شهر حرام ، فلم يستطع أن يرفع إليه سلاحًا. ويقول بعده:
وَمَــا لَبْــثُ القِتَــالِ إذَا الْتقَيْنَــا
سِـوَى لَفْـتِ اليَمِيـنِ عَـلَى الشِّـمَالِ
أي: لا يلبث القتال بيني وبينك إلا بمقدار ما ترد يمين إلى شمال.
(63) في المطبوعة: "في بيت الكميت" ، والصواب من المخطوطة.
(64) مجازا القرآن لأبي عبيدة 1: 116 ، والأغاني 3: 139 ، واللسان (عشر) ، والمخصص 17: 125 ، والجواليقي 292 ، 293 ، والبطليوسي: 467 ، والخزانة 1: 82 ، 83 ، من قصيدة للكميت ، يمدح بها أبان بن الوليد بن عبد الملك ، وقبله:
رَجَــوْكَ وَلَــم تتكــامَلْ سِـنُوكَ
عَشْــرًا، ولا نَبْــتَ فِيــكَ اتِّغَـارَا
لأَدْنَـى خَسًـا أَوْ زَكًـا مِـنْ سِـنِيكَ
ألــى أَرْبَــعٍ، فَبَقَــوْكَ انْتظــارَا
وقوله: "ولا نبت فيك اتغارا" أي: لم تخلف سنًا بعد سن ، فتنبت أسنانك: اتغر الصبي: سقطت أسنانه وأخلف غيرها. وقوله: "خسا أو زكا" ، أي فردا ، وزوجًا. قوله: "فبقوك" من قولهم: "بقيت فلانًا بقيًا" انتظرته ورصدته. و"استراثه": استبطأه. يقول: تبينوا فيك السؤود لسنة أو سنتين من مولدك ، فرجوا أن تكون سيدًا مطاعًا رفيع الذكر ، فلم تكد تبلغ العشر حتى جازت خصالك خصال السادة من الرجال. وأما قول أبي جعفر"يريد: عشرًا عشرًا" ، فكأنه يعني كثرة الخصال التي فاق بها الرجال.
(65) انظر هذا الفصل كله في معاني القرآن للفراء 1: 254 ، 255 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 114- 116.
(66) في المطبوعة والمخطوطة: "فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة..." ، وهو لا يستقيم ، صوابه"فيما زاد" كما أثبتها.
(67) انظر معاني القرآن للفراء 1: 255.
(68) انظر الناسخ والمنسوخ ، لأبي جعفر النحاس: 92.
(69) انظر ما سلف 2: 293 ، 294.
(70) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بقوله تعالى ذكره" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(71) انظر تفسير"أدنى" فيما سلف 6: 78.
(72) هو أحيحة بن الجلاح .
(73) جمهرة أشعار العرب: 125 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 255 ، الجمهرة لابن دريد 2: 193 ، وتاريخ ابن الأثير 1: 278 ، اللسان (عيل) ، وسيأتي في التفسير 10: 75 / 30: 149 (بولاق) ، من قصيدته التي قالها في حرب بين قومه من الأوس وبني النجار من الخزرج ، قتل فيها أخوه ، وكانت عنده امرأته سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية ، فحذرت قومها مجيء أحيحة وقومه من الأوس ، فضربها حتى كسر يدها وطلقها. وبعد البيت آخر قرين له:
وَمَــا تَــدْرِي، إذَا أَجْـمَعْتَ أَمْـرًا
بِــأَيِّ الأَرْضِ يُــدْرِكُكَ المَقِيــلُ
وكان في المخطوطة: "لما يدرى الفقير" ، وهو خطأ من الناسخ ، وكأن صوابها"فما يدري".
(74) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير. من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه. يقول قبل البيت:
جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا
عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ
ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك. وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة. وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.
(75) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير. من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه. يقول قبل البيت:
جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا
عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ
ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك. وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة. وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.
(76) سيرة ابن هشام 1: 296 ، وغيرها كثير. من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه. يقول قبل البيت:
جَـزَى اللـهُ عَنَّـا عَبْـدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا
عُقُوبَــةَ شَـرّ عَـاجِلا غَـيْرَ آجِـلِ
ويروى البيت بهذه الرواية التي ذكرها أبو جعفر ، ويروى أيضًا: "لا يحص شعيرة" من حص الشعر إذا أذهبه ، و"شعيرة" في هذه الرواية تصغير"شعرة" ، وأما في سائر الروايات فهي"شعيرة" بفتح الشين ، وكسر العين ، وهي واحدة"الشعير" ، وهو الحب المعروف ، وهو أقل موازين الذهب والفضة ، وهو حبة من شعير متوسطة لم تقشر ، وقد قطع من طرفيها ما امتد ، ويسمونه أيضًا"حبة" ، وانظر ما سلف 4: 586 ، تعليق: 2 ، في تفسير"الحبة" ، وهذا معنى لم تقيده كتب اللغة ، فقيده هناك. وقوله: "لا تخس شعيرة" ، أي لا تنقص مقدار شعيرة. وقوله: "تغل" من قولهم: "غل يغل غلولا" ، إذا خان أو سرق.
(77) الأثر: 8495- في المطبوعة: "عباد بن علي" ، وكان كاتب المخطوطة قد كتب"عباد" ثم جعل الدال ميما ، ولم ينقط الكلمة ، فاشتبه الأمر على الناشر ، والصواب"عثام" وهو"عثام بن علي العامري" شيخ أبي كريب ، وقد مضى مئات من المرات ، ومضت ترجمته في رقم: 337.
(78) الأثر: 8504- في المخطوطة والمطبوعة"عن ابن إسحاق ، عن مجاهد" ، وهو خطأ ظاهر ، والصواب"عن أبي إسحاق" ، وهو أبو إسحاق السبيعي ، وقد مضت روايته عن مجاهد في هذا التفسير مئات من المرات.
(79) في المخطوطة: "أهون عليك في القتال" ، والصواب ما في المطبوعة.
وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا ﴿٤﴾
القول في تأويل قوله : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، (80) وفريضة لازمة.
* * *
يقال منه: " نَحَل فلان فلانًا كذا فهو يَنْحَله نِحْلة ونُحْلا "، (81) كما:-
8506 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا &; 7-553 &; سعيد، عن قتادة قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، يقول: فريضة.
8507 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، أخبرني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، يعني بـ" النحلة "، المهر.
8508 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، قال: فريضة مسماة.
8509 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، قال: " النحلة " في كلام العرب، الواجب= يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها، صدقة يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ،إلا بصداقٍ واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، أولياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صَدقاتهن.
* ذكر من قال ذلك :
8510 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن سيار، عن أبي صالح قال، كان الرجل إذا زوج أيِّمه أخذ صداقها دونها، (82) فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، ونـزلت: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " .
* * *
وقال آخرون: بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطى الرجل أخته لرجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك. (83)
* ذكر من قال ذلك:
8511 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فقال الله تبارك وتعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ، هم الذين قيل لهم: " وآتوا النساء صدقاتهن "= وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل [الآية]: (84) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، ولم يقل: " فأنكحوا "، فيكون قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن "، مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن.
وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.
* * *
القول في تأويل قوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن وهب لكم، أيها الرجال، نساؤكم شيئًا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئًا مريئًا، كما:-
8512 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عمارة، عن عكرمة: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: المهر.
8513 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني حَرَميّ بن عمارة قال، حدثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة، [عن عمارة] في قوله الله تبارك وتعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: الصدقات. (85)
8514 - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " قال: الأزواج.
8515 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبيدة قال، قال لي إبراهيم: أكلتَ من الهنيء المريء! قلت: ما ذاك؟ قال: امرأتك أعطتك من صَداقها.
8516 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: دخل رجل على علقمة وهو يأكل من طعام بين يديه، من شيء أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة: ادْنُ فكل من الهنيء المريء!
8517 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا "، يقول: إذا كان غيرَ إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل ثناؤه.
8518 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: الصداق،" فكلوه هنيئًا مريئًا ".
8519 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " بعد أن توجبوه لهنّ وتُحُّلوه، =" فكلوه هنيئًا مريئًا ". (86) .
8520 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يُراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، (87) فقال الله تبارك وتعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا ".
8521 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا "، يقول: ما طابت به نفسًا في غير كَرْه أو هوان، (88) فقد أحلّ الله لك ذلك أن تأكله هنيئًا مريئًا.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بهذا القول أولياء النساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النساء اللواتي إليكم عصمة نكاحهن، بصدقاتهن نفسًا، فكلوه هنيئًا مريئًا.
* ذكر من قال ذلك:
8522 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا سيار، عن أبي صالح في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته، عمد إلى صداقها فأخذه، قال: فنـزلت هذه الآية في الأولياء: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا ".
* * *
قال أبو جعفر وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويلُ الذي قلنا= وأن الآية مخاطب بها الأزواج. لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " في سياقه.
* * *
وإن قال قائل: فكيف قيل: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، وقد علمت أنّ معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهن بشيء؟ وكيف وُحِّدت " النفس "، والمعنى للجميع؟ وذلك أنه تعالى ذكره قال: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً .
قيل: أما نقل فعل النفوس إلى أصحاب النفوس، فإن ذلك المستفيض في كلام العرب. من كلامها المعروف: " ضِقت بهذا الأمر ذراعًا وذرعًا "=" وقررت بهذا الأمر عينًا "، والمعنى! ضاق به ذرعي، وقرّت به عيني، كما قال الشاعر: (89)
إِذَا التَيَّــازُ ذُو العَضَــلاتِ قُلْنَــا:
إلَيْـكَ إلَيْـكَ ! ضَـاقَ بِهـا ذِرَاعَـا (90)
فنقل صفة " الذراع " إلى " رب الذراع "، ثم أخرج " الذراع " مفسِّرة لموقع الفعل.
وكذلك وحد " النفس " في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " إذ كانت " النفس " مفسِّرة لموقع الخبر. (91)
* * *
وأما توحيد " النفس " من النفوس، لأنه إنما أراد " الهوى "، و " الهوى " يكون جماعة، كما قال الشاعر: (92)
بهَـا جِـيَفُ الحَسْـرَى، فَأَمَّـا عِظَامُهَا
فَبِيــضٌ، وأمّــا جِلْدُهَـا فَصَلِيـب (93)
وكما قال الآخر: (94)
فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا (95)
وقال بعض نحويي الكوفة: جائز في" النفس " في هذا الموضع الجمع والتوحيد،" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " و " أنفسًا "، و " ضقت به ذراعًا " و " ذَرْعًا " و " أذْرُعًا "، لأنه منسوب إليك وإلى من تخبر عنه، فاكتفى بالواحد عن الجمع لذلك، ولم يذهب الوهم إلى أنه ليس بمعنى جمع، لأن قبله جمعًا.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن " النفس " وقع موقع الأسماء التي تأتي بلفظ الواحد، مؤدِّيةً معناه إذا ذكر بلفظ الواحد، وأنه بمعنى الجمع عن الجميع.
* * *
وأما قوله: " هنيئًا "، فإنه مأخوذ من: " هنأت البعير بالقَطِران "، إذا جَرِب فعُولج به، كما قال الشاعر: (96)
مُتَبَــــذِّلا تَبْـــدُو مَحَاسِـــنُهُ
يَضَــعُ الهِنَــاء مَــوَاضِعَ النُّقْـبِ (97)
فكأنّ معنى قوله: " فكلوه هنيئًا مريئًا "، فكلوه دواء شافيًا.
* * *
يقال منه: " هنأني الطعام ومرَأني"، أي صار لي دواء وعلاجًا شافيًا،" وهنِئني ومرِئني" بالكسر، وهي قليلة. والذين يقولون هذا القول، يقولون: " يهنَأني ويمرَأني"، والذين يقولون: " هَنَأني" يقولون: " يَهْنِيني وَيمْريني". فإذا أفردوا قالوا: " قد أمرأني هذا الطعام إمراء ". ويقال: " هَنَأت القوم " إذا عُلتهم، سمع من العرب من يقول: " إنما سميت هانئًا لتهنأ "، بمعنى: لتعول وتكفي.
-------------------------
الهوامش :
(80) في المخطوطة: "عليه واجبة" ، ووضع على"عليه" حرف"ط" ، دلالة على الخطأ. والصواب ما كان في المطبوعة.
(81) "نحلة" (بكسر النون وسكون الحاء) مصدر مثل"حكمة". و"نحلا" (بضم النون وسكون الحاء) مصدر أيضًا مثل"حكم" (بضم الحاء).
(82) في المطبوعة: "إذا زوج أيمة" بالتاء في آخره ، وهو خطأ. يقال ، "امرأة أيم ، ورجل أيم: ". وهي من النساء التي لا زوج لها ، بكرًا كانت أو ثيبًا= ومن الرجال ، الذي لا امرأة له.
(83) وذلك هو"الشغار" شغار المتناكحين بغير مهر ، إلا بضع وليته أو أيمه. وكان ذلك من نكاح الجاهلية ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.
(84) في المخطوطة ، أسقط ذكر"الآية" التي وضعتها بين القوسين ، وفي المطبوعة جعلها"في الأول" ، والسياق يقتضي الزيادة كما أثبتها.
(85) الأثر: 8513-"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي". أبو روح ، روى عن شعبة. قال أحمد: "صدوق ، كانت فيه غفلة" ، مترجم في التهذيب. و"عمارة" الراوي عن عكرمة ، هو أبو"حرمي بن عمارة" هذا ، وهو"عمارة بن أبي حفصة العتكي". ثقة. مترجم في التهذيب.
أما قوله"عكرمة ، عن عمارة" فلم أعرف فيمن روى عنه عكرمة من يسمى"عمارة" وظني أنه خطأ من الناسخ ، إما أن يكون كرر"عمارة" ، أو يكون صوابه"عن ابن عباس" ، فسها وكتب"عن عمارة". ولذلك وضعتها بين قوسين.
(86) في المطبوعة: "سمعت ابن زيد يقول في قوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا" ، وهو كلام غير تام ، لم يذكر إلا نص الآية ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان سقط من الناسخ"فكلوه" ، فأثبتها.
(87) في المطبوعة: "أن يرجع أحدهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(88) في المخطوطة: "في غير ذكره أو هوان" ، والصواب ما في المطبوعة.
(89) هو القطامي.
(90) ديوانه: 44 ، معاني القرآن للفراء 1: 256 ، واللسان (تيز) ، ثم ج 20: 319 ، وقد استشهدت به فيما سلف 1: 446 ، تعليق: 6 ، فانظره ، من قصيدته التي مجد فيها زفر بن الحارث ، وهذا البيت في صفة ناقته التي أحسن القيام عليها حتى اشتدت وسمنت وامتلأت نشاطًا ، وقبله:
فَلَمَّــا أن جَــرَى سِــمَنٌ عَلَيْهَـا
كمــا بَطَّنْــتَ بــالفَدَن السَّـيَاعَا
أَمَــرْتُ بِهَــا الرِّجَـالَ ليأخُذُوهَـا
وَنَحْــنُ نَظُــنُّ أَنْ لَـنْ تُسْـتَطَاعَا
"السياع" الطين ، و"الفدن" القصر. وقلب الكلام ، وأصله: كما بطنت الفدن بالسياع ، فصار أملس. يصف سمنها حتى امتلأت واشتدت كأنها قصر مشيد. و"التياز": الكثير اللحم الغليظ الشديد. وقوله: "إليك ، إليك" ، أي خذها. يقول له: خذها واضبطها ، ولكنه لم يقو عليها ، وضاق بها ذراعًا. وقد رد ابن بري تفسير"إليك إليك" بمعنى: خذها لتركبها وتروضها ، وقال ، "هذا فيه إشكال ، لأن سيبويه وجميع البصريين ذهبوا إلى أن"إليك" بمعنى: تنح ، وأنها غير متعدية إلى مفعول ، وعلى ما فسروه في البيت ، يقتضي أنها متعدية ، لأنهم جعلوها بمعنى: خذها. ورواه أبو عمرو الشيباني: "لديك لديك" ، عوضًا من"إليك إليك". قال: وهذا أشبه بكلام العرب وقول النحويين ، لأن"لديك" بمعنى"عندك" و"عندك" في الإغراء تكون متعدية".
وعندي أن شرح الشراح في"إليك" صواب جيد ، وقد استدرك ابن بري اجتهاده ، ولم يصب فيما استدرك.
(91) "التفسير ، والمفسر": التمييز والمميز ، اصلاح الكوفيين ، انظر ما سلف في فهرس المصطلحات. وانظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 256.
(92) هو علقمة بن عبدة (علقمة الفحل).
(93) ديوانه: 27 ، وشرح المفضليات: 777 ، وسيبويه 1: 107 وسيأتي في التفسير 17: 10 (بولاق) ، من قصيدته في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني ، حين أسر أخاه شأسًا ، فرحل إليه علقمة يطلب فكه. وقوله: "بها جيف الحسري" ، الضمير عائد إلى"العلوب" في البيت السابق ، وهي آثار الطريق في متان الأرض ، و"الحسري" المعيية ، يتركها أصحابها فتموت ، و"الصليب": الودك الذي يسيل من جلودها إذا مضى على موتها زمن ، وهي تحت الشمس ووقدتها. يقول: ماتت وتقادم بها العهد ، فابيضت عظامها ، وتفانى جلدها فلم يبق منه على أرض الطريق سوى آثار الودك الذي سال من جلودها. والسياق: وأما جلدها ، فلا جلد ، إنما هو الصليب وحده.
والشاهد في البيت"جلدها" وقد أراد"جلودها".
(94) هو المسيب بن زيد مناة الغنوي.
(95) سيبويه 1: 107 ، وشرح المفضليات: 778 ، واللسان (شجا) ، وقبله:
لا تُنْكِــرُوا القَتْــل وَقَــدْ سُـبِينَا
يذكر قومًا سبوا من قومه ، فجاء قومه فقتلوا منهم ، فقال لهم: لا تنكروا قتلنا لكم ، وقد وقع علينا السباء؛ فإن نكن قتلنا منكم حتى صار القتل في حلوقكم كالعظم اعترض في مجراها ، ففي حلوقنا نحن أيضًا شجا قد اعترض ، هو سباؤكم من سبيتم منا. يقول: هذه بهذه.
والشاهد قوله: "في حلقكم" ، وقد أراد"حلوقكم".
(96) هو دريد بن الصمة.
(97) الشعر والشعراء 302 ، والأغاني 10: 22 ، واللسان (نقب) ، وغيرها ، من أبياته التي قالها حين مر بالخنساء بنت عمرو بن الشريد ، وهي تهنأ بعيرًا لها ، وقد تبذلت حتى فرغت منه ، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت ، ودريد يراها وهي لا تشعر به ، فأعجبته ، فانصرف إلى رحله يقول:
حَــيُّوا تُمَـاضِرَ وَارْبعُــوا صَحْـبى
وَقِفُــوا، فَــإِنَّ وُقُــوفَكُمْ حَسْـبى
أَخُنَــاسَ، قَــدْ هَـامَ الفُـؤَادُ بكُـمْ
وأصابَـــهُ تَبْــلٌ مِــنَ الحُــبِّ
مَــا إِنْ رَأَيْــتُ وَلا سَــمِعْتُ بِـه
كــاليَوْمَ طَــالِيَ أَيْنــقٍ جُــرْبِ
مُتَبَــــــذِّلا ... ... ... ... ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَحَسِّــرًا نَضَــحَ الهِنَــاءُ بِــه
نَضْــحَ العَبِــيرِ برَيْطَـةِ العَصْـبِ
فَسَـــلِيهِمُ عَنِّـــي خُنَــاسَ، إِذَا
عَـضَّ الجَـمِيعَ الخَـطْبُ: مَا خَطْبي?
ثم خطبها إلى أبيها فردته ، فهجاها ، وزعم أنها ردته لأنه شيخ كبير ، فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه. و"النقب": (بضم النون وسكون القاف) و"النقب" (بضم ففتح) جمع نقبة: أول الجرب حين يبدو.