تفسير الطبري
· آل عمرانافتح في القارئوَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾
القول في تأويل قوله : وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ورسولا "، ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، فترك ذكر " ونجعله " لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر:
وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى
مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (17)
* * *
وقوله: " أني قد جئتكم بآية من ربكم "، يعني: (18) ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل بأنه نبيّي وبشيري ونذيري (19) = وحجتي على صدقي على ذلك: " أني قد جئتكم بآية من ربكم "، يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم، كما:-
7085 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم "، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم. (20)
* * *
القول في تأويل قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم "، ثم بين عن الآية ما هي، فقال: " أني أخلق لكم ".
* * *
فتأويل الكلام: ورسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم، بأنْ أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.
* * *
&; 6-425 &;
" والطير " جمع " طائر ".
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعض أهل الحجاز: ( كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا )، على التوحيد.
* * *
وقرأه آخرون: ( كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا )، على الجماع فيهما. (21)
* * *
قال أبو جعفر: وأعجب القراءات إليّ في ذلك قراءة من قرأ: " كهيئة الطير فأنفخُ فيه فيكون طيرًا "، على الجماع فيهما جميعًا، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخطّ المصحف. واتباعُ خطّ المصحف مع صحة المعنى واستفاضة القراءة به، أعجب إليّ من خلاف المصحف.
* * *
وكان خلق عيسى ما كان يخلق من الطير، كما:-
7086 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق: أنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم، &; 6-426 &; فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة. (22)
* * *
وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطيرَ من الطين سألهم: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ فقيل له: الخفاش، كما:-
7087 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قوله: " أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير "، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " فأنفخ فيه "، وقد قيل: " أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير "؟
قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير. ولو كان ذلك: " فأنفخ فيها ". كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدة، فَتَنْفُخُ فِيهَا [سورة المائدة: 110]: (23) يريد: فتنفخ في الهيئة. (24) وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين: " فأنفخها "، بغير " في". (25) وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: " رب ليلة قد بتُّها، وبتُّ فيها "، قال الشاعر: (26)
&; 6-427 &;
مَـا شُـقَّ جَـيْبٌ وَلا قَـامَتْكَ نَائِحَـةٌ
وَلا بَكَــتْكَ جِيَــادٌ عِنْـدَ أَسْـلابِ (27)
بمعنى: ولا قامت عليك، وكما قال الآخر: (28)
إحْـدَى بَنِـي عَيِّـذِ اللـهِ اسْـتَمَرَّ بِهَا
حُـلْوُ العُصَـارَةِ حَـتَّى يُنْفَـخَ الصُّوَرُ (29)
* * *
&; 6-428 &;
القول في تأويل قوله : وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ
قال أبو جعفر: يعني بقوله: " وأبرئ"، وأشفي. يقال منه: " أبرأ الله المريض "، إذا شفاه منه،" فهو يُبرئه إبراءً"، و " بَرَأ المريض فهو يَبرَأ بَرْأ "، وقد يقال أيضًا: " بَرئ المريض فهو يبرَأ "، لغتان معروفتان.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الأكمه ".
فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بالليل، ويُبصر بالنهار.
ذكر من قال ذلك:
7088 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه. (30)
7089 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك.
ذكر من قال ذلك:
7090 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نحدَّثُ أن " الأكمه "، الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين. (31)
7091 - حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: " وأبرئ الأكمه والأبرص "، قال: كنا نحدّث أن الأكمه الذي يولد وهو أعمى، مضموم العينين. (32)
* * *
&; 6-429 &;
7092 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الأكمه، الذي يولد وهو أعمى.
* * *
وقال آخرون: بل هو الأعمى.
ذكر من قال ذلك:
7093 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأبرئ الأكمه "، هو الأعمى.
7094 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: الأعمى.
7095 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأكمه الأعمى.
7096 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور عن الحسن في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأعمى.
* * *
وقال آخرون: هو الأعمش.
ذكر من قال ذلك:
7097 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأعمش.
* * *
قال أبو جعفر: والمعروف عند العرب من معنى " الكمه "، العَمى، يقال منه: " كمِهَت عينه فهي تَكْمَه كمهًا، وأكمهتها أنا " إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل:
&; 6-430 &;
كَــمَّهَتْ عَيْنَيْــهِ حَــتَّى ابْيَضّتَـا
فَهْــوَ يَلْحَــى نَفْسَــهُ لَمَّـا نـزعْ (33)
ومنه قول رؤبة:
هَرَّجْــتُ فَــارْتَدَّ ارْتِـدَادَ الأكْمَـهِ
فِــي غَــائِلاتِ الحَــائِرِ المُتَهْتِـهِ (34)
* * *
وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجًا منه بهذه العِبر والآيات عليهم في نبوته، وذلك أن: الكَمَه والبرص لا علاج لهما، فيقدرَ على إبرائه ذو طِبّ بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله: إنه لله رسول، لأنه من المعجزات، مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالةً على نبوته.
* * *
فأما ما قال عكرمة من أن " الكمه "، العمش، وما قاله مجاهد: من أنه &; 6-431 &; سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما. لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيلُ إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتجَّ به عيسى على بني إسرائيل في نبوته، أنه يبرئ الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، لقدروا على معارضته بأن يقولوا: " وما في هذا لك من الحجة، وفينا خَلقٌ ممن يعالج ذلك، وليسوا لله أنبياءَ ولا رسلا "
ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا، من أنّ" الأكمه "، هو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلا ولا نهارًا. وهو بما قال قتادة: - من أنه المولود كذلك - أشبهُ، لأن علاجَ مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص.
* * *
القول في تأويل قوله : وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
قال أبو جعفر: وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له، كما:-
7098 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معفل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه = قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى &; 6-432 &; في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله.
* * *
وأما قوله: " وأنبئكم بما تأكلون "، فإنه يعني: وأخبرُكم بما تأكلون، مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه =" وما تدّخرون "، يعني بذلك: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه.
= يعلمهم أنّ من حجته أيضًا على نبوّته = مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره أنّ الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراءِ الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك عَلَمًا له على صدقه، وآيةً له على حقيقة قوله، من أنبيائه ورسله، وَمن أحبّ من خلقه = (35) إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه. (36)
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجِّمة والمتكهِّنة تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيب؟
قيل: إن المتنجِّم والمتكهِّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك، (37) أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه. ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج، ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه، (38) &; 6-433 &; من غير أصل تقدّم ذلك احتذاه، أو بنى عليه، أو فزع إليه، كما يفزَع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيِّه. (39) فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذِّبة على الله، أو المدَّعية علم ذلك، كما:-
7099 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرًا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب، فيما يزعمون. فكان عند رجل من المكتِّبين يعلمه كما يعلّم الغلمان، (40) فلا يذهب يعلمه شيئًا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرْملة، ما أذهب أعلّمه شيئًا إلا وحدته أعلمَ به منى! !
7100 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي: لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان غلمان القرية التي كان فيها، فيحدّث الغلمان بما يصنع آباؤهم.
7101 - حدثني يعقوب بن إبراهيم. قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم "، قال: كان عيسى ابن مريم، إذْ كان في الكتّاب، يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدَّخرون.
7102 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: إن عيسى ابن مريم كان يقول للغلام في الكتّاب: &; 6-434 &; " يا فلان، إن أهلكُ قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام، فتطعمني منه "؟
* * *
قال أبو جعفر: فهكذا فعل الأنبياء وحججها، إنما تأتي بما أتت به من الحجج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل، على غير الوجه الذي يأتي به غيرها، بل من الوجه الذي يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قِبَل الله.
* * *
وبنحو ما قلناه في تأويل قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7103 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه = عيسى ابن مريم يقوله.
7104 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7105 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء بن أبي رباح - يعني قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " - قال: الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه.
7106 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: " ما تأكلون "، ما أكلتم البارحةَ من طعام، وما خبأتم منه.
7107 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي قال: كان - يعني عيسى ابن مريم - يحدّث الغلمان وهو معهم في الكتّاب بما يصنع آباؤهم، وبما يَرْفعون لهم، وبما يأكلون. ويقول للغلام: &; 6-435 &; " انطلق، فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا "، فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء. (41) فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى! = فذلك قول الله عز وجل: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " = فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر! فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليس هم هاهنا، فقال: ما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير. قال عيسى: كذلك يكونون! ففتحوا عنهم، فإذا هم خنازير. فذلك قوله: عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [سورة المائدة: 78].
7108 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " وما تدخرون في بيوتكم "، قال: ما تخبأون مخافةَ الذي يمسك أن يخلفه. (42)
* * *
وقال آخرون: إنما عنى بقوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، ما تأكلون من المائدة التي تنـزل عليكم، وما تدخرون منها.
ذكر من قال ذلك:
7109 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، فكان القومُ لما سألوا المائدةَ فكانت خِوانًا ينـزل عليه أينما كانوا ثمَرًا من ثمار الجنة، (43) فأمر القوم أن &; 6-436 &; لا يخونوا فيه ولا يخبئوا ولا يدخروا لغد، بلاءٌ ابتلاهم الله به. فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئًا أنبأهم به عيسى ابن مريم، فقال: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ".
7110 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون "، قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها. قال: فكان أخذ عليهم في المائدة حين نـزلتْ: أن يأكلوا ولا يدّخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادّخروا وخانوا، فذلك قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة: 115].
= قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، معمر، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، ذلك.
* * *
وأصل " يدخرون " من " الفعل "،" يفتعلون " من قول القائل: " ذخرتُ الشيء " بالذّال،" فأنا أذخره ". ثم قيل: " يدّخر "، كما قيل: " يدَّكِرُ" من: " ذكرت الشيء "، يراد به " يذتخر ". فلما اجتمعت " الذال " و " التاء " وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وصيرتا " دالا " مشددة، صيروها عَدْلا بين " الذال " و " التاء ". (44) ومن العرب من يغلب " الذال " على " التاء "، فيدغم " التاء " في" الذال "، فيقول: وما تَذَّخِرون "،" وهو مذّخَر لك "،" وهو مُذَّكِر ".
واللغة التي بها القراءةُ، الأولى، وذلك إدغام " الذال " في" التاء "، وإبدالهما &; 6-437 &; " دالا " مشددة. لا يجوز القراءة بغيرها، لتظاهر النقل من القرأة بها، وهي اللغة الجُودَى، (45) كما قال زهير:
إنّ الكَــرِيمَ الَّــذِي يُعْطِيـكَ نَائِلَـهُ
عَفْــوًا, وَيُظْلَــمُ أَحْيَانًــا فَيَظَّلِـمُ (46)
يروى " بالظاء "، يريد: " فيفتعل " من " الظلم "، ويروى " بالطاء " أيضًا.
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ، وإحيائي الموتى، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، ابتداءً من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة = لعبرةً لكم ومتفكَّرًا، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم: " إني رسولٌ من ربكم إليكم "، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق =" إن كنتم مؤمنين "، يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها.
------------------------
الهوامش :
(17) مضى البيت وتخريجه في 1: 140.
(18) في المطبوعة: "بمعنى" ، والصواب من المخطوطة.
(19) في المطبوعة: "نبي وبشير ونذير" ، والصواب من المخطوطة. هذا ، وقوله: "ونجعله رسولا..." ، إلى قوله: "ونذيري" بيان عن قول الله تعالى لمريم: "رسولا إلى بني إسرائيل" - ثم ابتدأ في بيان قول عيسى عليه السلام: "أني قد جئتكم بآية" ، فقال عيسى عليه السلام: "وحجتي على صدقي في ذلك...". وكان في المخطوطة والمطبوعة: "على صدقي على ذلك" ، وهو لا يستقيم ، خطأ أو سهو من الناسخ ، والصواب ما أثبت.
(20) الأثر: 7085- سيرة ابن هشام 2: 230 ، تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7084 ، وكان في المطبوعة: تحقق بها نبوتي ، وأني رسول..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لرواية ابن هشام.
(21) في المطبوعة: "على الجماع كليهما" ، وفي المخطوطة"كلهما" أيضًا ، دون شرطة الكاف كأنه أراد أن يكتب"كليهما" ، ثم استدرك ، فترك عقدة الكاف على حالها ليعود فيجعلها"فيهما" وكذلك أثبتها.
(22) "حمير" (بضم الحاء وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة) ، تصغير"حمار" ، وهو مضبوط هكذا في المخطوطة ، وهو الصواب.
(23) في المطبوعة والمخطوطة: "فأنفخ فيها" ، وهو مخالف للتلاوة في سورة المائدة ، وهو سهو من الناسخ لقرب عهده بآية آل عمران ، وتابعه الناشرون.
(24) في المخطوطة والمطبوعة: "فأنفخ" أيضًا ، وهو متابعة للسهو السالف.
(25) هذا نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 214 ، وهو: (وفي إحدى القراءتين: "فأنفخها" وفي قراءة عبد الله بغير"في" ، وهو مما تقوله العرب: رب ليلة قد بت فيها وبتها). ولعله تصرف واختصار من الطبري نفسه كعادته في الذي ينقله عن الفراء ، وظني أن في نص الفراء خطأ ، وصوابه: "وهي قراءة عبد الله..".
(26) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري.
(27) الأغاني 17: 68 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 215. وهو من أبيات من خبرها أن عبيد الله بن زياد ، كان عدوًا لابن مفرغ ، فلما قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد يوم الزاب ، قال ابن مفرغ فيه ، وفي طغيانه عليه ، وهو عظة لكل جبار طاغية:
إِنَّ الَّــذِي عَــاشَ خَتَّــارًا بِذِمَّتِـه
وعـاشَ عبـدًا, قَتِيـلُ اللـه بـالزَّابِ
العَبْـدُ لِلْعَبْـدِ, لا أَصْـلٌ وَلاَ طــرَفٌ,
أَلْــوَتْ بِـــهِ ذَاتُ أظْفَـارٍ وأنْيَـابِ
إِنّ المَنَايَــا إِذَا مــا زُرْنَ طَاغِيَـةً
هَتَكْــنَ عَنْـهُ سُـتُورًا بَيْـنَ أبْـوَابِ
هَــلاَّ جُــمُوعَ نِــزَارٍ إذْ لَقِيتَهُـمُ
كُـنْتَ امْـرَءًا مِــنْ نِزَارٍ غَيْرَ مُرْتَابِ
لاَ أنْـتَ زَاحَـمْتَ عَـنْ مُلْـكٍ فَتَمنَعَهُ
وَلاَ مَـــدَدْتَ إلَــى قَـوْمِ بأَسْـبَابِ
مَـا شُـقَّ جَـيْبٌ وَلا نَـاحَتْكَ نَائِحَـةٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورواية الأغاني"ناحتك" ، جارية على القياس ، يقال: "ناحت المرأة" ، لازمًا ، و"ناحت المرأة زوجها" ، أما رواية الفراء وأبي جعفر ، فهي التي حذف من قوله: "قامتك" حرف الجر ، من"قامت عليك". والأسلاب جمع سلب (بفتحتين): وهو ما على المحارب والرجل من ثيابه وثياب الحرب ، فإذا قتل أخذ قاتله سلبه ، أي ما عليه من ثياب وسلاح ، وما معه من دابة. يقول: لست فارسًا من أهل الحرب والمعارك ، فيحبك فرسك ، فيبكيك عند مصرعك.
(28) لم أعرف قائله.
(29) "بنو عيذ الله" (بتشديد الياء المكسورة) ، وهم بنو عيذ الله بن سعد العشيرة بن مذحج."استمر بها": ذهب بها."حلو العصارة": حلو الأخلاق. والعصارة والعصير: ما يتحلب من الشيء إذا عصر. يقول: ذهب بها فلن تعود إلى يوم الدين.
(30) يقال: "خرج يتكمه في الأرض" ، إذا خرج متحيرًا مترددًا ، راكبًا رأسه ، لا يدري أين يتوجه.
(31) كان في المطبوعة: "مضموم العينين" ، وتوشك أن تكون في المخطوطة: " مغموم العينين" ، وأنا أرجح أنها الصواب ، فلذلك أثبتها على قرائى للخط. والأكمه أعمى ، مضموم العينين كان أو غير مضموم ، ولكنه من غم الشيء: إذ ستره ، فهو مغموم: مستور. ومنه الغمامة ، وهي غطاء يشد على عيني الناقة أو الثور أو غيرهما.
(32) كان في المطبوعة: "مضموم العينين" ، وتوشك أن تكون في المخطوطة: "مغموم العينين" ، وأنا أرجح أنها الصواب ، فلذلك أثبتها على قرائي للخط ، والأكمه أعمى ، مضموم العينين كان أو غير مضموم ، ولكنه من غم الشيء: إذا ستره ، فهو مغموم: مستور. ومنه الغمامة ، وهي غطاء يشد على عيني الناقة أو الثور أو غيرهما.
(33) المفضليات: 405 ، اللسان (كمه) في المطبوعة: {كِمِهَتْ عَيْنَاهُ} ، وهي رواية المفضليات وفيها"كمهت عيناه لما ابيضتا". والبيت من قصيدته الفذة. يذكر في هذه الأبيات التي قبل البيت ، بعض عدوه ، كان يريد سقاطه بعد احتناكه وشدته ، وكيف تلقى العداوة عن آبائه ، فسعى كما سعى آباؤه فلم يظفر من سويد بشيء ، فضرب لنفسه مثلا بالصفاة التي لا ترام ، فقال أن عدوه ظل:
مُقْعِيًــا يَــرْدِي صَفَـاةً لَـمْ تُـرَمْ
فِــي ذُرَى أَعْيَــطَ وَعْـرِ المُطَّلَـعْ
مَعْقِــلٌ يَــأْمَنُ مَــنْ كــانَ بِـهِ
غَلَبَــتْ مَــنْ قَبْلَــهُ أنْ تُقْتَلَــعْ
غَلَبَــتْ عَــادًا وَمَـــنْ بَعْــدَهُمْ
فَــأَبَتْ بَعْــدُ, فَلَيْسَــتْ تُتَّضَــعْ
لاَ يَرَاهـــا النَّـــاسُ إِلا فَــوْقَهُمْ
فَهْــيَ تَـأْتِي كَـيْفَ شَـاءَتْ وَتَـدَعْ
وَهْــوَ يَرْمِيهَــا, وَلَــنْ يَبْلُغَهــا,
رِعَـةَ الجَـاهِلِ يَـرْضَى مــا صَنَـعْ
كَــــمِهَتْ عَيْنَـــاهُ. . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقول: عمي من شدة ما يلقى ، أو أعمته هي بشدتها. فلما كف عنها ونزع ، ظل يلوم نفسه على تعرضه لها.
(34) ديوانه: 166 ، واللسان (كمه) (هرج) (تهته) وجاز القرآن 1: 93 ، وسيرة ابن هشام 2: 230 ، من قصيدة يذكر فيها نفسه وأيامه ، وقد سلفت منها أبيات كثيرة ، يذكر قبله خصما له قد بالغ في ضلاله ، فرده وزجره ، "هرج بالسبع": صاح به وزجره. و"الغائلات": التي تغوله وتهلكه. و"المتهته": الذي تهته في الأباطيل. أي تردد فيها. ورواية الديوان"في غائلات الخائب.." ، وهي قريب من قريب.
(35) قوله: "إنباءه" خبر"أن" في قوله آنفًا: "أن من حجته أيضًا على بنوته.. إنباءه".
(36) قوله"عليه" من تمام قوله: "الذي لا سبيل لأحد...".
(37) في المخطوطة والمطبوعة: "عند من يخبره بذلك" وسياق الضمائر يقتضي ما أثبت.
(38) في المطبوعة: "ولكن ابتدأ" ، والصواب ما أثبته ، ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة.
(39) الرئي: هو التابع من الجن ، يراه الإنسان أو الكاهن ، فيؤالفه ويعتاده ويحدثه بما يكذب به من النبأ عن المغيب.
(40) المكتب (بضم الميم وفتح الكاف وتشديد التاء المكسورة) على وزن"معلم": هو الذي يعلم الصغار الكتابة. ويقال أيضًا"المكتب" (بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء) على وزن"مبصر" وهو المعلم أيضًا.
(41) "يبكي عليهم" ، يلح عليهم بالبكاء ، عدى"بكى" بعلى ، لتضمينه معنى"الإلحاح".
(42) في المطبوعة: "ما تخبأون مخافة الذي يمسك أن لا يخلفه شيء" ، زاد في نص المخطوطة"لا" ، و"شيء". أما المخطوطة ففيها"... الذي يمسك أن يخلفه". وكلاهما لا معنى له. والمخطوطة مضطربة الحروف في هذا الموضع ، وأخشى أن يكون صواب الجملة: "ما تخبأون مخافة عليه ، الذي تمسكون خيفة عليه". وتركت نص المخطوطة ، على حاله في الأصل.
(43) في المطبوعة: "فكانت جرابًا ينزل عليه" ، وهو خطأ لا شك فيه ، وفي المخطوطة"حوابا" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت. والمائدة ، هي الخوان ، وقال أهل اللغة: "لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام ، وإلا فهي خوان".
(44) قوله"عدلا" ، أي متوسطة بينهما ، وهذا نص عبارة الفراء في معاني القرآن 1: 215.
(45) "الجودى" ، "فعلى" من"الأجود" مثل"أفضل ، وفضلى" ، ولم أرها مستعملة إلا قليلا عند أهل طبقة أبي جعفر. وانظر ما قاله الفراء في معاني القرآن 1: 215 ، 216.
(46) ديوانه: 152 وسيبويه 2: 421 ، والمخصص 2: 206 ، 207 ، واللسان (ظلم) وغيرها. هكذا جاء به أبو جعفر ، وصواب روايته ما جاء في ديوانه ، لأن قبله:
إنّ البَخِـيلَ مَلُـومٌ حَـيْثُ كَــانَ وَلـ
ـكِـنَّ الجـوادَ عَـلَى عِلاتِـهِ هَـرِمُ
هُــوَ الجَـوَادُ الَّـذِي يُعْطِيـكَ نائِلَـهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وانظر روايات مختلفة للبيت ، وبيان هذه الروايات في هذه الكتب وغيرها.
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠﴾
القول في تأويل قوله : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقًا لما بين يديّ من التوراة، ولذلك نصب " مصدّقًا " على الحال من جِئْتُكُمْ .
والذي يدل على أنه نصب على قوله : جِئْتُكُمْ ، دون العطف على قوله: وَجِيهًا ، قوله: " لما بين يديّ من التوراة ". ولو كان عطفًا على قوله وَجِيهًا ، لكان الكلام: ومصدّقًا لما بين يديه من التوراة، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم. (47)
* * *
وإنما قيل: " ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة "، (48) لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك. مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفَّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها، كما:-
7111 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار. (49)
7112 - حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومصدقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حُرّم عليكم "، كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب، وأشياء من الطير والحيتان. (50)
7113 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى. قال: وكان حُرّم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة، لحومُ الإبل والثُّروب، فأحلها لهم على لسان عيسى - وحرّمت عليهم الشحوم، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى - وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صِيصِيَةَ له، (51) وفي أشياء حرّمها عليهم، وشدّدها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى صلوات الله عليه.
7114 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: لحوم الإبل والشحوم. لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا.
7115 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن &; 6-440 &; جعفر بن الزبير: " ومصدقًا لما بين يدىّ من التوراة "، أي: لما سبقني منها -" ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم "، أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته. (52)
7116 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم.
* * *
القول في تأويل قوله : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم. كما:-
7117 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وجئتكم بآية من ربكم "، قال: ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.
7118 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وجئتكم بآية من ربكم "، ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها.
* * *
ويعني بقوله: " من ربكم "، من عند ربكم.
* * *
القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بآية من ربكم تعلمون بها يقينًا صدقي فيما أقول =" فاتقوا الله "، يا معشرَ بني إسرائيل، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنـزله على موسى، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه =" وأطيعون "، فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم ربي وربكم، فاعبدوه، فإنه بذلك أرسلني إليكم، وبإحلال بعض ما كان محرّمًا عليكم في كتابكم، وذلك هو الطريق القويمُ، والهدى المتينُ الذي لا اعوجاج فيه، (53) كما:-
7119 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم "، تبرِّيًا من الذي يقولون فيه - يعني: ما يقول فيه النصارى - واحتجاجًا لربه عليهم =" فاعبدوه هذا صراط مستقيم "، أي: هذا الذي قد حملتُكم عليه وجئتكم به. (54)
--------------------
الهوامش :
(47) انظر معاني القرآن للفراء 1: 216.
(48) انظر تفسير"لما بين يدي" و"لما بين يديه" فيما سلف من هذا الجزء: 160 ، 161.
(49) الآصار جمع إصر (بكسر فسكون): وهو العهد ، أي ما عقد من عقد ثقيل عليهم ، مثل قتلهم أنفسهم ، وما أشبه ذلك من قرض الجلد إذا أصابته النجاسة ، وغير ذلك من الأحكام المشددة.
(50) الثروب جمع ثرب (بفتح فسكون): وهي الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء والمصارين من الذبائح والأنعام.
(51) صيصية الديك (بكسر الصاد الأولى والثانية وفتح الياء الأخير) ، وجمعها الصياصي: هي الشوكة التي في رجل الديك. وقرون البقر يقال لها"الصياصي" ، ومنه قيل للحصون"الصياصي" لأن المقاتلين يحتمون بها كما تحتمي البقر بقرونها.
(52) الأثر: 7115- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو من تتمة الآثار التي كان آخرها رقم: 7085. وقوله: "وتخرجون من تباعته" ، أي من إثمه الذي تبعكم إن اقترفتموه. والتبعة والتباعة (بكسر التاء): ما كان فيه إثم يتبع به مقترفه ، يقال: "ما عليه من الله في هذا تبعة ، ولا تباعة".
(53) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1: 170-177 / 3: 140 ، 141.
(54) الأثر: 7119- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7115.
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " إن الله ربي وربكم فاعبدوه ".
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) بكسر " ألف "" إنّ" على ابتداء الخبر.
* * *
وقرأه بعضهم: ( أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ )، بفتح " ألف "" أنّ"، بتأويل: &; 6-442 &; وجئتكم بآية من ربكم، أنّ الله ربي وربكم، على ردّ" أن " على " الآية "، والإبدال منها.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا ما عليه قرأة الأمصار، وذلك كسر ألف " إن " على الابتداء، لإجماع الحجة من القرأة على صحة ذلك. وما اجتمعت عليه فحجةٌ، وما انفرد به المنفرد عنها فرأيٌ. ولا يعترضُ بالرأي على الحجة.
* * *
وهذه الآية وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجُّوه من أهل نجران، بإخبار الله عزّ وجل عن أن عيسى كان بريئًا مما نسبه إليه مَن نسبه إلى غير الذي وصفَ به نفسه، من أنه لله عبدٌ كسائر عبيده من أهل الأرض، إلا ما كان الله جل ثناؤه خصَّه به من النبوة والحجج التي آتاه دليلا على صدقه - كما آتى سائرَ المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم - وحُجةً على نبوته. (55)
---------------------------
الهوامش :
(55) في المطبوعة: "والحجة على نبوتهم" ، وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب. وقوله: "وحجة على نبوته" معطوف على قوله: "دليلا على صدقه" ، والضمير لعيسى ، وما بين المعطوف والمعطوف عليه فصل.
۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٥٢﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فلما أحسّ عيسى منهم الكفر "، فلما وَجد عيسى منهم الكفر.
* * *
" والإحساس "، هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [سورة مريم: 98].
فأما " الحَسُّ"، بغير " ألف "، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران: 152].
" والحَسُّ" أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت:
هَـلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ,
أَوْ يُبْكِـيَ الـدَّارَ مَـاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ? (56)
يعني بقوله: " أن تحس له "، أن ترقّ له.
* * *
فتأويل الكلام: فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: " مَن أنصاري إلى الله "؟، يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، (57) والمولِّين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، =" إلى الله " عز وجل؟
* * *
ويعني بقوله: " إلى الله "، مع الله.
وإنما حَسُن أن يقال: " إلى الله "، بمعنى: مع الله، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه، جعلوا مكان " مع "،" إلى " أحيانًا، وأحيانًا تخبر عنهما بـ" مع " فتقول: " الذود إلى الذود إبل "، بمعنى: إذا ضممتَ الذود إلى الذود صارت إبلا. فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه بـ" إلى "، ولم يجعلوا مكان " مع "" إلى ".
غيرُ جائز أن يقال: " قدم فلانٌ وإليه مالٌ"، بمعنى: ومعه مال. (58)
* * *
وبمثل ما قلنا في تأويل قوله: " مَنْ أنصاري إلى الله "، قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7120 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " من أنصاري إلى الله "، يقول: مع الله. (59)
7121 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " من أنصاري إلى الله "، يقول: مع الله.
* * *
وأما سبب استنصار عيسى عليه السلام من استنصر من الحواريين، فإن بين أهل العلم فيه اختلافًا.
فقال بعضهم: كان سبب ذلك ما:-
7122 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما بعث الله عيسى، فأمره بالدعوة، نفتْه بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمُّه يسيحون في الأرض. فنـزل في قرية على رجل فضافَهم وأحسن إليهم. وكان لتلك المدينة ملك جبارٌ معتدٍ، فجاء ذلك الرجل يومًا وقد وقعَ عليه همٌّ وحزن، فدخل منـزله ومريم عند امرأته. فقالت مريم لها: ما شأن زوجك؟ أراه حزينًا! قالت: لا تسألي! قالت: أخبريني! لعل الله يُفرِّج كربته! قالت: فإن لنا ملكًا يجعل على كلّ رجل منا يومًا يُطعمه هو وجنودَه &; 6-445 &; ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نَوبتُه اليوم الذي يريد أن نصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سعة! قالت: فقولي له لا يهتم، فإني آمر ابني فيدعُو له، فيُكْفَي ذلك. قالت مريم لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أمَّهْ، إني إن فعلت كان في ذلك شرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحسنَ إلينا وأكرمنا! قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك، فاملأ قُدُورك وخوَابيك ماء، ثم أعلمني. (60) قال: فلما ملأهنَّ أعلمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدُور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قطّ وإياه طعامًا. (61) فلما جاء الملك أكل، فلما شرب الخمرَ سأل: من أين هذه الخمر؟ قال له: هي من أرض كذا وكذا. قال الملك: فإنّ خمري أوتَي بها من تلك الأرض، فليس هي مثل هذه! قال: هي من أرض أخرى. فلما خلَّط على الملك اشتدّ عليه، قال: فأنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا اللهَ، فجعل الماءَ خمرًا. قال الملك = وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه = فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرًا، ليُستجابَنّ له حتى يُحييَ ابني! فدعا عيسى فكلمه، فسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه، فقال عيسى: لا تفعلْ، فإنه إن عاش كان شرًا. فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه، فلا أبالي ما كان. فقال عيسى عليه السلام: فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب أينما شئنا؟ قال الملك: نعم. فدعا الله فعاش الغلام. فلما رآه أهل مملكته قد عاش، تنادَوْا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف ابنه، فيأكلنا كما أكلنا أبوه!! فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمُّه، وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: شاركني. فقال اليهودي: نعم. فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهوديّ يريد أن يأكلَ الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء! فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله. فلما أصبحا قال له عيسى: هلمَّ طعامك! فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. فسكت عنه عيسى، فانطلقوا، فمروا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرْنا شاةً من غنمك. (62) قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها. فأرسل عيسى اليهوديّ، فجاء بالشاة فذبحوها وشوَوْها، ثم قال لليهودي: كل، ولا تكسِرنّ عظمًا. فأكلا. (63) فلما شبعوا، قذفَ عيسى العظام في الجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله! فقامت الشاة تَثغُو، فقال: يا صاحبَ الغنم، خذ شاتك. فقال له الراعي: من أنتَ؟ فقال: أنا عيسى ابن مريم. قال: أنت الساحر! وفرّ منه. قال: عيسى لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدَما أكلناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلف كان معه إلا رغيف واحد، فمرُّوا بصاحب بَقر، فنادى عيسى فقال: يا صاحب البقر، أجزرنا من بَقرك هذه عجلا. قال: ابعث صاحبك يأخذه. قال: انطلق يا يهوديّ فجئ به. فانطلق فجاءَ به. فذبحه وشواه وصاحبُ البقر ينظر، فقال له عيسى: كلْ ولا تكسِرَن عظمًا. فلما فرغوا، قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه، = وقال: قم بإذن الله. فقام وله خُوَارٌ، قال: خُذ &; 6-447 &; عجلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السحَّار! ثم فر منه. قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه! قالَ عيسى: فبالذي أحيَى الشاة بعد ما أكلناها، والعجلَ بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا، حتى نـزلا قريةً، فنـزل اليهودي أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عَصا مثل عصا عيسى وقال: أنا الآنَ أحيي الموتى! وكان ملك تلك المدينة مريضًا شديد المرض، فانطلق اليهودي يُنادي: من يبتغي طبيبًا؟ حتى أتى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه. فقيل له: إن وجع الملك قد أعيَى الأطباء قبلك، ليس من طبيب يُداويه ولا يُفيء دواؤه شيئًا إلا أمر به فصلب. (64) قال: أدخلوني عليه، فإني سأبرئه. فأدخل عليه فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت ويقول: قُم بإذن الله! فأخذ ليُصْلب، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم، أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم. فأحيى اللهُ الملكَ لعيسى، فقام وأنـزل اليهودي فقال: يا عيسى أنتَ أعظم الناس عليّ منةً، والله لا أفارقك أبدًا. قال عيسى = فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي = لليهودي: أنشُدك بالذي أحيى الشاة والعجلَ بعد ما أكلناهما، وأحيى هذا بعد ما مات، وأنـزلك من الجِذْع بعد ما رُفعت عليه لتصلب، كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس! فانطلقا، حتى مرّا على كنـز قد حفرته السباع والدواب، فقال اليهودي: يا عيسى، لمن هذا المال؟ قال عيسى: دعه، فإنّ له أهلا يهلكون عليه. فجعلت نفسُ اليهودي تَطلَّعُ &; 6-448 &; إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى. ومرّ بالمال أربعة نَفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه، فقال: اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نحملُ عليها هذا المال. فانطلق الرجلان فابتاعا دوابّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سَمًّا، فإذا أكلا ماتا، فكان المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم! ففعلا. وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعامُ والدوابّ بيني وبينك. فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا. وأعْلِم ذلك عيسى، (65) فقال لليهودي: أخرجه حتى نقتسمه، فأخرجه، فقسمه عيسى بين ثلاثة، فقال اليهودي: يا عيسى، اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت!! وما هذه الثلاثة؟ قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف. قال اليهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف، تعطيني هذا المال؟ فقال عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال: عيسى: خذ حظي وحظَّك وحظَّ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة. فلما حمله مَشى به شيئًا، فخُسِف به. (66) وانطلق عيسى ابن مريم، فمر بالحواريِّين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك. فقال: أفلا تمشون حتى نصطادَ الناس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فآمنوا به وانطلقوا معه. فذلك قول الله عز وجل: " مَنْ أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصارُ الله آمنا بالله واشهدْ بأنا مسلمون ".
7122م - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله "، الآية قال: استنصر فنصرَه الحواريون، وظهر عليهم.
* * *
وقال آخرون: كان سببُ استنصار عيسى من استنصرَ، لأن من استنصرَ الحواريِّين عليه كانوا أرادُوا قتله.
ذكر من قال ذلك:
7123 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " فلما أحس عيسى منهم الكفر "، قال: كفروا وأرادُوا قتله، فذلك حين استنصر قومه =" قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصارُ الله ".
* * *
" والأنصار "، جمع " نصير "، (67) كما " الأشراف " جمع " شريف "،" والأشهاد " جمع " شهيد ".
* * *
وأما " الحواريون "، فإن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي من أجله سموا " حواريون ".
فقال بعضهم: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
ذكر من قال ذلك:
7124 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: مما روى أبي قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: إنما سمُّوا " الحواريين "، ببياض ثيابهم.
* * *
وقال آخرون: سموا بذلك: لأنهم كانوا قَصّارين يبيِّضون الثياب.
ذكر من قال ذلك:
7125 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأة قال: " الحواريون "، الغسالون الذين يحوّرون الثياب، يغسلونها.
* * *
وقال آخرون: هم خاصّة الأنبياء وصفوتهم.
ذكر من قال ذلك:
7126 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، أن قتادة ذكرَ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان من الحواريين. فقيل له: من الحواريُّون؟ قال: الذين تصلح لهم الخلافة.
7127 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله: " إذ قال الحواريون "، قال: أصفِياء الأنبياء.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى " الحواريين "، قولُ من قال: " سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين ".
وذلك أن " الحوَر " عند العرب شدة البياض، ولذلك سمي" الحُوَّارَى " من الطعام " حُوّارَى " لشدة بياضه، (68) ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين " أحور "، وللمرأة " حوراء ". وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكرنا، من تبييضهم الثيابَ، وأنهم كانوا قصّارين، فعرفوا بصحبة عيسى، واختياره إياهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا، فجرى ذلك الاسم لهم، واستُعمل، &; 6-451 &; حتى صار كل خاصّة للرجل من أصحابه وأنصاره: " حواريُّه "، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم.
7128 -" إنّ لكلّ نبيَ حواريًّا، وَحوَاريَّ الزبير ". (69)
* * *
= يعني خاصته. وقد تسمي العرب النساء اللواتي مساكنهن القرَى والأمصار " حَوَاريَّات "، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن، ومن ذلك قول أبي جَلْدة اليشكري: (70)
فَقُــلْ لِلْحَوَارِيَّــاتِ يَبْكِـينَ غَيْرَنَـا
وَلا تَبْكِنَــا إلا الكِــلابُ النَّــوابِحُ (71)
* * *
ويعني بقوله: " قال الحواريون "، قال هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا، من تبييضهم الثياب: "آمنا بالله "، صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله عز وجل أن الإسلامَ دينُه الذي ابتعثَ به &; 6-452 &; عيسى والأنبياءَ قبله، لا النصرانية ولا اليهوديةَ = وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران، كما:-
7129 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فلما أحسّ عيسى منهم الكفر " والعدوان (72) =" قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله "، وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضلَ من ربهم =" واشهد بأنا مسلمون "، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفدَ نصارَى نجران. (73)
* * *
------------------------
الهوامش :
(56) معاني القرآن للفراء 1: 217 ، ومجالس ثعلب: 486 ، وإصلاح المنطق: 240 ، واللسان (حسس). والخضل: المتتابع الدائم الكثير الهمول. يتعجب من الباكي على أطلال أحبابه ، وما يرجو منها: أترق له ، أم تبكي لبكائه؟ يسفه ما يفعل. ثم انظر سائر ما قيل في هذا الحرف من اللغة في المراجع السالفة.
(57) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف 2: 489 / 5: 581.
(58) انظر ما سلف 1: 299 ، ثم انظر معاني القرآن للفراء 1: 218 ، وهذا مختصر مقالته.
(59) الأثر: 7120- مضى هذا الإسناد قديمًا برقم: 2100 ، "محمد بن الحسين بن موسى ابن أبي حنين الكوفي" ، روى عن عبيد الله بن موسى ، وأحمد بن المفضل ، وأبي غسان مالك بن إسماعيل. وهو صدوق قاله ابن أبي حاتم في كتابه 3 / 2 / 230. و"أحمد بن المفضل القرشي الأموي" الكوفي الحفري. روى عن الثوري ، وأسباط بن نصر ، وإسرائيل. روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهما قال أبو حاتم: "كان صدوقًا ، وكان من رؤساء الشيعة". مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 77.
(60) الخوابي جمع خابية: وهي الحب (بضم الحاء) ، والحب: جرة ضخمة يجعل فيها الماء والخمر وغيرهما.
(61) هذه الكلمة: "وإياه طعامًا" هكذا هي غير منقوطة في المخطوطة ، وأما المطبوعة ، فإنها جعلتها"وإياه طعامًا" ، ولم أجد لها وجهًا أرتضيه. وقد رأيت كل من نقل خبر السدي قد أسقط هذه الكلمة من روايته ، فأسقطها الثعلبي في قصص الأنبياء: 341 ، والبغوي في تفسيره (بهامش ابن كثير) 2: 146 ، والدر المنثور 2: 34 ، وغيرهم. وأنا أستبعد أن تكون زيادة من الناسخ ، وأقطع بأنها ثابتة في أصل أبي جعفر ، ولكني لم أجد لها وجهًا من وجوه التصحيف أحملها عليه ، ولكنها ولا شك تعني: "وهيأ طعامًا". وأرجو أن يوفق غيري إلى معرفة صوابها ، وأسأل الله أن يوفقني إلى مثله.
(62) في المخطوطة: "اجزر شاة" ، والصواب ما في المطبوعة: أجزره شاة: أعطاه شاة تصلح للذبح. وستأتي مرة أخرى على الصواب في حديث البقرة الآتي ، في المخطوطة.
(63) خالف بين الضمائر ، فقال"فأكلا" يعني عيسى وصاحبه ، ثم قال: "فلما شبعوا" ، يعني عيسى وصاحبه وأمه مريم عليهما السلام. وهذا سياق لا بأس به في مجاز العربية.
(64) أفا يفيء: رد وأرجع. يعني: لا يرد عليه عافيته. وفي المخطوطة: "لا يفي" ، وهذا صواب قراءتها.
(65) في المطبوعة: "أعلم ذلك لعيسى" ، والصواب ما في المخطوطة.
(66) قوله: "شيئًا" ، أي قليلا ، كقول سالم بن وابصة الأسدي:
غِنَـى النَّفْسِ مَـا يَكْـفِيكَ مِنْ سَدِّ خَلَّةٍ
فـإن زادَ شـيئًا, عَـادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرَا
وكقول عمر بن أبي ربيعة:
وقـالت لَهُـنَّ: ارْبَعْـنَ شـيئًا, لَعَلَّنِي
وَإنْ لامَنــي فِيمَــا ارْتَـأَيْتَ مُلِيـمُ
وهذا من نوادر اللغة ، مما أغفلت بيانه المعاجم.
(67) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف قريبًا: 443 ، تعليق: 2. والمراجع هناك.
(68) الحواري (بضم الحاء وتشديد الواو ، وراء مفتوحة): هو ما حور من الطعام ، أي بيض ، ودقيق حوارى: هو الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه.
(69) الأثر: 7128- ذكره الطبري بغير إسناد ، وهو من صحيح الحديث. أخرجه البخاري في مواضع (الفتح 6: 39 / 7: 64 ، 412 / 13: 203 ، 204) ، وأخرجه مسلم في صحيحه 15: 188. وكان في المطبوعة: "إن لكل نبي حواري" ، وصوابه ما أثبت. والرواية الأخرى بحذف: "إن" أي: "لكل نبي حواري".
(70) هو أبو جلدة بن عبيد بن منقذ اليشكري ، من شعراء الدولة الأموية ، كان من أخص الناس بالحجاج ، ثم فارقه وخرج مع ابن الأشعث ، وصار من أشد الناس تحريضًا على الحجاج. فلما قتل وأتى الحجاج برأسه ووضع بين يديه ، مكث ينظر إليه طويلا ثم قال: كم من سر أودعته هذا الرأس فلم يخرج منه حتى أتيت به مقطوعًا!!
(71) الؤتلف والمختلف للآمدي: 79 ، والأغاني 11: 311 ، والوحشيات: 36 ، وحماسة ابن الشجري: 65 ، واللسان (حور) ، وبعده.
بَكَــيْنَ إِلَيْنَــا خَشْــيَةً أَنْ تُبِيحَهَـا
رمَـاحُ النَّصَـارَى والسُّيُـوفُ الجوارحُ
بَكَــيْنَ لِكَيْمَــا يَمْنَعُــوهُنَّ مِنْهُـمُ
وَتَــأْبَى قُلُـوبٌ أَضْمَرَتْهـا الجَـوَانِحُ
يقولها تحريضًا وتحضيضًا على قتال أهل الشام.
(72) في سيرة ابن هشام: "والعدوان عليه".
(73) الأثر: 7129- سيرة ابن هشام 2: 230 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7119.
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿٥٣﴾
القول في تأويل قوله : رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْـزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين أنهم قالوا: " ربنا آمنا "، أي: صدّقنا =" بما أنـزلت "، يعني: بما أنـزلتَ على نبيك عيسى من كتابك =" واتبعنا الرسول "، يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلتَه به إلى عبادك = وقوله: " فاكتبنا مع الشاهدين "، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك.
يعرّف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيلَ الذين رضي أقوالهم وأفعالهم، ليحتذوا طريقهم، ويتبعوا منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامته = ويكذّب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة، في دعواهم على أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها = ويحتجُّ به على الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجران: بأنّ قِيلَ مَنْ رضي الله عنه من أتباع عيسى كان خلاف قِيلهم، ومنهاجهم غير منهاجهم، كما:-
7130 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " ربنا آمنا بما أنـزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين "، أي: هكذا كان قولهم وإيمانهم. (1)
------------------
الهوامش :
(1) الأثر: 7130- سيرة ابن هشام 2: 230 ، هو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7129.
وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ﴿٥٤﴾
القول في تأويل قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أنّ عيسى أحسّ منهم الكفر.
* * *
وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله، وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، بعد إخراج قومه إياه وأمّه من بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما:-
7131 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم إن عيسى سار بهم = يعني: بالحواريين الذين كانوا &; 6-454 &; يصطادون السمك، فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم = حتى أتى بني إسرائيل ليلا فصَاح فيهم، فذلك قوله: فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ الآية [سورة الصف: 14].
* * *
وأما مكر الله بهم: فإنه - فيما ذكر السدي - إلقاؤه شبَه عيسى على بعض أتباعه حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله عز وجل عيسى قبل ذلك، كما:-
7132 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: " ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين ". فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله عز وجل: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [سورة النساء: 157].
* * *
وقد يحتمل أن يكون معنى " مكر الله بهم "، استدراجُه إياهم ليبلغ الكتاب أجله، كما قد بينا ذلك في قول الله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [سورة البقرة: 15]. (2)
-----------------------
الهوامش :
(2) انظر ما سلف 1: 301-306.
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾
القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتلَ عيسى = مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم = إذ قال الله جل ثناؤه: " إني متوفيك "، فـ" إذ " صلةٌ من قوله: وَمَكَرَ اللَّهُ ، يعني: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى " إني متوفيك ورافعك إليّ، فتوفاه ورفعه إليه.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الوفاة " التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية.
فقال بعضهم: " هي وفاة نَوْم "، وكان معنى الكلام على مذهبهم: إني مُنِيمك ورافعك في نومك.
ذكر من قال ذلك:
7133 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إني متوفيك "، قال: يعني وفاةَ المنام، رفعه الله في منامه = قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: " إن عيسَى لم يمتْ، وإنه راجعٌ إليكم قبل يوم القيامة. (3)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، فرافعك إليّ، قالوا: ومعنى " الوفاة "، القبض، لما يقال: " توفَّيت من فلان ما لي عليه "، بمعنى: قبضته واستوفيته. قالوا: فمعنى قوله: " إني متوفيك ورافعك "، أي: قابضك من &; 6-456 &; الأرض حيًّا إلى جواري، وآخذُك إلى ما عندي بغير موت، ورافعُك من بين المشركين وأهل الكفر بك.
ذكر من قال ذلك:
7134 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق في قول الله: " إني متوفيك "، قال: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. (4)
7135 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " إني متوفيك "، قال: متوفيك من الأرض.
7136 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا "، قال: فرفعه إياه إليه، توفِّيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا.
7137 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن كعب الأحبار قال: ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيًا ومبشرًا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قِلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه: " إني متوفيك ورافعك إليّ"، وليس مَنْ رفعته عندي ميتًا، وإني سأبعثك على الأعوَر الدجّال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحيّ.
قال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث &; 6-457 &; قال: كيف تهلك أمة أنا في أوّلها، وعيسى في آخرها. (5)
7138 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " يا عيسى إني متوفيك "، أي قابضُك.
7139 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إني متوفيك ورافعك إليّ"، قال: " متوفيك ": قابضك = قال: " ومتوفيك " و " رافعك "، واحدٌ = قال: ولم يمت بعدُ، حتى يقتل الدجالَ، وسيموتُ. وقرأ قول الله عز وجل: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا ، قال: رفعه الله إليه قبل أن يكون كهلا = قال: وينـزل كهلا.
7140 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله عز وجل: " يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي"، الآية كلها، قال: رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إني متوفيك وفاةَ موتٍ.
ذكر من قال ذلك:
7141 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " إني متوفيك "، يقول: إني مميتك.
7142 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني أنه قال: توفى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار حتى رفعه إليه.
&; 6-458 &;
7143 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ الله.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنـزالي إياك إلى الدنيا. وقال: هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قولُ من قال: " معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ"، لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينـزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكَرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
7144 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليهبطنّ اللهُ عيسى ابن مريم حَكمًا عدلا وإمامًا مُقسِطًا، يكسر الصَّليب، ويقتل الخنـزير، ويضَعُ الجزية، ويُفيضُ المالَ حتى لا يجد من يأخذه، وليسكنّ الرّوْحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليُثَنِّينَّ بهما جميعًا. (6)
&; 6-459 &;
7145 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنبياء إخوَةٌ لعَلاتٍ، أمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه خليفتي على أمتي. وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبط الشعر، كأن شَعرَه يقطُر، وإن لم يصبه بَللٌ، بين مُمصَّرَتين، يدق الصّليبَ، ويقتل الخنـزير، ويُفيضُ المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه المِللَ كلها، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضّلالة الكذّاب الدجال وتقعُ في الأرض الأمَنَةُ حتى ترتع الأسُود مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمانُ بالحيات، لا يَضرُّ بعضُهم بعضًا، فيثبت في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه. (7)
* * *
&; 6-460 &;
قال أبو جعفر: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يُميتهم ثم يُحييهم، كما قال جلّ ثناؤه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [سورة الروم: 40].
* * *
&; 6-461 &;
فتأويل الآية إذًا: قال الله لعيسى: يا عيسى، إني قابضك من الأرض، ورافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا فجحدوا نبوّتك.
* * *
وهذا الخبر، وإن كان مخرجه مخرجَ خبر، فإن فيه من الله عز وجل احتجاجًا على الذين حاجُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في عيسى من وفد نجرانَ بأن عيسى لم يُقتَل ولم يُصْلب كما زعموا، وأنهم واليهودَ الذين أقرُّوا بذلك وادَّعوا على عيسى - كذَبةٌ في دعواهم وزعمهم، كما:-
7146 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ثم أخبرهم - يعني الوفد من نجران - وردّ عليهم فيما أقرُّوا لليهود بصلبه، (8) كيفَ رفعه وطهره منهم، فقال: " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ". (9)
* * *
وأما " مطهِّرك من الذين كفروا "، فإنه يعني: منظّفك، فمخلّصك ممن كفر بك، وجحد ما جئتهم به من الحق من اليهود وسائر الملل غيرها، كما:-
7147 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " ومطهرك من الذين كفروا "، قال: إذْ همُّوا منك بما همّوا. (10)
7148 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، &; 6-462 &; عن الحسن في قوله: " ومطهرك من الذين كفروا "، قال: طهَّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم [من] جميع أهل الملل، (11) فكذّبوا بما جئت به وصدّوا عن الإقرار به، فمصيِّرهم فوقهم ظاهرين عليهم، كما:-
7149 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.
7150 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، ثم ذكر نحوه.
7151 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 6-463 &; ابن جريج: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، ثم ذكر نحوه.
7152 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، قال: ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة.
7153 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، أما " الذين اتبعوك "، فيقال: هم المؤمنون، = ويقال: بل هم الرّوم. (12)
7154 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "، قال: جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وجاعل الذين اتبعوك من النصارى فوق اليهود.
ذكر من قال ذلك:
7155 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، قال: الذين كفروا من بني إسرائيل =" وجاعل الذين اتبعوك "، قال: الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم =" فوق الذين كفروا "، النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون.
* * *
&; 6-464 &;
القول في تأويل قوله : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ثم إليّ"، ثم إلى الله، أيها المختلفون في عيسى =" مرجعكم "، يعني: مصيركم يوم القيامة =" فأحكم بينكم "، يقول: فأقضي حينئذ بين جَميعكم في أمر عيسى بالحق =" فيما كنتم فيه تختلفون " من أمره.
وهذا من الكلام الذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أن قوله: " ثم إليَّ مرجعكم "، إنما قُصد به الخبرُ عن متَّبعي عيسى والكافرين به.
وتأويل الكلام: وجاعلُ الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إليّ مَرجعُ الفريقين: الذين اتبعوك، والذين كفروا بك، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. ولكن ردَّ الكلام إلى الخطاب لسبوق القول، (13) على سبيل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج على وجه الحكاية، كما قال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: 22]. (14)
--------------------
الهوامش :
(3) الأثر: 7133- هو أثر مرسل ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 36 ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم ، وساقه ابن كثير في تفسيره 2: 150 بإسناد ابن أبي حاتم.
(4) الأثر: 7134-"علي بن سهل الرملي" ، ثقة. مضت ترجمته رقم: 1384."ضمرة ابن ربيعة الفلسطيني الرملي" ، قال ابن سعد: "كان ثقة مأمونًا خيرًا ، لم يكن هناك أفضل منه". وقال آدم بن أبي إياس: "ما رأيت أحدًا أعقل لما يخرج من رأسه منه". وهو رواية ابن شوذب. مترجم في التهذيب."ابن شوذب" هو: عبد الله بن شوذب الخراساني. ثقة. مترجم في التهذيب. و"مطر الوراق" هو: مطر بن طهمان الوراق. مضى في رقم: 1913.
(5) الأثر: 7137- خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 36 ، ونسبه للطبري وحده ، وقال: "وأخرج ابن جرير بسند صحيح" ، وذكر الأثر ، وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث مرسل ، ومهما كان سنده صحيحًا ، فإن روايته كعب الأحبار إنما هي لا شيء ، ولا يحتج بها. وصدق معاوية في قوله في كعب الأحبار: "إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب" ، رواه البخاري.
(6) الحديث: 7144- سلمة: هو ابن الفضل الأبرش. رجحنا توثيقه في: 246.
حنظلة بن علي بن الأسقع الأسلمي - ويقال"السلمي"-: تابعي ثقة معروف.
والحديث رواه أحمد في المسند: 7890 (ج 2 ص 290-291 حلبي) ، بنحوه ، مطولا ، عن يزيد ، وهو ابن هارون ، عن سفيان ، وهو ابن حسين ، عن الزهري ، عن حنظلة.
ورواه أحمد قبل ذلك ، مختصرًا: 7271 ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة. و : 7667 ، عن عبد الرزاق ، عن معمر - كلاهما عن الزهري ، عن حنظلة.
ورواه أيضًا مختصرًا: 10671 (ج 2 ص 513) ، من طريق ابن أبي حفصة. و: 10987 (ج 2 ص 540) ، من طريق الأوزاعي - كلاهما عن الزهري ، عن حنظلة.
وهذه الرواية المختصرة عند أحمد - رواها مسلم 1: 356-357.
وروى أحمد معنى هذا الحديث مفرقًا في أحاديث ، من طرق عن أبي هريرة. انظر المسند: 7267 ، 7665 ، 7666 ، 9110 (ج 2 ص 394) ، 9312 (ص 411) ، 10266 (ص 482-483) ، 10409 (ص 493-494) ، 10957 (ص 538).
وذكر ابن كثير كثيرًا من طرقه ورواياته ، في التفسير 3: 15-16. وانظر أيضًا تاريخه 2: 96-101.
قوله: "أو ليثنين بهما"- هذا هو الصواب الثابت في المخطوطة ، والصحيح المعنى. ووقع في المطبوعة"أو يدين بهما"!! وهو تخليط لا معنى له.
(7) الحديث: 7145- إسناده ضعيف جدًا. وأصل الحديث صحيح ، كما سيأتي.
الحسن بن دينار البصري ، كذاب لا يوثق به. وقد مضت ترجمته في: 682.
عبد الرحمن بن آدم البصري ، صاحب السقاية ، مولى أم برثن: تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج له مسلم في صحيحه ، وترجمنا له في شرح المسند: 7213.
والحديث سيأتي بإسناد آخر صحيح: من رواية سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة بهذا الإسناد نحوه (ج 6 ص 16 بولاق).
وقد رواه أحمد في المسند: 9259 (ج 2 ص 406 حلبي) ، عن عفان ، عن همام ، عن قتادة ، به نحوه.
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 2: 595 ، من طريق عفان. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكر ابن كثير في التفسير 3: 16 ، من رواية أحمد بن عفان. ثم أشار إلى أن أبا داود رواه من طريق همام ، ثم أشار إلى رواية الطبري الآتية ، من طريق ابن أبي عروبة.
ورواه أحمد أيضًا: 9630 (ج 2 ص 437) ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، به نحوه.
ثم رواه: 9631 ، من طريق هشام ، و: 9632 ، من طريق شيبان - كلاهما عن قتادة. ولم يذكر لفظه.
ونقله ابن كثير في التاريخ 2: 98-99 ، عن رواية ابن أبي عروبة في المسند ، وأشار إلى روايتي أحمد وأبي داود من طريق همام.
وليس في هذه الروايات ولا في رواية الطبري الآتية-: الكلمة التي هنا في رواية الحسن بن دينار: "وإنه خليفتي على أمتي". وهي عندنا كلمة شاذة ، انفرد بروايتها رجل غير موثق به.
وصدر هذا الحديث رواه أحمد ، والبخاري ، وابن حبان ، من أوجه ، عن أبي هريرة. وانظر تفسير ابن كثير 3: 16 ، وتاريخه 2: 98-99.
قوله: "إخوة لعلات" - بفتح العين المهملة وتشديد اللام- قال ابن الأثير: "أولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة".
قوله: "وإنه نازل" - نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان: مما لم يختلف فيه المسلمون ، لورود الأخبار المتواترة الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره طائفة طيبة منها ، ج 3 ص 15-24. وهذا معلوم من الدين بالضرورة ، لا يؤمن من أنكره.
قوله: "مربوع الخلق" - بفتح الخاء وسكون اللام- المربوع: هو بين الطويل والقصير. يقال: رجل ربعة ومربوع.
"الشعر السبط": المنبسط المسترسل.
قوله: "بين ممصرتين" - الممصرة من الثياب ، بتشديد الصاد المهملة المفتوحة: هي التي فيها صفرة خفيفة.
(8) في المطبوعة: "فيما أخبروا هم واليهود بصلبه" ، وما أثبته هو نص المخطوطة ولكن الناسخ أساء كعادته فكتب"أحروا لليهود" كأنها حاء ، فبدل الناشر لما شاء كما شاء. ومع ذلك ، فالذي في المخطوطة هو نص ابن هشام أيضًا على الصواب.
(9) الأثر: 7146- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7130.
(10) الأثر: 7147- سيرة ابن هشام 2: 231 ، تتمة الأثر السالف رقم: 7146.
(11) في المطبوعة: "وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل" ، وفي المخطوطة: "وخالفوا سبيلهم جميع وهل الملل" ، والصواب زيادة [من] ، يعني: وخالفوا سبيل الذين اتبعوك ، من جميع أهل الملل. أهو صواب المعنى ، إن شاء الله.
(12) في المطبوعة: "فيقال هم المؤمنون ، ليس هم الروم" بدل ما في المخطوطة ، والروم كانوا هم النصارى يومئذ ، ويعني بالمؤمنين فيما سلف ، أهل الإسلام ممن لم يبدل ولم يقل في عيسى ما قالت النصارى بعد.
(13) في المطبوعة: "لسوق القول" وهو خطأ لا معنى له. وفي المخطوطة"لسوق" غير منقوطة ، فلم يحسن قراءتها. والطبري يكثر استعمال"سبوق" مصدر"سبق" ، كما أشرت إليه في 4: 287 ، تعليق: 4 / ثم ص: 427 ، تعليق: 1 / ثم ص: 446 ، تعليق: 4 ، وغيره من المواضع. ويعني بقوله: "لسبوق القول" مثل ما مضى من قوله في 1: 153 أن من شأن العرب"إذا حكت ، أو أمرت بحكاية خبر يتلو القول ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبر عن غائب ثم تعود إلى الخطاب ، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب". والقول هنا هو قوله تعالى: "إذ قال الله يا عيسى...". ومعنى ما قال الطبري ، أن قوله تعالى: "ثم إلي مرجعكم..." إنما هو في أمر الذين اختلفوا في أمر عيسى ، وقالوا فيه ما قالوا من اليهود والنصارى وغيرهم ، وأمر الذين قالوا فيه الحق ولم يمتروا فيه أنه عبد الله ورسوله. وذلك بعد أن كان الخطاب إلى عيسى نفسه ، وكان ذكر الذين اتبعوه والذين كفروا به ، غائبًا في خطاب عيسى ، فرد الخطاب إليهم في آخر الآية.
(14) انظر ما سلف 1: 153 ، 154 / 3: 304 ، 305.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ﴿٥٦﴾
القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأما الذين كفروا "، فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملتك، وكذّبوا بما جئتهم به من الحق، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يُضيفوك إليه، من اليهود والنصارى وسائر أصناف الأديان، فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم خالدين فيها أبدًا =" وما لهم من ناصرين "، يقول: وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٥٧﴾
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
وأما قوله: " وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات "، فإنه يعني تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى - يقول: صدّقوك - فأقروا بنبوتك وبما جئتهم به من الحقّ من عندي، ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به، وعملوا بما فرضتُ من فرائضي على لسانك، وشرعتُ من شرائعي، وسننتُ من سنني. كما:
7156 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " وعملوا الصالحات "، يقول: أدوا فرائضي.
* * *
=" فيوفيهم أجورَهم "، يقول: فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه.
* * *
وأما قوله: " والله لا يحب الظالمين "، فإنه يعني: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، أو وضع شيئًا في غير موضعه.
فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عبادَه، فيجازي المسيءَ ممن كفر جزاءَ المحسنين ممن آمن به، أو يجازي المحسنَ ممن آمن به واتبعَ أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه، جزاءَ المسيئين ممن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه. فقال: إني لا أحبّ الظالمين، فكيف أظلم خلقي؟
* * *
وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، فإنه وعيدٌ منه للكافرين به وبرسله، (15) ووعد منه للمؤمنين به وبرسله، (16) لأنه أعلم الفريقين جميعًا أنه لا يبخسُ هذا المؤمن حقه، ولا يظلمُ كرامته فيضعها فيمن كفر به وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالمًا. -----------------------
الهوامش :
(15) في المطبوعة: "كأنه وعيد منه" ، وهو خطأ بين ، لم يحسن قراءة المخطوطة لسوء خط الناسخ.
(16) في المخطوطة: "ووعيد منه للمؤمنين" ، وهو خطأ بين ، والصواب ما في المطبوعة.
ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴿٥٨﴾
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ذلك "، هذه الأنباءَ التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمِّه مريم، وأمِّها حَنَّة وزكريا وابنه يحيى، وما قصَّ من أمر الحواريين واليهودَ من بنى إسرائيل =" نتلوها عليك "، يا محمد، يقول: نقرؤها عليك يا محمد على لسان جبريل صلى الله عليه وسلم، (17) بوحيناها إليك =" من الآيات "، يقول: من العبر والحجج على من حاجَّك من وفد نصارى نجران، (18) ويهود بني إسرائيل الذين كذَّبوك وكذبوا ما جئتهم به من الحق من عندي =" والذكر "، يعني: والقرآن (19) =" الحكيم "، يعني: ذي الحكمة الفاصلة بين الحقّ والباطل، (20) وبينك وبين ناسبي المسيح إلى غير نسبه، كما:-
7157 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم "، القاطع الفاصل الحقّ، الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره. (21)
7158 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم "، قال: القرآن.
7159 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " والذكر "، يقول: القرآن =" الحكيم " الذي قد كمَلَ في حكمته.
------------------------
الهوامش :
(17) انظر معنى"التلاوة" فيما سلف 2: 411 ، 569.
(18) انظر معنى"الآيات" ، فيما سلف قريبًا ، ومادة (أيي) من فهارس اللغة.
(19) انظر تفسير"الذكر" فيما سلف 1: 94 ، 99.
(20) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف ، في مادة (حكم) من فهارس اللغة.
(21) الأثر: 7157- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7147 ، وكان في المطبوعة: "فلا يقبلن" بالياء ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: إن شبه عيسى في خلقي إياه من غير فحل = فأخبرْ به، يا محمد، الوفدَ من نصارى نجران = عندي، كشبه آدمَ الذي &; 6-468 &; خلقتُه من تراب ثم قلت له: " كن "، فكان من غير فحل ولا ذكر ولا أنثى. يقول: فليس خلقي عيسى من أمه من غير فحل، بأعجب من خلقي آدم من غير ذكر ولا أنثى، وأمري إذ أمرته أن يكون فكان لحمًا. يقول: فكذلك خلقى عيسى: أمرتُه أن يكون فكانَ. (22)
* * *
وذكر أهل التأويل أن الله عز وجل أنـزل هذه الآية احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الوفد من نصارى نجران الذين حاجُّوه في عيسى.
ذكر من قال ذلك:
7160 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر قال: كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى في عيسى قولا فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية في سورة آل عمران: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "، إلى قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ .
7161 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "، وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد صلى الله عليه وسلم = وكان فيهم السيّد والعاقب = فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسَى، تزعم أنه عبدُ الله! فقال محمد: &; 6-469 &; أجل، إنه عبد الله. قالوا له: فهل رأيت مثلَ عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم بأمر ربِّنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم "، إلى آخر الآية.
7162 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "، ذكر لنا أنّ سيِّديْ أهل نجران وأسقُفَّيْهم: السيد والعاقبُ، لقيا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن عيسى فقالا كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنـزل الله عز وجل فيه هذه الآية: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ".
7163 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب "، لما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع به أهل نجران، أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم. منهم: العاقب، والسيد، وما سَرجس، ومار يحز. (23) فسألوه ما يقول &; 6-470 &; في عيسى، فقال: هو عبد الله ورُوحُه وكلمته. قالوا هم: لا! ولكنه هو الله، نـزل من ملكه فدَخل في جوف مريم، ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمرَه! فهل رأيتَ قَط إنسانًا خُلق من غير أب؟ فأنـزل الله عز وجل: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ". 7164 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح، عن عكرمة قوله: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "، قال: نـزلت في العاقب والسيد من أهل نجران، وهما نصرانيان. = قال ابن جريج: بلغنا أنّ نصارى أهل نجران قدم وفدُهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم السيد والعاقبُ، وهما يومئذ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد، فيما تشتمُ صاحبنا؟ قال: من صاحبكما! قالا عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل، إنه عبدُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقًا فأرنا عبدًا يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، الآية، لكنه الله. فسكتَ حتى أتاه جبريلُ فقال: يا محمد: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [سورة المائدة: 17، 72] الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، إنهم سألوني أن أخبرَهم بمثَل عيسى. قال جبريل: مثلُ عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كُن فيكون. فلما أصبحوا عادُوا، فقرأ عليهم الآيات.
7165 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " إن مثل عيسى عند الله "، فاسمع، (24) " كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين "، فإن قالوا: &; 6-471 &; خُلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدمَ من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كانَ عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبَشرًا، فليس خلقُ عيسى من غير ذكر بأعجبَ من هذا. (25)
7166 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله عز وجل: " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب "، قال: أتى نجرانيَّان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا له: هل علمتَ أنّ أحدًا وُلد من غير ذكر، فيكون عيسى كذلك؟ قال: فأنـزل الله عز وجل: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "، أكان لآدم أب أو أم! ! كما خلقت هذا في بطن هذه؟
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فكيف قال: " كمثل آدم خلقه "،" وآدم " معرفة، والمعارفُ لا تُوصَل؟
قيل: إن قوله: " خلقه من تراب " غير صلة لآدم، (26) وإنما هو بيان عن أمره على وجه التفسير عن المثل الذي ضربه، وكيف كان. (27)
* * *
وأما قوله: " ثم قال له كن فيكون "، فإنما قال: " فيكون " وقد ابتدأ الخبر عن خلق آدم، وذلك خبر عن أمر قد تقضَّى، وقد أخرجَ الخبر عنه مُخرَج الخبر عما قد مضَى فقال جل ثناؤه: " خلقه من تراب ثم قال له كن "، لأنه بمعنى الإعلام من الله نبيَّه أن تكوينه الأشياء بقوله: " كن "، ثم قال: " فيكون "، خبرًا مبتدأ، وقد تناهى الخبر عن أمر آدم عند قوله: " كنْ". (28)
فتأويل الكلام إذًا: " إن مثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن "، واعلم، يا محمد، أن ما قال له ربك " كن "، فهو كائن.
فلما كان في قوله: " كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن "، دلالةٌ على أن الكلام يرادُ به إعلام نبي الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلقه أنه كائن ما كوّنه ابتداءً من غير أصل ولا أوّل ولا عُنصر، استغنى بدلالة الكلام على المعنى، وقيل: " فيكون "، فعطف بالمستقبل على الماضي على ذلك المعنى.
* * *
وقد قال بعض أهل العربية: " فيكون "، رفع على الابتداء، ومعناه: كن فكان، فكأنه قال: فإذا هو كائن.
-------------------
الهوامش :
(22) في المطبوعة والمخطوطة: "بأعجب من خلقى آدم من غير ذكر ولا أنثى (فكان لحمًا يقول) ، وأمري إذ أمرته أن يكون فكان. فكذلك خلقى عيسى..." وهي عبارة مضطربة اضطرابًا فاسدًا جدًا ، وذلك أن الناسخ عجل نظره وهو ينسخ فكتب ما وضعته بين القوسين آنفًا في هذا المكان ثم استمر يكتب ، ثم نسي أن يضرب على هذا الكلام ويعيده إلى مكانه فإن قوله: "وأمري إذ أمرته" معطوف على قوله"بأعجب من خلقى آدم" ، وغير ممكن أن يفصل بينهما بمثل قوله: "فكان لحمًا يقول" ، واستظهرت أن مكانها حيث أثبت في آخر الجملة ، فرددتها إلى مكانها ، فاستقام الكلام إن شاء الله.
(23) هكذا جاء الاسمان في المخطوطة والمطبوعة ، أما "ماسرجس" فالمشهور"مَارَسَرْجِسَ" ، وهكذا رأيته في أشعارهم كقول جرير للأخطل:
قــال الأُخَــيْطِلُ إِذْ رَأَى رَايَـاتِهِمْ
يَامَــارَ سَــرْجِسَ لا نُرِيـدُ قِتَـالاَ
ويقولن فيه أيضًا: "مارسرجيس" بالياء ، كما قال الأخطل:
لَمَّــا رَأَوْنَــا وَالصَّلِيــبَ طَالِعَـا
وَمَــارَ سَــرْجِيسَ وســمًّا ناقِعَـا
وهذا الذي ذكره جرير والأخطل رجل مشهور من قديسيهم. وأما "ماريحز" ، فلم أعرف ضبطه وأظنه غير صحيح ، وكأنه مصحف ، وقد جاء في الدر المنثور 2: 37"مار بحر" ، وقد ذكر ابن هشام في سيرته 2: 224 ، أسماء الأربعة عشر الذين يؤول إليهم وفد نصارى نجران. فلم أجد فيها"ماسرجس" ولا"مار يحز" ، وأخشى أن يكون"مار يحنس" فقد ذكر فيهم"يحنس" ، ولكنه رجم لا أحققه.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: "فاسمع" ، وفي سيرة ابن هشام: "فاستمع".
(25) الأثر: 7165- سيرة ابن هشام 2: 231 ، 232 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7157 ، ولكن أبا جعفر اختصر كلام ابن إسحاق هنا ، ولكنه سيسوقه وما حذف منه ، برقم: 7169.
(26) يعني بقوله"صلة" التابع ، وهو النعت بالجملة. فإن شرط النعت بالجملة أن يكون المنعوت نكرة لفظًا أو معنى ، وأن يكون في الجملة ضمير ملفوظ أو مقدر يربطها بالموصوف ، وأن تكون الجملة خبرية. فهذه ثلاثة شروط ، أحدها في المنعوت ، وشرطان في جملة النعت.
(27) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1: 219.
(28) انظر الفقرتين الآتيتين ، ففيهما تفسير هذه الجملة السالفة. ولقد بين الطبري عنها بيانًا شافيًا قل أن تظفر بمثله في كتاب من كتب التفسير أو غيرها. والمذهب الذي ذهب إليه أبو جعفر في تفسيره ، هو عندي أرجح من القول الآتي ، وهو الذي اشتهر في كتب التفسير.
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾
القول في تأويل قوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذي أنبأتك به من خبر عيسى، وأنَّ مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ربه كُنْ = هو الحق من ربك، يقول: هو الخبر الذي هو من عند ربك =" فلا تكن من الممترين "، يعني: فلا تكن من الشاكين في أنّ ذلك كذلك، (29) كما:-
7167 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " الحق من ربك فلا تكن من الممترين "، يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه.
7168 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الحق من ربك فلا تكن من الممترين "، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون.
7169 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " الحق من ربك "، ما جاءك من الخبر عن عيسى =" فلا تكن من الممترين "، أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه. (30)
7170 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فلا تكن من الممترين "، قال: والممترون الشاكون.
* * *
" والمرية "" والشك "" والريب "، واحد سواءٌ، كهيئة ما تقول: " أعطني"" وناولني"" وهلم "، فهذا مختلف في الكلام وهو واحد.
---------------
الهوامش :
(29) انظر تفسير"الامتراء" ، وتفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 3: 190 ، 191.
(30) الأثر: 7169- سيرة ابن هشام 2: 231 ، 232 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7165 ، فانظر التعليق على هذا الأثر. وفي سيرة ابن هشام"فلا تمترين فيه" ، وهي أجود.