تفسير الطبري
· آل عمرانافتح في القارئذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)
يعني جل ثناؤه بقوله: " بأنهم قالوا "، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق: من أجل قولهم: (12) " لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات " = وهي أربعون يومًا، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل (13) = ثم يخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم =" بما كانوا يفترون "، يعني: بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل، في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحِبّاؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخل أحَدًا من ولده النار إلا تَحِلَّةَ القسم. (14) فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورُسله وما جاءوا به من عنده.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
6786 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده: " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات "، قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا = قال الله عز وجل: " وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، أي قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .
6787 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات "، الآية، قال: قالوا: لن نعذب في النار إلا أربعين يومًا، قال: يعني اليهود = قال: وقال قتادة مثله = وقال: هي الأيام التي نَصَبوا فيها العجل. يقول الله عز وجل: " وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، حين قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .
6788 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد قوله: " وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، قال: غرّهم قولهم: " لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات ".
----------------------
الهوامش :
(12) قوله: "من أجل قولهم" تفسير لمعنى الباء في قوله: "ذلك بأنهم قالوا" ، وانظر تفسير ذلك وبيانه فيما سلف 2: 139 في تفسير قوله تعالى: "ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله".
(13) انظر تفسير قولهم: "لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة" فيما سلف 2: 274-278.
(14) التحلة (بفتح التاء وكسر الحاء ، وتشديد اللام المفتوحة): هو ما تكفر به يمينك. ويقال: "لم يفعل هذا الأمر إلا تحلة القسم": أي لم يفعله إلا بمقدار ما يحلل به قسمه ويخرج منه ، غير مبالغ في ذلك الفعل. والمعنى: أن النار لا تمسهم إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف.
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٢٥﴾
القول في تأويل قوله : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فكيف إذا جمعناهم "، فأيُّ حال يكون حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله، واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديد، وتهديدٌ غليظٌ.
وإنما يعني بقوله: " فكيف إذا جمعناهم " الآية: فما أعظم ما يلقوْن من عقوبة الله وتنكيله بهم، إذا جمعهم ليوم يُوفَّى كلّ عامل جزاءَ عمله على قدر استحقاقه، غير مظلوم فيه، لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم، ولا يؤاخذُ إلا بما عمل، يُجزَي المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يخاف أحدٌ من خلقه منه يومئذ ظلمًا ولا هضمًا. (15)
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: " فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه "، ولم يقل: في يوم لا رَيب فيه؟
قيل: لمخالفة معنى " اللام " في هذا الموضع معنى " في". وذلك أنه لو كان مكان " اللام "" في"، لكان معنى الكلام: فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول " اللام "، ولكن معناه مع " اللام ": فكيف إذا جمعناهم لما يحدُث في يوم لا ريب فيه، ولما يكون في ذلك اليوم من فَصْل الله القضاءَ بين خلقه، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب؟ فمع " اللام " في" ليوم لا ريب فيه " نيَّة فِعْل، وخبرٌ مطلوب قد &; 6-295 &; ترك ذكره، أجزأت دلالةُ دخول " اللام " في" اليوم " عليه، منه. (16) وليس ذلك مع " في"، فلذلك اختيرت " اللام " فأدخلت في" اليوم "، دون " في". (17)
* * *
وأما تأويل قوله: " لا ريب فيه "، فإنه: لا شك في مجيئه. وقد دللنا على أنه كذلك بالأدلة الكافية، مع ذكر من قال ذلك في تأويله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (18)
* * *
وعنى بقوله: " ووُفِّيت "، ووَفَّى الله =" كلُّ نفس ما كسبت "، يعني: ما عملت من خير وشر (19) =" وهم لا يظلمون "، يعني أنه لا يبخس المحسن جزاءَ إحسانه، ولا يعاقب مسيئًا بغير جرمه.
---------------------------
الهوامش :
(15) انظر ألفاظ هذه الآية مفسرة فيما سلف ، واطلبها في فهارس اللغة من الأجزاء الماضية.
(16) في المطبوعة والمخطوطة: "قد ترك ذكره أخيرًا بدلالة دخول اللام في اليوم عليه منه" ، وهو كلام خلو من المعنى ، والظاهر أن الناسخ رأى تاء"أجزأت" متصلة بدال"دلالة" ، فجعلها ، "بدلالة" وجعل"أجزأ""أخيرًا" فذهب الكلام هدرًا ولغوًا. وسياق العبارة كما أثبتناها: "أجزأت منه دلالة دخول اللام في اليوم" فأخر"منه" على عادته في تأخير مثل ذلك في كل كلامه.
(17) انظر معاني القرآن للفراء 1: 202 ، 203 ، وعبارته هناك."تقول في الكلام: جمعوا ليوم الخميس ، وكأن اللام لفعل مضمر في"الخميس" ، كأنهم جمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: جمعوا في يوم الخميس = لم تضمر فعلا. وقوله: جمعناهم ليوم لا ريب فيه = أي للحساب والجزاء".
(18) انظر ما سلف 1: 228 ، 378 / ثم 6: 221.
(19) انظر تفسير"كسب" فيما سلف 2: 273 ، 274 / 3: 101 ، 128 / 4 : 449 / 6: 131.
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾
القول في تأويل قوله : قُلِ اللَّهُمَّ
قال أبو جعفر: أما تأويل: " قل اللهم "، فإنه: قل يا محمد: يا اللهُ.
* * *
واختلف أهل العربية في نصب " ميم "" اللهم "، وهو منادًى، وحكم المنادى المفرد غير المضافِ الرفعُ = وفي دخول " الميم " فيه، وهو في الأصل " الله " بغير " ميم ". &; 6-296 &; فقال بعضهم: إنما زيدت فيه " الميمان "، لأنه لا ينادى بـ" يا " كما ينادى الأسماء التي لا " ألف " فيها ولا " لام ". وذلك أن الأسماء التي لا " ألف " ولا " لام " فيها تنادى بـ" يا " كقول القائل: " يا زيد، ويا عمرو ". قال: فجعلت " الميم " فيه خلفًا من " يا "، كما قالوا: " فم، وابنم، وهم، وزُرْقُم، (20) وُسْتهُم " ، (21) وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف، ثم يبدل مكانه " ميم ". قال: فكذلك حذفت من " اللهم "" يا " التي ينادى بها الأسماء التي على ما وصفنا، وجعلت " الميم " خلفًا منها في آخر الاسم.
* * *
&; 6-297 &;
وأنكر ذلك من قولهم آخرون، وقالوا: قد سمعنا العرب تنادي: " اللهم " بـ" يا " كما تناديه ولا " ميم "، فيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القولَ مصيبًا في دعواه، لم تدخل العربُ" يا "، وقد جاءوا بالخلف منها. (22) وأنشدوا في ذلك سماعًا من العرب:
وَمَــا عَلَيْــكِ أَنْ تَقُــولِي كُلَّمَــا
صَلَّيْــتِ أَوْ كَــبَّرتِ يَــا أَللَّهُمَـا
ارْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا (23)
ويُرْوَى: " سبَّحت أو كبَّرت ". قالوا: ولم نر العرب زَادت مثل هذه " الميم " إلا مخففة في نواقص الأسماء مثل: " الفم، وابنم، وهم "، (24) قالوا: ونحن نرى أنها كلمة ضُمّ إليها " أمَّ"، بمعنى: " يا ألله أمَّنا بخير "، فكثرت في الكلام فاختلطت به. قالوا: فالضمة التي في" الهاء " من همزة " أم "، لما تركت انتقلت إلى ما قبلها. قالوا: ونرى أن قول العرب: " هلم إلينا "، مثلها. إنما كان " هلم "،" هل " ضم إليها " أمّ"، فتركت على نصبها. قالوا: من العرب من يقول إذا طرح " الميم ": " يا اللهُ اغفر لي" و " يا أللهُ اغفر لي"، بهمز " الألف " من " الله " مرة، ووصلها أخرى، فمن حذفها أجراها على أصلها، لأنها " ألف ولام "، مثل " الألف واللام " اللتين يدخلان في الأسماء المعارف زائدتين. ومن همزها توهم أنها من الحرف، &; 6-298 &; إذ كانت لا تسقط منه، وأنشدوا في همز الألف منها:
مُبَـــارَكٌ هُــوَّ وَمَــنْ سَــمَّاهُ
عَــلَى اسْــمِكَ اللُّهُــمَّ يَــا أَللـهُ (25)
قالوا: وقد كثرت " اللهم " في الكلام، حتى خففت ميمها في بعض اللغات، وأنشدوا: (26)
كَحَلْفَـــةٍ مِـــنْ أَبــى رِيَــاٍح
يَسْــــمَعُهَا اللَّهُـــمُ الكُبَـــار (27)
والرواة تنشد ذلك:
يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ
&; 6-299 &;
وقد أنشده بعضهم: (28) يَسْمَعُهَا اللهُ واللهُ كُبَارُ (29)
* * *
القول في تأويل قوله : مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
قال أبو جعفر: يعني بذلك: يا مالك الملك، يا منْ له مُلك الدنيا والآخرة خالصًا دون وغيره، كما:-
6789 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قوله: " قل اللهم مالك الملك "، أي رَبَّ العباد الملكَ، لا يقضى فيهم غيرك. (30)
* * *
وأما قوله: " تؤتي الملك ممن تشاء "، فإنه يعني: تُعطى الملك من تَشاء، فتملكه وتسلِّطه على من تشاء.
وقوله: " وتنـزع الملك من تشاء "، يعني: وتنـزع الملك ممن تشاء أن تنـزعه منه، (31) &; 6-300 &; فترك ذكر " أن تنـزعه منه "، اكتفاءً بدلالة قوله: " وتنـزع الملك ممن تشاء "، عليه، كما يقال: " خذ ما شئتَ = وكنْ فيما شئت "، يراد: خذ ما شئت أن تأخذه، وكن فيما شئت أن تكون فيه؛ وكما قال جل ثناؤه: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [سورة الانفطار: 8] يعني: في أيّ صورة شاءَ أن يركبك فيها ركبك. (32)
* * *
وقيل: إنّ هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابًا لمسألته ربَّه أن يجعل مُلك فارسَ والروم لأمته. (33)
ذكر من قال ذلك:
6790 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: وذكر لنا: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنـزل الله عز وجل: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " إلى إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
6791 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: ذُكر لنا والله أعلم: أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، ثم ذكر مثله.
* * *
وروي عن مجاهد أنه كان يقول: معنى " الملك " في هذا الموضع: النبوة.
ذكر الرواية عنه بذلك:
6792 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " تؤتي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء "، قال: النبوّة.
&; 6-301 &;
6793- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
القول في تأويل قوله : وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " وتعز من تشاء "، بإعطائه الملك والسلطان، وَبسط القدرة له =" وتذلّ من تشاء " بسلبك ملكه، وتسليط عدوه عليه =" بيدك الخير "، أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك، كالمسيح والأنداد التي اتخذها الأميون ربًّا، كما:-
6794 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قوله: " تؤتي الملك من تشاء "، الآية، أي: إنّ ذلك بيدك لا إلى غيرك (34) =" إنك على كل شيء قدير "، أي: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وُقدْرَتك. (35)
* * *
-------------------
الهوامش :
(20) في المطبوعة والمخطوطة"ودم ، وهم" ، والأولى"ودم" خطأ لا شك فيه ، وسيأتي صوابه بعد أسطر ، حين عاد فذكر الثلاثة جميعًا: "فم ، وابنم ، وهم" ، على تصرف المطبوعة هناك في نص المخطوطة ، ليوافق الذي كتبه هنا.
أما قوله: "وهم" ، فلم أعرف لها وجهًا أرتضيه ، وهذه الكلمة جاءت في كلام الفراء في معاني القرآن 1: 203 ، وستأتي أيضًا كذلك بعد أسطر. وقد راجعتها في نسختي مخطوطة معاني القرآن ، فإذا هي كذلك"وهم" ، وعلى الميم شبيه بالشدة في النسختين المخطوطتين ، وأغفلت ذلك المطبوعة. وقد وقف ناشر معاني القرآن عليها ، فعلقوا بما نصه: (كأنه يريد"هم" الضمير ، وأصلها"هوم" ، إذ هي جمع"هو" ، فحذفت الواو وزيدت ميم الجمع ، وإن كان هذا الرأي يعزي إلى البصريين. وانظر شرح الرضى للكافية في مبحث الضمائر) ، وعلق بعض طابعي تفسير الطبري بما يأتي: (قوله: "ودم" كذا في النسخ ، والكلمتان دم ، وهم ، لعلهما محرفتان عن: ابنم ، ودلهم ، أو دلقم ، من الكلمات التي زيدت في آخرها الميم ، وذكرها السيوطي في المزهر 2: 135).
والذي قاله ناشرو معاني القرآن ، لا يقوم ، لأن الميم في هم ، وإن كانت زائدة من وجه ، إلا أنها أتى بها لمعنى هو غير ما جاءت به الزيادة في"فم" و"ابنم" ، ولعلة اختلف عليها النحويون اختلافًا كثيرًا. وأما ما قاله ناشر الطبري من أنها محرفة عن"دلهم أو دلقم" ، فليس بشيء ، لأن مطبوعات الطبري ومخطوطاته قد اتفقت عليه ، وعجيب أن يتفق تصحيفها ، وتصحيف نسختين من معاني القرآن ، الذي ينقل الطبري نص كلامه. وبعد هذا كله أجدني عاجزًا كل العجز عن معرفة أصل هذه الكلمة ، وعن وجه يرتضى في تصحيفها أو تحريفها أو قراءتها ، وقد استقصيت أمرها ما استطعت ، ولكني لم أنل إلا النصب في البحث ، فعسى أن أجد عند غيري من علمها ما حرمني الله علمه ، وفوق كل ذي علم عليم.
(21) "زرقم ، وستهم" (كلتاهما بضم الأول وسكون الثاني وضم الثالث): رجل زرقم وامرأة زرقم ، أزرق شديد الزرق. فلما طرحت الألف من أوله ، زيدت الميم في آخره. وكذلك"رجل ستهم وامرأة ستهم": أسته ، وهو العظيم الاست ، الكبير العجز ، فعل به ما فعل بصاحبه. وقال الراجز في امرأة:
لَيْسَــتْ بِكَحْــلاَءَ وَلَكِــنْ زُرْقُـمُ
وَلا بِرَسْـــحَاءَ وَلَكِـــنْ سُــتْهُمُ
(22) في المطبوعة: "لم تدخله العرب يا" ، وفي المخطوطة: "لم تدخله العرسه يا" ، وهذا من عجلة الناسخ ، فرددتها جميعًا إلى أصلهما.
(23) لم يعرف قائله ، والأبيات في معاني القرآن للفراء 1: 203 ، والجمل للزجاجي: 177 والإنصاف: 151 ، والخزانة 1: 359 ، واللسان (أله) وغيرها من كتب العربية والنحو ، ومختلف من روايته ، وجاءوا به شاهدًا على زيادة"ما" بعد"ياللهم" فروايته عند بعضهم"يا اللهم ما" ، وبعد الأبيات زيادة زادها الكوفيون:
مِــنْ حَيْثُمَــا وَكَيْفَمَــا وَأَيْنَمَــا
فإنَّنَــا مِــنْ خَــيْرِهِ لَـنْ نَعْدَمَـا
(24) في المطبوعة: "مثل فم ودم وهم" ، وأثبت نص المخطوطة ، وهو موافق لنص الفراء في معاني القرآن 1: 203 ، وهو نص كلامه.
(25) لم يعرف قائله ، والبيتان في معاني القرآن 1: 203؛ والإنصاف: 150 ، واللسان (أله).
(26) هو الأعشى.
(27) ديوانه: 193 ، ومعاني القرآن 1: 203 ، والخزانة 1: 345 ، واللسان (أله) ، وغيرها. من قصيدة يعاتب بها بني جحدر ، وكانت بينه وبينهم نائرة ، ذكرها في قصائد من شعره. وقبل البيت وهو أول القصيدة:
أَلَـــمْ تَـــرَوْا إِرَمًــا وَعَــادًا
أَوْدَى بِهـــا اللَّيْـــلُ وَالنَّهَـــارُ
بَــــادُوا, فلمَّـــا أنْ تـــآدَوْا
قَفَّـــى عَــلَى إِثْــرِهِمْ قُـــدَارُ
كَحَلْفـــــــةٍ. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أودى بها: أهلكها وذهب بها. وقوله: "فلما أن تآدوا" من قولهم: "تآدى القوم تآديًا وتعادوا تعاديًا": تتابعوا موتًا. وأصله من آدى الرجل: إذا كان شاك السلاح قد لبس أداة الحرب ، يعني أخذوا أسلحتهم فتقاتلوا حتى تفانوا. ومن شرح البيت"تآدوا" بمعنى تعاونوا وكثروا ، فقد أخطأ ، وذهب مذهبًا باطلا. يقول: لما هلكت إرم ودعاد ، أتت على آثارهم ثمود ، و"قدار" هو عاقر الناقة من ثمود فسموا القبيلة باسمه ، إذ كان سببًا في هلاكهم إذ دمدم عليهم ربهم فسواها. وأبو رياح (بياء تحتية) رجل من بني ضبيعة ، كان قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة جارًا لهم ، فسألوه أن يحلف ، أو يعطي الدية؛ فحلف لهم ، ثم قتل بعد حلفته. فضربته العرب مثلا لما لا يغني من الحلف. وفي المطبوعة"رباح" بالباء الموحدة ، وهو خطأ ، وهذا البيت الأخير ، جاء في هذا الموضع من الشعر في ديوانه ، ولكن الأرجح ما رواه أبو عبيدة في قول الأعشى لبني جحدر:
أَقْسَــــــمتُمُ لا نُعْطِيَّنكُـــــمْ
إِلاّ عِــــرَارًا, فَـــذَا عِـــرَارُ
والعرار: القتال. يقول: أقسمتم أن لا تعطونا إلا بعد قتال ، فهذا هو القتال ، قضى عليكم كما قضيت على أبي رياح حلفته الكاذبة إذ سمعها ربه الأكبر. والكبار (بضم الكاف) صيغة المبالغة من"كبير".
(28) قال الفراء: "وأنشدني الكسائي".
(29) في المطبوعة والمخطوطة: "يسمعها الله والكبار" ، وهو خطأ من الناسخ ، والصواب ما في معاني القرآن للفراء 1: 203 ، والذي مضى جميعه هو من نص كلامه مع قليل من التصرف. وكذلك رواها شارح ديوانه ، وكذلك سائر الكتب. وروى أبو عبيدة: "يسمعها الواحد الكبار".
(30) الأثر: 6789- سيرة ابن هشام 2: 227 ، ونصه: "أي رب العباد ، والملك الذي لا يقضي فيهم غيره" ، وهو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6776.
(31) سقط من المطبوعة: "يعني: وتنزع الملك ممن تشاء" ، فأثبتها من المخطوطة.
(32) ما سلف مختصر ما في معاني القرآن للفراء 1: 204-205 ، وقد وفاه حقه.
(33) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 ، 149 / 2: 488 / 5: 312 ، 315 ، 371.
(34) نص روايته ابن هشام: "أي: لا إله غيرك".
(35) الأثر: 6794- سيرة ابن هشام 2: 227 وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6789.
تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢٧﴾
القول في تأويل قوله : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " تولج " تُدْخل، يقال منه: " قد ولَج فلان منـزله "، إذا دخله،" فهو يَلِجه وَلْجًا ووُلوجًا ولِجَةً" (36) - و " أولجته أنا "، إذا أدخلته.
* * *
ويعني بقوله: " تولج الليل في النهار " تدخل ما نقصتَ من ساعات الليل في ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا في زيادة هذا =" وتولج النهارَ في الليل "، وتدخل ما نقصتَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فتزيد في ساعات الليل ما نقصت من ساعات النهار، كما:-
6795 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " تولج الليلَ في النهار وتولج النهار في الليل "، حتى يكون الليل خمسَ عشرةَ ساعة، والنهارُ تسعَ ساعاتٍ، وتدخل النهار في الليل حتى يكون النهار خمسَ عشرة ساعة، والليل تسع ساعات.
6796 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار. (37)
6797 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في &; 6-303 &; الليل " قال: ما ينقص من أحدهما في الآخر، يعتقبان = أو: يتعاقبان، شك أبو عاصم = ذلك من الساعات. (38)
6798 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، ما ينقص من أحدهما في الآخر، يتعاقبان ذلك من الساعات.
6799 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل.
6800 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: هو نقصان أحدهما في الآخر.
6801 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: يأخذ الليل من النهار، ويأخذ النهار من الليل. يقول: نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل.
6802 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، (39) سمعت الضحاك يقول في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، يعني أنه يأخذ أحدُهما من الآخر، فيكون الليل أحيانًا أطول من النهار، والنهار أحيانًا أطول من الليل.
&; 6-304 &;
6803 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: هذا طويل وهذا قصير، أخذ من هذا فأولجه في هذا، حتى صار هذا طويلا وهذا قصيرًا.
* * *
القول في تأويل قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: " تأويل ذلك: أنه يخرج الشيء الحيَّ من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحيّ".
ذكر من قال ذلك:
6804 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: هي النطفة تخرج من الرّجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة.
6805 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: الناس الأحياء من النُّطف والنُّطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام.
6806 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
&; 6-305 &;
6807 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، فذكر نحوه.
6808 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، فالنطفة ميتة تكون، تخرج من إنسان حيّ، ويخرج إنسان حيّ من نطفة ميتة.
6809 - حدثني محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي قال، حدثنا أشعث السجستاني قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله." تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: تخرج النطفة من الرجل، والرجل من النطفة. (40)
6810 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: تخرج الحيّ من هذه النطفة الميتة، وتخرج هذه النطفة الميتة من الحيّ.
6811 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ" الآية، قال: الناس الأحياء من النطف، والنطف ميِّتةً من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنَّبْت كذلك = قال ابن جريج: وسمعت يزيد بن عويمر يخبر، عن سعيد بن جبير قال: إخراجه النطفة من الإنسان، وإخراجه الإنسان من النطفة. (41)
&; 6-306 &;
6812 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: النطفة ميتة، فتخرج منها أحياء =" وتخرج الميت من الحيّ"، تخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والحبّ ميتٌ تخرج منه حيًّا =" وتُخرج الميت من الحيّ"، تخرج من هذا الحيّ حبًّا ميتًا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبل من الحب، والحبّ من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض ".
ذكر من قال ذلك.
6813 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبد الله، عن عكرمة قوله: " تخرج الحي من الميت "، قال: هي البيضة تخرج من الحيّ وهي ميتة، ثم يخرج منها الحيّ.
6814 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله." تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.
* * *
وقال آخرون: " معنى ذلك: أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافرَ من المؤمن ".
ذكر من قال ذلك:
6815 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، يعني المؤمن من الكافر والكافرَ من المؤمن، والمؤمن عبدٌ حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميّتُ الفؤاد.
&; 6-307 &;
6816 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال الحسن في قوله: " تُخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن. (42)
6819 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن سعيد بن عمرو، عن الحسن قرأ: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: تخرج المؤمن من الكافر، وتخرج الكافر من المؤمن. (43)
6820 - حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، أو عن ابن مسعود = وأكبر ظني أنه عن سلمان = قال: إن الله عزّ وجل خمّر طينة آدم أربعين ليلة - أو قال: أربعين يومًا - ثم قال بيده فيه، (44) فخرج كل طيِّب في يمينه، وخرج كل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، ثم خلق منها آدم، (45) فمن ثم يخرج الحيّ من الميت ويخرجُ الميت من الحي، يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن. (46)
&; 6-308 &;
6821 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة النَّعْمة، (47) فقال: من هذه؟ قالت إحدى خالاتك! قال: إن خَالاتي بهذه البلدة لغرائب! (48) وأيّ خالاتي هذه؟ قالت: خالدة ابنة الأسود ابن عبد يغوث. (49) قال: سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت! وكانت امرأة صالحةً، وكان أبوها كافرًا. (50)
6822 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: هل علمتم أن الكافر يلد مؤمنًا، وأن المؤمن يلد كافرًا؟ فقال: هو كذلك. (51)
* * *
&; 6-309 &;
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب، تأويلُ من قال: " يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة = وذلك إخراجُ الحيّ من الميت = ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء = وذلك إخراج الميت من الحيّ".
وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت. فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًا وبهائمَ وأنعامًا أحياءً. وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زَايله منه ميت. وذلك هو نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سورة البقرة: 28].
* * *
وأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن = فإن ذلك، وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهرَ في استعمال الناس في الكلام. وتوجيهُ معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفيّ القليل في الاستعمال.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة منهم: ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) بالتشديد، وتثقيل " الياء " من " الميت "، بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد ماتَ، ومما لم يمت.
* * *
&; 6-310 &;
وقرأت جماعة أخرى منهم: ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) بتخفيف " الياء " من " الميْت "، بمعنى أنه يخرج الشيء الحيّ من الشيء الذي قد مات، دون الشيء الذي لم يمت، ويُخرج الشيء الميت، دون الشيء الذي لم يمت، من الشيء الحي.
* * *
وذلك أن " الميِّت " مثقل " الياء " عند العرب: ما لم يَمتْ وسيموت، وما قد مات.
وأما " الميْت " مخففًا، فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعتَ قالوا: " إنك مائتٌ غدًا، وإنهم مائتون ". وكذلك كل ما لم يكن بعد، فإنه يخرج على هذا المثال الاسمُ منه. يقال: " هو الجائد بنفسه = والطائبة نفسه بذلك "، وإذا أريد معنى الاسم قيل: " هو الجوادُ بنفسه = والطيِّبة نفسه ". (52)
* * *
قال أبو جعفر: فإذا كان ذلك كذلك، فأولى القراءتين في هذه الآية بالصواب، قراءةُ من شدّد " الياء " من " الميِّت ". لأن الله جل ثناؤه يخرج الحي من النطفة التي قد فارقت الرجلَ فصارت ميِّتة، وسيخرجه منها بعد أن تُفارقه وهي في صلب الرجل =" ويخرج الميِّت من الحيّ" النطفةَ التي تصير بخروجها من الرجل الحيّ ميِّتًا، وهي قبل خروجها منه حيَّة. فالتشديد أبلغ في المدح وأكملُ في الثناء.
* * *
&; 6-311 &;
القول في تأويل قوله : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يُعطى من يشاء من خلقه فيجود عليه، (53) بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخولَ انتقاص في خزائنه، ولا الفناءَ على ما بيده، (54) كما:-
6823 - حدثني المثتي قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وترزق من تشاء بغير حساب "، قال: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقُص ما عنده تبارك وتعالى.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: اللهمّ يا مالك الملك تُؤتي الملك من تَشاء، وتنـزع الملك ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، دون من ادّعى الملحدون أنه لهم إله وربٌّ وعبدوه دونك، أو اتخذوه شريكًا معك، (55) أو أنه لك ولدٌ = وبيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء وتقدر بها على كل شيء، تُولج الليل في النهار وتُولج النهارَ في الليل، فتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتخرج من ميِّت حيًّا ومن حي ميِّتًا، وترزق من تشاء بغير حساب من خلقك، لا يقدر على ذلك أحدٌ سواك، ولا يستطيعه غيرك، كما:-
6824 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، أي: بتلك القدرة = يعني: بالقدرة التي تؤتي &; 6-312 &; الملك بها من تشاء وتنـزعهُ ممن تشاء =" وترزُق من تشاء بغير حساب "، لا يقدر على ذلك غيرُك، ولا يصنعه إلا أنت. أي: فإن كنتُ سلَّطتُ عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله =: من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق للطير من الطين، والخبر عن الغيوب، لتجعله آية للناس، (56) وتصديقًا له في نبوّته التي بعثته بها إلى قومه - فإنّ من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه: تمليكُ الملوك، (57) وأمرُ النبوّة ووضعها حيث شئت، (58) وإيلاجُ الليل في النهار والنهار في الليل، وإخراجُ الحيّ من الميت والميت من الحيّ، ورزقُ من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب. فكلّ ذلك لم أسلط عيسى عليه، ولم أملكه إياه، فلم تكن لهم في ذلك عبرةٌ وبينة: أنْ لو كان إلهًا، (59) لكان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرُب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد! ! (60)
---------------------------
الهوامش :
(36) قوله: "ولجا" مصدر لم تذكره كتب اللغة. وقوله"لجة" بوزن"عدة وزنة".
(37) الأثر: 6798-"حفص بن عمر العدني" ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 362 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 182. وقد مضى هذا الإسناد برقم: 533 ، 1406 ، وسيأتي أيضًا برقم: 6814 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "حفص عن عمر" ، وهو خطأ.
(38) في المطبوعة: "ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر ، متعاقبان..." بزيادة"يدخل" وليست في المخطوطة ، وانظر الأثر التالي. وقوله"يعتقبان" في المخطوطة: "معتقبان" غير منقوطة ، وهو تحريف ، والذي في المطبوعة تصرف لا معنى له.
(39) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في التفسير.
(40) الأثر: 6809 -"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي" ، ثقة. روى عن أشعث بن عبد الله السجستاني ، وروى عنه الأربعة ، والطبري وغيرهم ، مترجم في التهذيب. وقد مضى في رقم: 6255. وكان في المطبوعة: "حدثني محمد بن عمرو ، وابن علي ، عن عطاء المقدمي" ، وفي المخطوطة: "محمد بن عمرو بن علي ، عن عطاء المقدمي" ، وكلاهما خطأ ، والصواب ما أثبت.
(41) الأثر: 6811-"يزيد بن عويمر" ، لم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف أو تصحيف لم أهتد إليه.
(42) سقط من الترقيم 6817 ، 6818.
(43) الأثر: 6819-"سعيد بن عمرو" ، لم أجد له ترجمة ، وأخشى أن يكون سقط من إسناده شيء ، وأن صوابه"عبد الوارث بن سعيد ، عن...". وعبد الوارث مترجم فيما سلف رقم: 2154.
(44) في المخطوطة: "ثم قال بعده فيه" ، خطأ؛ وقوله: "قال بيده" ، أي حرك يده.
(45) في المخطوطة-: "ثم خلط بينهما وقال. . . فمن ثم يخرج" ، وبين الكلام بياض ، وأتمته المطبوعة من الدر المنثور.
(46) الأثر: 6820-"بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي" من شيوخ أحمد وإسحاق. قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة". مترجم في التهذيب. و"سليمان التيمي" ، هو: "سليمان بن طرخان التيمي" ، روى عن أنس بن مالك وطاوس ، ثقة. مترجم في التهذيب."وأبو عثمان" هو"أبو عثمان الصنعاني: شراحيل بن مرثد" ، روى عن سلمان وأبي الدرداء ومعاوية وأبي هريرة وكعب الأحبار. قال ابن حبان في الثقات: "صاحب الفتوح ، يروي المراسيل" وهذا الأثر أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 15 ، ونسبه لسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وأبو الشيخ في العظمة ، (أخرج مثله ، ونسبه لابن مردويه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم).
(47) قوله: "حسنة النعمة" ، في المطبوعة: "النغمة" بالغين المعجمة ، وهو خطأ ، والنعمة (بفتح النون وسكون: العين) المسرة والفرح والترفه ، وكأنه يعني ما يبين عليها من أثر الترف والنعمة. بيد أن الذي رواه ابن سعد ، وما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة: "حسنة الهيئة".
(48) في المطبوعة: "بهذه البلد" ، وتاء"البلدة" في المخطوطة شبكت في دالها ، واختلطت بها لام"لغرائب" ، والذي أثبته هو نص ما في الإصابة ، وفي ابن سعد"بهذه الأرض".
(49) في المطبوعة والمخطوطة: "خلدة ابنة الأسود" ، وأخشى أن يكون أصلها"خالدة" كما في سائر الكتب ، ورسمت بحذف الألف كما كانوا يكتبون قديمًا. وهي خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم"آمنة بنت وهب بن عبد مناف" ، فهو أخت يغوث بن وهب. أما الأسود بن يغوث ، فهو أحد المستهزئين حنى جبريل ظهره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ، فقال رسول الله: "خالي! خالي!" ، فقال جبريل: "دعه عنك!" ، فمات الأسود.
(50) الأثر: 6821- رواه ابن سعد في الطبقات 8: 181 ، وذكر طرقه الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة"خالدة بنت الأسود".
(51) الأثر: 6822-"محمد بن سنان الفزاز" سلفت ترجمته برقم: 1999 ، 2056 ، و"أبو بكر الحنفي" ، هو"عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله بن شريك البصري" ، روى عنه أحمد وإسحاق وابن المديني ومحمد بن بشار ، ثقة. مترجم في التهذيب."وعباد بن منصور الناجي" ، روى عن عكرمة ، وعطاء والحسن ، والقاسم بن محمد وغيرهم. مترجم في التهذيب. وانظر الأثر رقم: 6827 فيما يلي.
(52) انظر ما سلف في"الميت" 3: 318 ، 319 ، وهذا البيان عن معناه هنا ، أجود مما تجده في كتب اللغة.
(53) انظر معنى"الرزق" فيما سلف 4: 274 / 5: 43 ، 44.
(54) انظر تفسير"بغير حساب" فيما سلف 4: 274 ، 275.
(55) في المطبوعة: "واتخذوه" والصواب من المخطوطة.
(56) نص ابن هشام: "لأجعله آية للناس".
(57) في المطبوعة: "كتمليك الملوك" ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(58) في ابن هشام: "بأمر النبوة".
(59) في المطبوعة: "فلم يكن" ، وأثبت ما في ابن هشام وفي مطبوعة الحلبي من السيرة"أفلم تكن" من إحدى نسخه ، وهي جيدة. وفي مطبوعة الطبري: "إذ لو كان إلهًا..." ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(60) الأثر: 6824- سيرة ابن هشام 2: 227 ، 228 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6794.
لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿٢٨﴾
القول في تأويل قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
قال أبو جعفر: وهذا نهيٌ من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفارَ أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر " يتخذِ"، لأنه في موضع جزمٌ بالنهي، ولكنه كسر " الذال " منه، للساكن الذي لقيه وهي ساكنة. (61)
* * *
ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، (62) وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك =" فليس من الله في شيء "، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر =" إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل، كما:-
6825 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاةً".
&; 6-314 &;
6826 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الحجاجُ بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، (63) وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنـزل الله عز وجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . (64)
6827 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، يقول: لا يتخذ المؤمن كافرًا وليًّا من دون المؤمنين. (65)
6828 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، أما " أولياء " فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برئ الله منه = إلا أن يتقي تقاةً، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم، والبراءةَ من المؤمنين.
6829 - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، &; 6-315 &; عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن عباس: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبُه مطمئن بالإيمان.
6830 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: ما لم يُهرِق دم مسلم، وما لم يستحلّ ماله.
6831 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقة. (66)
6832 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6833 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: قال أبو العالية: التقيَّة باللسان وليس بالعمل.
6834 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عُبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقيةُ باللسان. مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصيةٌ، فتكلم مخافةً على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقيَّة باللسان.
6835 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، فالتقية باللسان. مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة &; 6-316 &; الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره. إنما التقية باللسان.
* * *
وقال آخرون: معنى: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن يكون بينك وبينه قرابة.
ذكر من قال ذلك:
6836 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، نهى الله المؤمنين أن يوادّوا الكفار أو يتولَّوْهم دون المؤمنين. وقال الله: " إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، (67) الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يَصل رحمًا له في المشركين.
6837 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء "، قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرًا وليًّا في دينه، وقوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك.
6838 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره. فأما في الدّين فلا.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة تأويلٌ له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة= فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافةً. فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية. إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم. ووجَّهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. وليس ذلك الغالب على &; 6-317 &; معنى الكلام. والتأويلُ في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمَل فيهم.
* * *
وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )، على تقدير " فُعَلة " مثل: " تُخَمة، وتؤَدَة وتُكأة "، من " اتقيت ".
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً )، على مثال " فعيلة ".
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءةُ عندنا، قراءةُ من قرأها: " إلا أن تتقوا منهم تُقاة "، لثبوت حجة ذلك بأنه القراءةُ الصحيحة، بالنقل المستفيض الذي يمتنع منه الخطأ.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك، ويخوّفكم الله من نفسه أن تَرْكبوا معاصيه، أو توالوا أعداءه، فإن لله مرجعكم وَمصيركم بعد مماتكم، ويوم حشركم لموقف الحساب = (68) يعنى بذلك: متى صرتم إليه وقد خالفتم ما أمركم به، وأتيتم ما نهاكم عنهُ من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، نالكم من عقاب ربكم ما لا قِبَل لكم به، يقول: فاتقوه واحذرُوه أن ينالكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب.
------------------------
الهوامش :
(61) انظر معاني القرآن للفراء 1: 205.
(62) انظر تفسير"الولي" و"الأولياء" فيما سلف 2: 489 ، 564 / ثم: 5: 424 / 6: 141 ، 142 = والقول في"من دون" فيما سلف 2: 489.
(63) في المطبوعة: "بن زبير" ، وصححته من سيرة ابن هشام ، ومن ترجمته في الإصابة. وتسميته"رفاعة بن عبد المنذر" ، ولكن هكذا جاء هنا ، وكذلك في تفسير البغوي ، وأظنه خطأ ، فلم يذكروا ذلك في ترجمته.
(64) الأثر: 6826- لم أجده في سيرة ابن هشام التي بين أيدينا من سيرة ابن إسحاق. وقوله: "بطنوا بنفر من الأنصار" ، يقال: "بطن فلان بفلان يبطن بطونًا وبطانة" إذا كان خاصًا به ، ذا علم بداخلة أمره ، مؤانسًا له ، مطلعًا على سره ، ومنه المباطنة.
(65) الأثر: 6827- انظر التعليق عل الأثر السالف رقم: 6822.
(66) خالق الناس يخالقهم مخالقة: عاشرهم على أخلاقهم ، مثل"تخلق" ، أي: تصنع وتجمل وتحسن.
(67) في المطبوعة في هذا الموضع"تقاة" ، وهي في المخطوطة: "تقية" بتشديد الياء بالقلم ، وكذلك أثبتها ، وهي إحدى القراءتين كما سيذكر الطبري بعد.
(68) انظر تفسير"المصير" فيما سلف 3: 56 / 6: 128.
قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٩﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين =" إن تخفوا ما في صدوركم " من موالاة الكفار فتُسِرُّوه، أو تبدوا ذلكم من نفوسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه =" يعلمه الله "، فلا يخفى عليه. يقول: فلا تُضمروا لهم مودّةً ولا تظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به، لأنه يعلم سرّكم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء منه، وهو مُحصيه عليكم حتى يجازيَكم عليه بالإحسان إحسانًا، وبالسيئة مثلها، كما:-
6839 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ".
* * *
وأما قوله: " ويعلم ما في السموات وما في الأرض "، فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا.
* * *
وأما قوله: " والله على كل شيء قدير "، فإنه يعني: والله قديرٌ على معاجلتكم بالعقوبة على مُوالاتكم إياهم ومظاهرتكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذَّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء طلبه.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴿٣٠﴾
القول في تأويل قوله عز وجل : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا موفَّرًا،" وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا " = يعني غاية بعيدة، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه، فاحذروه على أنفسكم من ذنوبكم.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى قوله: " محضرًا "، (1) ما:-
6840 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا "، يقول: موفَّرًا.
* * *
قال أبو جعفر: وقد زعم [بعض] أهل العربية أنّ معنى ذلك: (2) واذكر يوم تجد. وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك، لأن القرآن إنما نـزل للأمر والذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا كذا وكذا، لأنه في القرآن في غير موضع: " واتقوا يوم كذا، وحين كذا ".
* * *
وأما " ما " التي مع " عملت "، فبمعنى " الذي"، ولا يجوز أن تكون جزاءً، لوقوع " تجد " عليه. (3) وأما قوله: " وما عملت من سوء "، فإنه معطوف على قوله: " ما " الأولى، و " عملت " صلةٌ بمعنى الرّفع، لمَّا قيل: " تود ". (4) &; 6-320 &; فتأويل الكلام: يوم تَجد كل نفس الذي عملت من خير محضرًا، والذي عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا
* * *
" والأمد " الغاية التي ينتهي إليها، ومنه قول الطرماح:
كُـلُّ حَـيٍّ مُسْتَكْـمِلٌ عِدَّةَ الـ
عُمْـرِ, ومُـودٍ إِذَا انْقَضَـى أَمَـدُهْ (5)
يعني: غاية أجله. وقد:-
6841 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، مكانًا بعيدًا.
6842 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " أمدًا بعيدًا "، قال: أجلا.
6843 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا &; 6-321 &; عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، قال: يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاكَ أبدًا يكونُ ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئةً يستلذّها. (6)
* * *
القول في تأويل قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه: أن تُسخِطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه يومَ تَجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قِبَل لكم به. ثم أخبر عز وجل أنه رءوف بعباده رحيمٌ بهم، وأنّ من رأفته بهم: (7) تحذيرُه إياهم نفسه، وتخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه، كما:-
6844- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن في قوله: " ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد "، قال: من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه. (8)
------------------------
الهوامش :
(1) هذا المعنى قلما تصيبه في كتب اللغة ، فأثبته فيها.
(2) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
(3) الوقوع: التعدي ، وقد سلف شرح ذلك فاطلبه في فهرس المصطلحات.
(4) في المطبوعة والمخطوطة: "كما قيل تود" ، والصواب ما أثبت. وقد استظهرت قراءتها من كلام الفراء في معاني القرآن 1: 206 ، ونص كلامه: "وقوله وما عملت من سوء - فإنك ترده أيضًا على (ما) ، فتجعل (عملت) صلة لها في مذهب رفع لقوله (تود لو أن بينها)" ، ويعني بذلك أن جملة"تود" مفعول ثان لقوله: "تجد" ، كما كان"محضرًا" مفعولا ثانيًا. وسيأتي ذلك بعد قليل في تفسيره.
(5) ديوانه: 112 ، وهذه رواية الطبري ، وكان يروي ديوان الطرماح ، وقرأه بالمسجد الجامع بمصر ، وأملاه على الناس ، وشرح غريبة. ولا أدري أأخطأ أم عنده رواية أخرى غير التي وصلتنا ، فالشعر في ديوانه كما يلي: بعد أن ذكر دار صاحبته ، وما بقي بها من النؤى والرماد:
تَـــرَكَ الدَّهْــرُ أهلَــهُ شُــعَبًا
فَاسْــتمَرَّتْ مِــنْ دُونِهِــمْ عُقَـدُهْ
وَكــذَاكَ الزَّمَــانُ يَطْـرُدُ بالنَّـاسِ
إلـــى اليَــوْمِ, يَوْمُــهُ وغَــدُهْ
لاَ يُلِيثَــانِ بِاخْتِلاَفِهِمَــا المَــرْءَ,
وَإنْ طَــــالَ فِيهِمَـــا أَمَـــدُهْ
كُــلُّ حَـيٍّ مُسـتَكْمِلٌ عِـدَّةَ العُمْـرِ,
وَمُـــودٍ إذَا انْقَضَـــى عَـــدَدُهْ
وقوله: "شعبًا" ، أي متفرقون ، واستمرت: اشتدت وأحكمت عقدة حبال الدهر ، فلم يعد له أمل في اجتماع أحبابه بعد الفراق. وقوله: "لا يليثان" ، من ألاثه يليثه: أخره ، وهو من"اللوث" ، وهو البطء والتأخير. يقول: إن اختلاف الأيام من يوم وغد ، لا يؤخران أجل المرء وإن طال عمره ، حتى يفنياه ويذهبا به. وقوله: "مود" أي: هالك ، إذا انقضى عدد أيامه وأكله في هذه الحياة الدنيا.
(6) في المطبوعة: "خطيئته" وفي المخطوطة: "حطيته" هكذا نقطت ، ورأيت الصواب أن أقرأها كما أثبتها.
(7) في المطبوعة: "ومن رأفته بهم" ، وفي المخطوطة: "وأرض رأفته بهم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(8) الأثر: 6844-"والحسن" ، هو الحسن البصري بلا ريب ، فقد نسب هذا الأثر إليه ابن كثير في تفسيره 2: 125 ، والسوطي في الدر المنثور 2: 17 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمرو بن الحسن" ، فظهر أنه خطأ لا شك فيه. أما "عمرو" ، فلم أستطع أن أقطع من يكون ، فمن روى عن الحسن ، ممن اسمه"عمرو" كثير.
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣١﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي أنـزلت هذه الآية فيه. فقال بعضهم: أنـزلت في قوم قالوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا نحب ربنا "، فأمر الله جل وعز نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: " إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني، فإن ذلك علامة صِدْقكم فيما قلتم من ذلك.
ذكر من قال ذلك:
6845 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن بكر بن الأسود قال، سمعت الحسن يقول: قال قومٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنـزل الله عز وجل: " قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم "، فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه.
6846- حدثني المثنى قال، حدثنا علي بن الهيثم قال، حدثنا عبد الوهاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت الحسن يقول: قال أقوامٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا لنحب ربنا! فأنـزل الله جل وعز بذلك قرآنًا: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم "، فجعل الله اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علمًا لحبه، وعذاب من خالفه. (9)
6847 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله "، قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربّنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علمًا لحبه.
6848- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إن كنتم تحبون الله " الآية، قال: إن أقوامًا كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل، فقال: " إن كنتم تحبون الله " الآية، كان اتباعُ محمد صلى الله عليه وسلم تصديقًا لقولهم. (10)
* * *
وقال آخرون: بل هذا أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تَقولونه في عيسى من عظيم القول، إنما يقولونه تعظيمًا لله وحبًّا له، فاتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك:
6849 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قل إن كنتم تحبون الله "، أي: إن كان هذا من قولكم - يعني: في عيسى - (11) حبًّا لله وتعظيمًا له = ،" فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم "، أي: ما مضى من كفركم =" والله غفور رحيم ". (12)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قولُ محمد بن جعفر بن الزبير. لأنه لم يجر لغير وفد نجرانَ في هذه السورة ولا قبل هذه الآية، ذكرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله، ولا أنهم يعظمونه، فيكون قوله." إن كنتم تحبون الله فاتبعوني" جوابًا لقولهم، على ما قاله الحسن.
وأمّا ما روى الحسن في ذلك مما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصحّ، فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال. إلا أن يكون الحسن أرادَ بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفدَ نَجران من النصارى، فيكون ذلك من قوله نظير اختيارنا فيه. (13)
فإذْ لم يكن بذلك خبر على ما قلنا، ولا في الآية دليلٌ على ما وصفنا، فأولى الأمور بنا أن نُلحق تأويله بالذي عليه الدّلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا. لأن ما قبل هذه الآية من مبتدأ هذه السورة وما بعدها، خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على بُطول قولهم في المسيح. فالواجب أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها ومعنى ما بعدها.
* * *
قال أبو جعفر: فإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فتأويلُ الآية: قل، يا محمد، للوفد من نصارى نجران: إن كنتم كما تزعمون أنكم تحبون الله، (14) وأنكم تعظمون المسيح وتقولون فيه ما تقولون، حبًّا منكم ربَّكم = فحققوا قولكم الذي تقولونه، إن كنتم صادقين، باتباعكم إياي، فإنكم تعلمون أني لله رسولٌ إليكم، كما كان عيسى رسولا إلى من أرسل إليه، فإنه = إن اتبعتموني وصدّقتموني على &; 6-325 &; ما أتيتكم به من عند الله = يغفرُ لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيمٌ بهم وبغيرهم من خلقه.
-------------------
الهوامش :
(9) الأثران: 6845 ، 6846 ، سيذكر الطبري ضعفهما عنده بعد قليل.
(10) في المخطوطة: "تصديق لقولهم" ، والصواب ما في المطبوعة.
(11) ما بين الخطين زيادة تفسير من أبي جعفر. وفي سيرة ابن هشام: "إن كان هذا من قولكم حقًا ، حبًا لله..." بزيادة"حقًا" ، وأخشى أن يكون ناسخ الطبري قد أسقطها.
(12) الأثر: 6849- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6824.
(13) في المطبوعة: "نظير أخبارنا" ، وفي المخطوطة: "نظير احسار بالله" غير منقوطة. وظاهر أن المطبوعة حذفت ما كان رسمه"لله" ، وظاهر أن قراءتنا لنصها هو الصواب إن شاء الله.
(14) في المطبوعة: "إن كنتم تزعمون..." بحذف"كما" ، فأثبتها من المخطوطة.
قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٣٢﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولَّوا فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحبُّ من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، (15) وأنهم منهم، (16) بجحودهم نبوّتك، وإنكارهم الحقّ الذي أنت عليه، بعد علمهم بصحة أمرك، وحقيقة نبوتك، كما:-
6850 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قل أطيعوا الله والرسول "، فأنتم تعرفونه - يعني الوفد من نصارى نجران - وتجدونه في كتابكم=" فإن تولوا " على كفرهم =" فإن الله لا يحبّ الكافرين ". (17)
-------------------
الهوامش :
(15) في المطبوعة: "من كفر بجحد ما عرف..." ، وأثبت ما في المخطوطة.
(16) قوله: "وأنهم منهم" ، معطوف على قوله: "فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر..." ، "وأنهم منهم" ، أي من هؤلاء الذين لا يحبهم الله ، بجحودهم نبوتك.
(17) الأثر: 6850- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6849.
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٣٣﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله اجتبى آدمَ ونوحًا واختارهما لدينهما = وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه، لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأخبرَ الله عز وجل أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التي خالفته. (18)
وإنما عنى ب "آل إبراهيم وآل عمران "، المؤمنين.
* * *
وقد دللنا على أن "آل الرجل "، أتباعه وقومه، ومن هو على دينه. (19)
* * *
وبالذي قلنا في ذلك روي القول عن ابن عباس أنه كان يقوله.
6851 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " إن الله اصطفى آدمَ ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين "، قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد، يقول الله عز وجل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [سورة آل عمران: 68]، وهم المؤمنون.
6852 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إنّ الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآلَ عمران على العالمين "، رجلان نبيَّان اصطفاهما الله على العالمين.
6853 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إنّ الله اصطفى آدمَ ونوحًا وآلَ إبراهيم وآلَ عمران على العالمين "، قال: ذكر الله أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم &; 6-327 &; على العالمين، فكان محمدٌ من آل إبراهيم.
6854 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم " إلى قوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم. (20)
--------------------------
الهوامش :
(18) انظر تفسير"اصطفى" فيما سلف 3: 91 ، 69 / ثم 5: 312 ، 313.
(19) انظر ما سلف 2: 37 / 3: 222 ، تعليق: 1.
(20) في المطبوعة: "المطيعين لربهم" ، كما في الدر المنثور 2: 17 ، 18 ، ولكن المخطوطة واضحة جدًا ، ومطابقة لقوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم...".
ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾
القول في تأويل قوله : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
قال أبو جعفر: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران " ذريةً بعضها من بعض ".
* * *
ف " الذرية " منصوبة على القطع من "آل إبراهيم وآل عمران "، لأن " الذرية "، نكرة، و "آل عمران " معرفة. (21)
ولو قيل نصبت على تكرير " الاصطفاء "، لكان صوابًا. لأن المعنى: اصطفى ذريةً بعضُها من بعض. (22)
* * *
وإنما جعل " بعضهم من بعض " في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [سورة التوبة: 71]، وقال في موضع آخر: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ سورة التوبة: 67]، يعني: أنّ دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: &; 6-328 &; " ذرية بعضها من بعض "، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته، كما:-
6855 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ذرية بعضها من بعض "، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
* * *
وقوله: " والله سميعٌ عليمٌ"، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا.
--------------------
الهوامش :
(21) انظر ما سلف في معنى"القطع" ، وهو الحال ، قريبًا ص: 270 ، تعليق: 3.
(22) انظر معاني القرآن للفراء 1: 207.
إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾
القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
يعني بقوله جل ثناؤه: " إذ قالت امرأة عمران ربّ إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا فتقبل مني"، فـ" إذْ" من صلة سَمِيعٌ . (23)
* * *
وأمّا " امرأة عمران "، فهي أم مريم ابنة عمران، أم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه. وكان اسمها فيما ذكر لنا حَنَّة ابنة فاقوذ بن قتيل، (24) كذلك:-
6856 - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في نسبه = وقال غير ابن حميد: ابنة فاقود - بالدال - ابن قبيل. (25)
* * *
فأما زوجها " عمران "، فإنه: عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن &; 6-329 &; أحزيق (26) بن يوثم (27) بن عزاريا (28) بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو (29) بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر (30) بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا، كذلك:-
6857 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في نسبه.
* * *
وأما قوله: " رَبّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا "، فإنّ معناه: إني جعلت لك يا رب نَذْرًا أنّ لك الذي في بطني محرّرًا لعبادتك. يعني بذلك: حبستُه على خدمتك وخدمة قُدْسك في الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك، مفرّغة لك خاصة.
* * *
ونصب " محرّرًا " على الحال مما في الصفة من ذكر " الذي". (31)
* * *
" فتقبل مني"، أي: فتقبل مني ما نذرت لك يا ربّ =" إنك أنت السميع &; 6-330 &; العليم "، يعني: إنك أنتَ يا رب " السميع " لما أقول وأدعو =" العليمُ" لما أنوي في نفسي وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمري وعلانيته. (32)
* * *
وكان سبب نذر حَنة ابنة فاقوذ، امرأة عمران = الذي ذكره الله في هذه الآية فيما بلغنا، ما:-
6858 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: تزوج زكريا وعمران أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا، وكانت أم مَريم عند عمرانَ، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم، فهي جنينٌ في بطنها. قال: وكانت، فيما يزعمون، قد أمسك عنها الولد حتى أسنَّت، وكانوا أهل بيت من الله جل ثناؤه بمكان. فبينا هي في ظلّ شجرة نظرت إلى طائر يُطعم فرخًا له، فتحرّكت نفسُها للولد، فدعت الله أن يهبَ لها ولدًا، فحملت بمريم، وهلك عمران. فلما عرفت أن في بطنها جنينًا، جعلته لله نَذيرةً = و " النذيرة "، أن تعبِّده لله، فتجعله حبيسًا في الكنيسة، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا.
6859 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال = ثم ذكر امرأة عمران وقولها: " ربّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا " = أي نذرته، تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا = (33) " فتقبَّل مني إنك أنتَ السميع العليم ". (34)
6860- حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة &; 6-331 &; قال، حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله: " محررًا "، قال: خادمًا للبِيعة. (35)
6861 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد قال: خادمًا للكنيسة.
6862 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، أخبرنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا "، قال: فرّغته للعبادة.
6863 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: جعلته في الكنيسة، وفرّغته للعبادة.
6864 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن إسماعيل، عن الشعبي نحوه.
6865 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: للكنيسة يخدُمها.
6866 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6867 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: خالصًا، لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.
6868 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، &; 6-332 &; عن سعيد بن جبير: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: للبيعة والكنيسة.
6869 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحمانيّ قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: محرّرًا للعبادة.
6870 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إذ قالت امرأة عمران رَبّ إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، الآية، كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور، وكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها.
6871 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: نذرت ولدها للكنيسة.
6872 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم "، قال: وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما في بطنها غلام، فوهبته لله محرّرًا لا يعمل في الدنيا.
6873 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: كانت امرأة عمران حرّرَت لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يحرّرون الذكور، فكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها.
6874 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلَّمونه.
6875 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة: أنه أخبره عن عكرمة = وأبي بكر، عن عكرمة: أن امرأة عمران كانتْ عجوزًا عاقرًا تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبطُ النساء لأولادهن، فقالت: اللهمّ إنّ عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني &; 6-333 &; ولدًا أن أتصدّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنته وُخدَّامه. قال: وقوله: " نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا " = إنها للحرّة ابنة الحرائر =" محررًا " للكنيسة يخدمها.
6876 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إذ قالت امرأة عمران " الآية كلها قال: نذرت ما في بطنها، ثم سيَّبَتْها. (36)
--------------
الهوامش :
(23) يعني أن الظرف"إذ" متعلق بقوله: "سميع" في الآية السابقة. وقد ظن الناشر الأول للتفسير ، أن في الكلام سقطًا ، وليس كذلك ، والكلام تام لا خرم فيه.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: "قتيل" في الموضعين وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.
(25) في المطبوعة والمخطوطة: "قتيل" في الموضعين وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.
(26) في المطبوعة والمخطوطة: "أحريق" وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.
(27) في المطبوعة: "يويم" ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وفي تاريخ الطبري: "يوثام" فجعلتها"ثاء" بغير ألف ، مطابقة للرسم.
(28) في تاريخ الطبري"عزريا" بغير ألف.
(29) في المطبوعة والمخطوطة: "أحريهو" بالراء.
(30) في المطبوعة والمخطوطة: "يازم" بالزاي ، وفي تاريخ الطبري: "يهشافاظ" ، وكأنه الصواب. وفي المطبوعة: "أشا" بالشين المعجمة ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ ، بيد أن في المخطوطة والمطبوعة ، قد جعل هذا والذي بعده اسمًا واحدًا كتب هكذا: "أسابرابان" والصواب ما أثبت من تاريخ الطبري.
(31) في المطبوعة: "ونصب محررًا على الحال من (ما) التي بمعنى (الذي)". فغيروا ما في المخطوطة ، وأساءوا أشد الإساءة ، ونسبوا إلى أبي جعفر إعرابًا لم يقل به ، ومذهبًا لم يذهب إليه. فإن تصحيح المصحح جعل"محررًا" حالا من"ما" ، والذي ذهب إليه الطبري أن"محررًا" حال من الضمير الذي في الجار والمجرور"في بطني" ، والعامل في الجار والمجرور هو"استقر". وبين الإعرابين فرق بين. انظر تفسير أبي حيان 1: 437 ، وتفسير الألوسي 3: 118 وغيرهما. والذي أفضى به إلى هذا التبديل أنه استبهم عليه معنى"الصفة" ، وهو: حرف الجر ، وحروف الصفات هي حروف الجر ، كما مضى 1: 299 تعليق: 1 / 3: 475 تعليق: 1 / 4 : 227 تعليق : 1 / ثم: 247 تعليق: 3.
(32) انظر معنى"النذر" فيما سلف 5: 580.
(33) نص ابن هشام: "أي: نذرته فجعلته عتيقًا ، تعبده لله ، لا ينتفع به لشيء من الدنيا" ، فتركت رواية الطبري على حالها.
(34) الأثر: 6859- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6850.
(35) الأثر: 6860-"عبد الرحمن بن الأسود بن المأمون ، مولى بني هاشم" بغدادي ، روى عن محمد بن ربيعة ، وروى عنه الترمذي والنسائي ، وابن جرير. مترجم في التهذيب. و"محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي" ابن عم وكيع. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
والبيعة (بكسر الباء): كنيسة النصارى ، أو كنيسة اليهود.
(36) سيب الشيء: تركه. وسيب الناقة أو الدابة: تركها تسيب حيث شاءت ، والدابة سائبة ، فإذا كانت نذرًا ، كان لا ينتفع بظهرها ، ولا تحلأ عن ماء ، ولا تمنع من كلأ ، ولا تركب. وهي التي قال الله فيها"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة". ثم قيل منه للعبد إذا أعتقه مولاه ، وأراد أن لا يجعل ولاءه إليه ، فهو لا يرثه ، وللمعتق أن يضع نفسه وماله حيث شاء"سائبة". انظر ما سلف 3: 386 في خبر أبي العالية.
أما قوله: "سيبتها" هنا ، فإنه أراد أنها جعلتها سائبة لله ، ليس لأحد عليها سبيل ، وهو قريب من معنى"التحرير".