تفسير الطبري
· آل عمرانافتح في القارئفَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٦١﴾
القول في تأويل قوله : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فمن حاجك فيه "، فمن جادلك، يا محمد، في المسيح عيسى ابن مريم. (31)
* * *
والهاء في قوله: " فيه "، عائدة على ذكر عيسى. وجائز أن تكون عائدة &; 6-474 &; على " الحق " الذي قال تعالى ذكره: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ .
* * *
ويعني بقوله: " من بعد ما جاءك من العلم "، من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله =" فقل تعالوا "، هلموا فلندع = (32) " أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل "، يقول: ثم نلتعن.
* * *
يقال في الكلام: " ما لهُ؟ بَهَله الله " أي: لعنه الله =" وما له؟ عليه بُهْلةُ الله "، يريد اللعن، وقال لبيد، وذكر قومًا هلكوا فقال:
* نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهِلْ * (33)
يعني: دعا عليهم بالهلاك.
* * *
=" فنجعل لعنة الله على الكاذبين " منا ومنكم في أنه عيسى، (34) كما:-
7171 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، أي: في عيسى: أنه عبدُ الله ورسوله، من كلمة الله وروحه =" فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم "، إلى قوله: " على الكاذبين ".
7172 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، أي: من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره =" فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم "، الآية. (35)
7173 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم "، يقول: من حاجك في عيسى من بعد ما جاءك فيه من العلم.
7174 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين "، قال: منا ومنكم.
7175 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، وحدثني ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني! من شْدّة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم. (36)
* * *
------------------------
الهوامش :
(31) انظر تفسير"حاج" فيما سلف 3: 120 ، 121 / 5: 429 / 6: 280.
(32) انظر تفسير"تعالوا" فيما يلي ص: 483 ، 485.
(33) ديوانه قصيدة 39 ، البيت: 81 وأساس البلاغة (بهل) ، وأمالي الشريف المرتضي 1: 45 ، من قصيدة مضى بعض أبياتها ، وهي من شعره الذي رثى فيه أربد:
وَأَرَى أَرْبَـــدَ قَـــدْ فَـــارَقَـنِي
وَمِـــنَ الأَرْزَاءِ رُزْءٌ ذُو جَــــلَلْ
مُمْقِـــرٌ مُــرٌّ عَــلَى أَعْدَائِــهِ,
وَعَــلَى الأَدْنَيْــنَ حُــلْوٌ كَالْعَسَـلْ
فِــي قُــرُومٍ سَــادَةٍ مِـنْ قَوْمِـهِ
نَظَــر الدَّهْــرُ إِلَيْهِــمْ فَــابْتَهَلْ
وهذا التفسير الذي ذكره الطبري لمعنى بيت لبيد ، جيد. وجيد أيضًا تفسير الزمخشري في أساس البلاغة قال: "فاجتهد في إهلاكهم". وكأن أجود تفسير للابتهال أن يقال: هو الاسترسال في الأمر ، والاجتهاد فيه ، ومعنى البيت: فاسترسل في أمرهم ، واجتهد في إهلاكهم فأفناهم. وأما قوله: "نظر الدهر إليهم" ، فقد قال الجوهري وغيره: "نظر الدهر إلى بني فلان فأهلكهم" ، فقال ابن سيده: "هو على المثل ، وقال: ولست على ثقة منه". وقال الزمخشري: "ونظر الدهر إليهم: أهلكهم" ، وهو تفسير سيئ ، إذا لم يكن في نسخة الأساس تحريف. وصواب المعنى أن يقال: "نظر الدهر إليهم" ، نظر إليهم مكبرًا أفعالهم ، فحسدهم على مآثرهم وشرفهم. كما يقال: "هو سيد منظور" ، أي: ترمقه الأبصار إجلالا. وإكبارًا. وإنما فسرته بالحسد ، لأنهم سموا الحسد"العين" ، فيقال: "عان الرجل يعينه عينًا ، فهو معين ومعيون" ، والنظر بالعين لا يزال مستعملا في الناس بمعنى الحسد ، وإنما أغفل شارحو بيت لبيد هذا المعنى.
(34) في المطبوعة: "في آية عيسى" ، وهذا لا معنى له هنا والصواب ما في المخطوطة ، وإنما أراد: الكاذبين منا ومنكم في أنه عيسى عبد الله ورسوله ، لا أنه"الله" تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ، وقد مضى في الأثر رقم 7164 ، قولهم: "ولكنه الله".
(35) الأثر: 7172- سيرة ابن هشام 2: 232 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: 7169.
(36) الحديث: 7175- سليمان بن زياد الحضرمي المصري: تابعي ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. وقال أبو حاتم: "شيخ صحيح الحديث".
عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله الزبيدي: صحابي نزل مصر ، وهو آخر من مات بها من الصحابة.
و"جزء": بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة. و"الزبيدي": بضم الزاي ، نسبة إلى القبيلة.
ووقع هنا في الإسناد قول ابن وهب: "وحدثني ابن لهيعة" - ومثل هذا يكون كثيرًا في الأسانيد: يحدث الرجل عن شيوخه بالأحاديث ، فيذكرها بحرف العطف ، عطف حديث على حديث ، وإسناد على إسناد ، فإذا حدث السامع عن الشيخ ، فقد يحذف حرف العطف وقد يذكره. والأمر قريب.
والحديث رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ، ص: 301 ، بنحوه ، عن عبد الملك بن مسلمة ، وأبي الأسود النضر بن عبد الجبار - كلاهما عن ابن لهيعة ، بهذا الإسناد.
وذكره السيوطي 2: 38 ، عن ابن جرير وحده.
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٦٢﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك. واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه، وهو الله العزيز الحكيم.
* * *
ويعني بقوله: الْعَزِيزُ ، العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيرَه، أو عبد ربًّا سواه (1) = الْحَكِيمُ في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ. (2)
--------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"العزيز" فيما سلف 3: 88 / 6: 165 ، 168 ، 271.
(2) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف قريبًا: 467 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٦٣﴾
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
" فإن تولوا "، يعني: فإن أدبر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى، عما جاءك من الحق من عند ربك في عيسى وغيره من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان، &; 6-477 &; فأعرضوا عنه ولم يقبلوه = (3)
" فإن الله عليم بالمفسدين "، يقول: فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم. (4) يقول تعالى ذكره: فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها، حتى يجازيهم عليها جزاءَهم.
* * *
وبنحو ما قلنا قي ذلك قال أهل التأويل:
ذكر من قال ذلك:
7176 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، أي: إن هذا الذي جئتَ به من الخبر عن عيسى، = (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، من أمره. (5)
7177 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ) ، إن هذا الذي قُلنا في عيسى = (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) .
7178 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، قال: إن هذا القصصَ الحقّ في عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يتعدَّى هذا ولا يُجاوزُه: أنْ يتعدّى أن يكون كلمة الله ألقاها إلى مريم، (6) وروحًا منه، وعبدَ الله ورسوله.
7179 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، إنّ هذا الذي قلنا في &; 6-478 &; عيسى، هو الحق = وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ ، الآية.
* * *
فلما فصل جل ثناؤه بين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبين الوفد من نصارى نجران، بالقضاء الفاصل والحكم العادل، أمرَه (7) = إن هم تولوا عما دعاهم إليه من الإقرار بوحدانية الله، وأنه لا ولد له ولا صاحبة، وأنّ عيسى عبدُه ورسوله، وأبوا إلا الجدلَ والخصومة = (8) أن يدعوَهم إلى الملاعنة. ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، انخزلوا فامتنعوا من الملاعنة، ودعوا إلى المصالحة، كالذي:-
7180 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر قال: فأمِر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - بملاعنتهم - يعني: بملاعنة أهل نجران - بقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، الآية. فتواعدوا أن يلاعنوه وواعدوه الغدَ. فانطلقوا إلى السيد والعاقب، وكانا أعقلهم، فتابعاهم. فانطلقوا إلى رجل منهم عاقل، فذكروا له ما فارقوا عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما صنعتم!! ونَدَّمهم، (9) وقال لهم: إن كان نبيًّا ثم دعا عليكم لا يغضبُه الله فيكم أبدًا، ولئن كان ملِكًا فظهر عليكم لا يستبقيكم أبدًا. (10) قالوا: فكيف لنا وقد واعدنا! فقال لهم: إذا غدوتم إليه فعرض عليكم الذي فارقتموه عليه، فقولوا: " نعوذ بالله "! فإن دعاكم أيضًا فقولوا له: " نعوذ بالله "! ولعله أن يعفيَكم من ذلك. فلما غدَوْا غدَا النبّي صلى الله عليه وسلم محتضِنًا حسَنًا آخذًا بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه. فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس، &; 6-479 &; فقالوا: " نعوذ الله " ! ثم دعاهم فقالوا: " نعوذ بالله " ! مرارًا قال: فَإن أبيتم فأسلموا ولكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين كما قال الله عز وجل، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون كما قال الله عز وجل. قالوا: ما نملك إلا أنفسنا! قال: فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء كما قال الله عز وجل. قالوا: ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكن نؤدّي الجزية. قال: فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة، ألفًا في رجب، وألفًا في صفر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكه أهل نجران، (11) حتى الطير على الشجر = أو: العصافيرُ على الشجر = لو تمُّوا على الملاعنة. (12)
= حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال: فقلت للمغيرة: إن الناس يروُون في حديث أهل نجران أن عليًّا كان معهم! فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في عليّ، أو لم يكن في الحديث! (13)
7181 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) إلى قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ، فدعاهم إلى النَّصَف، (14) وقطع عنهم الحجة. فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ من الله عنه، والفصلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إنْ ردُّوا عليه = (15) دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نُريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رَأيهم، (16) فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ قال: &; 6-480 &; والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أنّ محمدًا لنبيّ مرسل، (17) ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قَوْمٌ نبيًّا قط فبقي كبيرُهم ولا نبتَ صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْفَ دينكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمنٌ رَأيه. (18) فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنَك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضَاهُ لنا، يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رِضًى. (19)
7182 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي في قوله: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ الآية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين. (20)
7183 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، الآية، فأخذ - يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم - بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعلي: اتبعنا. فخرجَ معهم، فلم يخرج يومئذ النصارَى، وقالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس دعوة النبيّ كغيرها ! ! فتخلفوا عنه يومئذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو خرجوا لاحترقوا! فصالحوه على صلح: على أنّ له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجزت الدراهم ففي العُرُوض: الحُلة بأربعين = وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعة وثلاثين فرسًا غازيةً كلّ سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضَامنٌ لها حتى نُؤدّيها إليهم.
7184 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا وفدًا من وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجوه، في عيسى، فنكصُوا عن ذلك وخافوا = وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: والذي نفس محمد بيده، إن كان العذاب لقد تَدَلَّى على أهل نجران، ولو فعلوا لاستُؤصلوا عن جديد الأرض. (21)
7185 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ، قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خرج ليُداعي أهل نجران، (22) فلما رأوه خرج، هابوا وفَرِقوا، فَرَجعوا = قال معمر، قال قتادة: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أهل نَجران، أخذَ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: اتبعينا. فلما رأى ذلك أعداءُ الله، رجعوا.
7186 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو خرج الذين يُباهلون النبّي صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا.
7187 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زكريا، عن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
7188 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحدٌ إلا أهلك الله الكاذبين.
7189 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا ابن زيد قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنت القوم، بمن كنتَ تأتي حين قلت " أبناءَنا وأبناءَكم "؟ قال: حسن وحسين.
7190 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا المنذر بن ثعلبة قال، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نـزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ، الآية، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عليّ وفاطمةَ وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليُلاعنهم، فقال شاب من اليهود، ويحكم! أليس عهدُكم بالأمس إخوانُكم الذين مُسخوا قردةً وخنازير؟! لا تُلاعنوا! فانتهَوْا. (23)
-----------------------
الهوامش :
(3) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 2: 162-164 ، 298 / 3: 131 / 4: 237 / 6: 283 ، 291.
(4) انظر معنى"الفساد" فيما سلف 1: 287 ، 416 / 4: 238 ، 243 ، 244 / 5: 372.
(5) الأثر: 7176- سيرة ابن هشام 2: 232 ، هو بقية الآثار التي آخرها رقم: 7172.
(6) في المطبوعة: "ولا يجاوز أي يتعدى..." ، والصواب ما في المخطوطة.
(7) في المطبوعة والمخطوطة: "وأمره..." بالواو ، وهي زائدة مفسدة ، فأسقطتها.
(8) سياق الجملة: "أمره... أن يدعوهم إلى الملاعنة" ، وما بينهما فصل.
(9) قوله: "ندمهم" (مشدد الدال) لامهم حتى حملهم على الأسف والندم. وهذا لفظ عربي عريق قل أن تظفر به في كثير من كتب اللغة.
(10) في المطبوعة: "لا يستبقينكم" ، بزيادة النون ، والصواب من المخطوطة.
(11) في المطبوعة: "قد أتاني" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(12) "تم على الشي" استمر عليه وأمضاه.
(13) هذه الفقرة من تتمة الأثر السالف ، فلذلك لم أفردها بالترقيم.
(14) النصف والنصفة (كلاهما بفتحتين): هو الإنصاف ، وإعطاء الحق لصاحبك كالذي تستحق لنفسك.
(15) في المخطوطة: "أو ردوا عليه" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة مطابقًا لسيرة ابن هشام ، وفيها: "إن ردوا ذلك عليه".
(16) "ذو رأيهم" ، صاحب الرأي والتدبير ، يستشار فيما يعرض لهم لعقله وحسن رأيه.
(17) في المطبوعة: "أن محمد نبي مرسل" ، وهو خطأ ، وتحريف لما في المخطوطة كما أثبتها ، وهو المطابق أيضًا لما في سيرة ابن هشام.
(18) قوله: "حتى يريكم زمن رأيه" ليست في سيرة ابن هشام. ويعني بذلك: حتى يمضي زمن ، وتتقلب أحوال ، فترون عاقبة أمره ، صلى الله عليه وسلم ، وقد قال شارح السيرة ، السهيلي ، في الروض الأنف 2: 50"وفي حديث أهل نجران ، زيادة كثيرة عن ابن إسحاق ، من غير رواية ابن هشام".
(19) الأثر: 7181- سيرة ابن هشام 2: 232 ، 233 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 7176- يقال: "رجل رضى من قوم رضى" ، أي مرضى ، وصف بالمصدر مثل رجل عدل ، كما قال زهير:
مَتَـى يَشْـتَجِرْ قَـوْمٌ يَقُـلْ سَرَواتُهُمْ:
هُـمُ بَيْنَنَـا, فَهُـمُ رِضًـى, وهُمُ عَدْلُ
(20) الأثر: 7182-"عيسى بن فرقد المروزي" ، أبو مطهر. روى عنه عمرو بن رافع ، وابن حميد ، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقال: مروزي. قلت: ما حاله؟ قال: شيخ". مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 284. و"أبو الجارود" هو: زياد بن المنذر الهمداني. قال ابن معين: "كذاب ، عدو الله ، ليس يسوي فلسًا". وكان رافضيًا يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويروى في فضائل أهل البيت رضي الله عنهم أشياء ما لها أصول. لا يحل كتب حديثه ، وهو من غلاة الشيعة ، وله فرقة تعرف بالجارودية.
(21) جديد الأرض ، وجدها (بفتح الجيم وكسرها) وجددها (بفتحات): هو وجه الأرض.
(22) في المطبوعة: خرج ليلاعن أهل نجران" ، قرأ"ليداعي""ليلاعن" ، و"يداعي" من"الدعاء" ، يعني هذه المباهلة والملاعنة.
(23) الأثر: 7190-"المنذر بن ثعلبة بن حرب الطائي" ، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب. و"علباء بن أحمر اليشكري" روى عن عكرمة مولى ابن عباس. قال أحمد: "لا بأس به ، لا أعلم إلا خيرًا" ، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
هذا وأحاديث هذا الباب كلها مرسلة ، كما رأيت ، إلا خبر ابن عباس.
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل "، يا محمد، لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل =" تعالوا "، هلموا (24) =" إلى كلمة سواء "، يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، (25) والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا.
= وقوله: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا "، يقول: ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه =" فإن تولوا "، يقول: فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه من الكلمة السواء التي أمرُتك بدعائهم إليها، (26) فلم يجيبوك إليها =" فقولوا "، أيها المؤمنون، للمتولِّين عن ذلك =" اشهدوا بأنا مسلمون ".
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن نـزلت فيه هذه الآية.
فقال بعضهم: نـزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك:
7191 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم.
&; 6-484 &;
7192 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم دَعا اليهود إلى كلمة السَّواء.
7193 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم = قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل: " قل يا أهل الكتاب تَعالوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، الآية.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في الوفد من نصارى نجران.
ذكر من قال ذلك:
7194 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " الآية، إلى قوله: " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "، قال: فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحجةَ - يعني وفد نجران. (27)
7195 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم دعاهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم. - يعني الوفدَ من نصارى نجران - فقال: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، الآية.
7196 - حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثنا ابن زيد قال قال: يعني جل ثناؤه: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، في عيسى = على ما قد بيناه فيما مضى = (28) قال: فأبوا - يعني الوفدَ من نجران - فقال: ادعهم إلى أيسر من هذا،" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، &; 6-485 &; فقرأ حتى بلغ: " أربابًا من دون الله "، فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا عنى بقوله: " يا أهل الكتاب "، أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب " بعضًا دون بعض. فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر = لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح = فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم " أهل الكتاب "، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، (29) فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا.
* * *
وأما تأويل قوله: " تعالوا "، فإنه: أقبلوا وهلمُّوا. (30) وإنما " هو تفاعلوا " من " العلوّ" فكأن القائل لصاحبه: " تعالَ إليّ"، قائلٌ" تفاعل " من " العلوّ"، (31) كما يقال: " تَدَانَ مني" من " الدنوّ"، و " تقارَبْ مني"، من " القرب ".
* * *
&; 6-486 &;
وقوله: " إلى كلمة سواء ". فإنها الكلمة العدلُ،" والسَّواء " من نعتِ" الكلمة ". (32)
* * *
وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع " سواء " في الإعراب " لكلمة "، وهو اسمٌ لا صفة.
فقال بعض نحويي البصرة: جر " سواء " لأنها من صفة " الكلمة " وهي العدل، وأراد مستوية. قال: ولو أراد " استواء "، كان النصب. وإن شاء أن يجعلها على " الاستواء " ويجرّ، جاز، ويجعله من صفة " الكلمة "، مثل " الخلق "، لأن " الخلق " هو " المخلوق "." والخلق " قد يكونُ صفةً واسمًا، ويجعل " الاستواء " مثل " المستوى "، قال عز وجل: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [سورة الحج: 25]، لأن " السواء " للآخر، وهو اسمٌ ليس بصفة فيجرى على الأول، وذلك إذا أراد به " الاستواء ". فإن أراد به " مستويًا " جاز أن يُجرَي على الأول. والرفع في ذا المعنى جيدٌ، لأنها لا تغيَّر عن حالها ولا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث فأشبهت الأسماء التي هي مثل " عدل " و " رضًى " و " جُنُب "، وما أشبه ذلك. وقالوا: [في قوله]: (33) أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ [سورة الجاثية: 21]، فـ" السواء " للمحيا والممات بهذا، المبتدأ.
وإن شئت أجريته على الأول، وجعلتَه صفة مقدمة، كأنها من سبب الأول &; 6-487 &; فجرت عليه. وذلك إذا جعلته في معنى " مستوى ". والرفع وجه الكلام كما فسَّرتُ لك.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: " سواء " مصدرٌ وضع موضع الفعل، (34) يعني موضع " متساوية ": و " متساو "، فمرة يأتي على الفعل، ومرّةً على المصدر. وقد يقال في" سواء "، بمعنى عدل: " سِوًى وسُوًى "، كما قال جل ثناؤه: مَكَانًا سُوًى و سُوًى [سورة طه: 58]، يراد به: عدل ونصَفٌ بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك ( إِلَى كَلَمَةٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم " ). (35)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: " إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، بأن " السواء " هو العدلٍ، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7197 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم "، عدل بيننا وبينكم =" ألا نعبد إلا الله "، الآية.
7198 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا "، بمثله. (36)
* * *
&; 6-488 &;
وقال آخرون: هو قولُ" لا إله إلا الله ".
ذكر من قال ذلك:
7199 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، قال أبو العالية: " كلمة السواء "، لا إله إلا الله.
* * *
وأما قوله: " ألا نعبُدَ إلا الله "، فإنّ" أنْ" في موضع خفض على معنى: تعالوا إلى أنْ لا نعبد إلا الله. (37)
* * *
وقد بينا - معنى " العبادة " في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته. (38)
* * *
وأما قوله: " ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا "، فإنّ" اتخاذ بعضهم بعضًا "، ما كان بطاعة الأتباع الرؤساءَ فيما أمروهم به من معاصي الله، (39) وتركِهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [سورة التوبة: 31]، كما:-
7200 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله "، يقول: لا يطع بعضُنا بعضًا في معصية الله. ويقال إنّ تلك الرُّبوبية: أن يطيعَ الناس سادَتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلُّوا لهم.
* * *
&; 6-489 &;
وقال آخرون: " اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا "، سجودُ بعضهم لبعض.
ذكر من قال ذلك:
7201 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله "، قال: سجود بعضهم لبعض.
* * *
وأما قوله: " فإن تولَّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "، فإنه يعني: فإن تولَّى الذين تدعونهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتم، أيها المؤمنون، لهم: اشهدوا علينا بأنا = بما تولَّيتم عنه، من توحيد الله، وإخلاص العبودية له، وأنه الإلهُ الذي لا شريك له =" مسلمون "، يعني: خاضعون لله به، متذلِّلون له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا.
* * *
وقد بينا معنى " الإسلام " فيما مضى، ودللنا عليه بما أغنى عن إعادته. (40)
-----------------------
الهوامش :
(24) انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف قريبًا: 474 ، وسيأتي ص: 485.
(25) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1: 256 / 2: 495-497.
(26) انظر معنى"تولى" فيما سلف قريبًا ص: 477 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(27) الأثر 7194- سيرة ابن هشام 2: 232 ، ومضى أيضًا برقم: 7181 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7181.
(28) يعني الأثر السالف رقم: 7178.
(29) في المطبوعة: "وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل" ، غير ما في المخطوطة حين لم يحسن قراءة ما فيه من التصحيف ، وكان في المخطوطة: "وأنتم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل" صحف الكاتب فكتب مكان"واسم" ، "وأنتم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(30) قد فسر أبو جعفر"تعالوا" في موضعين سلفا ص: 474 ، ص: 483 ، ولكنه استوفى هنا الكلام في بيانها ، ولا أدري لم يفعل مثل ذلك ، وكان الأولى أن يفسرها أول مرة.
(31) في المطبوعة: "فكأن القائل تعالى إلى ، فإنه تفاعل من العلو" لأنه لم يفهم ما كان في المخطوطة ، فبدله ، ووضع علامة (3) للدلالة على أنه خطأ لا معنى له ، أو سقط في الكلام. والصواب ما أثبت.
(32) انظر تفسير"سواء" فيما سلف قريبًا ص: 483 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(33) الزيادة التي بين القوسين ، زدتها ليستقيم الكلام ويستبين ، وأخشى أن يكون في هذه الجملة سقط لم أستطع أن أتبينه ، وراجع قول أبي جعفر في هذه الآية من تفسيره ، 25 ، 89 ، 90 (بولاق).
(34) "الفعل" يعني به الصفة المشتقة مثل فاعل ومفعول ، كما هو ظاهر هنا ، وراجع فهرس المصطلحات.
(35) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 220.
(36) الأثر: 7198- في المخطوطة: "و.. ولا نشرك به شيئًا" الآية ، وليس فيها"بمثله" ، زادها الناشر أو ناسخ قبله ، لما رأى الأثر غير تام ، وهو صنيع حسن ، وإن كنت لا أرتضيه ، وظني أنه قد سقط من الناسخ الأول بقية التفسير.
(37) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 220 ، فانظر تمامها هناك.
(38) انظر ما سف 1: 160 ، 161 ، 362 / 3: 120 ، 317.
(39) في المطبوعة: "هو ما كان بطاعة الأتباع..." بزيادة"هو" ، وليست في المخطوطة.
(40) انظر ما سلف 2: 510 ، 511 / 3: 73 ، 74 ، 92 ، 110 / ثم 6: 275 ، 280.
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يا أهل الكتاب "، يا أهل التوراة والإنجيل =" لم تحاجون "، لم تجادلون =" في إبراهيم " وتخاصمون فيه، يعني: في إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه.
وكان حجِاجهم فيه: ادّعاءُ كل فريق من أهل هذين الكتابين أنه كان &; 6-490 &; منهم، وأنه كان يدين دينَ أهل نِحْلته. فعابهم الله عز وجل بادِّعائهم ذلك، ودلّ على مُناقضتهم ودعواهم، فقال: وكيف تدَّعون أنه كان على ملتكم ودينكم، ودينُكم إما يهودية أو نصرانية، واليهودي منكم يزعُم أنّ دينه إقامةُ التوراة والعملُ بما فيها، والنصراني منكم يزعم أنّ دينه إقامةُ الإنجيل وما فيه، وهذان كتابان لم ينـزلا إلا بعد حين من مَهلِك إبراهيم ووفاته؟ فكيف يكون منكم؟ فما وجه اختصامكم فيه، (41) وادعاؤكم أنه منكم، والأمر فيه على ما قد علمتم؟
* * *
وقيل: نـزلت هذه الآية في اختصام اليهود والنصارى في إبراهيم، وادعاء كل فريق منهم أنه كان منهم.
ذكر من قال ذلك:
7202 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق = قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبارُ يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيمُ إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا! فأنـزل الله عز وجل فيهم: " يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنـزلت التوراةُ والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون "، قالت النصارى: كان نصرانيًّا! وقالت اليهود: كان يهوديًّا! فأخبرهم الله أنّ التوراة والإنجيل ما أنـزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية. (42)
7203 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أهل الكتاب لم تحاجُّون في إبراهيم "، يقول: " لم تحاجون في إبراهيم " وتزعمون أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، =" وما أنـزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده "، فكانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل، =" أفلا تعقلون "؟
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم.
ذكر من قال ذلك:
7204 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة السواء، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيم، وزعموا أنه مات يهوديًّا. فأكذبهم الله عز وجل ونفاهم منه فقال: " يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنـزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ".
7205 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7206 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم "، قال: اليهود والنصارى، برَّأه الله عز وجل منهم، حين ادعت كل أمة أنه منهم، (43) وألحق به المؤمنين، مَنْ كان من أهل الحنيفية.
7207 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وأما قوله: " أفلا تعقلون " فإنه يعني: " أفلا تعقلون "، تفقَهون خطأ قيلكم: إنّ إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وقد علمتم أنّ اليهودية والنصرانية حدَثَت من بعد مَهلكه بحين؟
-----------------
الهوامش :
(41) في المخطوطة: "فكيف يكون منهم ، أما وجه اختصامكم فيه.." ، وهو خطأ من عجلة الناسخ وصححه في المطبوعة ، ولكنه كتب"فما وجه اختصامكم فيه" ، وهو ليس بشيء ، والصواب ما أثبت.
(42) الأثر: 7202- سيرة ابن هشام 2: 201: 202 مختصرًا ، والأثر الذي قبله فيما روى الطبري من سيرة ابن إسحاق ، هو ما سلف رقم: 6782.
(43) في المخطوطة والمطبوعة: "حين ادعى" ، وهو سبق قلم من الناسخ.
هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾
القول في تأويل قوله : هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ها أنتم "، القومَ الذين (44) [قالوا في إبراهيم ما قالوا =" حاججتم "]، (45) خاصمتم وجادلتم (46) =" فيما لكم به علم "، من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه وثبتت عندكم صحته (47) =" فلم تحاجون "، يقول: فلم تجادلون وتخاصمون=" فيما ليس لكم به علم "، يعني: في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه، ولم تجدوه في كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهدتموه فتعلموه؟ كما:-
7208 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجُّون فيما ليس لكم به علم، أما " الذي لهم به علم "، فما حرّم عليهم وما أمروا به. وأما " الذي ليس لهم به علم "، فشأن إبراهيم.
7209 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم "، يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم =" فلم تحاجُّون فيما ليس لكم به علم "، فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا =" والله يعلم وأنتم لا تعلمون ".
7210 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
وقوله: " والله يعلم وأنتم لا تعلمون "، يقول: والله يعلم ما غَاب عنكم فلم تشاهدوه ولم تروه، ولم تأتكم به رسلُه من أمر إبراهيم وغيره من الأمور ومما تجادلون فيه، لأنه لا يغيب عنه شيء، ولا يعزُبُ عنه علم شيء في السموات ولا في الأرض =" وأنتم لا تعلمون "، من ذلك إلا ما عاينتم فشاهدتم، أو أدركتم علمه بالإخبار والسَّماع.
-----------------------
الهوامش :
(44) في المطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم هؤلاء ، القوم..." ، ومثله في المخطوطة ، وليس فيها"هؤلاء" ، وصواب السياق يقتضي أن يكون كما أثبت. وقوله: "القوم" مفعول به لقوله: "يعني...".
(45) هذه الزيادة التي بين القوسين ، أو ما يقوم مقامها ، لا بد منها ، ولا يستقيم الكلام إلا بها ، وظاهر أن الناسخ قد تخطى عبارة أو سطرا من فرط عجلته أو تعبه. واستظهرتها من نهج أبي جعفر وسياق تفسيره.
(46) انظر تفسير"حاج" فيما سلف 3: 120 ، 121 ، 200 / 5: 429 / 6: 280 ، 473.
(47) في المطبوعة والمخطوطة: "ومن غير ذلك" ، والصواب ما أثبت ، تصحيف ناسخ.
مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾
القول في تأويل قوله : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)
قال أبو جعفر: وهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم = وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون = وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم.
يقول الله عز وجل: = ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا كان من المشركين، (48) الذين يعبدون الأصنامَ والأوثانَ أو مخلوقًا دون خالقه الذي هو إله الخلق وبارئهم =" ولكن كان حنيفًا "، يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها =" مسلمًا "، يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه. (49)
* * *
وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى " الحنيف " فيما مضى، ودللنا على القول الذي هو أولى بالصحة من أقوالهم، بما أغنى عن إعادته. (50)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7211 - حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: هو على ديننا. فأنـزل الله عز وجل: " ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا " الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا. (51)
7212 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
&; 6-495 &;
7213 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله - لا أراه إلا يحدثه عن أبيه -: أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرَج إلى الشام يسأل عن الدِّين، ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينه، وقال: إني لعلِّي أنْ أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم. فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غَضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيع. فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ (52) قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا! (53) قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يك يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقي عالمًا من النصارى، فسأله عن دينه فقال: إني لعلِّي أن أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم. قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئًا، ولا من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنا أستطيع، (54) فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحوًا مما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. (55) فخرج من عنده، وقد رَضِي الذي أخبراه والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم، فلم يزل رافعًا يديه إلى الله وقال: (56) اللهم إني أشهِدك أني على دين إبراهيم. (57)
&; 6-496 &;
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال، حدثنا محمد بن جرير الطبري:
-----------------
إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٨﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إنّ أولى الناس بإبراهيم "، إنّ أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته وولايته =" للذين اتبعوه "، يعني: الذين سلكوا طريقَه ومنهاجه، فوحَّدوا الله مخلصين له الدين، وسنُّوا سُنته، وشرَعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به =" وهذا النبي"، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم =" والذين آمنوا "، يعني: والذين صدّقوا محمدًا، وبما جاءهم به من عند الله =" والله ولي المؤمنين "، يقول: والله ناصرُ المؤمنين بمحمد، (58) المصدِّقين له في نبوّته وفيما جاءهم به من عنده، على من خالفهم من أهل الملل والأديان.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7214 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه "، يقول: الذين اتبعوه على ملّته وسنَّته ومنهاجه وفطرته =" وهذا النبي"، وهو نبي الله محمد =" والذين آمنوا " معه، وهم المؤمنون الذين صدّقوا نبيّ الله واتبعوه. كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم.
&; 6-498 &;
7215 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7216 - حدثنا محمد بن المثنى، وجابر بن الكردي، والحسن بن أبي يحيى المقدسي، قالوا: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبيّ ولاةً من النبيين، وإن وليِّي منهم أبِي وخليل رَبّي، ثم قرأ: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ". (59)
&; 6-499 &;
7217 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله، أراه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. (60)
7218 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: " إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه "، وهم المؤمنون.
----------------
الهوامش :
(48) في المطبوعة: "ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين" ، ساق الآية كقراءتها ، وذلك لأن ناسخ المخطوطة كان كتب"وكان من المشركين" ثم كتب بين الواو و"كان" ، "لا" ضعيفة غير بينة ، فلم يحسن الناشر قراءتها ، فساق الآية ، ولم يصب فيما فعل ورددت عبارة الطبري إلى صوابها.
(49) انظر تفسير"الإسلام" فيما سلف قريبًا: 489 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(50) انظر ما سلف 3: 104 - 108.
(51) الأثر: 7211-"إسحاق بن شاهين الواسطي" ، روى عنه أبو جعفر في مواضع من تاريخه ، ولم أجد له ترجمة. و"خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن" أبو الهيثم المزني الواسطي. ثقة حافظ صحيح الحديث ، مترجم في التهذيب ، و"داود" هو: "ابن أبي هند" و"عامر" هو الشعبي.
(52) في المطبوعة: "وأنا لا أستطيع" ، زاد"لا" ، وليست في المخطوطة ، وهي خطأ فاحش ، ومخالف لرواية الحديث في البخاري كما سيأتي في تخريجه. وفي رواية البخاري: "وأنا أستطيعه ، فهل تدلني على غيره؟"
(53) في المطبوعة: "إلا أن تكون" ، بالتاء في الموضعين والصواب بالياء كرواية البخاري.
(54) في المطبوعة هنا أيضًا: "وأنا لا أستطيع" بزيادة"لا" ، وليست في المخطوطة ، وانظر التعليق: 1.
(55) في المطبوعة: "إلا أن تكون" ، بالتاء في الموضعين والصواب بالياء كرواية البخاري.
(56) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "فلم يزل رافعًا يديه إلى الله" ، وأنا في شك من لفظ هذا الكلام ، وأكبر ظني أنه تصحيف من كاتب قديم ، ونص رواية البخاري"فلما برز رفع يديه فقال" فجعل"فلما" ، وجعل"برز""يزل" ، وجعل"رفع""رافعًا" ، والسياق يقتضي مثل رواية البخاري.
(57) الأثر: 7213-"يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الزهري" ، سكن الإسكندرية. ثقة ، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر ، رواه البخاري (الفتح 7: 109 ، 110) من طريق فضيل بن سليمان ، عن موسى ابن عقبة ، بمثل لفظ الطبري مع بعض الاختلاف.
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة ما نصه :
"يتلوه القول في تأويل قوله عز وجل " ":
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِبنَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ"
والحمد لله على (..!!) وصلى الله على محمد وآله وسلم"
ثم يتلوه ما نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يَسِّرْ
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال ، حدثنا محمد بن جرير الطبري".
وهذا شيء جديد قد ظهر في هذه النسخة ، فإن ما مضى جميعه ، كان ختام التقسيم القديم ، رواية أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، ثم بدأت رواية التفسير بإسناد آخر لم نكن نعرفه عن رجل آخر غير أبي محمد الفرغاني ، وهو المشهور برواية التفسير ، فأثبت الإسناد في صلب التفسير لذلك: فلا بد من التعريف هنا بأبي بكر البغدادي. حتى نرى بعد كيف تمضي رواية التفسير ، أهي رواية أبي محمد الفرغاني إلى آخر الكتاب ، غير قسم منه رواه أبو بكر ، أم انقضت رواية أبي محمد الفرغاني ، ثم ابتدأت رواية أبي بكر من عند هذا الموضع؟
وراوي هذا التفسير ، من أول هذا الموضع هو: "محمد بن داود بن سليمان سيار بن بيان ، البغدادي ، الفقيه ، أبو بكر" ، نزل مصر ، وحدث بها عن أبي جعفر الطبري ، وعثمان بن نصر الطائي. روى عنه أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن مسرور البلخي ، كان ثقة. قال الخطيب البغدادي في تاريخه 5: 265 بإسناده إلى أبي سعيد بن يونس: "محمد بن داود بن سليمان ، يكنى أبا بكر ، بغدادي ، قدم مصر ، وكان يتولى القضاء بتنيس ، وكان يروي كتب محمد بن جرير الطبري عنه. حدث عنه جماعة من البغداديين. وكان نظيفًا عاقلا. وولي ديوان الأحباس بمصر. توفي يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة".
ولم أجد له غير هذه الترجمة في تاريخ بغداد ، لا في قضاة مصر للكندي ، ولا في غيره من الكتب التي تحت يدي الآن ، ولعلي أجد في موضع آخر من التفسير ، شيئًا يكشف عن روايته التفسير ، غير هذا القدر الذي وصلت إليه ، والله الموفق.
(58) انظر تفسير"الولي" فيما سلف 1: 489 ، 564 / 5: 424 / 6: 142 ، 313.
(59) الحديث: 7216- جابر بن الكردي بن جابر الواسطي البزار: ثقة من شيوخ النسائي ، مترجم في التهذيب.
الحسن بن أبي يحيى المقدسي: لم أصل إلى معرفة من هو؟
أبو أحمد: هو الزبيري ، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي.
سفيان: هو الثوري.
وأبوه: سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ، وهو ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح - بالتصغير. مضت ترجمته في: 5424.
مسروق: هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني. مضت ترجمته في: 4242.
وهذا إسناد صحيح متصل.
وسيأتي - عقبه - بإسناد منقطع: من طريق أبي نعيم ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي الضحى ، عن عبد الله -وهو ابن مسعود- منقطعًا ، بإسقاط"مسروق" بين أبي الضحى وابن مسعود.
وأبو الضحى لم يدرك ابن مسعود. مات ابن مسعود سنة 33. ومات أبو الضحى سنة 100. وهكذا روى هذا الحديث في الدواوين بالوجهين: متصلا ومنقطعًا. والوصل زيادة ثقة ، فهي مقبولة.
فرواه الترمذي 4: 80-81 ، عن محمود بن غيلان ، عن أبي أحمد الزبيري ، بهذا الإسناد ، متصلا. كمثل رواية الطبري هذه من طريق أبي أحمد.
وكذلك رواه البزار ، من طريق أبي أحمد الزبيري ، فيما نقل عنه ابن كثير 2: 163.
ولم ينفرد أبو أحمد الزبيري بوصله بذكر"مسروق" في إسناده. تابعه على ذلك راويان ثقتان.
فرواه الحاكم في المستدرك 2: 292 ، من طريق محمد بن عبيد الطنافسي ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله - مرفوعًا موصولا. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ونقل ابن كثير 2: 161-162 أنه رواه سعيد بن منصور: "حدثنا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق [هو والد سفيان] عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود..." - فذكره.
وأبو الأحوص سلام بن سليم: ثقة متقن حافظ ، مضى في: 2058 . فقد رواه مرفوعًا متصلا ، عن سعيد الثوري - والد سفيان - كما رواه سفيان عن أبيه.
فهذا يرجح رواية من رواه عن سفيان موصولا ، على رواية من رواه عنه منقطعًا. فإذا اختلفت الرواية على سفيان بين الوصل والانقطاع ، فلم تختلف على أبي الأحوص.
بل الظاهر عندي أن هذا ليس اختلافًا على سفيان. وأن سفيان هذا هو الذي كان يصله مرة ، ويقطعه مرة. ومثل هذا في الأسانيد كثير.
(60) الحديث: 7217- هذه هي الرواية المنقطعة لهذا الحديث. رواه الطبري من طريق أبي نعيم عن سفيان ، منقطعًا.
وكذلك رواه الترمذي 4: 81 ، عن محمود ، وهو ابن غيلان ، عن أبي نعيم ، بهذا الإسناد.
وتابع أبا نعيم على روايته هكذا منقطعًا رواة آخرون ثقات:
فرواه أحمد في المسند: 3800 ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي الضحى ، عن عبد الله - هو ابن مسعود- مرفوعًا.
وكذلك رواه الترمذي 4: 81 ، عن أبي كريب ، عن وكيع.
ولكن نقله ابن كثير 2: 163-164 عن تفسير وكيع ، بهذا الإسناد ، وفيه"عن أبي إسحاق" بدل"عن أبي الضحى". وأنا أرجح أن هذا خطأ من بعض ناسخي تفسير وكيع ، ترجيحًا لرواية أحمد عن وكيع ، والترمذي من طريق وكيع - وفيهما: "عن أبي الضحى".
ورواه أحمد أيضًا: 4088 ، عن يحيى ، وهو القطان ، وعن عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي - كلاهما عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي الضحى ، عن عبد الله ، مرفوعًا.
وقد رجح الترمذي الرواية المنقطعة ، وهو ترجيح بغير مرجح. والوصل زيادة تقبل من الثقة دون شك.
وفي رواية الطبري هذه قوله: "أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم" ، مما يفهم منه الشك في رفعه أيضًا. وهذا الشك لعله من ابن المثنى شيخ الطبري ، أو من الطبري نفسه ، لأن رواية الترمذي من طريق أبي نعيم ليس فيها الشك في رفعه.
والحديث ذكره السيوطي 2: 42 ، دون بيان الروايات المتصلة من المنقطعة - وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، ولم يذكر نسبته لمسند أحمد ولا للبزار.
وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٦٩﴾
القول في تأويل قوله : وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ودّت "، تمنت = (61) " طائفة "، يعني جماعة =" من أهل الكتاب "، وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى =" لو يضلُّونكم "، يقولون: لو يصدّونكم أيها المؤمنون، عن الإسلام، ويردُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك.
* * *
و " الإضلال " في هذا الموضع، الإهلاكُ، (62) من قول الله عز وجل: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سورة السجدة: 10]، يعني: إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير:
كُـنْتَ القَـذَى فِـي مَـوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ
قَــذَفَ الأتِـيُّ بِـهِ فَضَـلّ ضـلالا (63)
يعنى: هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان:
فَــآبَ مُضِلُّــوهُ بِعَيْــنٍ جَلِيَّــةٍ
وَغُــودِرَ بِـالجَوْلانِ حَـزْمٌ ونَـائِلُ (64)
يعني مهلكوه.
* * *
&; 6-501 &;
=" وما يضلون إلا أنفسهم "، وما يهلكون - بما يفعلون من محاولتهم صدّكم عن دينكم - أحدًا غير أنفسهم، يعني بـ" أنفسهم ": أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم، في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوّته.
ثم أخبر جلّ ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صدّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة والردى، على جهل منهم بما اللهُ بهمُ محلٌّ من عقوبته، &; 6-502 &; ومدَّخِر لهم من أليم عذابه، فقال تعالى ذكره: " وما يشعرون " أنهم لا يضلون إلا أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون.
* * *
ومعنى قوله: " وما يشعرون "، وما يدرون ولا يعلمون.
* * *
وقد بينا تأويل ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته. (65)
-------------------
الهوامش :
(61) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470 / 5: 542.
(62) انظر تفسير"ضل" فيما سلف 1: 195 / 2: 495 ، 496.
(63) مضى تخريجه وشرحه في 2: 496.
(64) ديوانه: 83 ، واللسان (ضلل) (جلا) ، من قصيدته الغالية في رثاء أبي حجر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني ، وقبل البيت:
فَـإِنْ تَـكُ قَــدْ وَدَّعْـتَ غَـيْرَ مُذَمَّمٍ
أَوَاسِـيَ مُلْــكٍ ثبَّتَتْــهُ الأَوَائِــلُ
فَــلاَ تَبْعَــدَنْ, إِنْ المَنَّيَـة مَوْعِـدٌ,
وَكُـلُّ امْـرِئ يَوْمًـا بـه الحَالُ زَائِلُ
فمَـا كَـانَ بَيْـنَ الخَيْر, لَوْ جَاءَ سَالِمًا
أَبُــو حُجُــرٍ, إِلاَّ لَيَــالٍ قَلاَئِــلُ
فَـإِنْ تَحْـيَ لا أَمْلَلْ حَيَاتِي, وَإنْ تَمُتْ
فَمَـا فِـي حَيَـاةٍ بَعْـدَ مَـوْتِكَ طائِل
فَـآبَ مُضِلُّوهُ. . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورواية الأصمعي وأبي عبيدة: "فآب مصلوه" بالصاد المهملة. وفسرها الأصمعي فقال: "أراد: قدم أول قادم بخبر موته ، ولم يتبينوه ولم يحققوه ولم يصدقوه ، ثم جاء المصلون ، وهم الذين جاءوا بعد الخبر الأول ، وقد جاءوا على أثره ، وأخبروا بما أخبر به ، بعين جلية: أي بخبر متواتر صادق يؤكد موته ، ويصدق الخبر الأول. وإنما أخذه من السابق والمصلي (من الخيل)" وقال أبو عبيدة: "مصلوه: يعني أصحاب الصلاة ، وهم الرهبان وأهل الدين منهم".
والذي قاله الأصمعي غريب جدًا ، وأنا أرفضه لبعده وشدة غرابته ، واحتياله الذي لا يغني ، ولو قال: "مصلوه" ، هم مشيعوه الذين سوف يتبعون آثاره عما قليل إلى الغاية التي انتهى إليها ، وهي اللحد - لكان أجود وأعرق في العربية!! ولكن هكذا تذهب المذاهب أحيانًا بأئمة العلم. والذي قال أبو عبيدة ، على ضعفه ، أجود مما قاله الأصمعي ، وأنا أختار الرواية التي رواها الطبري ، ولها تفسيران: أحدهما الذي قاله الطبري ، وهو يقتضي أن يكون النعمان مات مقتولا ، ولم أجد خبرًا يؤيد ذلك ، فإنه غير ممكن أن يكون تفسيره"مهلكوه" ، إلا على هذا المعنى ، والآخر: "مضلوه" أي: دافنوه الذي أضلوه في الأرض: أي دفنوه وغيبوه ، وهو المشهور في كلامهم ، كقول المخبل:
أَضَلَّـتْ بَنْـو قيْسِ بـن سَـعْدٍ عَمِيدَهَا
وفَارِسَـها فـي الدَّهْرِ قَيْسَ بنَ عاصِمِ
فمعنى قول النابغة: كذب الناس خبر موت النعمان أول ما جاء ، فلما جاء دافنوه بخبر ما عاينوه ، صدقوا الخبر الأول. هذا أجود ما يقال في معنى البيت. و"الجولان" جبل في نواحي دمشق ، من عمل حوران. وتبين من شعر النابغة أنه كانت به منازل النعمان وقصوره ودوره.
(65) انظر تفسير"شعر" فيما سلف 1: 277 ، 278.
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٧٠﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " يا أهل الكتاب "، من اليهود والنصارى =" لم تكفرون "، يقول: لم تجحدون =" بآيات الله "، يعني: بما في كتاب الله الذي أنـزله إليكم على ألسن أنبيائكم، من آيه وأدلته=" وأنتم تشهدون " أنه حق من عند ربكم.
* * *
وإنما هذا من الله عز وجل، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ، وأنه من عند الله، كما:-
7219 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون "، يقول: تشهدون أن نَعتَ محمد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ .
7220 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون "، يقول: تشهدون أن نعتَ محمد في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل: " النبيّ الأميّ".
7221 - حدثني محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون "،"آيات الله " محمد، وأما " تشهدون "، فيشهدون أنه الحق، يجدونه مكتوبًا عندهم.
7222 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون " أنّ الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره. (66)
* * *
------------------------
الهوامش :
(66) الأثر: 7222- أسقطت المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا القاسم قال" ، فأثبتها ، وهو إسناد دائر في التفسير من أوله ، أقربه رقم: 7200 ، وسيأتي بعد قليل على الصواب ، رقم: 7226.
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٧١﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أهل التوراة والإنجيل =" لم تلبسون "، يقول: لم تخلطون =" الحق بالباطل ".
* * *
وكان خلطهم الحقّ بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، غيرَ الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية.
كما:-
7223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيِّف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنـزل على محمد وأصحابه غُدْوةً ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ، فيرجعوا عن دينهم! فأنـزل الله عز وجل فيهم: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل " إلى قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . (1)
7224 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل "، يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إلا به؟
7225 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: الذي لا يقبل من أحد غيرَه، الإسلامُ = ولم يقل: " ولا يجزي إلا به ". (2)
7226 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل "، الإسلامَ باليهودية والنصرانية.
* * *
وقال آخرون: في ذلك بما:-
7227 - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله عز وجل: " لم تلبسون الحق بالباطل "، قال: " الحقّ" التوراة التي أنـزل الله على موسى، و " الباطل "، الذي كتبوه بأيديهم.
* * *
قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " اللبس " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم تكتمون، يا أهل الكتاب، الحقّ؟ (4)
* * *
و " الحق " الذي كتموه: ما في كتُبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوّته، كما:-
7227 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وتكتمون الحق وأنتم تعلمون "، كتموا شأنَ محمد، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وَينهاهم عن المنكر.
7229 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وتكتمون الحق وأنتم تعلمون "، يقول: يكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
7230 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 6-506 &; ابن جريج: " تكتمون الحق "، الإسلام، وأمرَ محمد صلى الله عليه وسلم =" وأنتم تعلمون " أنّ محمدًا رسولُ الله، وأنّ الدين الإسلامُ.
* * *
وأما قوله: " وأنتم تعلمون "، فإنه يعني به: وأنتم تعلمون أنّ الذي تكتمونه من الحق حقّ، وأنه من عند الله. وهذا القول من الله عز وجل، خبرٌ عن تعمُّد أهل الكتاب الكفرَ به، وكتمانِهم ما قد علموا من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وَوَجدوه في كتبهم، وجاءَتهم به أنبياؤهم.
-----------------
الهوامش :
(1) الأثر: 7223- سيرة ابن هشام 2: 202 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7202.
(2) في المطبوعة: "ولم يقبل ولا يجازى إلا به" ، قرأها الناشر كذلك لفساد خط الناسخ في كتابته ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وفي المخطوطة"لا يجزى الآية" ، وهو تصحيف قبيح.
(3) انظر ما سلف 1: 567 ، 568.
(4) انظر تفسير نظيرة هذه الآية والتي قبلها فيما سلف 1: 566-572 ، والآثار التي رواها هنا قد رويت هناك في مواضعها.
وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٧٢﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة مَنْ أمرَت به: من الإيمان وجهَ النهار، وكفرٍ آخره. (5)
فقال بعضهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر = (6) من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك = وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره.
ذكر من قال ذلك:
&; 6-507 &;
7231 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدَرُ أن يرجعوا عن دينهم.
7232 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، قال: قالت اليهود: آمنوا معهم أوّل النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم.
7233 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون "، كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، (7) فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: " نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ"، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: " إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم "، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك.
7234 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: أسلِموا أول النهار، وارتدُّوا آخره لعلهم يرجعون. فأطلع الله على سرّهم، فأنـزل الله عز وجل: &; 6-508 &; " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ".
* * *
وقال آخرون: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه.
ذكر من قال ذلك:
7235 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار "، يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاةَ الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالةُ، بعد أن كانوا اتَّبعوه.
7236 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
7237 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار "، الآية، وذلك أنّ طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتاب، وهم أعلم منا! لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تُؤمنوا إلا لمن تَبع دينكم.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: " وقالت طائفة من أهل الكتاب "، يعني: من اليهود الذين يقرأون التوراة ="آمنوا " صدّقوا =" بالذي أنـزل على الذين آمنوا "، وذلك ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الحقّ وشرائعه وسننه =" وجه النهار "، يعني: أوّل النهار.
* * *
وسمَّى أوّله " وجهًا " له، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: " وجهه "، وكما قال ربيع بن زياد:
مَـنْ كَـانَ مَسْـرُورًا بمَقْتَـلِ مَـالِكٍ
فَلْيَــأْتِ نِسْــوَتَنَا بِوَجْــهِ نَهَــارِ (8)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7238 - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وجه النهار "، أوّلَ النهار.
7239 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وجه النهار "، أول النهار =" واكفروا آخره "، يقول: آخر النهار.
7240 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره)، قال قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك.
* * *
وأما قوله: " واكفروا آخره "، فإنه يعني به، أنهم قالوا: واجحدوا ما صدَّقتم به من دينهم في وَجه النهار، في آخر النهار =" لعلهم يرجعون " : يعني بذلك: لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه: كما:-
7241 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " لعلهم يرجعون "، يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه.
7242 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7243 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لعلهم يرجعون "، لعلهم ينقلبون عن دينهم.
7244 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لعلهم يرجعون "، لعلهم يشكّون.
7245 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لعلهم يرجعون "، قال: يرجعون عن دينهم.
-------------------
الهوامش :
(5) في المطبوعة: "والكفر آخره" غير ما في المخطوطة ، وهو صواب متمكن.
(6) سياق قوله: "بتصديق النبي... في الظاهر".
(7) في المطبوعة: "قرى عرينة" وهي قراءة فاسدة للمخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة وجاءت على الصواب في الدر المنثور 2: 42. وانظر معجم ما استعجم: 929 ، فهو اسم مكان.
(8) مجاز القرآن 1: 97 ، حماسة أبي تمام 3: 26 ، والأغاني 16: 27 ، والخزانة 3: 538 ، واللسان (وجه) وغيرها ، من أبياته التي قالها حين قتل حميمه مالك بن زهير ، وحمى لقتله ، واستعد لطلب ثأره ، وبعد البيت ، وهو من تمامه.
يَجِــدِ النَّسَــاءَ حَوَاسِــرًا يَنْدُبْنَـهُ
يَبْكِــينَ قَبْــلَ تَبَلُّــج الأسْــحَارِ
قَــدْ كُـنَّ يَخْبَــأْنَ الوُجُـوهُ تَسَـتُّرًا
فَــالْيَوْمَ حِــينَ بَــرَزْنَ للنظّــارِ
يَخْمِشـنَ حُـرَّاتِ الوُجُـوهِ عَلَى امْرِئٍ
سَــهْلِ الخليقــةِ طَيِّــبِ الأخبـارِ
قالوا في معنى البيت الشاهد: "يقول: من كان مسرورًا بمقتل مالك ، فلا يشتمن به ، فإنا قد أدركنا ثأره به. وذلك أن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر". ومعنى البيت عندي شبيه بذلك ، إلا أن قوله: "فليأت نسوتنا بوجه نهار" ، أراد به أنه مدرك ثأره من فوره ، فمن شاء أن يعرف برهان ذلك ، فليأت ليشهد المأتم قد قام يبكيه في صبيحة مقتله. يذكر تعجيله في إدراك الثأر ، كأنه قد كان. وتأويل ذلك أنه قال هذه الأبيات لامرأته قبل مخرجه إلى قتال الذين قتلوا مالكًا ، فقال لامرأته ذلك ، يعلمها أنه مجد في طلب الثأر ، وأنه لن يمرض في طلبه ، بل هو مدركه من فوره هذا.
وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٧٣﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديًّا.
* * *
وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ".
* * *
و " اللام " التي في قوله: " لمن تبع دينكم "، نظيرة " اللام " التي في قوله: عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ، بمعنى: ردفكم، بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [سورة النمل: 72].
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7246 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، هذا قول بعضهم لبعض.
7247 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7247 م - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم " قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
7248 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن يزيد في قوله: &; 6-512 &; " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، قال: لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له. (9)
* * *
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: قوله: " قل إنّ الهدى هدى الله "، اعتراضٌ به في وسط الكلام، (10) خبرًا من الله عن أن البيان بيانُه والهدى هُداه. قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك متصلٌ بالكلام الأول، خبرًا عن قِيل اليهود بعضها لبعض. (11) فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أو أنْ يحاجُّوكم عند ربكم = أي: ولا تؤمنوا أن يحاجّكم أحدٌ عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، و " إن الهدى هدى الله ".
ذكر من قال ذلك:
7249 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا على دينهم.
&; 6-513 &;
7250- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد: " إن الهدى هدى الله "، إنّ البيان بيانُ الله =" أن يؤتى أحدٌ"، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [سورة الشعراء: 200-201]، يعني: أن لا يؤمنوا =" مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل ما أوتيتَ، أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قالوا: ومعنى " أو ": " إلا "، أيْ: إلا أن " يحاجوكم "، يعني: إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فَعل بهم ربُّكم. (12)
ذكر من قال ذلك:
7251 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد =" أو يحاجوكم عند ربكم "، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنـزل علينا المن والسلوى = فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، الآية.
* * *
فعلى هذا التأويل، جميع هذا الكلام، [أمرٌ] من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود، (13) وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه. و " الهدى " &; 6-514 &; الثاني ردّ على " الهدى " الأول، و " أن " في موضع رفع على أنه خبر عن " الهدى ".
* * *
وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبيَّه أن يقوله لليهود. (14) وقالوا: تأويله: " قل " يا محمد " إن الهدى هُدى الله أن يؤتى أحد " من الناس " مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل الذي أوتيتموه أنتُم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثلَ الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء.
ذكر من قال ذلك:
7252 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " قل إن الهدى هدى الله أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول: لما أنـزل الله كتابًا مثلَ كتابكم، وبعثَ نبيًّا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك =" قلْ إنّ الفضلَ بيد الله "، الآية.
7253 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
وقال آخرون: بل تأويل ذلك: " قل " يا محمد: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا: وهذا آخر القول الذي أمرَ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود من هذه الآية. قالوا: وقوله: " أو يحاجوكم "، مردود على قوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ .
وتأويل الكلام - على قول أهل هذه المقالة -: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحقَّ: أنّ يحاجُّوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه فاخترتموه: أنه محقٌّ، وأنكم تجدون نعته في كتابكم. فيكون حينئذ قوله: " أو يحاجوكم " مردودًا &; 6-515 &; على جواب نهي متروك، على قول هؤلاء.
ذكر من قال ذلك:
7254 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن الله لكم في كتابه، ليحاجُّوكم = قال: ليخاصموكم = به عند ربكم =" قل إن الهدى هدى الله ".
* * *
[قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون قوله: " قل إن الهدى هُدى الله "] = معترضًا به، (15) وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد. فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، (16) ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = بمعنى: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = (17) " أو يحاجوكم عند ربكم "، بمعنى: أو أن يحاجوكم عند ربكم . . . . . . . . (18) أحد بإيمانكم، &; 6-516 &; لأنكم أكرمُ على الله بما فضلكم به عليهم. فيكون الكلام كله خبرًا عن قول الطائفة التي قال الله عز وجل: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ سوى قوله: " قلُ إن الهدى هدى الله ". ثم يكون الكلامُ مبتدأ بتكذيبهم في قولهم: " قل "، يا محمد، للقائلين ما قولوا من الطائفة التي وصفتُ لك قولها لتُبَّاعها من اليهود = (19) " إن الهدى هدى الله "، إن التوفيق توفيقُ الله والبيانَ بيانُه، (20) " وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء " لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود.
وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، (21) لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام.
* * *
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفتُ قولهم لأوليائهم =" إنّ الفضل بيد الله "، إنّ التوفيق للإيمان والهدايةَ للإسلام، (22) بيد الله وإليه، دونكم ودون سائر خلقه =" يؤتيه من يشاء " من &; 6-517 &; خلقه، يعني: يعطيه من أراد من عباده، (23) تكذيبًا من الله عز وجل لهم في قولهم لتُبّاعهم: " لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ". فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل، وبيده، يُعطيه من يشاء =" والله واسع عليم "، يعني: والله ذُو سعةٍ بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه = (24) " عليم "، ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل. (25)
7255 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج في قوله: " قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء "، قال: الإسلام.
--------------------
الهوامش :
(9) في المطبوعة: "لا من خالفه فلا تؤمنوا به" بزيادة"لا" وفي المخطوطة: "من خالفه فلا تؤمنوا به" ، والصواب زيادة الواو كما أثبت ، والصواب أيضًا"تؤمنوا له" ، وذاك تصحيف من الناسخ.
(10) في المطبوعة: "اعترض به في وسط الكلام ، خبر من الله. . ." والصواب ما في المخطوطة كما أثبته.
(11) في المطبوعة هنا أيضًا: "خبر عن قيل اليهود" برفع الخبر ، والصواب من المخطوطة.
(12) انظر تفصيل هذه المقالة في معاني القرآن للفراء 1: 222-223.
(13) في المطبوعة: "جميع هذا الكلام من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم" ، وفي المخطوطة"جميع هذا الكلام من الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم" ، ولما رأى الناشر عبارة لا تستقيم ، اجتهد في إصلاحها ، والصواب القريب زيادة ما زدته بين القوسين ، سقط من الناسخ"أمر" لقرب رسمها مما بعدها وهو: "من". وقد استظهرته مما سيأتي في أول الفقرة التالية.
(14) في المطبوعة: "أمر من الله لنبيه" زاد لامًا لا ضرورة لها. وانظر التعليق السالف.
(15) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها كما سترى في التعليق ص 516 ، تعليق: 3. وكان في المطبوعة"قل إن الهدى هدى الله ، معترض به" ، وهو لا يستقيم ، وفي المخطوطة مثله إلا أنه كتب"معترضًا به" بالنصب. والظاهر أن الناسخ لما بلغ"قل إن الهدى هدى الله" في الأثر السالف تخطى بصره إلى نظيرتها في كلام الطبري ، فكتب بعده: "معترضًا به" وأسقط ما بينهما كما سيتبين لك فيما بعد.
(16) في المطبوعة: "اتبع دينكم" ، والصواب من المخطوطة.
(17) في المطبوعة: "بمثل ما أوتيتم" زاد"باء" ، والصواب من المخطوطة.
(18) موضع هذه النقط سقط ، لا أشك فيه ، وكان في المطبوعة: "أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: "أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو كلام مختل ، حمل ناشر المطبوعة الأولى على تغييره ، كما رأيت. وظاهر أنه سقط من هذا الموضع ، سياق أبي جعفر لهذا التأويل الذي اختاره ، ورد فيه قوله تعالى: "قل إن الهدى هدى الله" ، إلى موضعها بعد قوله: "أو يحاجوكم به عند ربكم" ، كما هو بين من كلامه. وأنا أظن أن قوله: "أحد بايما لم" وهكذا كتبت في المخطوطة غير منقوطة ، صوابها"حسدا لما آتاكم" ، كما يستظهر من الآثار السالفة.
هذا ، وإن شئت أن تجعل الكلام جاريًا كله مجرى واحدًا على هذا: "أو أن يحاجوكم عند ربكم ، حسدًا لما آتاكم ، لأنكم أكرم على الله منهم. . ." ، كان وجهًا ، غير أني لست أرتضيه ، بل أرجح أن هاهنا سقطًا لا شك فيه.
(19) التباع جمع تابع ، مثل: "جاهل وجهال".
(20) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف 1: 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551 / 3: 101 ، 140 ، 141 ، 223 / 4: 283.
(21) من ذكر الطبري اختياره ، تبين بلا ريب أن في صدر الكلام سقطًا ، كما أسلف في ص: 515 ، تعليق: 1 ، ولعل الزيادة التي أسلفتها ، قد نزلت منزلها من الصواب إن شاء الله.
(22) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 334 / 5: 571.
(23) انظر تفسير: "آتى" فيما سلف 1: 574 / 2: 317 وفهارس اللغة.
(24) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 2: 537 / 5: 516 ، 575.
(25) انظر تفسير"عليم" فيما سلف 1: 438 ، 496 / 2 ، 537 / 3 : 399 ، وفهارس اللغة.
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾
القول في تأويل قوله : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
قال أبو جعفر: يعني بقوله: " يختص برحمته من يشاء "،" يفتعل " من قول القائل: " خصصت فلانًا بكذا، أخُصُّه به ". (26)
* * *
وأما " رحمته "، في هذا الموضع، فالإسلام والقرآن، مع النبوّة، كما:-
7256 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يختص برحمته من يشاء "، قال: النبوّة، يخصُّ بها من يشاء.
7257 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7258 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " يختص برحمته من يشاء "، قال: يختص بالنبوة من يشاء.
7259 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج: " يختص برحمته من يشاء "، قال: القرآن والإسلام.
7260 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج مثله.
* * *
=" والله ذو الفضل العظيم "، يقول: ذو فضل يتفضَّل به على من أحبّ وشاء من خلقه. ثم وصف فضله بالعِظَم فقال: " فضله عظيم "، لأنه غير مشبهه في عِظَم موقعه ممن أفضله عليه [فضلٌ] من إفضال خلقه، (27) ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يُدانيه.
-------------
الهوامش :
(26) انظر تفسير"يختص" فيما سلف أيضا 2: 471.
(27) في المطبوعة: "غير مشبه... ممن أفضله عليه أفضال خلقه" ، وأما المخطوطة ففيها: " غير مشبهه... ممن أفضله عليه من أفضال خلقه" ، فرأيت أنه قد سقط من ناسخ المخطوطة ما زدته بين القوسين ليستقيم الكلام.
۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾
القول في تأويل قوله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل: أنّ من أهل الكتاب - وهم اليهود من بني إسرائيل - أهلَ أمانة يؤدُّونها ولا يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجرُ في يمينه المستحِلُّ. (28)
* * *
فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟
قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، (29) وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.
* * *
فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.
* * *
&; 6-520 &;
و " الباء " في قوله: " بدينار " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع، كما يقال: " مررت به، ومررت عليه ". (30)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا ".
فقال بعضهم: " إلا ما دمت له متقاضيًا ".
ذكر من قال ذلك:
7261 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، إلا ما طلبته واتبعته.
7262 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: تقتضيه إياه.
7263 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: مواظبًا.
7264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه ". (31)
ذكر من قال ذلك:
7265 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، يقول: يعترف &; 6-521 &; بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبهُ كافرك = (32) الذي يؤدِّي، والذي يجحد. (33)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: " معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء ". من قولهم: " قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي"، أي عمل في تخليصه، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه. لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين، وأنّ منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة. وليس القيام على رأس الذي عليه الدين، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحلّ، ولكن قد يكون - مع استحلاله الذهابَ بما عليه لربّ الحقّ - إلى استخراجه السبيلُ بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة. (34) فذلك الاقتضاء، هو قيام ربِّ المال باستخراج حقه ممن هو عليه.
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنّ من استحلّ الخيانةَ من اليهود، وجحودَ حقوق العربيّ التي هي له عليه، فلم يؤدّ ما ائتمنه العربيُّ عليه إلا ما دامَ له متقاضيًا مطالبًا = من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب &; 6-522 &; ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون. (35)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو قولنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
7266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل " الآية، قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيلٌ.
7267 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: ليس علينا في المشركين سبيل = يعنون من ليس من أهل الكتاب.
7268 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: يقال له: ما بالك لا تؤدِّي أمانتك؟ فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا! !
7269 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: لما نـزلت " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبَ أعداءُ الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ إلى البر والفاجر. (36)
&; 6-523 &;
7270- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عبيد الله، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما قالت اليهود: " ليس علينا في الأميين سبيل "، يعنون أخذَ أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه = إلا أنه قال: إلا وهو تحت قدميّ هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ = ولم يزد على ذلك.
7271 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون. فذلك قوله: (ليس علينا في الأميين سبيل)، إلى آخر الآية.
* * *
وقال آخرون في ذلك، ما:-
7272 - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه! قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، (37) فقال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
7273 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صعصعة قال: قلت لابن عباس: إنا نغزو أهلَ الكتاب فنصيبُ من ثمارهم؟ قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل!! (38)
&; 6-524 &;
7274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة: أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزْو = أو: [العذق]، الشك من الحسن = من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس! قال: هذا كما قال أهل الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل "! إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيِب أنفسهم. (39)
* * *
&; 6-525 &;
القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن القائلين منهم: " ليس علينا في أموال الأميين من العرب حَرَجٌ أن نختانهم إياه "، يقولون = بقيلهم إنّ الله أحل لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتهم إياه، وترك قضائهم = (40) الكذبَ على الله عامدين الإثمَ بقيل الكذب على الله، إنه أحلّ ذلك لهم. وذلك قوله عز وجل: " وهم يعلمون "، كما:-
7275 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فيقول على الله الكذب وهو يعلم = يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ -: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا!
7276 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "، يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ .
-------------------
الهوامش :
(28) لعل في المخطوطة سقطًا ، صوابه: "المستحل أموال الأميين من العرب" أو "المستحل أموال المؤمنين" ، كما يتبين من بقية تفسير الآية.
(29) في المخطوطة: "أن نهوهم على أموالهم" غير منقوطة ، والذي قرأه الناشر الأول جيد وهو الصواب.
(30) انظر ذلك فيما سلف 1: 313.
(31) في المطبوعة: "إلا ما دمت عليه قائمًا" بزيادة"عليه" ، وهي فساد ، والصواب من المخطوطة.
(32) كافره حقه: جحده حقه.
(33) قوله: "الذي يؤدي ، والذي يجحد" بيان عن ذكر الفريقين اللذين ذكرا في الآية ، أي: هذا الذي يؤدي ، وهذا الذي يجحد.
(34) سياق العبارة: "قد يكون... إلى استخراجه السبيل بالاقتضاء..." ، وما بينهما فصل.
(35) انظر تفسير"الأمي" فيما سلف 2: 257- 259 / ثم 5: 442 في كلام الطبري نفسه / ثم 6: 281 / ثم الآثار رقم: 5827 ، 6774 ، 6775.
(36) الأثر: 7269-"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي" ، و"جعفر" هو: "جعفر ابن أبي المغيرة الخزاعي القمي" ، مضيا في رقم: 617. قال أخي السيد أحمد في مثل هذا الإسناد سالفًا: "هو حديث مرفوع ، ولكنه مرسل ، لأن سعيد بن جبير تابعي ، وإسناده إليه إسناد جيد". وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 ، 170 من تفسير ابن أبي حاتم ، وخرجه في الدر المنثور 2: 44 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد ، وابن المنذر.
(37) في المطبوعة: "وادعوا..." ، أسقط"قال" ، وأثبتها من المخطوطة.
(38) الأثر: 7273-"أبو إسحاق الهمداني" كما بين في الأثر التالي. و"صعصعة بن يزيد" ، ويقال"صعصعة بن زيد" ، وذكر البخاري الاختلاف في اسمه ، وأشار إلى رواية هذا الخبر. في الكبير 2 / 2 / 321 ، 322 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446. وانظر التعليق على الأثر التالي.
(39) الأثر: 7274- هذا طريق آخر للأثر السالف ، وبلفظ غيره. ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب الأموال (ص 149 ، رقم: 415) من طريق عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، بلفظ آخر. ورواه البيهقي في السنن 9: 198 من طريق"شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، قال قلت لابن عباس" ، بلفظ آخر غير كل ما سلف. وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 من تفسير عبد الرزاق وفيه"عن أبي صعصعة بن يزيد" وهو خطأ صوابه"صعصعة". وقال: "وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه". وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 4 ، ونسبه لابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم. وساقه الزمخشري في تفسير الآية ، بنص أبي جعفر ، والقرطبي 4: 118 ، 119 ، وأبو حيان في تفسيره من تفسير عبد الرزاق أيضًا 2: 501 ، وفي جميعها"إنا نصيب في الغزو" إلا القرطبي فإن فيه: "إنما نصيب في العمد" ، وأما البيهقي ففيه: "إنا نأتي القرية بالسواد فنستفتح الباب..." ، وفي الأموال: "إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم".
وكان في أصل المخطوطة والمطبوعة من الطبري: "إنا نصيب في العرف ، أو العذق ، الشك من الحسن" ، ولم أجد ذلك في مكان ، وهو لا معنى له أيضًا. وقد أطبق كل من ذكرنا ممن نقل من تفسير عبد الرزاق بهذا الإسناد نفسه ، على عبارة واحدة هي"إنا نصيب في الغزو" ، فأثبتها كذلك ، أما ما شك فيه الحسن بن يحيى فقد وضعته بين قوسين ، وهو لا معنى له. وأرجح الظن عندي أنها"أو: الغزوة -الشك من الحسن" ، أو تكون: "أو: القرية- الشك من الحسن".
(40) قوله: "الكذب" مفعول"يقولون" ، وما بينهما فصل.