تفسير الطبري
· النساءافتح في القارئوَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿١٠٢﴾
وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم
القول في تأويل قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } يعني بذلك جل ثناؤه : وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوهم أن يفتنهم , { فأقمت لهم الصلاة } يقول : فأقمت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها , ولم تقصرها القصر الذي أبحت لهم أن يقصروها في حال تلاقيهم وعدوهم وتزاحف بعضهم على بعض , من ترك إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها , { فلتقم طائفة منهم معك } يعني : فلتقم فرقة من أصحابك الذين تكون أنت فيهم معك في صلاتك , وليكن سائرهم في وجوه العدو . وترك ذكر ما ينبغي لسائر الطوائف غير المصلية مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به والاستغناء بما ذكر عما ترك ذكره. { وليأخذوا أسلحتهم } اختلف أهل التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح , فقال بعضهم : هي الطائفة التي كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : ومعنى الكلام : { وليأخذوا } يقول : ولتأخذ الطائفة المصلية معك من طوائفهم { أسلحتهم } , والسلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم كالسيف يتقلده أحدهم والسكين والخنجر يشده إلى درعه وثيابه التي هي عليه ونحو ذلك من سلاحه. وقال آخرون بل الطائفة المأمورة بأخذ السلاح منهم , الطائفة التي كانت بإزاء العدو ودون المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك قول ابن عباس . 8179 - حدثني بذلك المثنى , قال : ثنا أبو صالح , ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فإذا سجدوا } يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك , ففرغت من سجودها. { فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدو في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك ولم تدخل معك في صلاتك . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } فقال بعضهم : تأويله : فإذا صلوا ففرغوا من صلاتهم فليكونوا من ورائكم. ثم اختلف أهل هذه المقالة , فقال بعضهم : إذا صلت هذه الطائفة مع الإمام ركعة , سلمت وانصرفت من صلاتها حتى تأتي مقام أصحابها بإزاء العدو ولا قضاء عليها , وهم الذين قالوا : عنى الله بقوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } : أن تجعلوها إذا خفتم الذين كفروا أن يفتنوكم ركعة . ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة ولم يقضوا , وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وفيما ذكرنا كفاية عن استيعاب ذكر جميع ما فيه . وقال آخرون منهم : بل الواجب كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيها إذا أراد إقامة الصلاة بهم في حال خوف العدو إذا فرغت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على ما أمرها به في كتابه أن تقوم في مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتصلي لأنفسها بقية صلاتها وتسلم , وتأتي مصاف أصحابها , وكان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت قائما في مقامه حتى تفرغ الطائفة التي صلت معه الركعة الأولى من بقية صلاتها , إذا كانت صلاتها التي صلت معه مما يجوز قصر عددها عن الواجب الذي على المقيمين في أمن , وتذهب إلى مصاف أصحابها , وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت مصافة عدوها , فيصلي بها ركعة أخرى من صلاتها . ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مختلفون , فقالت فرقة من أهل هذه المقالة : كان على النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ركعتيه ورفع رأسه من سجوده من ركعته الثانية أن يقعد للتشهد , وعلى الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية ولم تدرك معه الركعة الأولى لاشتغالها بعدوها أن تقوم فتقضي ركعتها الفائتة مع النبي صلى الله عليه وسلم , وعلى النبي صلى الله عليه وسلم انتظارها قاعدا في تشهده حتى تفرغ هذه الطائفة من ركعتها الفائتة وتتشهد , ثم يسلم بهم. وقالت فرقة أخرى منهم : بل كان الواجب على الطائفة التي لم تدرك معه الركعة الأولى إذا قعد النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد أن تقعد معه للتشهد فتتشهد بتشهده , فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من تشهده سلم , ثم قامت الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية حينئذ , فقضت ركعتها الفائتة . وكل قائل من الذين ذكرنا قولهم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبارا بأنه كما قال فعل. ذكر من قال : انتظر النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين حتى قضت صلاتهما ولم يخرج من صلاته إلا بعد فراغ الطائفتين من صلاتهما : 8180 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا مالك , عن يزيد بن رومان , عن صالح بن خوات , عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع : أن طائفة صفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو , فصلى بالذين معه ركعة , ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم , ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم , ثم ثبت جالسا , فأتموا لأنفسهم , ثم سلم بهم . 8181 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثني عبيد الله بن معاذ , قال : ثنا أبي , قال : ثنا شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , قال : صلى النبي بأصحابه في خوف , فجعلهم خلفه صفين , فصلى بالذين يلونه ركعة , ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة , ثم تقدم وتخلف الذين كانوا قدامهم , فصلى بهم ركعة , ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة , ثم سلم . * - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا روح , قال : ثنا شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الخوف : " تقوم طائفة بين يدي الإمام وطائفة خلفه , فيصلي بالذين خلفه ركعة وسجدتين ثم يقعد مكانه حتى يقضوا ركعة وسجدتين , ثم يتحولون إلى مكان أصحابهم , ثم يتحول أولئك إلى مكان هؤلاء فيصلي بهم ركعة وسجدتين , ثم يقعد مكانه حتى يصلوا ركعة وسجدتين ثم يسلم " . ذكر من قال : كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , ثم تقضي ما بقي عليها بعد : 8182 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , قال : سمعت القاسم , قال : ثني صالح بن خوات بن جبير أن سهل بن أبي حثمة حدثه : أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام إلى القبلة يصلي ومعه طائفة من أصحابه , وطائفة أخرى مواجهة العدو فيصلي , فيركع الإمام بالذين معه , ويسجد ثم يقوم , فإذا استوى قائما ركع الذين وراءه لأنفسهم ركعة وسجدتين , ثم سلموا فانصرفوا والإمام قائم فقاموا إزاء العدو , وأقبل الآخرون فكبروا مكان الإمام , فركع بهم الإمام وسجد ثم سلم , فقاموا فركعوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلموا . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن القاسم بن محمد أن صالح بن خوات أخبره عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف , ثم ذكر نحوه . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد وسأله , قال : ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري , عن القاسم بن محمد , عن صالح , عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف , قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة , وتقوم طائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو , فيركع بهم ركعة , ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم , ويذهبون إلى مقام أولئك ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين ; فهي له ركعتان ولهم واحدة , ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين . * - قال بندار سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث , فحدثني عن شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيى بن سعيد , وقال لي : اكتبه إلى جنبه , فلست أحفظه , ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد . 8183 - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن القاسم بن معقد بن أبي بكر , عن صالح بن خوات : أن الإمام يقوم فيصف صفين , طائفة مواجهة العدو , وطائفة خلف الإمام , فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة , ثم يقومون فيصلون لأنفسهم ركعة , ثم يسلمون , ثم ينطلقون فيصفون , ويجيء الآخرون فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم فيقومون , فيصلون لأنفسهم ركعة . 8184 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات , عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلاة الخوف أن تقوم طائفة من خلف الإمام , وطائفة يلون العدو , فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة , ويقوم قائما فيصلي القوم إليها ركعة أخرى , ثم يسلمون فينطلقون إلى أصحابهم , ويجيء أصحابهم والإمام قائم , فيصلي بهم ركعة فيسلم , ثم يقومون فيصلون إليها ركعة أخرى , ثم ينصرفون . قال عبيد الله : فما سمعت فيما نذكره في صلاة الخوف شيئا هو أحسن عندي من هذا . 8185 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } فهذا عند الصلاة في الخوف يقوم الإمام وتقوم معه طائفة منهم , وطائفة يأخذون أسلحتهم , ويقفون بإزاء العدو , فيصلي الإمام بمن معه ركعة , ثم يجلس على هيئته , فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس , ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم , فيقفون موقفهم , ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية , ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ; فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة . وقال آخرون : بل تأويل قوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } فإذا سجدت الطائفة التي قامت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل في صلاته , فدخلت معه في صلاته السجدة الثانية من ركعتها الأولى فليكونوا من ورائكم , يعني : من ورائك يا محمد ووراء أصحابك الذين لم يصلوا بإزاء العدو . قالوا : وكانت هذه الطائفة لا تسلم من ركعتها إذا هي فرغت من سجدتي ركعتها التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم , ولكنها تمضي إلى موقف أصحابها بإزاء العدو وعليها بقية صلاتها . قالوا : وكانت تأتي الطائفة الأخرى التي كانت بإزاء العدو حتى تدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقية صلاته , فيصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم الركعة التي كانت قد بقيت عليه . قالوا : وذلك معنى قول الله عز ذكره : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } . ثم اختلف أهل هذه المقالة في صفة قضاء ما كان يبقى على كل طائفة من هاتين الطائفتين من صلاتها بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وسلامه من صلاته على قول قائلي هذه المقالة ومتأولي هذا التأويل ; فقال بعضهم : كانت الطائفة الثانية التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية من صلاتها إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته فقامت فقضت ما فاتها من صلاتها مع النبي صلى الله عليه وسلم في مقامها بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , والطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى بإزاء العدو بعد لم تتم صلاتها , فإذا هي فرغت من بقية صلاتها التي فاتتها مع النبي صلى الله عليه وسلم مضت إلى مصاف أصحابها بإزاء العدو , وجاءت الطائفة الأولى التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صلت فيه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضت بقية صلاتها . ذكر الرواية بذلك : 8186 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا خصيف , قال : ثنا أبو عبيدة بن عبد الله , قال : قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقامت طائفة منا خلفه , وطائفة بإزاء - أو مستقبلي - العدو . فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالذين خلفه ركعة , ثم نكصوا فذهبوا إلى مقام أصحابهم , وجاء الآخرون فقاموا خلف النبي صلى الله عليه وسلم , فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة , ثم سلم رسول الله , ثم قام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة , ثم ذهبوا فقاموا مقام أصحابهم مستقبلي العدو , ورجع الآخرون إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة. * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن فضيل , قال : ثنا خصيف , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف , فذكر نحوه . * - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن خصيف , عن أبي عبيدة , عن أبيه , عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . وقال آخرون : بل كانت الطائفة الثانية التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية لا تقضي بقية صلاتها بعد ما يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته , ولكنها كانت تمضي قبل أن تقضي بقية صلاتها , فتقف موقف أصحابها الذين صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى , وتجيء الطائفة الأولى إلى موقفها الذي صلت فيه ركعتها الأولى مع رسول الله فتقضي ركعتها التي كانت بقيت عليها من صلاتها , فقال بعضهم : كانت تقضي تلك الركعة بغير قراءة . وقال آخرون : بل كانت تقضي بقراءة , فإذا قضت ركعتها الباقية عليها هنالك وسلمت مضت إلى مصاف أصحابها بإزاء العدو , وأقبلت الطائفة التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية إلى مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله الركعة الثانية من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقضت الركعة الثانية صلاتها بقراءة , فإذا فرغت وسلمت انصرفت إلى أصحابها . ذكر من قال ذلك : 8187 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم في صلاة الخوف , قال : يصف صفا خلفه وصفا بإزاء العدو في غير مصلاه , فيصلي بالصف الذي خلفه ركعة , ثم يذهبون إلى مصاف أولئك , وجاء أولئك الذين بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم عليهم , وقد صلى هو ركعتين , وصلى كل صف ركعة , ثم قام هؤلاء الذين سلم عليهم إلى مصاف أولئك الذين بإزاء العدو , فقاموا مقامهم , وجاءوا فقضوا الركعة , ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك الذين بإزاء العدو , وجاء أولئك فصلوا ركعة . قال سفيان : فيكون لكل إنسان ركعتان ركعتان. * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي , قال : ثنا زيد جميعا , عن سفيان , قال : كان إبراهيم يقول في صلاة الخوف , فذكر نحوه . 8188 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن عمر بن الخطاب , مثل ذلك . وقال آخرون : بل كل طائفة من الطائفتين تقضي صلاتها على ما أمكنها من غير تضييع منهم بعضها. ذكر من قال ذلك : 8189 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية , عن يونس بن عبيد , عن الحسن : أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف بأصبهان إذ غزاها , قال : فصلى بطائفة من القوم ركعة , وطائفة تحرس , فنكص هؤلاء الذين صلى بهم ركعة وخلفهم الآخرون , فقاموا مقامهم , فصلى بهم ركعة , ثم سلم , فقامت كل طائفة فصلت ركعة . * - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث , قال : حدثنا يونس , عن الحسن , عن أبي موسى , بنحوه. 8190 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن أبي العالية ويونس بن جبير , قالا : صلى أبو موسى الأشعري بأصحابه بأصبهان , وما بهم يومئذ خوف , ولكنه أحب أن يعلمهم صلاتهم , فصفهم صفين , صفا خلفه وصفا مواجهة العدو مقبلين على عدوهم , فصلى بالذين يلونه ركعة , ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم , وجاء أولئك فصفهم خلفه , فصلى بهم ركعة , ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة , ثم سلم بعضهم على بعض , فكانت للإمام ركعتين في جماعة ولهم ركعة ركعة . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي العالية عن أبي موسى مثله . 8191 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن نافع , عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف : يصلي طائفة من القوم ركعة , وطائفة تحرس , ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم , ثم يجيء أولئك فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم فتقوم كل طائفة فتصلي ركعة . * - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر بنحوه . * - حدثني عمران بن بكار الكلاعي , قال : ثنا يحيى بن صالح , قال : ثنا أن عياش , قال : ثنا عبيد الله عن نافع , عن ابن عمر , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف , فذكر نحو . * - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرني الزهري , عن سالم , عن ابن عمر أنه كان يحدث : أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر نحوه . * - حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا ابن عبد الأعلى , عن معمر , عن الزهري , عن سالم , عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن عبد الله بن نافع , عن نافع , عن ابن عمر , قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف : " يقوم الأمير وطائفة من الناس فيسجدون سجدة واحدة , وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو " ثم ذكر نحوه . * - حدثنا محمد بن هارون الحربي , قال : ثنا أبو المغيرة الحمصي , قال : ثنا الأوزاعي , عن أيوب بن موسى , عن نافع , عن ابن عمر , أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة , ثم ذكر نحوه . 8192 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } . .. إلى قوله : { فليصلوا معك } فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدو , والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة ثم يأخذون أسلحتهم , فيستقبلون العدو , ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة , ثم يقضون ركعة أخرى , وهذا تمام الصلاة . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في صلاة الخوف , والعدو يومئذ في ظهر القبلة بين المسلمين وبين القبلة , فكانت الصلاة التي صلى بهم يومئذ النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف , إذ كان العدو بين الإمام والقبلة . ذكر الأخبار المنقولة بذلك : 8193 - حدثنا أبو كريب , قال : ثني يونس بن بكير , عن النضر أبي عمر , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة , فلقي المشركين بعسفان , فلما صلى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه , قال بعضهم لبعض يومئذ : كان فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم , قال قائل منهم : فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهلهم وأموالهم , فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها ! فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } . .. إلى آخر الآية , وأعلمه ما ائتمر به المشركون . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة فجعل المسلمين خلفه صفين فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا , ثم ركع وركعوا معه جميعا ; فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه , وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو ; فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام , سجد الصف الثاني , ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الآخرون , فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما ركع ركعوا معه جميعا , ثم رفع فرفعوا معه , ثم سجد فسجد معه الذين يلونه , وقام الصف الثاني مقبلين على العدو , فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده , وقعد الذين يلونه سجد الصف المؤخر ثم قعدوا , فتشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا , فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعا , فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم , قالوا : لقد أخبروا بما أردنا ! 8194 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الحكم بن بشير , قال : ثنا عمر بن ذر , قال : ثني مجاهد , قال : كان النبي بعسفان , والمشركون بضجنان , بالماء الذي يلي مكة , فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه سجد وسجد الناس , قالوا : إذا صلى صلاة بعد هذه أغرنا عليه ! فحذره الله ذلك , فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة , فكبر وكبر الناس معه , فذكر نحوه . 8195 - حدثني عمران بن بكار , قال : ثنا يحيى بن صالح , قال ثنا ابن عياش , قال : أخبرني عبيد الله بن عمر , عن أبي الزبير , عن جابر بن عبد الله , قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلقينا المشركين بنخل , فكانوا بيننا وبين القبلة , فلما حضرت الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع , فلما فرغنا تذامر المشركون فقالوا : لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون , فقال بعضهم : فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن هي أحب إليهم من أبنائهم , فإذا صلوا فميلوا عليهم ! قال : فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي , فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو , وقمنا خلفه صفين , فكبر نبي الله وكبرنا معه جميعا , ثم ذكر نحوه . * - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا حماد بن مسعدة , عن هشام بن أبي عبد الله , عن أبي الزبير , عن جابر , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . * - حدثنا مؤمل بن هشام , قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم , عن هشام , عن أبي الزبير , عن جابر , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه . 8196 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد , عن منصور , عن مجاهد , عن أبي عياش الزرقي , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان , فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وعلى المشركين خالد بن الوليد , فقال المشركون : لقد أصبنا منهم غرة ! ولقد أصبنا منهم غفلة ! فأنزل الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر , فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر , يعني فرقتين : فرقة تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم , وفرقة تصلي خلفهم يحرسونهم , ثم كبر فكبروا جميعا وركعوا جميعا , ثم سجد بالذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قام فتقدم الآخرون فسجدوا , ثم قام فركع بهم جميعا , ثم سجد بالذين يلونه حتى تأخر هؤلاء فقاموا في مصاف أصحابهم , ثم تقدم الآخرون فسجدوا , ثم سلم عليهم ; فكانت لكلهم ركعتين مع إمامهم . وصلى مرة أخرى في أرض بني سليم . قال أبو جعفر : فتأمل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة , ورووا هذه الرواية : وإذا كنت يا محمد فيهم , يعني في أصحابك خائفا , فأقمت لهم الصلاة , فلتقم طائفة منهم معك ; يعني ممن دخل معك في صلاتك , { فإذا سجدوا } , يقول : فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك , ورفعت رءوسها من سجودها { فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصر من خلفك , خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك . { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده , فمعنى قوله : { لم يصلوا } على مذهب هؤلاء : لم يسجدوا بسجودك : { فليصلوا معك } يقول : فليسجدوا بسجودك إذا سجدت , ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى. { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } يعني الحارسة . وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها , { فليكونوا من ورائكم } يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصل معك الركعة الأولى بإزاء العدو بعد فراغها من بقية صلاتها , { ولتأت طائفة أخرى } وهي الطائفة التي كانت بإزاء العدو لم يصلوا , يقول : لم يصلوا معك الركعة الأولى { فليصلوا معك } يقول : فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك . { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } لقتال عدوهم بعد ما يفرغون من صلاتهم ; وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع , والخبر الذي روى سهل بن أبي حثمة . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية , لأن الله عز ذكره قال : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها , ودللنا مع ذلك على أن قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف . فإذا صح ذلك كان بينا أن لا وجه لتأويل من تأول ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها , لقوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل , ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات . وإذ كان لا وجه لذلك , فقول من قال : أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد , وذلك أن الله جل ثناؤه يقول : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان , ومحال أن تكون التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه . فإن ظن ظان أنه أريد بقوله : { لم يصلوا } : لم يسجدوا , فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة , وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له . وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عز ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته , ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر , لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى . غير أن الأمر وإن كان كذلك , فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها , فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاءوا .ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة
وأما قوله : { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } فإنه يعني : تمنى الذين كفروا بالله , لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم , يقول : لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها , وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها . { فيميلون عليكم ميلة واحدة } يقول : فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة , فيصيبون منكم غرة بذلك فيقتلونكم , ويستبيحون عسكركم . يقول جل ثناؤه فلا تفعلوا ذلك بعد هذا , فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدو , فتمكنوا عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم , وخذوا من عدوكم حذركم وأسلحتكم .ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم
القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } . يعني جل ثناؤه بقوله : { ولا جناح عليكم } ولا حرج عليكم ولا إثم , { إن كان بكم أذى من مطر } يقول : إن نالكم من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوكم . { أو كنتم مرضى } يقول : جرحى أو أعلاء . { أن تضعوا أسلحتكم } إن ضعفتم عن حملها , ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض , فخذوا من عدوكم حذركم , يقول : احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارون . وقد ذكر أن قوله : { أو كنتم مرضى } نزل في عبد الرحمن بن عوف , وكان جريحا . ذكر من قال ذلك : 8197 - حدثنا العباس بن محمد , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني يعلى بن مسلم , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } عبد الرحمن بن عوف كان جريحا .إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا
{ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } يعني بذلك : أعد لهم عذابا مذلا يبقون فيه أبدا لا يخرجون منه , وذلك هو عذاب جهنم.
فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا ﴿١٠٣﴾
القول في تأويل قوله : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم= التي بيّناها لكم، (61) فاذكروا الله على كل أحوالكم= قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم، بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأنفال: 45]، وكما:-
10380- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ، (62) يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، (63) ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: " فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم "، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ.
* * *
وأما قوله: " فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معنى قوله: " فإذا اطمأننتم "، فإذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في أمصاركم (64) =" فأقيموا "، يعني: فأتموا الصلاة التي أذن لكم بقصرها في حال خوفكم في سفركم وضربكم في الأرض. (65)
*ذكر من قال ذلك:
10381- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد في قوله: " فإذا اطمأننتم "، قال: الخروج من دارِ السفر إلى دار الإقامة.
10382- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: " فإذا اطمأننتم "، يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم، فأتموا الصلاة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " فإذا استقررتم "=" فأقيموا الصلاة "، أي: فأتموا حدودَها بركوعها وسجودها.
*ذكر من قال ذلك:
10383- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإذا اطمأننتم "، قال: فإذا اطمأننتم بعد الخوف.
10384- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة "، قال: فإذا اطمأننتم فصلُّوا الصلاة، لا تصلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا. (66)
10385- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة "، قال: أتموها.
10386- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، تأويل من تأوّله: فإذا زال خوفكم من عدوكم وأمنتم، أيها المؤمنون، واطمأنت أنفسكم بالأمن=" فأقيموا الصلاة "، فأتموا حدودَها المفروضة عليكم، (67) غير قاصريها عن شيء من حدودها.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره عرَّف عباده المؤمنين الواجبَ عليهم من فرض صَلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:
إحداهما: حالُ شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بيَّنت من قصر حدودها عن التمام.
والأخرى: حالُ غير شدة الخوف، أمرهم فيها بإقامة حدودها وإتمامها، على ما وصفه لهم جل ثناؤه، من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم. وهي حالة لا قصر فيها، لأنه يقول جل ثناؤه: لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الحال: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ . فمعلوم بذلك أن قوله: " فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة "، إنما هو: فإذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا مقيمين فيها صلاتكم، فأقيموها. وتلك حالة شدة الخوف، لأنه قد أمرهم بإقامتها في حالٍ غير شدة الخوف بقوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآية.
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: إن الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة. (68)
*ذكر من قال ذلك:
10387- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: مفروضًا. (69)
10388- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: مفروضًا،" الموقوت "، المفروض. (70)
10389- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أما " كتابًا موقوتًا "، فمفروضًا.
10390- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " كتابًا موقوتًا "، قال: مفروضًا. (71)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا واجبًا.
*ذكر من قال ذلك:
10391- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: كتابًا واجبًا.
10392- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " كتابًا موقوتًا "، قال: واجبًا.
10393- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
10394- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن معمر بن سام، عن أبي جعفر في قوله: " كتابًا موقوتًا "، قال: مُوجَبًا. (72)
10395- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، و " الموقوت "، الواجب.
10396- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا معمر بن يحيى قال، سمعت أبا جعفر يقول: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: وجوبها. (73)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، منجَّمًا يؤدُّونها في أنجمها. (74)
*ذكر من قال ذلك:
10397- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا كوقت الحجِّ.
10398- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن زيد بن أسلم في قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، قال: منجَّمًا، كلما مضى نجم جاء نَجْم آخر. يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر.
10399- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 9-170 &; أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، بمثله.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض. لأن ما كان مفروضًا فواجب، وما كان واجبًا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجَّم.
غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة، قول من قال: " إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا "، لأن " الموقوت " إنما هو " مفعول " من قول القائل: " وَقَتَ الله عليك فرضه فهو يَقِته "، ففرضه عليك " موقوت "، إذا أخرته، جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه. (75) فكذلك معنى قوله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا "، إنما هو: كانت على المؤمنين فرضًا وقَّت لهم وقتَ وجوب أدائه، فبيَّن ذلك لهم.
----------------
الهوامش :
(61) انظر تفسير"قضى" فيما سلف 2 : 542 ، 543 / 4 : 195.
وقوله: "التي بينها لكم" ، صفة قوله: "من صلاتكم".
وكان في المطبوعة هنا أيضًا: "موافقو عدوكم" ، خطأ. انظر التعليق السالف ص163 ، تعليق: 2.
(62) في المطبوعة: "فاذكروا الله قيامًا" ، مكان قوله تعالى: "واذكروا الله كثيرًا" ، وهو في ظني تصرف من الناشر ، والصواب من المخطوطة.
(63) في المطبوعة والمخطوطة: "إلا جعل لها جزاء معلومًا" ، وهو خطأ ، والصواب"حدًا" كما يدل عليه سياق الكلام ، وسياق المعنى.
(64) وانظر تفسير"الاطمئنان" فيما سلف 5 : 492.
(65) في المخطوطة: "فأقيمو الصلاة التي أذن ..." ليس فيها"يعني: فأتموا".
(66) انظر تفسير"إقامة الصلاة" فيما سلف 1 : 241 ، وفهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
(67) في المطبوعة: "فأتموها بحدودها" ، غير ما في المخطوطة مسيئًا في تغييره.
(68) انظر تفسير"كتاب" فيما سلف 3 : 364 ، 365 ، 409 / 4 : 295 ، 297 / 5 : 300 ، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة.
(69) في المطبوعة: "كتابًا موقوتًا ، قال: فريضة مفروضة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(70) الأثر: 10388 - كان إسناد هذا الأثر في المطبوعة: "حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني علي ، عن ابن عباس: إن الصلاة ...". وأثبت الإسناد الذي في المخطوطة.
ومع ذلك فالإسناد الذي في المطبوعة فيه خطأ ، فإنه أسقط بين"حدثنا عبد الله بن صالح" وبين"قال حدثني علي" ما لا ينبغي إسقاطه وهو: "قال حدثني معاوية" ، فهذا إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم: 10380.
(71) الأثر: 10390 - هذا الأثر مقدم على الذي قبله في المخطوطة.
(72) الأثر: 10394 -"معمر بن سام" ، يقال هو منسوب إلى جده وهو"معمر بن سام بن موسى" أو: "معمر بن يحيى بن سام" ، روى عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ، وعن أخيه أبان بن يحيى بن سام ، وفاطمة بنت علي. روى عنه وكيع ، وأبو أسامة ، وأبو نعيم. سئل أبو زرعة عن"معمر بن يحيى بن سام" فقال: كوفي ثقة. مترجم في التهذيب ، وفي الكبير 4 / 1 / 377"معمر بن يحيى بن سام" ، وفي 4 / 1 / 378"معمر بن موسى بن سام" ، وهما ترجمة واحدة. وفي الجرح والتعديل 4 / 1 / 258 وسيأتي في رقم: 10396 ، "معمر بن يحيى".
وكان في المطبوعة: "معمر بن هشام" وهو خطأ محض ، وفي المخطوطة"معمر بن شام" ، والصواب ما أثبت.
و"أبو جعفر" هو: أبو جعفر الباقر" محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" ، كان ثقة كثير الحديث ، وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال الزبير بن بكار: "كان يقال لمحمد: باقر العلم".
وكان في المخطوطة: "موقوتا قال: موجوبا" وهي غريبة لا يجيزها الاشتقاق ، وكأن الناسخ سها ، وغلب عليه وزن"موقوتا" ، فكتب"موجوبا" ، والذي في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله. أو تكون كما يجيء في الأثر رقم: 10396"موقوتًا: وجوبها" فكتبها الناسخ"موجوبا" ، وقرأها كذلك خطأ أو سهوًا.
(73) الأثر: 10396 -"معمر بن يحيى" هو"معمر بن سام" الذي سلف في الأثر: 10394 ، وانظر التعليق السالف.
(74) "النجم" هو الوقت المضروب ، يقال: "جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة ، يؤدي كل نجم في شهر كذا" ، وهو القسط أو الوظيفة يؤديها عند حلول وقتها مشاهرة أو مساناة. وجمع"نجم""نجوم" و"أنجم" ، و"نجم المال والدين ينجمه تنجيمًا". وانظر تفسير ذلك في الأثر التالي رقم: 10398.
(75) في المطبوعة: "إذا أخبر أنه جعل له وقتًا..." وهو كلام غسيل من كل معنى. وفي المخطوطة: "إذا احرانه" غير منقوطة ، وبزيادة ألف بعد الراء ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وهو صواب المعنى أيضًا.
وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٠٤﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولا تهنوا "، ولا تضعفوا.
* * *
من قولهم: " وهَنَ فلان في هذا الأمرَ يهِن وَهْنًا ووُهُونًا ". (76)
* * *
وقوله: " في ابتغاء القوم "، يعني: في التماس القوم وطلبهم، (77) و " القوم " هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك بالله=" إن تكونوا تألمون "، يقول: إن تكونوا أيها المؤمنون، تَيْجعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا، (78) =" فإنهم يألمون كما تألمون "، يقول: فإن المشركين يَيْجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى مثل ما تَيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها=" وترجون "، أنتم أيها المؤمنون = " من الله " من الثواب على ما ينالكم منهم= " ما لايرجون " هم على ما ينالهم منكم. يقول: فأنتم= إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم، (79) بما هم به مكذّبون= أولى وأحرَى أن تصبروا على حربهم وقتالهم، منهم على قتالكم وحربكم، وأن تجِدُّوا من طلبهم وابتغائهم، لقتالهم على ما يَهنون فيه ولا يَجِدّون، فكيف على ما جَدُّوا فيه ولم يهنوا؟ (80)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
10400- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون.
10401- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، قال يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإن تكونوا تيجعون الجراحات، (81) فإنهم يَيْجعون كما تيجعون.
* * *
10402- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم "، لا تضعفوا.
10403- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولا تهنوا "، يقول: لا تضعفوا. (82)
10404- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم "، قال يقول: لا تضعفوا عن ابتغائهم=" إن تكونوا تألمون " القتال=" فإنهم يألمون كما تألمون ". وهذا قبل أن تصيبهم الجراح (83) = إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه=" فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون "، يقول: فلا تضعفوا في ابتغائهم بمكان القتال. (84)
10405- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " إن تكونوا تألمون "، توجعون.
10406- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج " إن تكونوا تألمون "، قال: توجعون لما يصيبكم منهم، فإنهم يوجعون كما توجعون، وترجون أنتم من الثواب فيما يصيبكم ما لا يرجون.
10407- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: " يا محمد، ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ (85) الحرب سِجَال، يوم لنا ويوم لكم ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه. فقالوا: " لا سواء، لا سواء، (86) قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ". فقال أبو سفيان: " عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم "، (87) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: " الله مولانا ولا مولى لكم ". قال أبو سفيان: " أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل "! (88) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: " الله أعلى وأجل "! فقال أبو سفيان: " موعدنا وموعدكم بدر الصغرى " ، ونام المسلمون وبهم الكلوم (89) = وقال عكرمة: وفيها أنـزلت: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران: 140]، وفيهم أنـزلت: " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا ". (90)
10408- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، قال: ييجعون كما تيجعون.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يتأول، (91) قوله: " وترجون من الله ما لا يرجون "، وتخافون من الله ما لا يخافون، من قول الله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [سورة الجاثية: 14]، بمعنى: لا يخافون أيام الله.
وغير معروف صرف " الرجاء " إلى معنى " الخوف " في كلام العرب، إلا مع جحد سابق له، كما قال جل ثناؤه: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [سورة نوح: 13]، بمعنى: لا تخافون لله عظمة، وكما قال الشاعر: (92)
لا تَرْتَجِــي حِــينَ تُلاقِـي الذَّائِـدَا
أَسَــبْعَةً لاقَــتْ مَعًــا أَمْ وَاحِـدَا (93)
وكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ:
إِذَا لَسَـعَتْهُ النَّحْـلُ لَـمْ يَـرْجُ لَسْـعَهَا
وَخَالَفَهَـا فِـي بَيْـتِ نُـوبٍ عَـوَامِلِ (94)
وهي فيما بلغنا - لغةٌ لأهل الحجاز يقولونها، بمعنى: ما أبالي، وما أحْفِلُ. (95)
* * *
القول في تأويل قوله : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله=" عليمًا " بمصالح خلقه=" حكيمًا "، في تدبيره وتقديره. (96) ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم= عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم (97) = ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم. (98)
--------------------
الهوامش :
(76) انظر تفسير"وهن" فيما سلف 7 : 234 ، 269 ، و"الوهون" مصدر لم تنص عليه أكثر كتب اللغة ، ولم يذكره أبو جعفر فيما سلف 7 : 234.
(77) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ص : 71 تعليق: 2 ، والمراجع هناك
(78) يقال: "وجع الرجل يوجع وييجع وياجع وجعا" ، كله صواب جيد.
(79) في المطبوعة: "إن كنتم موقنين" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المخطوطة. وهذه الجملة بين الخطين ، معترضة بين المبتدأ والخبر. والسياق: "فأنتم.. أولى وأحرى أن تصبروا".
(80) في المطبوعة: "فإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون هم فيه ولا تجدون ، فكيف على ما وجدوا فيه ولم يهنوا" ، وهو كلام لا معنى له ، وضع عليه ناشر الطبعة الأولى رقم (3) دلالة على اضطراب الكلام.
وفي المخطوطة: "وإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون ولا يحدون ، فكيف على فاحذوا فيه ولم يهنوا"! وهي أشد اضطرابًا وفسادًا لعدم نقطها. وصواب قراءتها ما أثبت.
وسياق هذه العبارة كلها: "فأنتم... أولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم... وأن تجدوا في طلبهم وابتغائهم ، لقتالهم على ما يهنون..." أي: لكي يقاتلوهم على الأمر الذي لا يجدون فيه جدًا لا وهن معه.
(81) في المطبوعة: "تيجعون من الجراحات" بزيادة"من" ، والذي في المخطوطة صواب.
(82) هذا الأثر لم يتم في المخطوطة ، فقد انتهت الصحيفة بقوله تعالى"فلا تهنوا" ، ثم قلب الوجه الآخر وكتب"في ابتغاء القوم ..." ، وساق بقية الخبر التالي وأسقط إسناده. وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وهو الصواب بلا شك.
(83) في المطبوعة: "قال: وهذا ..." بزيادة"قال" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(84) في المطبوعة: "مكان القتال" ، وفي المخطوطة: "لمكان القتال" ، وهذا صواب قراءتها ، يعني: جدهم في التماس القوم في المعركة.
(85) في المطبوعة: "لا جرح إلا بجرح" ، أساء قراءة المخطوطة إذ كانت غير منقوطة ، فكتبها كما كتب!! ولا معنى له. وقوله: "الحرب سجال" ، أي: مرة لهذا ومرة لهذا.
(86) في المطبوعة ، حذف"لا سواء" الثانية ، لأن الناسخ كان قد كتب شيئًا ثم ضرب عليه ، فاختلط الأمر على الناشر الأول ، فحذف.
(87) "العزى" صنم كان لقريش وبني كنانة.
(88) و"هبل" صنم كان في الكعبة لقريش. وقد مضى تفسير"اعل هبل" 7 : 310 ، وخطأ من ضبطه"أعل" بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام ، وأن الصواب أنها من"علا يعلو" .
(89) "الكلوم" جمع"كلم" (بفتح وسكون): الجرح. و"الكليم": الجريح.
(90) الأثر: 10407 - مضى برقم: 7098 ، وجاء فيه على الصواب ، ومنه ومن المخطوطة صححت ما سلف.
(91) في المطبوعة: "وقد ذكرنا عن بعضهم" وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه في المخطوطة.
(92) في المطبوعة: "الشاعر الهذلي" ، وهو خطأ نقل نسبة أبي ذؤيب في البيت بعده إلى هذا المكان. ولم أعرف هذا الراجز من يكون ، وإن كنت أخشى أن يكون الرجز لأبي محمد الفقعسي.
(93) معاني القرآن للفراء 1 : 286 ، والأضداد لابن الأنباري: 9 ، واللسان (رجا).
(94) ديوانه: 143 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 286 ، وسيأتي في التفسير 11 : 62 / 25 : 83 / 29 : 60 (بولاق). يروى: "إذا لسعته الدبر" ، وتأتي روايته في التفسير"نوب عواسل" أيضًا. وهذا البيت من قصيدة له ، وصف فيها مشتار العسل من بيوت النحل ، فقال قبل هذا البيت:
تَــدَلَّى عَلَيْهَــا بالحِبَــالِ مُوَثَّقًـا
شَــدِيدُ الْوَصَـاةِ نـابِلٌ وَابْـنُ نِـابِلِ
فَلَـوْ كَـانَ حَـبْلا مِـنْ ثَمَـانِينَ قَامَةً
وَسَــبْعِينَ بَاعًــا، نَالَهَـا بالأَنـامِلِ
يقول: تدلى على هذه النحل مشتار موثق بالحبال ، شديد الوصاة والحفظ لما ائتمن عليه ، حاذق وابن حاذق بما مرن عليه وجربه. ثم ذكر أنه لا يخاف لسع النحل ، إذا هو دخل عليها فهاجت عليه لتلسعه.
وقوله: "فخالفها" ، أي دخل بيتها ليأخذ عسلها ، وقد خرجت إليه حين سمعت حسه ، فخالفها إلى بيوت عسلها غير هياب للسعها. ويروى"حالفها" بالحاء ، أي: لازمها ، ولم يخش لسعها. و"النوب" جمع"نائب" وهو صفة للنحل ، أي: إنها ترعى ثم تنوب إلى بيتها لتضع عسلها ، تجيء وتذهب. و"العوامل" ، هي التي تعمل العسل. و"العواسل" النحل التي تصنع العسل ، أو ذوات العسل.
(95) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 286.
(96) انظر تفسير"كان" و"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(97) في المطبوعة: "موافقو عدوكم" ، وقد مضى مثل هذا الخطأ مرارًا فيما سلف ص: 146 ، تعليق: 1.
(98) في المطبوعة: "بصركم بما فيه" بزيادة الباء ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ﴿١٠٥﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله "،" إنا أنـزلنا إليك " يا محمد=" الكتاب "، يعني: القرآن=" لتحكم بين الناس "، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم=" بما أراك الله "، يعني: بما أنـزل الله إليك من كتابه=" ولا تكن للخائنين خصيمًا "، يقول: ولا تكن لمن خان مسلمًا أو معاهدًا في نفسه أو ماله=" خصيما " تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقِّه الذي خانه فيه. =
وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١٠٦﴾
القول في تأويل قوله : وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)
" واستغفر الله "، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره=" إن الله كان غفورًا رحيمًا "، يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها=" رحيما " بهم. (1)
فافعل ذلك أنت، يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن.
* * *
وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك.
* * *
وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلَّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم في خصومته عنهم: بنو أُبَيْرِق.
* * *
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه، فوصفه الله بها.
فقال بعضهم: كانت سرقًة سرقها.
*ذكر من قال ذلك:
10409- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ إلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، فيما بين ذلك، في ابن أبيرق، (2) ودرعه من حديد، من يهود، التي سرق، (3) وقال أصحابه من المؤمنين للنبي: " اعذره في الناس بلسانك "، ورموا بالدّرع رجلا من يهود بريئًا.
10410- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه. (4)
10411- حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبَشِير، ومُبَشِّر، وكان بشير رجلا منافقًا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول: " قال فلان كذا "، و " قال فلان كذا "، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث! فقال: (5)
أَوَ كُلَّمَــا قَــالَ الرِّجَـالُ قَصِيـدَةً
أَضِمُـوا وَقَـالُوا: ابْـنُ الأبَيْرِقِ قَالَهَا! (6)
قال: وكانوا أهل بيت فاقةٍ وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس &; 9-178 &; إنما طعامهم بالمدينة التمر والشَّعير، وكان الرجل إذا كان له يَسَار فقدمت ضَافِطة من الشأم بالدَّرْمك، (7) ابتاع الرجل منها فخصَّ به نفسه. (8) فأما العِيال، فإنما طعامهم التمر والشَّعير. فقدمت ضافطة من الشأم، فابتاع عمي رِفاعة بن زيد حملا من الدَّرمك، فجعله في مَشْرُبة له، (9) وفي المشربة سلاح له: دِرْعَان وسيفاهما وما يصلحهما. فعُدِي عليه من تحت الليل، (10) فنُقِبَت المشربة، وأُخِذَ الطعام والسّلاح. فلما أصبح، أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، تعلَّم أنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، (11) فنقبت مشرُبتنا، فذُهِب بسلاحنا وطعامنا! قال: فتحسّسنا في الدار، (12) وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم.
= قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل!= رجلا منا له صلاح وإسلام. (13) فلما سمع بذلك لبيد، اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: (14) والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتُبَيّننَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها! فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له!
= قال قتادة: فأتيت رَسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهلَ جفاءٍ، (15) عَمَدُوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشرُبة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. (16) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. (17) فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له: " أسير بن عروة "، فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عَمَدوا إلى أهل بيت منا أهلَ إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بَيِّنةٍ ولا ثَبَت. (18)
= قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: عَمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثَبَت!! قال: فرجعت ولوِددْتُ أنِّي خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رَسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان!
= فلم نلبث أن نـزل القرآن: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، يعني: بني أبيرق=" واستغفر الله "، أي: مما قلت لقتادة= إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، أي: بني أبيرق= إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ إلى قوله: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ، أي: إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم= وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، قولهم للبيد= وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ، يعني: أسيرًا وأصحابه= وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ إلى قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا .
فلما نـزل القرآن، أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فردَّه إلى رفاعة. = قال قتادة: فلما أتيتُ عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، (19) وكنت أرى إسلامه مَدْخولا (20) فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال: فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا. فلما نـزل القرآن، لحق بشير بالمشركين، فنـزل على سلافة ابنة سعد بن شُهَيد، (21) فأنـزل الله فيه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا . فلما نـزل على سلافة، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، (22)
فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمتْ به في الأبطح، (23) ثم قالت: أهديتَ إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير! (24)
10412- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ، يقول: بما أنـزل الله عليك وبيَّن لك= وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، فقرأ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا . ذُكر لنا أن هؤلاء الآيات أنـزلت في شأن طُعْمة بن أبيرق، وفيما همَّ به نبي الله صلى الله عليه وسلم من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيَّه وحذّره أن يكون للخائنين خصيمًا.
= وكان طعمة بن أبيرق رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعًا لعمّه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم، (25) يقال له: " زيد بن السمين ". (26) فجاء اليهودي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يُهْنِف، (27) فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاؤوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم، وكان نبي الله عليه السلام قد همَّ بعُذْره، حتى أنـزل الله في شأنه ما أنـزل، فقال: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إلى قوله: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يعني بذلك قومه= وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، وكان طعمة قذَف بها بريئًا. فلما بيَّن الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنـزل الله في شأنه:
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
10413- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، وذلك أن نفرًا من الأنصار غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظَنَّ بها رجلا من الأنصار، (28) فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى السارق ذلك، عَمَد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيَّبْتُ الدرعَ وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ليلا (29) فقالوا: يا نبيّ الله، إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطْنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلا يعصمه الله بك يهلك! (30) فقام رسول الله صلى الله &;عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنـزل الله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، يقول: احكم بينهم بما أنـزل الله إليك في الكتاب= وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ الآية. ثم قال للذين أتوا رسول الله عليه السلام ليلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ إلى قوله: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائن= ثم قال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ، يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب (31) = ثم قال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، يعني: السارقَ والذين يجادلون عن السارق.
10414- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ! وكان للرجل الذي سرق جيرانٌ يبرِّئونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به! قال: حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل في ذلك فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ بما قلت لهذا اليهودي=" إن الله كان غفورًا رحيمًا "= ثم أقبل على جيرانه فقال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فقرأ حتى بلغ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا . قال: ثم عرض التوبة فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * &; 9-185 &; وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فما أدخلكم أنتم أيها الناس، على خطيئة هذا تكلَّمون دونه= وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ، وإن كان مشركًا= فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، فقرأ حتى بلغ: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ، (32) فقرأ حتى بلغ: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى . قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرَض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، (33) فهدمه الله عليه فقتله. فذلك قول الله تبارك وتعالى (34) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ، فقرأ حتى بلغ وَسَاءَتْ مَصِيرًا = ويقال: هو طعمة بن أبيرق، وكان نازلا في بني ظَفر.
* * *
وقال آخرون: بل الخيانة التي وصف الله بها من وصفه بقوله: وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، جحودُه وديعة كان أودِعها.
*ذكر من قال ذلك:
10415- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، قال: أما " ما أراك الله "، فما أوحى الله إليك. قال: نـزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعًا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها. فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها. فلما جاء اليهودي يطلب درعه، كافره عنها، (35) فانطلق إلى ناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي، فإني أعرف موضع الدرع. فلما علم بهم طعمة، أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مُلَيْلٍ الأنصاري. فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبُّوه، وقال: أتخوِّنونني! فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على بيت أبي مليل، فإذا هم بالدرع. وقال طعمة: أخذها أبو مليل! وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له يَنْضَح عني ويكذِّب حجة اليهودي، (36) فإني إن أكذَّب كذب على أهل المدينة اليهودي! فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي. فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فأنـزل الله عليه: " وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ " مما أردت= إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا = ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، يقول: يقولون ما لا يرضى من القول (37) = هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ = ثم دعا إلى التوبة فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا = ثم ذكر قوله حين قال: " أخذها أبو مليل " فقال: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ = وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا = ثم ذكر الأنصار وإتيانها إياه: (38) أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه، فقال: لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، يقول: النبوة= ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذِّبوا عن طعمة، فقال: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ . فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه، ونـزل على الحجاج بن عِلاط السُّلَمي، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعةَ جلودٍ كانت عنده، (39) فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابنَ عمي وأردتَ أن تسرقني!! فأخرجه، فمات بحرَّة بني سُلَيم كافرًا، (40) وأنـزل الله فيه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى إلى وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
10416- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: استودع رجل من الأنصار طعمةَ بن أبيرق مشرُبة له فيها درع، (41) وخرج فغاب. فلما قدم الأنصاري فتح مشربته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين: فتعلَّق صاحب الدرع بطُعمة في درعه. فلما رأى ذلك قومه، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فكلموه ليدْرأ عنه، فهمّ بذلك، فأنـزل الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، يعني: طعمة بن أبيرق وقومه= هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة= وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ، محمد وطعمة وقومه= قال: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ الآية، طعمة= وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ، يعني زيد بن السمين= فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، طعمة بن أبيرق= وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ يا محمد= لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ، قوم طعمة بن أبيرق= وَأَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا يا محمد (42) = لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ، حتى تنقضي الآية للناس عامة= وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الآية. قال: لما نـزل القرآن في طعمة بن أبيرق، لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشرُبة للحجاج بن عِلاط البَهْزِيّ ثم السُّلمي، (43) حليفٌ لبني عبد الدار، فنقبها، فسقط عليه حجر فلَحِج. (44) فلما أصبح أخرجوه من مكة. فخرجَ فلقي ركبًا من بَهْرَاء من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل مُنْقَطَعٌ به! فحملوه، حتى إذا جنَّ عليه الليل عَدَا عليهم فسرقهم، ثم انطلق. فرجعوا في طلبه فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات= قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نـزلت إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، أنـزلت في طعمة بن أبيرق= ويقولون: إنه رمى بالدرع في دار أبي مليل بن عبد الله الخَزْرجي، فلما نـزل القرآن لحق بقريش، فكان من أمره ما كان.
10417- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ، يقول: بما أنـزل عليك وأراكه في كتابه. ونـزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استُودع درعًا فجحد صاحبها، فخوّنه رجال من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه، وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: خوَّنوا صاحبنا، وهو أمين مسلم، فاعذره يا نبي الله وازْجُر عنه! فقام نبي الله فعذره وكذَّب عنه، وهو يرى أنه بريء، وأنه مكذوب عليه، فأنـزل الله بيان ذلك فقال: " إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله " إلى قوله: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ، فبين الله خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتدّ عن الإسلام، فنـزل فيه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى إلى قوله: وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بما دل عليه ظاهر الآية، قول من قال: كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية، جحودَه ما أودع، لأن ذلك هو المعروف من معاني" الخيانات " في كلام العرب. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل، أولى من غيره.
----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"الاستغفار" ، و"كان" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف في فهارس اللغة.
(2) في المطبوعة: "طعمة بن أبيرق" ، وسيأتي ذكر"طعمة بن أبيرق" في رقم: 10412 ، ولكنه في المخطوطة هنا"ابن أبيرق" ، وسترى الاختلاف في الآثار في بني أبيرق هؤلاء.
(3) قوله"من يهود" أثبتها من المخطوطة.
(4) الأثر: 10410 - هذا الأثر غير ثابت في المخطوطة.
(5) في المطبوعة: "إلا هذا الخبيث" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(6) في المخطوطة: "نحلت وقالوا" ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وقد جاء هذا البيت في المستدرك للحاكم خطأ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضمــوا إلــى بـان أبـيرق قالهـا
والذي هنا هو صوابه ، وأنشد بعده هناك:
مُتَخَـــمِّطِينَ كـــأنَّنِي أَخْشَــاهُم
جَــدَعَ الإِلــهُ أُنُــوفَهُمْ فَأَبَانَهَــا
هكذا جاء على الإقواء ، على الخلاف بين القافية في"قالها" و"أبانها" وهو عيب جاء مثله في الشعر ، لتقارب مخرج اللام والنون ، وأعانه على ذلك وجود الهاء والألف صلة للقافية.
وقوله: "أضموا" أي: غضبوا عليه وحقدوا. وقوله: "متخمطين" ، قد غضبوا وهدروا وثاروا وأجلبوا. رجل متخمط: شديد الغضب له ثورة وجلبة. وفي المستدرك: "متخطمين" بتقدم الطاء على الميم ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت.
(7) الضافطة: كانوا قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. ثم قالوا للذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن ، والمكاري الذي يكري الأحمال"الضافطة" و"الضفاط". و"الدرمك" هو الدقيق النقي الحواري ، الأبيض.
(8) في المطبوعة: "ابتاع الرجل منهم" ، وفي المخطوطة: "منا" ، وأثبت ما في المراجع.
(9) "المشربة" (بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء أو ضمها): وهي الغرفة ، أو العلية ، أو الصفة بين يدي الغرفة. والمشارب: العلالي.
(10) في المراجع الأخرى: "من تحت البيت" ، وكأن الذي في الطبري هو صواب الرواية.
(11) "تعلم" (بتشديد اللام) ، بمعنى: اعلم.
(12) في المطبوعة والمخطوطة: "فتجسسنا" بالجيم ، وهي صواب ، وأجود منها بالحاء ، كما في سائر المراجع."تحسس الخبر": تطلبه وتبحثه ، وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".
و"الدار" هنا: المحلة التي تنزلها القبيلة أو البطن منها ، ويعني بها القبيلة أو البطن ، كما جاء في الحديث: "ألا أنبئكم بخير دور الأنصار؟ دور بني النجار ، ثم دور بني عبد الأشهل ، وفي كل دور الأنصار خير". يعني القبيلة المجتمعة في محلة تسكنها.
(13) في المطبوعة: "رجل" بالرفع ، كأنه استنكر النصب! وهو صواب محض عال.
(14) "اخترط سيفه": سله من غمده.
(15) "الجفاء" غلظ الطبع.
(16) في المخطوطة: "فلا حاجة لنا به" ، وهما سواء.
(17) في المطبوعة: "سأنظر في ذلك" ، وفي الترمذي وابن كثير: "سآمر في ذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(18) "الثبت" (بفتحتين): الحجة والبينة والبرهان.
(19) "عسا في الجاهلية" أي: كبر وأسن ، من قولهم: "عسا العود" أي: يبس واشتد وصلب.
(20) "المدخول" ، من"الدخل" (بفتحتين) وهو العيب والفساد والغش ، يعني أن إيمانه كان فيه نفاق. ورجل مدخول: أي في عقله دخل وفساد.
(21) في المطبوعة: "سلافة بنت سعد بن سهل" ، وفي المخطوطة: " ... بنت سعد بن سهيل" ، وفي الترمذي وابن كثير"بنت سعد بن سمية" وفي المستدرك: "سلامة بنت سعد بن سهل ، أخت بني عمرو بن عوف ، وكانت عند طلحة بن أبي طلحة بمكة".
والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته ، وقد جاءت على الصواب في الدر المنثور ، ثم جاءت كذلك في ديوان حسان بن ثابت.
و"سلافة بنت سعد بن شهيد" أنصارية من بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس ، استظهرت نسبها: "سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس". وذلك من جمهرة الأنساب لابن حزم ، ص: 314 ، إذ ذكر"عويمر بن سعد بن شهيد بن عمرو ..." وقال: "له صحبة ، ولاه عمر فلسطين". ولم أجد في تراجم الصحابة وسائر المراجع"عويمر بن سعد بن شهيد". هذا ، ولكن نقل ابن حزم صحيح بلا شك. فإن يكن ذلك ، فعويمر هذا أخو سلافة هذه. و"سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية" معروفة غير منكورة ، فهي زوج طلحة بن أبي طلحة ، وهي أم مسافع ، والجلاس ، وكلاب ، بنو طلحة بن أبي طلحة (ابن هشام 3 : 66) ، وقد قتلوا يوم أحد هم وأبوهم ، قتل مسافعًا والجلاس ، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، حمى الدبر ، فنذرت سلافة: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر! فمنعته الدبر (النحل) حين أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة (ابن هشام 3 : 180).
فهذا تحقيق اسمها إن شاء الله ، يصحح به ما في الترمذي والمستدرك ومن نقل عنهما.
(22) شعر حسان هذا في ديوانه: 271 يقول في أوله يذكر سلافة بالسوء من القول ، قال:
وَمَـا سَـارِقُ الـدِّرْعَيْنِ إنْ كُنْتَ ذاكِرًا
بــذي كَـرَمٍ مـن الرجـالِ أُوَادِعُـهْ
فَقَـدْ أَنْزَلَتْـهُ بِنْـتُ سَـعْدٍ، فأَصْبَحَتْ
يُنَازِعُهَــا جِــلْدَ اسْـتِها وَتُنَازِعُـهْ
(23) في المطبوعة: "فرمته بالأبطح" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في الترمذي. و"الأبطح" ، هو أبطح مكة ، أو: بطحاء مكة ، وهو مسيل واديها.
(24) الأثر: 10411 -"الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأموي" أبو مسلم الحراني. من أهل حران ، سكن بغداد. قال الخطيب: "ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب". روى عن محمد بن سلمة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 2 ، وتاريخ بغداد 7 : 266.
وهذا الأثر رواه الترمذي في السنن ، في تفسير هذه الآية ، بإسناد الطبري نفسه ، أعني عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب. ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 385 ، وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 574-576 ، والسيوطي في الدر 2 : 214 ، 215 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ.
وإسناد الحاكم في المستدرك: "حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثني محمد بن إسحاق ..." ، وساق إسناده مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان ، كما في التفسير والترمذي.
وأشار الخطيب البغدادي إلى هذا الخبر بإسناده: "أخبرنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف ، أخبر محمد بن عبد الله الشافعي قال ، حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب (وهو أبو شعيب) ، حدثنا جدي وأبي جميعًا فقالا ، حدثنا محمد بن سلمة" وساقه كإسناد أبي جعفر.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب أن أبا مسلم الحراني (الحسن بن أحمد) روى عن أبيه وجده ، وأخشى أن يكون وهم ، وجاءه الوهم من هذا الإسناد لقوله"حدثني جدي وأبي جميعًا" ، وإنما قائل ذلك هو عبد الله بن الحسن بن أحمد ، لا الحسن بن أحمد.
ثم قال الخطيب البغدادي: "قال أبو شعيب: "قال أبي (يعني الحسن بن أحمد): سمعه مني يحيى بن معين ببغداد في مسجد الجامع ، وأحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن أبي إسرائيل". وأما في ابن كثير ، فقائل هذا: "محمد بن سلمة" ، وهو الصواب.
وقال الحاكم في المستدرك (ولفظه مخالف لفظ الطبري): "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه".
أما الترمذي فقد قال: "هذا حديث غريب ، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، مرسلا ، لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده".
غير أن الحاكم: رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير ، مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان.
(25) في المخطوطة والدر المنثور: "فقدمها" والصواب ما في المطبوعة.
(26) في أسباب النزول للواحدي: 134: "زيد بن السمير" بالراء ، وسائر الكتب كما هنا في المطبوعة والمخطوطة.
(27) في المطبوعة والمخطوطة: "يهتف" بالتاء ، كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله ويناشده. ولكني رجحت قراءتها بالنون ، من قولهم: "أهنف الصبي إهنافًا" ، إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجال: "أهنف الرجل" ، إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح.
(28) "ظننت الرجل ، وأظننته" ، اتهمته. و"الظنة" (بالكسر): التهمة.
(29) "ليلا" غير موجودة في المخطوطة ، ولكن سيأتي بعد أسطر ما يدل على صواب إثباتها.
(30) في المطبوعة: "إن لم يعصمه الله" ، والذي في المخطوطة ، صواب عريق.
(31) في المطبوعة ، سقط من الناشر من أول قوله: "يجادلون عن الخائن" إلى قوله: "بالكذب" ، فأثبتها من المخطوطة.
(32) سقط من المطبوعة: "فقرأ حتى بلغ: لا خير في كثير من نجواهم" ، وزاد في التي بعدها: "حتى بلغ إلى قوله". وأثبت نص المخطوطة.
(33) في المطبوعة: "ليسرقه" ، والذي في المخطوطة صواب معرق.
(34) في المطبوعة: "فذلك قوله" ، وأثبت نص المخطوطة.
(35) "كافره حقه": جحده ، و"كافره عنه" ، عربي صريح.
(36) "نضح عنه": أي ذب عنه ودفع بحجة تنفي عنه ما اتهم به.
(37) قوله: "يقول: يقولون ما لا يرضى من القول" ، غير موجودة في المخطوطة ، وأخشى أن تكون زيادة من ناسخ. وسيأتي معنى"التبيت" على وجه الدقة فيما يلي ص: 191 ، 192.
(38) في المطبوعة: "وإتيانهم إياه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(39) "الخشخشة": صوت حركة ، تكون من السلاح إذا احتك ، والثوب الجديد ، ويبيس النبات. و"القعقعة": أشد من الخشخشة ، صوت يكون من الجلد اليابس ، والسلاح إذا ارتطم بعضه ببعض.
(40) "حرة بني سليم" في عالية نجد. و"الحرة" أرض ذات حجارة سود نخرة ، كأنها أحرقت بالنار.
(41) المشربة: الغرفة ، كما أسلفت في التعليق.
(42) في المطبوعة: "محمد صلى الله عليه وسلم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(43) في المطبوعة والمخطوطة"البهري" ، وهو تصحيف. ولا يعجبني هذا ، بل الصحيح أن يقال: "السلمي ثم البهزي" بالتقديم والتأخير ، فإنه"بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور" ، فبهز بطن من سليم بن منصور.
(44) "لحج بالمكان": نشب فيه ولزمه وضاق عليه أن يخرج منه. و"لحج السيف": نشب في الغمد فلم يخرج.
وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴿١٠٧﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ولا تجادل " يا محمد، فتخاصم=" عن الذين يختانون أنفسهم "، يعني: يخوّنون أنفسهم، يجعلونها خَبوَنة بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه مالَه، وهم بنو أبيرق. يقول: لا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم وما خانوه فيه من أموالهم=" إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا "، يقول: إنّ الله لا يحب من كان من صفته خِيَانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره مما حرَّمه الله عليه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: وقد تقدم ذكر الرواية عنهم.
10418- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم "، قال: اختان رجل عمًّا له درعًا، فقذف بها يهوديًا كان يغشاهم، فجادل عمُّ الرجل قومه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره. ثم لحق بأرض الشرك، فنـزلت فيه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى الآية.
* * *
القول في تأويل قوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يستخفون من الناس "، يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية (45) =" من الناس "، الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، (46) وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة=" ولا يستخفون من الله " الذي هو مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وبيده العقاب والنَّكال وتعجيل العذاب، وهو أحق أن يُستحى منه من غيره، وأولى أن يعظَّم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه=" وهو معهم "، يعني: والله شاهدهم=" إذ يبيتون ما لا يرضى من القول "، يقول: حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه.
* * *
وقد بينا معنى " التبييت " في غير هذا الموضع، وأنه كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا. (47)
وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل: (48)
&; 9-192 &; وَبَيَّــتَّ قَــوْلِــيَ عَبْـدَ الْمَلِيـكِ
قـــاتلَكَ اللــه عَبْــدًا كَنُــودًا!! (49)
بمعنى: بدَّلت قولي.
* * *
وروي عن أبي رزين أنه كان يقول في معنى قوله: " يبيتون "، يؤلّفون.
10419- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول "، قال: يؤلِّفون ما لا يرضى من القول.
10420- حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال، حدثنا أبو يحيى الحماني، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بنحوه.
10421- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي رزين، مثله. (50)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه. وذلك أن " التأليف " هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره.
* * *
وقد قيل: عنى بقوله: " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله "، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه، (51) على ما ذكرنا قبل فيما مضى عن ابن عباس وغيره.
* * *
=" وكان الله بما يعملون محيطًا " يعني جل ثناؤه: وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس، فيما أتَوْا من جرمهم، حياءً منهم، من تبييتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعالهم=" محيطًا "، محصيًا لا يخفى عليه شيء منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم. (52)
---------------------
الهوامش :
(45) في المطبوعة في الموضعين: "ما أوتوا" ، والصواب من المخطوطة.
(46) في المطبوعة في الموضعين: "ما أوتوا" ، والصواب من المخطوطة.
(47) انظر ما سلف 8 : 562 ، 563.
(48) في المطبوعة والمخطوطة: "... بن جرير" ، والصواب ما أثبت ، والأسود بن عامر بن جوين الطائي ، أبو عامر بن جوين الطائي ، الذي نزل به امرؤ القيس (الأغاني 8 : 90 ، 95) ، وقد ذكرهما ابن دريد في الاشتقاق: 233 وقال: "كانا سيدين رئيسين" ، وذكرهما ابن حزم في الجمهرة: 379 ، وقال في الأسود بن عامر: "شاعر" ، ثم قال: "فولد الأسود هذا: قبيصة بن الأسود ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(49) لم أجد البيت في مكان ، وكنت أعرفه ولكن غاب عني مكانه ، فأرجو أن أجده وألحق به بيانه في طبعة أخرى ، أو في كتاب آخر.
(50) الآثار: 10419 - 10421 -"أبو رزين" هو"أبو رزين الأسدي": "مسعود بن مالك" ، مضى برقم: 4291 - 4294 ثم: 4791 - 4793.
(51) في المخطوطة والمطبوعة: "بني أبيرق" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(52) انظر تفسير"الإحاطة" و"محيط" فيما سلف 2 : 284 / 5 : 396 / 7 : 158.
يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴿١٠٨﴾
القول في تأويل قوله : هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا (109)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا "، ها أنتم الذين جادلتم، (53) يا معشر من جادل عن بني أبيرق=" في الحياة الدنيا "= و " الهاء " و " الميم " في قوله: " عنهم " من ذكر الخائنين.
=" فمن يجادل الله عنهم "، يقول: فمن ذا يخاصم الله عنهم=" يوم القيامة "، أي: يوم يقوم الناس من قبورهم لمحشرهم، (54) فيدافع عنهم ما الله فاعل بهم ومعاقبهم به. وإنما يعني بذلك: إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونَكال العقاب.
= وأما قوله: " أم من يكون عليهم وكيلا "، فإنه يعني: ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يوم القيامة= أي: ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة.
* * *
وقد بينا معنى: " الوكالة "، فيما مضى، وأنها القيام بأمر من توكل له. (55)
-------------------
الهوامش :
(53) انظر ما قاله: في"ها أنتم أولاء" و"ها أنتم هؤلاء" فيما سلف 7 : 150 ، 151.
(54) انظر تفسير"يوم القيامة" فيما سلف 2 : 518 / 8 : 592.
(55) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف 7 : 405 / 8 : 566.
هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴿١٠٩﴾
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يعمل ذنبًا، وهو " السوء " (56) =" أو يظلم نفسه "، بإكسابه إياها ما يستحق به عقوبة الله=" ثم يستغفر الله "، يقول: ثم يتوب إلى الله بإنابته مما عمل من السوء وظُلْم نفسه، ومراجعته ما يحبه الله من الأعمال الصالحة التي تمحو ذنبَه وتذهب جرمه=" يجد الله غفورًا رحيمًا "، يقول: يجد ربه ساترًا عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبة جرمه، رحيمًا به. (57)
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها الذين وصفهم الله بالخيانة بقوله: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ .
* * *
وقال آخرون: بل عني بها الذين كانوا يجادلون عن الخائنين، (58) الذين قال الله لهم: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وقد ذكرنا قائلي القولين كليهما فيما مضى.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أنه عنى بها كل من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نـزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرَهم في الآيات قبلها.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
10422- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال، قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض. (59) فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [سورة آل عمران: 135]، وقال: " ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا ".
10423- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مُغَفّل، فسألته عن امرأة فَجرت فَحبِلت، فلما ولدتْ قتلت ولدها؟ فقال ابن مغفل: ما لها؟ لها النار! فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرَك إلا أحدَ أمرين: " من يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا "، قال: فَمَسحت عينها ثم مضت. (60)
10424- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا "، قال: أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعةِ رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.
---------------------
الهوامش :
(56) انظر تفسير"السوء" فيما سلف من فهارس اللغة.
(57) انظر تفسير"استغفر" ، "غفور" ، "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(58) في المطبوعة"الذين يجادلون عن الخائنين" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(59) "قرضه": قصه. و"المقراض": المقص.
(60) الأثر: 10423 -"حبيب بن أبي ثابت الأسدي" مضى برقم: 9012 ، 9035. و"عبد الله بن مغفل المزني" من مشاهير الصحابة ، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك. وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقه الناس بالبصرة.
وهذا الخبر من محاسن الأخبار الدالة على عقل الفقيه ، وبصره بأمر دينه ، ونصيحته للناس في أمور دنياهم.
وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١١٠﴾
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يأت ذنبًا على عَمْدٍ منه له ومعرفة به، فإنما يجترح وَبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخِزْيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله. (61) يقول: فلا تجادلوا، أيها الذين تجادلون، عن هؤلاء الخونة، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرةً وقرابةً وجيرانًا، برآء مما أتوه من الذنب ومن التَّبِعة التي يُتَّبعون بها، وإنكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم، (62) كنتم مثلَهم، فلا تدافعوا عنهم ولا تخاصموا.
= وأما قوله: " وكان الله عليمًا حكيمًا "، فإنه يعني: وكان الله عالمًا بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالِكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها=" حكيمًا " يقول: وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه. (63)
* * *
وقيل: نـزلت هذه الآية في بني أبيرق. وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى قبل. (64)
-------------------------
الهوامش :
(61) انظر تفسير"كسب" فيما سلف 8 : 267 تعليق: 1 ، والمراجع هناك= وتفسير"الإثم" فيما سلف 4 : 328 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(62) في المطبوعة والمخطوطة: "فإنكم متى دافعتم ..." والسياق يقتضي"وإنكم".
(63) انظر تفسير"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(64) يعني الآثار السالفة من 10409 - 10418.
وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١١١﴾
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يعمل خطيئة، وهي الذنب=" أو إثمًا "، وهو ما لا يحلّ من المعصية. (65)
* * *
وإنما فرق بين " الخطيئة " و " الإثم "، لأن " الخطيئة "، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و " الإثم " لا يكون إلا من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت " خطيئة " على غير عمد منه لها=" أو إثمًا " على عمد منه.
* * *
=" ثم يرم به بريئًا "، (66) يعني: ثم يُضيف ماله من خطئه أو إثمه الذي تعمده (67) =" بريئًا " مما أضافه إليه ونحله إياه=" فقد احتمل بُهتانًا وإثمًا مبينًا "، يقول: (68) فقد تحمّل بفعله ذلك فريَة وكذبًا وإثمًا عظيمًا= يعني، وجُرْمًا عظيمًا، على علم منه وعمدٍ لما أتى من معصيته وذنبه.
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: " بريئًا "، بعد إجماع جميعهم على أن الذي رمى البريءَ من الإثم الذي كان أتاه، ابن أبيرق الذي وصفنا شأنه قبل.
فقال بعضهم: عنى الله عز وجل بالبريء، رجلا من المسلمين يقال له: " لبيد بن سهل ". (69)
* * *
وقال آخرون: بل عنى رجلا من اليهود يقال له: " زيد بن السمين "، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى. (70)
* * *
وممن قال: " كان يهوديًّا "، ابنُ سيرين.
10425- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا غندر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: " ثم يرم به بريئًا "، قال: يهوديًّا.
10426- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا بدل بن المحبر قال، حدثنا شعبة، عن خالد، عن ابن سيرين، مثله. (71)
* * *
وقيل: " يرم به بريئًا "، بمعنى: ثم يرم بالإثم الذي أتى هذا الخائن، من هو بريء مما رماه به= فـ" الهاء " في قوله: " به " عائدة على " الإثم ". ولو جعلت كناية من ذكر " الإثم " و " الخطيئة "، كان جائزًا، لأن الأفعال وإن اختلفت العبارات عنها، فراجعة إلى معنى واحد بأنها فعلٌ. (72)
* * *
= وأما قوله: " فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا "، فإن معناه: فقد تحمل - هذا الذي رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو بريء مما رماه به من ذلك=" بهتانًا "، وهو الفرية والكذب (73) =" وإثمًا مبينًا "، يعني وِزْرًا " مبينًا "، يعني: أنه يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه، (74) وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمرَه.
--------------------
الهوامش :
(65) انظر تفسير"خطيئة" فيما سلف 2: 110 ، 284 ، 285.
(66) في المطبوعة زيادة حذفتها ، كان الكلام: "ثم يرم به بريئًا ، يعني بالذي تعمده بريئًا ، يعني ..." وهو فساد في التفسير ، فحذفته لذلك وتابعت المخطوطة.
(67) في المطبوعة: "ثم يصف ما أتى من خطئه ..." وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(68) انظر تفسير"البهتان" فيما سلف 5 : 432 / 8 : 124.
(69) انظر الأثر رقم: 10411.
(70) انظر رقم: 10412 ، 10416.
(71) الأثر: 10426 -"بدل بن المحبر بن المنبه التميمي اليربوعي" روى عن شعبة ، والخليل بن أحمد صاحب العروض ، وغيرهما. وروى عنه البخاري ، والأربعة بواسطة محمد بن بشار. ثقة.
و"بدل" بفتحتين.
(72) هذا مختصر مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 286 ، 287.
(73) انظر تفسير"البهتان" فيما سلف ص: 197 ، تعليق: 4.
(74) انظر تفسير"مبين" فيما سلف ص: 3 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك. وكان في المطبوعة: "يبين عن أمر عمله" ، والصواب من المخطوطة.