تفسير الطبري
· النساءافتح في القارئيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا ﴿٤٢﴾
القول في تأويل قوله : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يوم نجيء من كلّ أمة بشهيد، ونجيء بك على أمتك يا محمد شهيدًا =" يود الذين كفروا "، يقول: يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وعصوا رسوله، =" لو تُسَوَّى بهم الأرض ".. (40)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز ومكة والمدينة: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )" بتشديد "" السين " و " الواو " وفتح " التاء "، بمعنى: لو تَتَسوّى بهم الأرض، ثم أدغمت " التاء " الثانية في" السين "، يراد به: أنهم يودّون لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض.
وقرأ آخرون ذلك: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين ". وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة بالمعنى الأول، غير أنهم تركوا تشديد " السين "، واعتلوا بأن العرب لا تكاد تجمع بين تشديدين في حرف واحد.
وقرأ ذلك آخرون: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )، بمعنى: لو سوّاهم الله والأرض، فصاروا ترابًا مثلها بتصييره إياهم، كما يفعل ذلك بمن ذكر أنه يفعله به من البهائم.
قال أبو جعفر: وكل هذه القراءات متقاربات المعنى، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ، لأن من تمنى منهم أن يكون يومئذ ترابًا، إنما يتمنى أن يكون كذلك بتكوين الله إياه كذلك. وكذلك من تمنى أن يكون الله جعله كذلك، فقد تمنى أن يكون ترابًا. على أن الأمر وإن كان كذلك، فأعجبُ القراءة إليّ في ذلك: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " كراهية الجمع بين تشديدين في حرف واحد = وللتوفيق في المعنى بين ذلك وبين قوله: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: 40]. فأخبر الله عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون أن كانوا ترابًا، ولم يخبر عنهم أنهم قالوا: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا . فكذلك قوله: " لو تَسوّى بهم الأرض " فيسوَّوا هم. وهي أعجب إلي، ليوافق ذلك المعنى الذي أخبرَ عنهم &; 8-373 &; بقوله: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا . وأما قوله: " ولا يكتمون الله حديثًا "، فإن أهل التأويل تأوّلوه بمعنى: ولا تكتم الله جوارحُهم حديثًا، وإن جحدتْ ذلك أفواههم.
ذكر من قال ذلك:
9520 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن. المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابن عباس فقال: سمعت الله يقول وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23]، وقال في آية أخرى: " ولا يكتمون الله حديثًا ". فقال ابن عباس: أما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهلُ الإسلام قالوا: " تعالوا فلنجحد "! فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ! فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثًا.
9521 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياءُ تختلفُ علي في القرآن؟ فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس بالشك، ولكنه اختلاف! قال: فهات ما اختلف عليك. قال: أسمع الله يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23]، وقال: " ولا يكتمون الله حديثًا "، وقد كتموا! فقال ابن عباس: أما قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره = جحد المشركون فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، رجاءَ أن يغفر لهم، فختم على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: " يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا ".
9522 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الزبير، عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى: " يومئذ يودّ الذين &; 8-375 &; كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا "، وقوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ؟ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: " ألقى علي ابن عباس مُتَشابه القرآن "، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بَقيع واحد، (41) فيقول المشركون: " إن الله لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده "! فيقولون: " تعالوا نَقُل "! (42) فيسألهم فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: فيختم على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سُوِّيت بهم ولا يكتمون الله حديثًا.
9523 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " يومئذ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا "، يعني: أن تسوّى الأرضُ بالجبال والأرضُ، عليهم. (43)
فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس: يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول، لو تسوّى بهم الأرض ولم يكتموا الله حديثًا (44) = كأنهم تمنوا أنهم سوُّوا مع الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثًا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: يومئذ لا يكتمون الله حديثًا = ويودّون لو تسوّى بهم الأرض. وليس بمنكتم عن الله شيء من حديثهم، لعلمه جل ذكره بجميع حديثهم وأمرهم، فإن همْ كتموه بألسنتهم فجحدوه، (45) لا يخفى عليه شيء منه.
------------------
الهوامش :
(40) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470 / 5: 542.
(41) "البقيع": المكان المتسع من الأرض ، يكون فيه بعض الشجر.
(42) في المطبوعة: "تعالوا نجحد" ، غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، ولم يستطع أن يعرف لها معنى ، وهي صواب ، وإن كانت كتب اللغة قد قصرت في إثبات هذا المعنى. وذلك أن"نقل" هنا من"القول" يراد به الكذب أو التعريض به ، وقد مر بي ذلك في كتب السيرة مرارًا منها ، ما قرأته في سيرة ابن هشام 3: 58 ، في خبر مقتل كعب الأشرف وقول محمد بن مسلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ، لا بد لنا من أن نقول"! فقال رسول الله: "قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك". وهو شبيه المعنى بالكذب.
(43) في المطبوعة: "أن تسوى الأرض بالجبال عليهم" حذف"الأرض" الثانية ، والصواب ما في المخطوطة.
(44) في المطبوعة: "ولا يكتمون الله حديثًا" ، وهو خطأ فاحش ، والصواب ما في المخطوطة.
(45) في المطبوعة: "فإنهم إن كتموه بألسنتهم" ، وهو خطأ فاحش أيضًا ، والصواب ما في المخطوطة.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٤٣﴾
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما
القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } يعني بقوله جل ثناؤه : { يا أيها الذين آمنوا } صدقوا الله ورسوله { لا تقربوا الصلاة } لا تصلوا { وأنتم سكارى } وهو جمع سكران , { حتى تعلموا ما تقولون } في صلاتكم , وتقرءون فيها مما أمركم الله به , أو ندبكم إلى قيله فيها مما نهاكم عنه وزجركم . ثم اختلف أهل التأويل في السكر الذي عناه الله بقوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } فقال بعضهم : عنى بذلك : السكر من الشراب. ذكر من قال ذلك : 7554 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عطاء بن السائب , عن أبي عبد الرحمن , عن علي : أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر , فصلى بهم عبد الرحمن , فقرأ : " قل يا أيها الكافرون " فخلط فيها , فنزلت : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } 7555 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن عطاء بن السائب , عن عبد الله بن حبيب : أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا , فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فأكلوا وشربوا حتى ثملوا , فقدموا عليا يصلي بهم المغرب , فقرأ : قل يا أيها الكافرون , أعبد ما تعبدون , وأنتم عابدون ما أعبد , وأنا عابد ما عبدتم , لكم دينكم ولي دين . فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } 7556 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قبل أن تحرم الخمر , فقال الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } . .. الآية. 7557 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي رزين في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر , فقال : وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر . 7558 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي رزين , قال : كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في البقرة , وبعد التي في النساء , فلما أنزلت التي في المائدة تركوها . 7559 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } قال : نهوا أن يصلوا وهم سكارى , ثم نسخها تحريم الخمر . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 7560 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات , ثم نسخ بتحريم الخمر . 7561 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن أبي وائل وأبي رزين وإبراهيم في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } و { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } 2 90 وقوله : { تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } 16 67 قالوا : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم. ذكر من قال ذلك : 7562 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : سكر النوم . * - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سلمة , عن الضحاك : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : لم يعن بها سكر الخمر , وإنما عنى بها سكر النوم. قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية , تأويل من قال ذلك نهي من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر , للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله , وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه . فإن قال لنا قائل : وكيف يكون ذلك معناه , والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله , وأنت ممن تحيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى ؟ قيل له : إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه , ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر , غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحر جسمه وأخدره , حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله , فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهم , وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حد لا يعقل ما يأتي ويذر , فذلك منتقل من السكر إلى الخبل , ومعدود في المجانين , وليس ذلك الذي خوطب بقوله : { لا تقربوا الصلاة } لأن ذلك مجنون , وإنما خوطب به السكران , والسكران ما وصفنا صفته.تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى
القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل , يعني : إلا أن تكونوا مجتازي طريق : أي مسافرين حتى تغتسلوا . ذكر من قال ذلك : 7563 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر. وقال ابن المثنى : في السفر . 7564 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب , إذا وجدتم الماء , فإن لم تجدوا الماء , فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض . 7565 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن المنهال , عن عباد بن عبد الله , أو عن زر , عن علي رضي الله عنه : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء فتيمموا . 7566 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا هشام , عن قتادة , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , بمثله . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عنبسة , عن ابن أبي ليلى , عن المنهال بن عمرو , عن عباد بن عبد الله , عن علي رضي الله عنه , قال : نزلت في السفر : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } وعابر السبيل : المسافر إذا لم يجد ماء تيمم . 7567 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هارون , عن ابن مجاهد , عن أبيه : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم فيصلي . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون صعيدا طيبا , حتى يجدوا الماء فيغتسلوا. * - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : مسافرين لا يجدون ماء . 7568 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مسعر , عن بكير بن الأخنس , عن الحسن بن مسلم , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إلا أن يكونوا مسافرين , فلا يجدوا الماء فيتيمموا. 7569 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام عن عمرو , عن منصور , عن الحكم : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : المسافر تصيبه الجنابة , فلا يجد ماء فيتيمم . * - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن سفيان , عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير , وعن منصور , عن الحكم في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قالا : المسافر الجنب لا يجد الماء فيتيمم فيصلي . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن سالم , عن سعيد بن جبير : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } إلا أن يكون مسافرا . * - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن الحكم , نحوه. 7570 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عبد الله بن كثير , قال : كنا نسمع أنه في السفر . 7571 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو المسافر الذي لا يجد الماء فلا بد له من أن يتيمم ويصلي , فهو يتيمم ويصلي . قال : كان أبي يقول هذا . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوه جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل , يعني : إلا مجتازين فيه للخروج منه . فقال أهل هذه المقالة : أقيمت الصلاة مقام المصلى والمسجد , إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها , فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلى الذي يصلون فيه . ذكر من قال ذلك : 7572 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن عبد الله , عن أبيه في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : هو الممر في المسجد . 7573 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر الرازي , عن زيد بن أسلم , عن ابن يسار , عن ابن عباس : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه , فتمر مرا ولا تجلس . 7574 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن سعيد : في الجنب يمر في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضئ , وتلا هذه الآية : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } 7575 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن نهشل , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه. 7576 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو الزبير , قال : كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازا . 7577 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : الجنب يمر في المسجد ولا يقعد فيه . 7578 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , وحدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قالا جميعا : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , في قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : إذا لم يجد طريقا إلا المسجد يمر فيه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل , قال : ثنا إسرائيل , عن منصور , عن إبراهيم في هذه الآية : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } قال : لا بأس أن يمر الجنب في المسجد إذا لم يكن له طريق غيره . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم , مثله . 7579 - حدثني المثنى , قال : ثنا شريك , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه , ثم قرأ : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } 7580 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن عبد الكريم , عن أبي عبيدة , مثله . 7581 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن سماك , عن عكرمة , مثله . 7582 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى مثله . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن الحسن , قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ولا يقعدا فيه . 7583 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سعيد , عن الزهري , قال : رخص للجنب أن يمر في المسجد . 7584 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب , عن قول الله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم , فيريدون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد , فأنزل الله تبارك وتعالى : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } * - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شعبة , عن حماد , عن إبراهيم : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال : لا يجتاز في المسجد إلا أن لا يجد طريقا غيره . 7585 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن ابن مجاهد , عن أبيه : لا يمر الجنب في المسجد يتخذه طريقا . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } إلا مجتازي طريق فيه . وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فكان معلوما بذلك أن قوله : { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } معنى مفهوم , وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك . وإذ كان ذلك كذلك , فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون , ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل . والعابر السبيل : المجتازه مرا وقطعا , يقال منه : عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا , ومنه قيل : عبر فلان النهر : إذا قطعه وجازه , ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار لقوتها : وهي عبر أسفار لقوتها على الأسفار .تغتسلوا وإن كنتم
القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى } يعني بقوله جل ثناؤه : { وإن كنتم مرضى } من جرح أو جدري وأنتم جنب . كما : 7586 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو المنبه الفضل بن سليم , عن الضحاك , عن ابن مسعود , قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } قال : المريض الذي قد أرخص له في التيمم هو الكسير والجريح , فإذا أصابت الجنابة الكسير اغتسل , والجريح لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها . 7587 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق , عن شريك , عن إسماعيل السدي , عن أبي مالك , قال في هذه الآية : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } قال : هي للمريض الذي به الجراحة التي يخاف منها أن يغتسل فلا يغتسل , فرخص له في التيمم . 7588 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وإن كنتم مرضى } والمرض : هو الجراح والجراحة التي يتخوف عليها من الماء إن أصابه ضر صاحبه , فذلك يتيمم صعيدا طيبا . 7589 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن عزرة , عن سعيد بن جبير في قوله : { وإن كنتم مرضى } قال : إذا كان به جروح أو قروح يتيمم . 7590 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم : { وإن كنتم مرضى } قال : من القروح تكون في الذراعين. * - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا هارون , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم : { وإن كنتم مرضى } قال : القروح في الذراعين. 7591 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن جويبر , عن الضحاك , قال : صاحب الجراحة التي يتخوف عليه منها يتيمم . ثم قرأ : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } 7592 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وإن كنتم مرضى } والمرض : أن يصيب الرجل الجرح أو القرح أو الجدري , فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه , يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء . 7593 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثني أبي , عن قتادة , عن عاصم , يعني الأحول , عن الشعبي , أنه سئل عن المجدور تصيبه الجنابة ؟ قال : ذهب فرسان هذه الآية . وقال آخرون في ذلك ما : 7594 - حدثني به يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا } قال : المريض الذي لا يجد أحدا يأتيه بالماء ولا يقدر عليه , وليس له خادم , ولا عون , فإذا لم يستطع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به , ولا يحبو إليه , تيمم وصلى إذا حلت الصلاة . قال : هذا كله قول أبي : إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به لا يترك الصلاة , وهو أعذر من المسافر . فتأويل الآية إذا : وإن كنتم جرحى أو بكم قروح أو كسر أو علة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة , وأنتم مقيمون غير مسافرين , فتيمموا صعيدا طيبا .مرضى أو على
وأما قوله : { أو على سفر } أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحاء جنب , فتيمموا صعيدا.سفر أو جاء أحد منكم من
وكذلك تأويل قوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } يقول : أو جاء أحد منكم من الغائط قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح , فليتيمم صعيدا طيبا. والغائط : ما اتسع من الأودية وتصوب , وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان , لأن العرب كانت تختار قضاء حاجتها في الغيطان فكثر ذلك منها حتى غلب عليهم ذلك , فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضى في الغيطان حيث قضاها من الأرض : متغوط , جاء فلان من الغائط يعني به : قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض . وذكر عن مجاهد أنه قال في الغائط : الوادي. 7595 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { أو جاء أحد منكم من الغائط } قال : الغائط : الوادي .الغائط أو لامستم
القول في تأويل قوله تعالى : { أو لامستم النساء } يعني بذلك جل ثناؤه : أو باشرتم النساء بأيديكم . ثم اختلف أهل التأويل في اللمس الذي عناه الله بقوله : { أو لامستم النساء } فقال بعضهم : عنى بذلك : الجماع . ذكر من قال ذلك : 7596 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , قال : ذكروا اللمس , فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع , وقال ناس من العرب : اللمس : الجماع . قال : فأتيت ابن عباس , فقلت : إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس , فقالت الموالي : ليس بالجماع , وقالت العرب : الجماع . قال : من أي الفريقين كنت ؟ قلت : كنت من الموالي , قال : غلب فريق الموالي , إن المس واللمس , والمباشرة : الجماع , ولكن الله يكني ما شاء بما شاء . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي قيس , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , مثله . 7597 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي إسحاق , قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال : { أو لامستم النساء } قال : هو الجماع . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن سعيد بن جبير , قال : اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله : { أو لامستم النساء } فقال عبيد بن عمير : هو الجماع , وقلت أنا وعطاء : هو اللمس . قال : فدخلنا على ابن عباس , فسألناه , فقال : غلب فريق الموالي وأصابت العرب , هو الجماع , ولكن الله يعف ويكني . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير : اختلفوا في الملامسة , فقال سعيد بن جبير وعطاء : الملامسة ما دون الجماع . وقال عبيد : هو النكاح . فخرج عليهم ابن عباس , فسألوه , فقال : أخطأ الموليان وأصاب العربي : الملامسة : النكاح , ولكن الله يكني ويعف . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن سعيد , عن قتادة , قال : اجتمع سعيد بن جبير وعطاء وعبيد بن عمير , فذكر نحوه . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , قال : قال : سعيد بن جبير وعطاء في التماس : الغمز باليد , وقال عبيد بن عمير : الجماع . فخرج عليهم ابن عباس فقال : أخطأ الموليان , وأصاب العربي , ولكنه يعف ويكني . * - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : قال ابن عباس : اللمس : الجماع . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية وعبد الوهاب , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس مثله . * - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا هشيم , قال : ثنا أبو بشر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : اللمس والمس والمباشرة : الجماع , ولكن الله يكني بما شاء . * - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق الأزرق , عن سفيان , عن عاصم الأحول , عن بكر بن عبد الله , عن ابن عباس , قال : الملامسة : الجماع , ولكن الله كريم يكني عما شاء . * - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن سفيان , عن عاصم , عن بكر بن عبد الله , عن ابن عباس , مثله . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن داود , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قال : اختلفت العرب والموالي في الملامسة على باب ابن عباس قالت العرب : الجماع , وقالت الموالي : باليد. قال : فخرج ابن عباس , فقال : غلب فريق الموالي , الملامسة : الجماع . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن رجل , عن سعيد بن جبير , قال : كنا على باب ابن عباس , فذكر نحوه . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا داود , عن سعيد بن جبير , قال : قعد قوم على باب ابن عباس , فذكر نحوه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس في قوله : { أو لامستم النساء } الملامسة : هو النكاح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن الأعمش , عن عبد الملك بن ميسرة , عن سعيد بن جبير , قال : اجتمعت الموالي والعرب في المسجد وابن عباس في الصفة , فاجتمعت الموالي على أنه اللمس دون الجماع , واجتمعت العرب على أنه الجماع , فقال ابن عباس : من أي الفريقين أنت ؟ قلت : من الموالي , قال : غلبت . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : اللمس : الجماع . * - وبه سفيان , عن عاصم , عن بكر , عن ابن عباس , مثله. * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن الأعمش , عن حبيب , عن سعيد , عن ابن عباس , قال : هو الجماع . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك , عن زهير , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , مثله . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن داود , عن جعفر بن إياس , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أو لامستم النساء } قال : الجماع . 7598 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أشعث , عن الشعبي , عن علي رضي الله عنه , قال : الجماع . 7599 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن يونس , عن الحسن , قال : الجماع . 7600 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك , عن خصيف , قال : سألت مجاهدا , فقال ذلك . 7601 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة والحسن , قالا : غشيان النساء . وقال آخرون : عنى الله بذلك كل لمس بيد كان أو بغيرها من أعضاء جسد الإنسان . وأوجبوا الوضوء على من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه . ذكر من قال ذلك : 7602 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن مخارق , عن طارق بن شهاب , عن عبد الله , أنه قال شيئا هذا معناه : الملامسة : ما دون الجماع . 7603 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن منصور , عن هلال , عن أبي عبيدة , عن عبد الله - أو عن أبي عبيدة منصور الذي شك - قال : القبلة من المس . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مخارق , عن طارق , عن عبد الله , قال : اللمس : ما دون الجماع . * - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : قال ابن مسعود : اللمس : ما دون الجماع. * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : القبلة من اللمس . * - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود , قال : القبلة من اللمس , وفيها الوضوء . * - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود , مثله . 7604 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : أخبرنا سليم بن أخضر , قال : أخبرنا ابن عون , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن قوله : { أو لامستم النساء } قال : فأشار بيده هكذا - وحكاه سليم - وأراناه أبو عبد الله , فضم أصابعه . * - حدثني يعقوب وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , عن سلمة بن علقمة , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن قوله : { أو لامستم النساء } قال بيده , فظننت ما عنى فلم أسأله . 7605 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , قال : ذكروا عند محمد مس الفرج , وأظنهم ذكروا ما قال ابن عمر في ذلك , فقال محمد : قلت لعبيدة , قوله : { أو لامستم النساء } فقال بيده . قال ابن عون : بيده كأنه يتناول شيئا يقبض عليه . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا خالد , عن محمد , قال : قال عبيدة : اللمس باليد . * - قال ثنا ابن علية , عن هشام , عن محمد , قال : سألت عبيدة , عن هذه الآية : { أو لامستم النساء } فقال بيده , وضم أصابعه , حتى عرفت الذي أراد . 7606 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عبيد الله بن عمر , عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة , ويرى فيها الوضوء , ويقول : هي من اللماس. 7607 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر , قال : الملامسة : ما دون الجماع . 7608 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا محل بن محرز , عن إبراهيم , قال : اللمس من شهوة ينقض الوضوء . 7609 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا شعبة , عن الحكم وحماد أنهما قالا : اللمس ما دون الجماع . 7610 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عطاء , قال : الملامسة : ما دون الجماع . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن أشعث , عن الشعبي , عن أصحاب عبد الله , عن عبد الله , قال : الملامسة : ما دون الجماع . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن بيان , عن عامر , عن عبد الله , قال : الملامسة : ما دون الجماع. * - قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله , مثله . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله , مثله . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , عن سعيد , عن أبي معشر , عن إبراهيم , قال : قال عبد الله : الملامسة : ما دون الجماع , ثم قرأ : { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء } * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن هشام , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة , عن : { أو لامستم النساء } فقال بيده هكذا , فعرفت ما يعني. 7611 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبيه وحسن بن صالح , عن منصور , عن هلال بن يساف , عن أبي عبيدة , قال : القبلة من اللمس. 7612 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , عن زهير , عن خصيف , عن أبي عبيدة : القبلة والشيء . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى الله بقوله : { أو لامستم النساء } الجماع دون غيره من معاني اللمس , لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. 7613 - حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي , قال : أخبرنا أبو بكر بن عياش , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة , عن عائشة , قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل , ثم يصلي ولا يتوضأ " . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة , عن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " , قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت . 7614 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن غياث , عن حجاج , عن عمرو بن شعيب , عن زينب السهمية , عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يقبل , ثم يصلي ولا يتوضأ " . * - حدثنا أبو زيد عمر بن شبة , قال : ثنا شهاب بن عباد , قال : ثنا مندل , عن ليث , عن عطاء , عن عائشة . وعن أبي روق , عن إبراهيم التيمي , عن عائشة , قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلة بعد الوضوء , ثم لا يعيد الوضوء " . 7615 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثني يزيد بن سنان , عن عبد الرحمن الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن أم سلمة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم , ثم لا يفطر , ولا يحدث وضوءا " . ففي صحة الخبر فيما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلالة الواضحة على أن اللمس في هذا المو ضع لمس الجماع لا جميع معاني اللمس , كما قال الشاعر : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا يعني بذلك : ننك لماسا . واختلف القراء في قراءة قوله : { أو لامستم النساء } فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين : { أو لامستم } بمعنى : أو لمستم نساءكم ولمستكم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : " أو لمستم النساء " بمعنى : أو لمستم أنتم أيها الرجال نساءكم . وهما قراءتان متقاربتا المعنى , لأنه لا يكون الرجل لامسا امرأته إلا وهي لامسته , فاللمس في ذلك يدل على معنى اللماس , واللماس على معنى اللمس من كل واحد منهما صاحبه , فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب , لاتفاق معنييهما .النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا
القول في تأويل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جنابة وهم جراح. 7616 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن جابر , عن حماد , عن إبراهيم في المريض لا يستطيع الغسل من الجنابة أو الحائض , قال : يجزيهم التيمم , ونال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة , ففشت فيهم , ثم ابتلوا بالجنابة , فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط } . .. الآية كلها . وقال آخرون : نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعوزهم الماء فلم يجدوه في سفر لهم . ذكر من قال ذلك : 7617 - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله بن عمر , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن عائشة أنها قالت : كنت في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى إذا كنا بذات الجيش , ضل عقدي , فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم , فأمر بالتماسه , فالتمس فلم يوجد . فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم , وأناخ الناس , فباتوا ليلتهم تلك ; فقال الناس : حبست عائشة النبي صلى الله عليه وسلم ! قالت : فجاء إلي أبو بكر , ورأس النبي صلى الله عليه وسلم في حجري وهو نائم , فجعل يهمزني ويقرصني ويقول : من أجل عقدك حبست النبي صلى الله عليه وسلم ! قالت : فلا أتحرك مخافة أن يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم , وقد أوجعني فلا أدري كيف أصنع . فلما رآني لا أحير إليه انطلق ; فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وأراد الصلاة فلم يجد ماء . قالت : فأنزل الله تعالى آية التيمم . قالت : فقال ابن حضير : ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر . 7618 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر , ففقدت عائشة قلادة لها , فأمر الناس بالنزول , فنزلوا وليس معهم ماء , فأتى أبو بكر على عائشة , فقال لها : شققت على الناس ! وقال أيوب بيده - يصف أنه قرصها - قال : ونزلت آية التيمم , ووجدت القلادة في مناخ البعير , فقال الناس : ما رأينا امرأة أعظم بركة منها . 7619 - حدثني محمد بن عبد الله الهلالي , قال : ثني عمران بن محمد الحداد , قال : ثني الربيع بن بدر , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن رجل منا من بلعرج يقال له : الأسلع , قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم , وأرحل له , فقال لي ذات ليلة : " يا أسلع قم فارحل , لي ! " قلت : يا رسول الله أصابتني جنابة . فسكت ساعة , ثم دعاني وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد , ووصف لنا ضربتين . 7620 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثنا عمرو بن خالد , قال : ثني الربيع بن بدر , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن رجل منا يقال له الأسلع , قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر مثله , إلا أنه قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا - أو قال ساعة الشك من عمرو - قال : وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا أسلع فتيمم ! " قال : فتيممت ثم رحلت له . قال : فسرنا حتى مررنا بماء فقال : " يا أسلع مس - أو أمس - بهذا جلدك ! " قال : وأراني التيمم كما أراه أبوه : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين . 7621 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن نفيل , قال : ثنا زهير بن معاوية , قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم , قال : ثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان أبو عمرو حاجب عائشة : أن ابن عباس دخل عليها في مرضها , فقال : أبشري كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا , وسقطت قلادتك ليلة الأبواء , فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها , حتى أصبح في المنزل , فأصبح الناس ليس معهم ماء , فأنزل الله : { تيمموا صعيدا طيبا } فكان ذلك من سببك , وما أذن الله لهذه الأمة من الرخصة . 7622 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن هشام , عن أبيه , عن عائشة : أنها استعارت من أسماء قلادة , فهلكت , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها , فوجدوها , وأدركتهم الصلاة , وليس معهم ماء , فصلوا بغير وضوء , فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله آية التيمم ; فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا , فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا . * - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : ثني عمي عبد الله بن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه , عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , أنها قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون إلى المدينة , فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل , فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري راقد , أقبل أبي , فلكزني لكزة , ثم قال : حبست الناس . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ , وحضرت الصبح , فالتمس الماء فلم يوجد , ونزلت : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } . .. الآية . قال أسيد بن حضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر , ما أنتم إلا بركة . 7623 - حدثني الحسن بن شبيب , قال : ثنا ابن عيينة , قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن عبد الله بن أبي مليكة , قال : دخل ابن عباس على عائشة , فقال : كنت أعظم المسلمين بركة على المسلمين سقطت قلادتك بالأبواء , فأنزل الله فيك آية التيمم . القول في تأويل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } يعني بقوله جل ثناؤه : { فلم تجدوا ماء } أو لمستم النساء , فطلبتم الماء لتتطهروا به , فلم تجدوه بثمن ولا غير ثمن , { فتيمموا } يقول : فتعمدوا , وهو تفعلوا من قول القائل : تيممت كذا : إذا قصدته وتعمدته فأنا أتيممه , وقد يقال منه : يممه فلان فهو ييممه , وأيممته أنا وأممته خفيفة , وتيممت وتأممت , ولم يسمع فيها يممت خفيفة . ومنه قول أعشى بني ثعلبة : تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن يعني بقوله : تيممت : تعمدت وقصدت , وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله : " فأموا صعيدا " . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 7624 - حدثني عبد الله بن محمد , قال : ثنا عبدان , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } قال : تحروا وتعمدوا صعيدا طيبا . وأما الصعيد , فإن أهل التأويل اختلفوا فيه , فقال بعضهم : هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس ذكر من قال ذلك : 7625 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { صعيدا طيبا } قال : التي ليس فيها شجر ولا نبات . وقال آخرون : بل هو الأرض المستوية . ذكر من قال ذلك : 7626 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : الصعيد : المستوي . وقال آخرون : بل الصعيد : التراب . ذكر من قال ذلك : 7627 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الحكم بن بشير , قال : ثنا عمرو بن قيس الملائي , قال : الصعيد : التراب . وقال آخرون : الصعيد : وجه الأرض . وقال آخرون : بل هو وجه الأرض ذات التراب والغبار . وأولى ذلك بالصواب قول من قال : هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية , ومنه قول ذي الرمة : كأنه بالضحى يرمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم يعني : يضرب به وجه الأرض . وأما قوله طيبا , فإنه يعني به : طاهرا من الأقذار والنجاسات . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { طيبا } فقال بعضهم : حلالا . ذكر من قال ذلك : 7628 - حدثني عبد الله بن محمد , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في قوله : { صعيدا طيبا } قال : قال بعضهم : حلالا . وقال بعضهم بما : 7629 - حدثني عبد الله , قال : ثنا عبدان , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج قراءة , قال : قلت لعطاء : { فتيمموا صعيدا طيبا } قال : الطيب : ما حولك . قلت : مكان جرد غير أبطح , أيجزئ عني ؟ قال : نعم . ومعنى الكلام : فإن لم تجدوا ماء أيها الناس , وكنتم مرضى , أو على سفر , أو جاء أحد منكم من الغائط , أو لمستم النساء , فأردتم أن تصلوا فتيمموا , يقول : فتعمدوا وجه الأرض الطاهرة , فامسحوا بوجوهكم وأيديكم .طيبا فامسحوا بوجوهكم
القول في تأويل قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } يعني بذلك جل ثناؤه : فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم , ولكنه ترك ذكر " منه " اكتفاء بدلالة الكلام عليه . والمسح منه بالوجه أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر , أو ما قام مقامه , فيمسح بما علق من الغبار وجهه , فإن كان الذي علق به الغبار كثيرا , فنفخ عن يديه أو نفضه , فهو جائز . وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء , وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد , ثم مسح بهما أو بها وجهه أجزأه ذلك , لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به أن ذلك مجزئه , لم يخالف ذلك من يجوز أن يعتد بخلافه . فلما كان ذلك إجماعا منهم كان معلوما أن الذي يراد به من ضرب الصعيد باليدين مباشرة الصعيد بهما بالمعنى الذي أمر الله بمباشرته بهما , لا لأخذ تراب منه . وأما المسح باليدين , فإن أهل التأويل اختلفوا في الحد الذي أمر الله بمسحه من اليدين , فقال بعضهم : حد ذلك الكفان إلى الزندين , وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين . ذكر من قال ذلك : 7630 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن حصين , عن أبي مالك , قال : تيمم عمار فضرب بيديه إلى التراب ضربة واحدة , ثم مسح بيديه واحدة على الأخرى , ثم مسح وجهه , ثم ضرب بيديه أخرى , فجعل يلوي يده على الأخرى ولم يمسح الذراع . 7631 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن ابن أبي خالد , قال : رأيت الشعبي وصف لنا التيمم : فضرب بيديه إلى الأرض ضربة , ثم نفضهما ومسح وجهه , ثم ضرب أخرى , فجعل يلوي كفيه إحداهما على الأخرى , ولم يذكر أنه مسح الذراع . 7632 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن حصين , عن أبي مالك , قال : وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب , ثم رفعهما فنفخهما , فمسح وجهه وكفيه , ثم قال : هكذا التيمم . 7633 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة , قال : ثنا سلام مولى حفص , قال : سمعت عكرمة , يقول : التيمم ضربتان : ضربة للوجه , وضربة للكفين . 7634 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن الأوزاعي , عن سعيد وابن جابر , أن مكحولا كان يقول : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع , ويتأول مكحول القرآن في ذلك : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى المرافق } 5 6 وقوله في التيمم : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق . قال مكحول : قال الله : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } 6 38 فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع . 7635 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا بشر بن بكر التنيسي , عن ابن جابر : أنه رأى مكحولا يتيمم يضرب بيديه على الصعيد , ثم يمسح بهما وجهه وكفيه بواحدة . 7636 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن داود , عن الشعبي , قال : التيمم : ضربة للوجه والكفين . وعلة من قال هذه المقالة من الأثر ما : 7637 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبدة ومحمد بن بشر , عن ابن أبي عروبة , عن قتادة , عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى , عن أبيه , عن عمار بن ياسر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم , فقال : " مرة للكفين والوجه " . وفي حديث ابن بشر : أن عمارا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم . 7638 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبيدة بن سعيد القرشي , عن شعبة , عن الحكم , عن ابن أبزى , قال : جاء رجل إلى عمر , فقال : إني أجنبت فلم أجد الماء , فقال عمر : لا تصل ! فقال له عمار : أما تذكر أنا في مسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجنبت أنا وأنت , فأما أنت فلم تصل , وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت , فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك له , فقال : " إنما كان يكفيك " وضرب كفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة ؟ وقالوا : أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين , فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه , إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس . وقال آخرون : حد المسح الذي أمر الله به في التيمم أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين . ذكر من قال ذلك : 7639 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوراث بن سعيد , قال : ثنا أيوب , عن نافع : أن ابن عمر تيمم بمربد النعم , فضرب ضربة فمسح وجهه , وضرب ضربة فمسح يديه إلى المرفقين . * - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , عن عبد الله أنه قال : التيمم مسحتان , يضرب الرجل بيديه الأرض , يمسح بهما وجهه , ثم يضرب بهما مرة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين . * - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن عبيد الله , قال : أخبرني نافع , عن ابن عمر في التيمم , قال : ضربة للوجه , وضربة للكفين إلى المرفقين . * - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر , قال : كان يقول في المسح في التيمم إلى المرفقين . 7640 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا ابن عون , قال : سألت الحسن عن التيمم , فضرب بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه , وضرب بيديه فمسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما . 7641 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر أنه قال في هذه الآية : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } 5 6 وقال في هذه الآية : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } 5 6 قال : أمر أن يمسح في التيمم ما أمر أن يغسل في الوضوء وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان . 7642 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , وحدثنا ابن المثنى , قال : ثني محمد بن أبي عدي جميعا , عن داود , عن الشعبي في التيمم , قال : ضربة للوجه , وضربة لليدين إلى المرفقين . 7643 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : أمر بالتيمم فيما أمر بالغسل . 7644 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سألت سالم بن عبد الله عن التيمم , فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح بهما وجهه , ثم ضرب بيديه على الأرض ضربة أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين . 7645 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : وأخبرنا حبيب بن الشهيد , عن الحسن أنه سئل عن التيمم , فقال : ضربة يمسح بها وجهه , ثم ضربة أخرى يمسح بها يديه إلى المرفقين . وعلة من قال هذه المقالة أن التيمم بدل من الوضوء على المتيمم أن يبلغ بالتراب من وجهه ويديه ما كان عليه أن يبلغه بالماء منهما في الوضوء . واعتلوا من الأثر بما : 7646 - حدثني به موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا نعيم بن حماد , قال : ثنا خارجة بن مصعب , عن عبد الله بن عطاء , عن موسى بن عقبة , عن الأعرج , عن أبي جهيم , قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلمت عليه فلم يرد علي , فلما فرغ قام إلى حائط , فضرب بيديه عليه , فمسح بهما وجهه , ثم ضرب بيديه إلى الحائط , فمسح بهما يديه إلى المرفقين , ثم رد علي السلام . وقال آخرون : الحد الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم الآباط . ذكر من قال ذلك : 7647 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة التنيسي , عن الأوزاعي , عن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . وعلة من قال ذلك أن الله أمر بمسح اليد في التيمم كما أمر بمسح الوجه , وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه , فكذلك عليه جميع اليد , ومن طرف الكف إلى الإبط يد . واعتلوا من الخبر بما : 7648 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا صيفي بن ربعي , عن ابن أبي ذئب , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله , عن أبي اليقظان , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة , فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح , فتغيظ أبو بكر على عائشة , فنزلت عليه الرخصة المسح بالصعيد , فدخل أبو بكر فقال لها : إنك لمباركة , نزل فيك رخصة ! فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا , وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الحد الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه , الكفان إلى الزندين لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز , ثم هو فيما جاوز ذلك مخير إن شاء بلغ بمسحه المرفقين , وإن شاء الآباط . والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرا فيما جاوز الكفين أن الله لم يحد في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدا لا يجوز التقصير عنه , فما مسح المتيمم من يديه أجزأه , إلا ما أجمع عليه , أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه , وقد أجمع الجميع على أن ا
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ﴿٤٤﴾
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه: " ألم تر إلى الذين ". فقال قوم: معناه: ألم تخبر؟
* * *
وقال آخرون: معناه ألم تعلم؟ (151)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: ألم تر بقلبك، يا محمد، علمًا (152) " إلى الذين أوتوا نصيبًا ". وذلك أن " الخبر " و " العلم " لا يجليان رؤية، ولكنه رؤية القلب بالعلم. فذلك كما قلنا فيه. (153)
* * *
وأما تأويل قوله: " إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب "، فإنه يعني: إلى الذين أعطوا حظَّا من كتاب الله فعلموه (154)
وذكر أن الله عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك:
9687 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل "، فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة.
9688 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " إلى قوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، قال: نـزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي. (155)
9689 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق &; 8-428 &; قال، (156) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود = إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: " راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك "! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنـزل الله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة " إلى قوله: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (157)
9690 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، (158) بإسناده، عن ابن عباس، مثله.
* * *
القول في تأويل قوله : يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) ، اليهود الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، يختارون الضلالة = وذلك: الأخذ على غير طريق الحقّ، وركوبُ غير سبيل الرشد والصواب، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهج الحق. (159) وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة: مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم الإيمان به، وهم عالمون أنّ السبيل الحقَّ الإيمانُ به، &; 8-429 &; وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم.
* * *
وأما قوله: ( وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) ، يعني بذلك تعالى ذكره: ويريد هؤلاء اليهود الذين وصَفهم جل ثناؤه بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب = (أَنْ تَضِلُّوا) أنتم، يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، المصدقين به = ( أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) ، يقول: أن تزولوا عن قصد الطريق ومَحَجَّة الحق، فتكذبوا بمحمد، وتكونوا ضلالا مثلهم.
وهذا من الله تعالى ذكره تحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين، أن يستنصحوا أحدًا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم، أو أن يسمعوا شيئًا من طعنهم في الحق.
* * *
---------------
الهوامش :
(151) انظر تفسير"ألم تر" فيما سلف 3: 160 / 5: 429 ، 430 / 6: 288 = ومعاني القرآن للفراء 1: 270.
(152) في المخطوطة: "ألم تر بعلمك" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المبطوعة.
(153) في المطبوعة والمخطوطة: "لذلك" ، وصواب السياق ما أثبت.
(154) انظر تفسير"الإيتاء" في فهارس اللغة = وتفسير"النصيب" فيما سلف 4: 206 / 6: 288 / 8: 274.
(155) هكذا في المخطوطة أيضًا"رفاعة بن زيد بن السائب" ، وسترى أنه: "... بن زيد بن التابوت" في الأثر التالي ، وأسماء يهود مشكلة ، فلم أستطع أن أقطع بخطئها ، فلعل"السائب" اسم جده ، ولقبه"التابوت".
(156) كان في المطبوعة والمخطوطة: "عن أبي إسحاق" ، وهو خطأ فاحش.
(157) الأثر: 9689 - سيرة ابن هشام 2: 209 ، وهو تال للأثر السالف رقم: 9501.
(158) في المطبوعة وحدها: "عن أبي إسحاق" ، والمخطوطة صواب هنا.
(159) انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف 1: 312-315 / 2: 340-342 ، 455 / 3: 328 / 6: 527 = وتفسير"الضلالة" 1: 195 ، 313 / 2: 495 ، 496 / 6: 66 ، 500 ، 584 / 7: 369.
وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا ﴿٤٥﴾
القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم، فقال جل ثناؤه: =" والله أعلم بأعدائكم "، يعني بذلك تعالى ذكره: والله أعلم منكم بعداوَة هؤلاء اليهود لكم، أيها المؤمنون. يقول: فانتهوا إلى طاعتي فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، (1) فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغشِّ والعداوة والحسد، وأنهم إنما يبغونكم الغوائل، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحق فتهلكوا.
* * *
وأما قوله: " وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا "، فإنه يقول: فبالله، أيها المؤمنون، فثقوا، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا، دون غيره، يكفكم مهمَّكم، وينصركم على أعدائكم =" وكفى بالله وليًّا "، يقول: وكفاكم وحسْبكم بالله ربكم وليًّا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزّكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصدّوكم عن اتباع نبيكم (2)
" وكفى بالله نصيرًا "، يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج. (3)
----------------
الهوامش :
(1) في المخطوطة: "مما نهيتكم عنه" ، وفي المطبوعة: "عما نهيتكم عنه" ، والصواب ما أثبت.
(2) انظر تفسير: "الولي" فيما سلف 2: 489 ، 564 / 5: 424 / 6: 142 ، 313 ، 497.
(3) انظر تفسير"النصير" فيما سلف 2: 489 ، 564 / 5: 581 / 6: 443 ، 449.
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٤٦﴾
القول في تأويل قوله : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ
قال أبو جعفر: ولقوله جل ثناؤه: " من الذين هادوا يحرفون الكلم "، وجهان من التأويل.
أحدهما: أن يكون معناه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ =" من الذين هادوا يحرفون الكلم "، فيكون قوله: " من الذين هادوا " من صلة " الذين ". وإلى هذا القول كانت عامة أهلِ العربية من أهل الكوفة يوجِّهون قوله: " من الذين هادوا يحرِّفون ". (4)
* * *
والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يُحرِّف الكلم عن مواضعه، فتكون " مَن " محذوفة من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله: " من الذين هادوا "، عليها. وذلك أن " مِن " لو ذكرت في الكلام كانت بعضًا ل " مَن "، فاكتفى بدلالة " مِنْ"، عليها. والعرب تقول: " منا من يقول ذلك، ومِنا لا يقوله "، (5) بمعنى: منا &; 8-431 &; من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله = فتحذف " مَن " اكتفاء بدلالة " مِنْ" عليه، كما قال ذو الرمة:
فَظَلُّــوا, وَمِنْهُـمْ دَمْعُـهُ سَـابِقٌ لَـهُ
وَآخَـرُ يَثْنِـي دَمْعَـةَ العَيْـنِ بِـالهَمْلِ (6)
يعني: ومنهم مَن دمعه، وكما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [سورة الصافات: 164]. وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجِّهون تأويل قوله: " من الذين هادوا يحرفون الكلم "، غير أنهم كانوا يقولون: المضمر في ذلك " القوم "، كأن معناه عندهم: من الذين هادوا قوم يحرِّفون الكلم، ويقولون: نظير قول النابغة:
كَــأَنَّكَ مِــنْ جِمَــالِ بَنِـي أُقَيْشٍ
يُقَعْقَــعُ خَــلْفَ رِجْلَيْــهِ بِشَــنِّ (7)
يعني: كأنك جمل من جمال أقيش.
فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع " مِن " إلا " مَن " أو ما أشبهها. (8)
* * *
قال أبو جعفر: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك: قول من قال: قوله: " من الذين هادوا "، من صلة ( الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) ، لأن الخبرين جميعًا والصفتين، من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصفَ الله صفتهم في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) وبذلك جاء تأويلُ أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام = إذ كان الأمر كذلك = إلى أن يكون فيه متروك.
* * *
وأما تأويل قوله: " يُحَرِّفون الكلِمَ عن مواضعه "، (9) فإنه يقول: يبدِّلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله.
* * *
و " الكلم " جماع " كلمة ".
* * *
وكان مجاهد يقول: عنى بـ " الكلم "، التوراة.
9691 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يحرفون الكلم عن مواضعه "، تبديل اليهود التوراة.
9692 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وأما قوله: " عن مواضعه "، فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.
* * *
القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
يعني بذلك جل ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا، يا محمد، قولك، وعصينا أمرك، كما:-
9693 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " سمعنا وعصينا "، قال: قالت اليهود: سمعنا ما نقول ولا نطيعك.
9694 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9695 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9696 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " سمعنا وعصينا "، قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.
* * *
القول في تأويل قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه: " اسمع، لا أسمعَك الله "، كما:-
9697 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واسمع غير مسمع "، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان: &; 8-434 &; " اسمع لا سمعت "، أذًى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمًا له واستهزاءً.
9698 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " واسمع غير مسمع " قال: يقولون لك: " واسمع لا سمعت ".
وقد روي عن مجاهد والحسن: أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك.
= ولو كان ذلك معناه لقيل: " واسمع غير مسموع "، ولكن معناه: واسمع لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ، فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم، والطعن في الدين بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما:-
9699 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، قال: غير مُسْتمع - قال ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " واسمع غير مسمع "، غير مقبول ما تقول.
9700 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9701 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " واسمع غير مسمع "، قال: كما تقول اسمع غير مَسْموع منك.
9702 - وحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان ناس منهم يقولون: " واسمع غير مسمع "، كقولك: اسمع غير صاغِرٍ. (10)
* * *
القول في تأويل قوله : وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله: " وراعنا "، أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في" سورة البقرة " بأدلته، بما فيه الكفاية عن إعادته. (11)
* * *
ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليًّا بألسنتهم "، يعني تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، (12) واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنًا في الدين، كما:-
9703 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: " راعنا سمعك "! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: (13) " راعنا سمعك " =" ليًّا بألسنتهم " والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك =" وطعنًا في الدين ".
9704 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " راعنا ليًّا بألسنتهم "، كان &; 8-436 &; الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك "! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه.
9705 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أييه، عن ابن عباس: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، إلى " وطعنًا في الدين "، فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون في الدين.
9706 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين "، قال: " راعنا "، طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه، ويكذبوه. قال: و " الرَّاعن "، الخطأ من الكلام. (14)
9707 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: " ليا بألسنتهم "، قال: تحريفًا بالكذب.
* * *
القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: " سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا " =" لكان خيرًا لهم وأقوم "، يقول: لكان ذلك خيرًا لهم عند الله =" وأقوم "، يقول: وأعدل وأصوبَ في القول.
* * *
وهو من " الاستقامة " من قول الله: وَأَقْوَمُ قِيلا [سورة المزمل: 6]، بمعنى: وأصوبُ قيلا (15) كما:-
9708 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم "، قال: يقولون اسمع منا، فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.
9709 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد قوله: " وانظُرنا "، قال: اسمع منا.
9710 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " وانظرنا "، قال: أفهمنا.
9711 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،" وانظرنا "، قال: أفهمنا.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة، من توجيههما معنى: " وانظرنا " إلى: " اسمع منا " = وتوجيه مجاهد ذلك إلى " أفهمنا " = فما لا نعرف في كلام العرب، (16) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى " أفهمنا " ، انتظرنا نفهم ما تقول = أو: انتظرنا نقل حتى تسمع منا = فيكون ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غير تأويلٍ للكلمة ولا تفسير لها. (17) ولا نعرف: " انظرنا " في كلام العرب، (18) إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا = فأما " انظرنا " بمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:
وَقَــدْ نَظَــرْتُكُمُ لَــوْ أَنَّ دِرَّتَكُـمْ
يَوْمًـا يَجِـيء بهـا مَسْـحِي وَإِبْسَاسِي (19)
وأما " انظرنا "، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:
ظَـاهِرَاتُ الجَمـالِ وَالحُسْـنِ يَنْظُرْنَ
كَمَـــا يَنْظُـــرُ الأَرَاكَ الظِّبَــاءُ (20)
بمعنى: كما ينظر إلى الأراك الظباء. (21)
* * *
القول في تأويل قوله : وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (46)
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخْزَى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية، فأقصاهم وأبعدهم من الرشد واتباع الحق (22) =" بكفرهم "، يعني: بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات =" فلا يؤمنون إلا قليلا "، يقول: فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرُّون بنبوته =" إلا قليلا "، يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به، يا محمد، إلا إيمانًا قليلا كما:-
9712 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فلا يومنون إلا قليلا "، قال: لا يؤمنون هم إلا قليلا.
قال أبو جعفر: وقد بيّنا وجه ذلك بعلله في" سورة البقرة ". (23)
---------------------
الهوامش :
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1: 271.
(5) في المطبوعة: "والعرب تقول: منا من يقول ذلك" بزيادة"من" وهو خطأ ، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فكان فيها: "والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله" وهو من عبث الناسخ وإسقاطه.
(6) ديوانه 485 ، وقبله: مع اختلاف الرواية:
بَكَـيْتُ عَـلَى مَـيٍّ بِهَـا إذْ عَرَفْتُهَـا
وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي
فَظَلُّــوا وَمِنْهُـمْ دَمْعُـهُ غَـالِبٌ لَـهُ
وَآخَـرُ يَثْنِـي عَـبْرَةَ العَيْـنِ بـالهَمْلِ
وَهَـلْ هَمَـلانُ الْعَيْـنِ رَاجِعُ مَا مَضَى
مِـنَ الوَجْـدِ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي
وكان في المطبوعة: "يذري دمعة العين بالمهل" وهو خطأ ، وتغيير من الطابع ، وفي المخطوطة"يثني" كما في الديوان.
وقوله: "يثني دمعة العين" ، أي يرد هملانها. وقوله: "بالهمل" متعلق بقوله"دمعة" ووضع"دمعة" هنا مصدرًا لقوله: "دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا" ، وزاده هو"دمعة" على وزن"رحمة" في المصادر = وكذلك في رواية"عبرة" ، كلاهما مصدر ، ولم تثبته كتب اللغة. يقول: وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا ، يعني: لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا.
(7) مضى تخريجه فيما سلف 1: 179 ، تعليق: 2 ، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان ، فأثبته.
(8) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 271.
(9) انظر تفسير"التحريف" فيما سلف 2: 248 ، 249.
(10) في المطبوعة: "غير صاغ" ، والصواب من المخطوطة.
(11) انظر ما سلف 2: 459-467.
(12) انظر تفسير"اللي" و"اللي بالألسنة" فيما سلف 6: 535-537.
(13) في المخطوطة والمطبوعة: "فكان في اليهود قبيحة فقال" ، وهو كلام لا يستقيم البتة ، وصوابه الذي لا شك فيه ما أثبت ، وانظر كونها كلمة قبيحة لليهود في 2: 460.
(14) انظر القول في"الراعن" فيما سلف 2: 465 ، 466.
(15) انظر تفسر"أقوم" فيما سلف 6: 77 ، 78.
(16) في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا نعرف" بغير فاء ، ولكني زدتها لأنها أعرق في العربية وأقوم للسياق.
(17) في المخطوطة والمطبوعة: "غير تأويل الكلمة" والصواب ما أثبت.
(18) في المطبوعة: "فلا نعرف" بالفاء ، والأجود ما في المخطوطة ، كما أثبته.
(19) ديوانه: 52 ، والكامل 1: 351 ، وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت ، وأثبته على حاله ، لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره ، ودليل على حفظه الشعر ، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط فإن هذه القصيدة ، هي التي هجا بها الزبرقان بن بدر ، ومدح بغيض ابن عامر ، والتي شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه ، يقول للزبرقان لما غضب حين استضافه بغيض:
مَـا كـانَ ذَنْـبُ بَغِيـض لا أَبَــا لَكُمُ
فِـي بَــائِسٍ جَـاءَ يَحْـدُو آخِرَ الناسِ
لَقَــدْ مَــرَيْتُكُمُ لَــوْ أَنَّ دِرَّتكُــمْ
يَوْمًـا يجِـيءُ بِهَـا مَسْـحِي وَإبْسَاسِي
وَقَــدْ مَدَحْــتُكُمْ عَمْـدًا لأُرْشِــدَكُمْ
كَيْمَـا يَكُــونَ لَكُـمْ مَتْحٍـي وَإمْرَاسِي
ثم يليه بيت الشاهد الذي كان ينبغي أن يذكره هنا أبو جعفر ، كما ذكره فيما سلف في تفسير"انظرنا" من سورة البقرة 2: 467 ، 468 وقد شرحته هناك. ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه ، لألغيت البيت المذكور في المتن ، ولوضعت هذا البيت:
وَقَــدْ نَظَــرْتُكُمُ أَعْشَـاءَ صَـادِرَةٍ
لِلْخِـمْسِ طَـالَ بِهَـا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي
وقوله: "لقد مريتكم" من قولهم: "مري الناقة يمريها مريًا": إذا مسح ضرعها لتدر. و"الدرة": الدفعة من اللبن و"المسح" مسح الضرع للحلب. و"الإبساس": هو صوت الراعي ، يلينه لناقته عند الحلب لتسكن ويسهل حلبها. يقول: لقد ترفقت لكم ، أستخرج خيركم بالمديح الرقيق والقول اللين ، فلم ألمق خيرًا ، ولم تجودوا به.
وكان في المخطوطة: "يجيء به" وهو خطأ.
(20) ديوانه: 171 ، من قصيدته التي فخر فيها بقريش ، ومدح مصعب بن الزبير ، وذكر نساء عبد شمس بن عبد مناف فقال:
وَحِسَــانٌ مِثْـلُ الــدُّمَي عَبْشَـمِيَّاتٌ
عَلَيْهِــــن بَهْجَـــةٌ وَحَيَـــاءُ
لا يَبِعْـنَ العِيَـابَ فـي مَوْسِـمٍ النَّاسِ
إذَا طَـــافَ بِالعِيـــابِ النِّسَــاءُ
ظَـاهِرَاتُ الجَمَـالِ والسَّـرْو ........
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و"السرو": الشرف وكرم المحتد. وهي أجود الروايتين ، وقوله: "كما ينظر الأراك الظباء" ، من حسن التشبيه ، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد. وما يكون للمرء من شمائل وسمت وهيأة. ويعني أنهن قد ينصبن أجيادهن ، كأنهن ظباء تعطو الأراك لتناله. وذلك أظهر لجمال أجيادهن ، وحركتهن. والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير.
(21) انظر تفسير نظيرة هذه الكلمة من آية البقرة: "وقولوا انظرنا" 2: 467 - 469.
(22) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 / 3: 254 ، 261 / 6: 577.
(23) يعني تفسير قوله تعالى"فقليلا ما يؤمنون" 2: 329 - 331.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ﴿٤٧﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب "، اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنـزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به ="آمنوا " يقول: صدِّقوا بما نـزلنا إلى محمد من الفرقان =" مصدقًا لما معكم "، يعني: محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنـزلتها إلى موسى بن عمران =" من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: " طمسه إياها ": محوه آثارها حتى تصير كالأقْفَاء.
وقال آخرون: معنى ذلك أن نطمس أبصارها فنصيّرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر " الوجه "، والمراد به بصره =" فنردّها على أدبارها "، فنجعل أبصارَها من قبل أقفائها.
*ذكر من قال ذلك:
9713 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا " إلى قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا "، وطمسها: أن تعمى =" فنردها على أدبارها "، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.
9714 - حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبْدي قال، حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: " من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، قال: نجعلها في أقفائها، فتمشي على أعقابها القهقرى. (24)
9715 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، بنحوه = إلا أنه قال: طمْسُها: أن يردَّها على أقفائها.
9716 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " فنردها على أدبارها "، قال: نحوِّل وجوهها قِبَل ظهورها.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك (25) من قبل أن نعمي قومًا عن الحق =" فنردها على أدبارها "، في الضلالة والكفر.
*ذكر من قال ذلك:
9717 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، فنردها عن الصراط، عن الحق (26) =" فنردها على أدبارها "، قال: في الضلالة.
9718 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أن نطمس وجوهًا " عن صراط الحق =" فنردها على أدبارها "، في الضلالة.
9719 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
9720 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، الحسن: " نطمس وجوهًا "، يقول: نطمسها عن الحق =" فنردها على أدبارها "، على ضلالتها.
9721 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب " إلى قوله: كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ، قال: نـزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع. أما " أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، يقول: فنعميها عن الحق ونُرجعها كفارًا.
9722 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها =" فنردها على أدبارها "، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. (27)
*ذكر من قال ذلك:
9723 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، قال: كان أبي يقول: إلى الشأم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " من قبل أن نطمس وجوهًا "، فنمحو أثارها ونسوِّيها =" فنردها على أدبارها "، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. (28)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى قوله: " من قبل أن نطمس وجوها "، من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء =" فنردها على أدبارها "، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.
* * *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب: لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، (29) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا.
* * *
وإذْ كان ذلك كذلك، فبيّنٌ فساد قول من قال: تأويل ذلك: أن نعمِيها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجْه ردِّ من هو في الضلالة فيها؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجًا منه. فأما من هو فيه، فلا وجه لأن يقال: " نرده فيه ".
* * *
وإذْ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدَّد للذين ذكرهم في هذه الآية بردّه وجوهَهم على أدبارهم = كان بيّنًا فساد تأويل من قال: معنى ذلك: يهددهم بردِّهم في ضلالتهم.
* * *
وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من قبل أن نجعل الوجوه منابتَ الشعر كهيئة وجوه القردة، فقولٌ لقول أهل التأويل مخالف. وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين، على خطئه شاهدًا.
* * *
وأما قول من قال: معناه: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها، فنردّهم إلى الشأم من مساكنهم بالحجاز ونجدٍ، فإنه = وإن كان قولا له وجه = مما يدل عليه ظاهر التنـزيل بعيد. (30) وذلك أن المعروف من " الوجوه " في كلام العرب، التي هي خلاف " الأقفاء "، وكتاب الله يُوَجَّه تأويله إلى الأغلب في كلام مَن نـزل بلسانه، حتى يدلّ على أنه معنيٌّ به غير ذلك من الوجوه، الذي يجب التسليم له. (31)
* * *
وأما " الطمس "، فهو العُفُوّ والدثور في استواء. منه يقال: " طمست أعلام الطريق تطمِسُ طُموسًا "، إذا دثرت وتعفَّت، فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير:
مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحَـةِ الذِّفْرَى إذَا عَرقَتْ
عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأعْـلام مَجْهُولُ (32)
يعني: " طامس الأعلام "، دائر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي &; 8-445 &; قد تعفَّى غَرُّ ما بين جفني عينيه فدثر: (33) " أعمى مطموس، وطمْيس "، كما قال الله جل ثناؤه: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ [سورة يس: 66].
* * *
= قال أبو جعفر: " الغَرُّ"، الشقّ الذي بين الجفنين. (34)
* * *
فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية، فهل كان ما توعَّدهم به؟ (35)
قيل: لم يكن، لأنه آمن منهم جماعة، منهم: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، (36) وأسد بن عبيد، ومُخَيْرِق، (37) وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم.
ومما يبين عن أن هذه الآية نـزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما:-
9724 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير= وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = جميعًا، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد &; 8-446 &; مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! (38) فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر، فأنـزل الله فيهم: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، الآية (39)
9725 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلامَ كعبٍ، (40) فقال: أسلم كعب في زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمرّ على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم! قال: ألستم تقرأون في كتابكم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [سورة الجمعة: 5]؟ وأنا قد حملت التوراة! قال: فتركه. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال: فسمع رجلا من أهلها حزينًا وهو يقول: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، الآية. فقال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.
* * *
القول في تأويل قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (47)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أو نلعنهم "، أو نلعنكم فنخزيكم ونجعلكم قردة =" كما لعنا أصحاب السبت "، يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم. (41) قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله: آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ، كما قال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [سورة يونس: 22]. (42)
وقد يحتمل أن يكون معناه: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ، أو نلعن أصحاب الوجوه = فجعل " الهاء والميم " في قوله: " أو نلعنهم "، من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك:
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
9726 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلى قوله: " أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت "، أي: نحوّلهم قردة.
9727 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، يقول: أو نجعلهم قردة.
9728 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، أو نجعلهم قردة.
9729 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، قال: هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت. (43)
* * *
وأما قوله: " وكان أمر الله مفعولا "، فإنه يعني: وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و " الأمر " في هذا الموضع: المأمور = سمي" أمر الله "، لأنه عن أمره كان وبأمره.
والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا.
----------------
الهوامش :
(24) الأثر: 9714 -"أبو العالية ، إسماعيل بن الهيثم العبدي" ، لم نجده ، وانظر ما سلف رقم: 9365 ، 9366.
و"أبو قتيبة" هو: سلم بن قتيبة ، مضت ترجمته برقم: 1899 ، 1924 ، 9365.
(25) في المطبوعة ، أسقط: "بل".
(26) في المطبوعة: "عن الصراط الحق" ، أسقط"عن" الثانية.
(27) في المطبوعة: "بدءًا من الشام" ، وأثبت في المخطوطة ، وكلتاهما صواب. و"بديًا" ، في بدء أمرهم. وتفسير"الوجوه" هنا: النواحي.
(28) هو الفراء في معاني القرآن 1: 272.
(29) السياق: ثم حذرهم... بأسه وسطوته...
(30) في المطبوعة: "كما يدل عليه" ، وفيه خطأ ، وفي المخطوطة: "كما يدل على" وفيه خطآن. والصواب ما أثبت.
(31) في المطبوعة: "من الوجوه التي ذكرت ، دليل يجب التسليم له" ، زاد فيما كان في المخطوطة لتستقيم الجملة ، وكان فيها: "من الوجوه التي يجب التسليم له" والأمر أهون من ذلك ، أخطأ فكتب"التي" مكان"الذي" ، وهو حق السياق.
(32) سلف البيت وتخريجه في 4: 424 ، تعليق: 4.
(33) في المطبوعة: "الذي قد تعفى ما بين جفني..." حذف"غر" ، لأنه لم يحسن قراءتها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وانظر شرح أبي جعفر لكلمة"غر" ، والتعليق عليه بعد.
(34) في المطبوعة: (العراسق الذي بين الخفين) ، واستدرك عليه الناشر الأول ، وكتب فيه خلطًا شديدًا ، نقله عنه آخرون!! وأما المخطوطة التي لم يحسن الناشر قراءتها فكان فيها: العرالسق الذي بين الخفين" كله غير منقوط ، وصوابه قراءته ما أثبت. وأصل ذلك أن"الغر" (بفتح الغين وتشديد الراء) هو الشق في الأرض. و"الغر" أيضًا: الكسر يكون في الثوب ، والغضون في الجلد ، وهو مكاسر الجلد ، ومنه قليل: "اطو الثوب على غره" أي على كسره. وقد جاءت هذه الكلمة في تفسير أبي جعفر 23: 17 ، 18 مصحفة بالزاي: "والطمس على العين هو أن لا يكون بين جفني العين (غز) ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين". وانظر شرح ابن إسحاق في سيرته 2: 210: "المطموس العين: الذي ليس بين جفنيه شق".
فتبين من هذا صحة قراءتنا وصوابها ، وخلط من لا يحسن أن يخلط ، فضلا عن أن يصيب!!
(35) "كان" هنا تامة ، بمعنى: وقع وحدث.
(36) في المطبوعة والمخطوطة: "أسد بن سعية" وعند ابن إسحاق: "أسيد بن سعية" (بفتح الألف وكسر السين). والاختلاف في اسمه واسم أبيه كثير.
(37) لم أجد"مخيرق" في غير هذا الموضع ، وهو في سائر الكتب وفي ترجمته"مخيريق" ، والاختلاف في أسماء بني إسرائيل كثير. فتركته على حاله هنا ، لأنه هكذا ثبت في المخطوطة.
(38) في المخطوطة: "الذي حكم به لحق" ، وفي هامش النسخة بخط عتيق: "الصواب: بعثت" ، وأخطأ من كتب ، فالصواب ما في المطبوعة ، وهو نص سيرة ابن هشام.
(39) الأثر 9724 - سيرة ابن هشام 2: 209 ، وهو تابع الأثر السالف: 9689 ، 9690.
(40) يعني"كعب الأحبار".
(41) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف قريبًا ص: 439 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(42) انظر ما سلف 1: 154 / 3: 304 ، 305 / 6: 238 ، 464 ، ومواضع أخرى كثيرة فيما سلف.
(43) انظر خبر"أصحاب السبت" فيما سلف 2: 166 - 175.