At-Tabari
· Al-An'aamOuvrir dans le lecteurوَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " وهو القاهر "، والله الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته, (12) لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم، المذلَّل المعْلُوّ عليه لذلته (13) =" ويرسل عليكم حفظة "، وهي ملائكته الذين يتعاقبونكم ليلا ونهارًا, يحفظون أعمالكم ويحصونها, ولا يفرطون في حفظ ذلك وإحصائه ولا يُضيعون. (14)
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13323 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " ويرسل عليكم حفظة "، قال: هي المعقبات من الملائكة, يحفظونه ويحفظون عمله.
13324 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، يقول: حفظة، يا ابن آدم، يحفظون عليك عملك ورزقك وأجلك، إذا توفَّيت ذلك قبضت إلى ربك =" حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم برسل يعقِّب بينها، يرسلهم إليكم بحفظكم وبحفظ أعمالكم، إلى أن يحضركم الموت، وينـزل بكم أمر الله, فإذا جاء ذلك أحدكم، توفاه أملاكنا الموكَّلون بقبض الأرواح، ورسلنا المرسلون به =" وهم لا يفرطون "، في ذلك فيضيعونه. (15)
* * *
فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت, فكيف قيل: " توفته رسلنا "،" والرسل " جملة وهو واحد ؟ أو ليس قد قال: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [سورة السجدة: 11] ؟
قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده, فيتولون ذلك بأمر ملك الموت, فيكون " التوفي" مضافًا = وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت = إلى ملك الموت (16) إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتلُ من قتل أعوانُ السلطان وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان, وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده.
* * *
وقد تأول ذلك كذلك جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13325 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم في قوله: " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، قال: كان ابن عباس يقول: لملك الموت أعوانٌ من الملائكة.
13326- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس, عن الحسن بن عبيد الله في قوله: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، قال: سئل ابن عباس عنها فقال: إن لملك الموت أعوانًا من الملائكة .
13327 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم في قوله: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، قال: أعوان ملك الموت.
13328- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، قال: الرسل توفَّى الأنفس, ويذهب بها ملك الموت.
13329 - حدثنا هناد قال، حدثنا حفص, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم, عن ابن عباس: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون "، أعوان ملك الموت من الملائكة. (17)
13330- [حدثنا هناد قال، حدثنا حفص, عن الحسن بن عبيد الله, عن ابن عباس : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " . قال: أعوان ملك الموت من الملائكة]. (18)
13331- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم: " توفته رسلنا " ، قال: هم الملائكة أعوان ملك الموت .
13332 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " توفته رسلنا " ، قال: إن ملك الموت له رسل، فيرسل ويرفع ذلك إليه = وقال الكلبي: إن ملك الموت هو يلي ذلك, فيدفعه، إن كان مؤمنًا، إلى ملائكة الرحمة, وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذاب .
13333 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " توفته رسلنا " ، قال: يلي قبضَها الرسل, ثم يدفعونها إلى ملك الموت .
13334 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن منصور عن إبراهيم في قوله: " توفته رسلنا " ، قال: تتوفاه الرسل, ثم يقبض منهم ملك الموت الأنفس = قال الثوري: وأخبرني الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم قال: هم أعوان لملك الموت = قال الثوري: وأخبرني رجل، عن مجاهد قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء, وجعلت له أعوان يتوفَّون الأنفس ثم يقبضها منهم.
13335 حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم, عن ابن عباس في قوله: " توفته رسلنا "، قال : أعوان ملك الموت من الملائكة .
13336 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم قال: الملائكة أعوان ملك الموت .
13337- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: " توفته رسلنا " ، قال: يتوفونه, ثم يدفعونه إلى ملك الموت .
13338 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه قال : سألت الربيع بن أنس عن ملك الموت, أهو وحده الذي يقبض الأرواح ، قال: هو الذي يلي أمرَ الأرواح, وله أعوان على ذلك, ألا تسمع إلى قول الله تعالى ذكره: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ؟ [سورة الأعراف: 37] . وقال: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، غير أن ملك الموت هو الذي يسير كل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قلت: أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال: عند السدرة في الجنة .
13339- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا محمد بن مسلم, عن إبراهيم بن ميسرة, عن مجاهد قال: ما من أهل بيت شَعَرٍ ولا مَدَرٍ إلا وملك الموت يُطيف بهم كل يوم مرتين .
* * *
وقد بينا أن معنى " التفريط"، التضييع, فيما مضى قبل. (19) وكذلك تأوله المتأوّلون في هذا الموضع .
13340- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وهم لا يفرطون "، يقول: لا يضيعون.
13341 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهم لا يفرطون "، قال: لا يضيعون .
----------------------
الهوامش :
(12) انظر تفسير"القاهر" فيما سلف ص: 288.
(13) في المطبوعة: "المغلوب عليه لذلته" وهو خطأ وسوء تصرف ، والذي في المخطوطة هو الصواب.
(14) انظر تفسير"الحفظ" بمعانيه فيما سلف 5: 167/8 : 296 ، 297 ، 562/10 : 343 ، 562.
(15) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف ص: 405 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(16) السياق: "فيكون التوفي مضافًا . . . إلى ملك الموت".
(17) الأثر: 13329 - كان تفسير هذه الآية في هذا الخبر: "قال: الرسل توفى الأنفس ، ويذهب بها ملك الموت" ، وهذا مخالف كل المخالفة لما في المخطوطة ، فأثبت ما فيها ، وكأنه الصواب إن شاء الله.
(18) الأثر: 13330 - هذا الأثر ليس في المخطوطة ، ولذلك وضعته بين قوسين ، وظني أنه تكرار من تصرف ناسخ ، فإن إسناده إسناد الذي قبله ، إلا أنه ليس فيه"عن إبراهيم" بين"الحسن بن عبيد الله" و"ابن عباس".
(19) انظر تفسير"التفريط" فيما سلف ص: 345 ، 346.
ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ ﴿٦٢﴾
القول في تأويل قوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم ردت الملائكة الذين توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم، إلى الله سيدهم الحق، (20) " ألا له الحكم "، يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه (21) =" وهو أسرعُ الحاسبين "، يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم، أيها الناس, وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها, (22) لأنه لا يحسب بعقد يد, ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية, و لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (23) [سورة سبأ: 3].
----------------------------
الهوامش :
(20) انظر تفسير"المولى" فيما سلف 6: 141/7 : 278 ، وغيرها من فهارس اللغة مادة (ولي).
(21) انظر تفسير"الحكم" فيما سلف 9: 175 ، 324 ، 462.
(22) انظر تفسير"الحساب" فيما سلف: 207 ، 274 ، 275/6 : 279.
(23) هذا تضمين آية"سورة سبأ": 3.
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٦٣﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين إلى عبادة أوثانهم: من الذين ينجيكم =" من ظلمات البر "، إذا ضللتم فيه فتحيَّرتم، فأظلم عليكم الهدى والمحجة = ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه، فأخطأتم فيه المحجة، فأظلم عليكم فيه السبيل، فلا تهتدون له = غير الله الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء (24) =" تضرعًا "، منكم إليه واستكانة جهرًا (25) =" وخفية "، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا, وإعلانًا وإظهارًا تقولون: لئن أنجيتنا من هذه يا رب (26) = أي من هذه الظلمات التي نحن فيها =" لنكونن من الشاكرين "، يقول: لنكونن ممن يوحدك بالشكر، ويخلص لك العبادة، دون من كنا نشركه معك في عبادتك.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13342 - حدثني محمد بن سعيد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية "، يقول: إذا أضل الرجل الطريق، دعا الله: " لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ". (27)
13343 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر " ، يقول: من كرْب البر والبحر.
-----------------
الهوامش :
(24) في المطبوعة: "الذي مفزعكم" ، والصواب من المخطوطة.
(25) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف ص: 355.
(26) في المطبوعة والمخطوطة ، كان نص الآية {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ} وهي قراءة باقي السبعة ، وقراءتنا المثبتة في مصحفنا هي قراءة الكوفيين. وقد جرى أبو جعفر في تفسيره على قراءة عامة الناس ، ولم يشر إلى قراءتنا ، وجرى على ذلك في تفسيره الآية. وقال القرطبي: قرأ الكوفيون"لئن أنجانا" ، واتساق المعنى بالتاء ، كما قرأ أهل المدينة والشام.
وانظر معاني القرآن للفراء 1: 338. وظني أن أبا جعفر قد اختصر التفسير في هذا الموضع اختصارًا شديدًا ، فترك كثيرًا كان يظن به أن يقوله.
(27) تركت الخبر على قراءة الناس لا قراءتنا في مصحفنا.
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾
القول في تأويل قوله : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم سواه من الآلهة، إذا أنت استفهمتهم عمن به يستعينون عند نـزول الكرب بهم في البر والبحر: الله القادرُ على فَرَجكم عند حلول الكرب بكم, ينجيكم من عظيم النازل بكم في البر والبحر من همّ الضلال وخوف الهلاك، ومن كرب كل سوى ذلك وهمّ = لا آلهتكم التي تشركون بها في عبادته, ولا أوثانكم التي تعبدونها من دونه, التي لا تقدر لكم على نفع ولا ضرّ, ثم أنتم بعد تفضيله عليكم بكشف النازل بكم من الكرب، ودفع الحالِّ بكم من جسيم الهم، تعدلون به آلهتكم وأصنامكم، فتشركونها في عبادتكم إياه. وذلك منكم جهل بواجب حقه عليكم، وكفر لأياديه عندكم، وتعرضٌ منكم لإنـزال عقوبته عاجلا بكم.
قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان، يا محمد: إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كل كرب، ثم تعودون للإشراك به, هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم, لشرككم به، وادّعائكم معه إلهًا آخر غيره، وكفرانكم نعمه، مع إسباغه عليكم آلاءه ومِنَنه.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في معنى " العذاب " الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم.
فقال بعضهم: أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم، فالرجم. وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم، فالخسف.
* ذكر من قال ذلك:
13344 - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: عذابًا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، قال: الخسف. (28)
13345 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن الأشجعي, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك وسعيد بن جبير, مثله .
13346 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سلمة, عن شبل, عن ابن نجيح, عن مجاهد: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال الخسف .
13347 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم "، فعذاب السماء =" أو من تحت أرجلكم "، فيخسف بكم الأرض .
13348 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " قال: كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر: ألا أيها الناس، إنه نـزل بكم. إن الله يقول: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم "، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد =" أو من تحت أرجلكم "، لو خسف بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحد = أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، ألا إنه نـزل بكم أسوأ الثلاث. (29)
* * *
وقال آخرون: عنى بالعذاب من فوقكم، أئمةَ السوء =" أو من تحت أرجلكم "، الخدم وسِفلة الناس.
* ذكر من قال ذلك:
13349 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت خلادًا يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء = وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء. (30)
13350- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، يعني من أمرائكم =" أو من تحت أرجلكم "، يعني: سفلتكم .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: عنى بالعذاب من فوقهم، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينـزل عليهم من فوق رؤوسهم = ومن تحت أرجلهم، الخسفَ وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى " فوق " و " تحت " الأرجل, هو ذلك، دون غيره. وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح, غير أن الكلام إذا تُنُوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها.
* * *
القول في تأويل قوله : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو يخلطكم =" شيعًا "، فرقًا, واحدتها " شِيعة ".
* * *
وأما قوله: " يلبسكم " فهو من قولك: " لبَسْت عليه الأمر ", إذا خلطت," فأنا ألبِسه ". وإنما قلت إن ذلك كذلك, لأنه لا خلاف بين القرأة في ذلك بكسر " الباء ", ففي ذلك دليل بَيِّنٌ على أنه من: " لبَس يلبِس ", وذلك هو معنى الخلط. وإنما عنى بذلك: أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا مفترقة. (31)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13351 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أو يلبسكم شيعًا "، الأهواء المفترقة.
13352- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: يفرق بينكم.
13353- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: ما كان منكم من الفتن والاختلاف. (32)
13354 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف، والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا .
13355 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي, قال : حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: الأهواء والاختلاف.
13356- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أو يلبسكم شيعًا "، يعني بالشيع، الأهواء المختلفة .
* * *
وأما قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض "، فإنه يعني: بقتل بعضكم بيد بعض.
* * *
والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلام فيقتله به: " قد أذاق فلان فلانًا الموت "، و " أذاقه بأسه "، وأصل ذلك من: " ذوق الطعام " وهو يطعمه, ثم استعمل ذلك في كل ما وصل إلى الرجل من لذة وحلاوة، أو مرارة ومكروه وألم. (33)
* * *
وقد بينت معنى " البأس " في كلام العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (34)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13357- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، بالسيوف .
13358 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد, عن أبي هارون العبدي, عن عوف البكالي أنه قال في قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعُنون في خواصركم .
13359 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.
13360 - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف " أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " = وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عني بها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وفيهم نـزلت.
* ذكر من قال ذلك:
13361 - حدثني محمد بن عيسى الدامغاني قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ الآية ، قال: فهن أربع، وكلهن عذاب, فجاء مستقرّ اثنتين، (35) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة, فألبسوا شيعًا، وأذيق بعضهم بأس بعض, وبقيت اثنتان, فهما لا بدّ واقعتان = يعني: الخسف والمسخ. (36)
13362 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وأعفاكم منه =" أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا "، قال: ما كان فيكم من الفتن والاختلاف.
13363- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13364 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا ، الآية. ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلى ذات يوم الصبح فأطالها, فقال له بعض أهله: يا نبي الله، لقد صلّيت صلاة ما كنت تصَليها ؟ قال: إنها صلاةُ رَغبة ورَهبة, وإني سألت ربّي فيها ثلاثًا، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم، فيهلكهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يسلط على أمتي السنة، فأعطانيها. (37) وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض, فمنعنيها. ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله.
13365 - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو, سمع جابرًا يقول: لما أنـزل الله تعالى ذكره على النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) ، قال: أعوذ بوجهك =" أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: هاتان أيسر = أو: أهون. (38)
13366- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن جابر, قال: لما نـزلت: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) ، قال: نعوذ بك, نعوذ بك =" أو يلبسكم شيعًا " ، قال: هو أهون. (39)
13367 - حدثني زياد بن عبيد الله المزني قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال، حدثنا أبو مالك قال، حدثني نافع بن خالد الخزاعي, عن أبيه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة, فسألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين, وبقي واحداة. سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به مَن قبلكم، فأعطانيها. وسألت الله أن لا يسلِّط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها. وسألته أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض, فمنعنيها = قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم. (40)
13368 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي الأشعث, عن أبي أسماء الرحبي, عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إن الله زَوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربَها, وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها, وإني أعطيت الكنـزين الأحمرَ والأبيض, وإني سألت ربّي أن لا يهلك قومي بسَنَةٍ عامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض, فقال: يا محمد, إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ, وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلِّط عليهم عدوًّا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، (41) حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبي بعضًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين, فإذا وضع السيف في أمتي، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة. (42)
13369- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي الأشعث, عن أبي أسماء الرحبي, عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه = إلا أنه قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. (43)
13370 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن الزهري قال: راقب خباب بن الأرتّ, وكان بدريًّا, النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي, حتى إذا فرغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسول الله, لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها ؟ قال: أجل, إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ, سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم، فأعطاني. وسألته أن لا يسلط علينا عدوًّا، فأعطاني. وسألته أن لا يلبسنا شيعًا، فمنعني. (44)
13371- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري في قوله: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: راقب خبابُ بن الأرت, وكان بدريًّا, رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه = إلا أنه قال: ثلاث خصلات. (45)
13372- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك = أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك =" أو يلبسكم شيعًا " ، قال: هذه أهون. (46)
13373 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: سألت ربّي أربعًا، فأعطيت ثلاثًا ومنعت واحداة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتهم, ولا يسلط عليهم جوعًا, ولا يجمعهم على ضلالة، فأعطيتهن = وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض, فمنعتُ.
13374 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سألت ربي خصالا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة، فأعطانيها. وسألته لا يُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم، فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم, فمنعنيها.
13375 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر, عن الحسن قال: لما نـزلت هذه الآية, قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال الحسن: ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يُشهده عليهم: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ, فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل, فهبط إليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إنك سألت ربك أربعًا, فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين: لن يأتيهم عذاب من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها وردِّ كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض, (47) وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتاب والتصديق بالأنبياء, ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحي إليه: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ، يقول: من أمتك = أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ = من العذاب وأنت حي = فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [سورة الزخرف: 41،42]. فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه, فقال : أيّ مصيبة أشدّ من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضًا! وأوحي إليه: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، [سورة العنكبوت: 1،3]، فأعلمه أن أمته لم تخصّ دون الأمم بالفتن, وأنها ستبلى كما ابتليت الأمم. ثم أنـزل عليه: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة المؤمنون: 93،94] ، فتعوّذ نبي الله, فأعاذه الله, لم يرَ من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة. ثم أنـزل عليه آية حذّر فيها أصحابه الفتنة, فأخبره أنه إنما يُخَصّ بها ناسٌ منهم دون ناس, فقال: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، [سورة الأنفال: 25] ، فخصّ بها أقوامًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده، وعصم بها أقوامًا.
13376 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قال: لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما يكون في أمته من الفرقة والاختلاف, فشق ذلك عليه, ثم دعا فقال: اللهم أظهر عليهم أفضلهم بقية. (48)
13377 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو الأسود قال، أخبرنا ابن لهيعة, عن خالد بن يزيد, عن أبي الزبير قال: لما نـزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من ذلك ! = قال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال: أعوذ بالله من ذلك = قال: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: هذه أيسر ! ولو استعاذه لأعاذه. (49)
13378- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا المؤمل البصري قال، أخبرنا يعقوب بن إسماعيل بن يسار المديني قال، حدثنا زيد بن أسلم قال: لما نـزلت: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض بالسيوف! فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله! قال: نعم! فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدًا! فأنـزل الله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . (50)
* * *
وقال آخرون: عنى ببعضها أهل الشرك، وببعضها أهل الإسلام .
* ذكر من قال ذلك:
13379- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن هارون بن موسى, عن حفص بن سليمان, عن الحسن في قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال: هذا للمشركين =" أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض "، قال: هذا للمسلمين.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره توعَّد بهذه الآية أهلَ الشرك به من عبدة الأوثان، وإياهم خاطبَ بها, لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم, وذلك أنها تتلو قوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، ويتلوها قوله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ . وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين ، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك, وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين, كان بيّنًا أن ذلك وعيدٌ لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك، وتأخر الخبر عنه بالتكذيب = لا لمن لم يجر له ذكر. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإنه قد عم وعيدُه بذلك كلَّ من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها.
وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سألت ربي ثلاثًا, فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة " ، فجائز أن هذه الآية نـزلت في ذلك الوقت وعيدًا لمن ذكرتُ من المشركين، ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى ذكره بمعصيتهم إياه هذه العقوبات، فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه، من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يُعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها.
وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة, فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يُسخط الله، نحو الذي ركب مَن قبلهم من الأمم السالفة، من خلافه والكفر به, فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلات والنقمات، وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله: " جاء منهن اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة. وبقيت اثنتان، الخسف والمسخ "، وذلك أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف "، (51) = وأن قومًا من أمته سيبيتون على لهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير. (52) وذلك إذا كان, فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية, عن أبيّ.
13380 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان قال، أخبرنا أبي =، عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع, عن أبي العالية, عن أبي بن كعب: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) ، قال: أربع خِلال, وكلهن عذاب, وكلهن واقعٌ قبل يوم القيامة, فمضت اثنتان بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعًا, وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرجم. (53)
* * *
القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر، يا محمد، بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربّهم = الجاحدين نعمه، وتصريفناها فيهم (54) =" لعلهم يفقهون " ، يقول: ليفقهوا ذلك ويعتبروه, (55) فيذّكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم، من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم .
------------------------
الهوامش :
(28) في المطبوعة ، كنص الآية ، ولكني رددت ما في المخطوطة إلى حاله.
(29) في المطبوعة خلاف ما في المخطوطة ، وفي المخطوطة أخطاء. في المخطوطة: " . . . عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو جاءكم عذاب من السماء" ، وفيها أيضًا: "أو من تحت أرجلكم يخسف بكم الأرض" ، وصواب هاتين فيما في المطبوعة ، وكان في المطبوعة نصب"أحد" في الموضعين ، وكان فيها أيضًا: "أهلككم ولم يبق" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.
(30) الأثر: 13349 -"خلاد" ، هو"خلاد بن سليمان الحضرمي المصري" ، كان خياطًا أميًّا لا يكتب ، وكان من الخائفين. روى عنه ابن وهب. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/172 ، وابن أبي حاتم 1/2/365.
وأما "عامر بن عبد الرحمن" ، فإن البخاري وابن أبي حاتم ، ذكراه في ترجمة خلاد ، وذكر أنه سمع منه ، ولكني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع. وهذا عجيب.
(31) انظر تفسير"لبس" فيما سلف 1: 567 ، 568/6: 503 - 505/11 : 270
(32) في المطبوعة: "من التفرق" ، وفي المخطوطة: "من العير" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(33) انظر تفسير"الذوق" فيما سلف 7: 96 ، 446 ، 452/8: 487/11 : 47 ، 324 ولكنه لن يبينه بيانًا شافيًا في المواضع السالفة ، وأبان عنه هنا إبانة تامة ، وهذا ضرب من ضروب اختصاره في تفسيره.
(34) انظر تفسير"البأس" فيما سلف 8 : 580/11 : 357.
(35) في المطبوعة: "فجاء منهن اثنتان" ، غير ما في المخطوطة ، وهو واضح فيها جدًا ، وهو صواب أيضًا.
(36) الأثر: 13361 -"محمد بن عيسى الدامغاني" ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم: 3225.
وانظر خبر أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، رقم: 13380. وتخريجه هناك.
(37) "السنة" ، الجدب والقحط.
(38) الأثر: 13665 -"أحمد بن الوليد القرشي" ، مضى برقم: 1692: "وأحمد بن الوليد" بدون نسبة ، وقال أخي السيد أحمد هناك: "ولم أعرف من هو". وأزيد أني وجدت أبا جعفر يروي في تاريخه 1: 167 عن شيخه"أحمد بن الوليد الرملي" ثم سماه"أحمد بن الوليد" بلا نسبة ، وهو يروي في هذه الأسانيد ، عن: "إبراهيم بن زياد" ، و"إسحق بن المنذر" و"عبد الملك بن يزيد" ، و"عمرو بن عون" و"محمد بن الصباح" و"سعدويه". ثم روي عنه في المنتخب من ذيل المذيل (تاريخه 13: 104) ، وروى"أحمد بن الوليد" في هذا الإسناد ، عن"الربيع بن يحيى". جمعت هذا حتى أتحقق معرفته ونسبته ، أما تخريج الخبر ، ففي التعليق التالي.
(39) الأثران: 13365 ، 13366 -"عمرو" ، هو"عمرو بن دينار". رواه البخاري (الفتح 8: 219) من طريق حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار. وقال الحافظ ابن حجر: "وقع في الاعتصام من وجه آخر ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت جابرًا ، وكذا للنسائي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار ويعني ما رواه البخاري الفتح 13 ، 329 وسيأتي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار فيما يلي رقم: 13372. ورواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(40) الأثر: 13367 -"زياد بن عبيد الله المزني" ، هكذا جاء هنا"المزني" ، ومضى برقم: 8284: "زياد بن عبيد الله المري" ، وقد كتب عنه أخي السيد أحمد فيما سلف ، وقال إنه لم يعرفه ، وقال إنه من المحتمل أن يكون: "زياد بن عبد الله بن خزاعي" ، لأنه يروى أيضًا عن"مروان بن معاوية" ، ولكن مجيئه هنا أيضًا"زياد بن عبيد الله" يضعف هذا الاحتمال.
و"مروان بن معاوية الفزاري" ثقة ، من شيوخ أحمد. مضى برقم: 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685.
و"أبو مالك" هو"الأشجعي" ، واسمه"سعد بن طارق بن أشيم"؛ روى عن أبيه ، وأنس ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وربعي بن حراش ، وغيرهم ، وثقه أحمد. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/59 ، وابن أبي حاتم 2/1/86.
و"نافع بن خالد الخزاعي" ، روى عن أبيه ، روى عنه أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق ، مترجم في لسان الميزان 6: 145 ، والكبير للبخاري 4/2/85 ، وابن أبي حاتم 4/1/457. ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحًا ، ولكن الحافظ ابن حجر أخطأ في لسان الميزان خطأ شنيعًا ، فقال: "قال ابن أبي حاتم عن أبيه في ترجمته : هو ونافع مجهولان" ، وهو سهو شديد ، فإن الذي قال ذلك عنه ابن أبي حاتم ، خالد آخر ، وهو موجود في كتابه 1/2/362 برقم: 1643 هكذا: "خالد ، روى عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه ابنه محمد. سمعت أبي يقول ذلك ، ويقول: هما مجهولان". أما "خالد الخزاعي" ، فقد قال عنه: "روى عنه ابنه نافع ، يعد في الكوفيين ، سمعت أبي يقول ذلك" ، وهو موجود قبل تلك الترجمة برقم: 1642. وهذا سهو شديد ينبغي أن يصحح. وأبوه: "خالد الخزاعي الأزدي" غير مبين النسب ، ترجم له البخاري في الكبير 2/1/127 ، وقال: "يعد في الكوفيين" ، وقال ابن أبي حاتم 1/2/362: "له صحبة ، روى عنه ابنه نافع" ، كما ذكرت قبل. وترجم له الحافظ في الإصابة.
وهذا خبر رجاله ثقات ، كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته. وقد أشار إلى هذا الخبر ، البخاري في تاريخه 2/1/127 ، من طريق ابن أبي زائدة ، عن سعد بن طارق ، عن نافع بن خالد الخزاعي ، قال حدثني أبي ، وكان من أصحاب الشجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى والناس ينظرون ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود. وأشار إليه الحافظ أيضًا في الفتح (8: 221) ، وأما في الإصابة فقد قال: "روى الحسن بن سفيان ، وأبو يعلى ، والطبراني في تفسيره ، وغيرهم ، من طريق أبي مالك. . . ." ثم ذكر الخبر وقال: "رجاله ثقات".
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 222 ، بنحوه ، ثم قال: "رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال بعضها رجال الصحيح ، غير نافع بن خالد. وقد ذكره ابن أبي حاتم ، ولم يجرحه أحد. ورواه البزار". وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 329 ، من رواية الحافظ أبي بكر بن مردويه ، عن عبد الله بن إسمعيل بن إبراهيم الهاشمي ، وميمون بن إسحق بن الحسن الحنفي ، كلاهما عن أحمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، مطولا. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 19 ، ونسبه لابن جرير وابن مردويه ، ولم يزد شيئًا. وأخرج الترمذي في الفتن ، من حديث خباب بن الأرت ، مثله ، كما سيأتي في رقم: 13370. وقوله: "يستبيح بيضتهم" ، يريد: جماعتهم وأصلهم ومجتمعهم ، وموضع سلطانهم ، ومستقر دعوتهم. يقول: لا تسلط عليهم عدوًا يستأصلهم ويهلكهم جميعًا. قالوا: وذلك أن أصل البيضة إذا أهلك ، كان ذلك هلاك كل ما فيها من طعم أو فرخ. وإذا لم يهلك أصل البيضة ، ربما سلم بعض فراخها. وقال غيرهم: "البيضة": ساحة القوم ومعظم دارهم. وهذا أقرب عندي.
(41) في المطبوعة: "فيهلكهم" ، وفي المخطوطة: "فيهلكوهم هم" ، وخلط في كتابتها ، والصواب من المسند.
(42) الأثر: 13268 -"أبو الأشعث الصنعاني" ، هو"شراحبيل بن آدة" ، من صنعاء الشام ، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. و"أبو أسماء الرحبي" ، هو"عمرو بن مرثد" تابعي ثقة ، مضى برقم: 4844. و"شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري" ، صحابي ، قال عباد بن الصامت: "شداد بن أوس. من الذين أوتوا العلم والحلم ، ومن الناس من أوتى أحدهما". وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده 4: 123 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، بمثل رواية أبي جعفر. وأشار إلى روايته من حديث شداد ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 221) وقال: "وأخرج الطبري من حديث شداد ، نحوه ، بإسناد صحيح" ، يعني: نحو حديث ثوبان كما سأشير إليه بعد. وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 328 ، 329 ، من مسند أحمد ، وقال: "ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي. وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد ، وعباد بن منصور ، وقتادة ، ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحوه والله أعلم". وروي هذا الخبر بنحو هذا اللفظ من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان. بنحو هذا اللفظ. رواه مسلم في صحيحه 18: 12 ، 14 ، وأبو داود في سننه 4: 138 ، مطولا ، وخرجه السيوطي عن ثوبان. في الدر المنثور 3: 17 ، وقال: "أخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبزار ، وابن حبان ، والحاكم وصححه ، واللفظ له ، وابن مردويه" ثم ساق لفظ الحاكم في المستدرك.مطولا. قوله: "زوى لي الأرض": جمعها وقبضها حتى يراها جميعًا.
و"السنة": القحط. وقال النووي في شرح مسلم: "وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقعت كلها بحمد الله ، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: المراد بالكنزين الذهب والفضة. والمراد كنزي كسرى وقيصر ، ملكي العراق والشام. فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداد في جهتي المشرق والمغرب. وهكذا وقع. وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب. وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى".
(43) الأثر: 13369 - انظر التعليق على الأثر السالف. ومن هذه الطريق ، رواه أحمد في مسنده 4: 123 ، بمثل ما ذكر أبو جعفر.
(44) الأثر: 13370 - هذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5: 108 ، والترمذي في كتاب الفتن ، موصولا ، من طريق الزهري ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب بن الأرت ، عن خباب بن الأرت ، مولى بني زهرة. وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 328 ، من مسند أحمد ، ثم قال: "ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، به ، ومن وجه آخر. وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح ابن كيسان. والترمذي في الفتن من حديث النعمان بن راشد ، كلاهما عن الزهري ، به. وقال: حسن صحيح". وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 18 ، وقال: "أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، عن خباب بن الأرت" ، وساق الخبر. وقوله: "رغب ورهب" كلاهما بفتحتين ، أي: الرغبة والرهبة.
(45) الأثر: 13371 - انظر التعليق على الأثر السالف.
(46) الأثر: 13372 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: 13365 ، 13366 ، فهذه طريق أخرى.
(47) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "ولكنهم يلبسهم . . ." ، وهو جائز ، والأجود"ولكنه يلبسهم" ، وأخشى أن يكون ما في النسخ من الناسخ.
(48) في المطبوعة: "أفضلهم تقية" ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، فإنها في المخطوطة غير منقوطة"وقوله: "بقية" ، أي: إبقاء على من يظهر عليه ويظفر به.
(49) الأثر: 13377 -"خالد بن يزيد" هو الجمحي ، المصري. مضى برقم: 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507 ، 12283. و"أبو الزبير" ، هو"محمد بن مسلم المكي" ، مضى مرارًا.
(50) الأثر: 13378 -"المؤمل البصري" ، هو: "مؤمل بن إسمعيل البصري" ، وقد سلف مرارًا برقم: 2057 ، 3337 ، 5728 ، 8356 ، 8367.
وأما "يعقوب بن إسمعيل بن يسار المديني" ، فلم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وهذا غريب.
(51) هذا حديث عائشة ، رواه الترمذي في الفتن بإسناده ، ونصه:
"عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ. قالت: قلت: يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا ظهر الخَبَثُ" ، قال الترمذي: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث عائشة ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وعبد الله بن عمر ، تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه" يعني راوي الخبر: "عبد الله بن عمر ، عن عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة".
(52) روى البخاري (الفتح 10: 47 - 49) من حديث أبي مالك وأبي عامر الأشعري قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن من أُمتي قومٌ يستحِلُّون الحِرِ (أي: الزنا) والحرير والخمر والمعازف ، وليزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَم ، تروح عليهم سارحةٌ لهم ، فيأتيهم رجلٌ لحاجته ، فيقولون: ارجع إلينا غدًا! فيبيِّتهم الله تعالى ويضع العَلَم ، ويمسخ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة".
(53) الأثر: 13380 - إسناده صحيح ، رواه أحمد في مسنده 5: 134 ، 135 من طريق وكيع ، عن أبي جعفر الراوي ، عن الربيع. عن أبي العالية ، مثله.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 21 ، ثم قال: "رواه أحمد ، ورجاله ثقات. قلت: والظاهر أن من قوله: فمضت اثنتان ، إلى آخره ، من قول رفيع (يعني أبا العالية) ، فإن أبي بن كعب لم يتأخر إلى زمن الفتنة". وذكر مثل ذلك من علة هذا الخبر ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 220) ثم قال: "وأعل أيضًا بأنه مخالف لحديث جابر وغيره. وأجيب بأن طريق الجمع: أن الإعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره ، مقيدة بزمان مخصوص ، وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة ، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم. وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: "قل هو القادر" ، إلى آخرها فقال: أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد. وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها". وذكر الخبر ابن كثير في تفسيره 3: 331 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 17 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية.
(54) انظر تفسير"تصريف الآيات" فيما سلف: 365
(55) انظر تفسير"فقه" فيما سلف 8: 557/11 : 307
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴿٦٦﴾
القول في تأويل قوله : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكذب، يا محمد، قومك بما تقول وتخبر وتوعد من الوعيد =" وهو الحق "، يقول: والوعيدُ الذي أوعدناهم على مقامهم على شركهم: من بعث العذاب من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، أو لبسهم شيعًا, وإذاقة بعضهم بأس بعض =" الحق " الذي لا شك فيه أنه واقع إن هم لم يتوبوا وينيبوا مما هم عليه مقيمون من معصية الله والشرك به، إلى طاعة الله والإيمان به =" قل لست عليكم بوكيل "، يقول: قل لهم، يا محمد، لست عليكم بحفيظ ولا رقيب, وإنما رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم (56) =" لكل نبإ مستقر "، يقول: لكل خبر مستقر, (57) يعني قرار يستقرّ عنده، ونهاية ينتهي إليه, فيتبين حقه وصدقه، من كذبه وباطله =" وسوف تعلمون "، يقول: وسوف تعلمون، أيها المكذبون بصحة ما أخبركم به من وعيد الله إياكم، أيها المشركون، حقيقته عند حلول عذابه بكم، (58) فرأوا ذلك وعاينوه، فقتلهم يومئذ بأيدي أوليائه من المؤمنين.
وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13381 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفصل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وكذب به قومك وهو الحق "، يقول: كذبت قريش بالقرآن, وهو الحق = وأما " الوكيل "، فالحفيظ = ، وأما " لكل نبإ مستقر "، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يَعِدهم من العذاب.
------------------------------------
الهوامش :
(56) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف 9: 424 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(57) انظر تفسير"النبأ" فيما سلف ص: 407 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.
(58) في المطبوعة: "وحقيقته عند حلول عذابه بكم" ، وضع مكان"حقيقته""وحقيته" ، وزاد"واوا". فعل بها ما فعل بصواحباتها فيما سلف ص: 216 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦٧﴾
13382 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لكل نبإ مستقر "، لكل نبأ حقيقة, إما في الدنيا وإما في الآخرة =" وسوف تعلمون " ، ما كان في الدنيا فسوف ترونه, وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.
13383- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " لكل نبإ مستقر " ، يقول: حقيقة.
13384 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون "، يقول: فعل وحقيقة, ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة.
* * *
وكان الحسن يتأوّل في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
13385- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جعفر بن حيان, عن الحسن أنه قرأ: " لكل نبإ مستقر "، قال: حبست عقوبتها، حتى [إذا] عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. (59)
--------------------
الهوامش :
(59) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٦٨﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيت، يا محمد، المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنـزلناها إليك, ووحينا الذي أوحيناه إليك, = و " خوضهم فيها "، كان استهزاءَهم بها، وسبَّهم من أنـزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها (60) =" فأعرض عنهم "، يقول: فصد عنهم بوجهك, وقم عنهم، ولا تجلس معهم (61) =" حتى يخوضوا في حديث غيره "، يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم =" وإما ينسينك الشيطان " ، يقوله: وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك, فقهم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوضُ فيه بما خاضوا به فيه. وذلك هو معنى " ظلمهم " في هذا الموضع. (62)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13386 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره "، قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكر مع القوم الظالمين. (63)
13387-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، أخبرنا معمر, عن قتادة بنحوه.
13388 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: الذين يكذبون بآياتنا.
13389 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين "، قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به, فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وأما قوله: " وإما ينسينك الشيطان "، يقول: نَهْيَنَا فتقعد معهم, (64) فإذا ذكرت فقم.
13390 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " يخوضون في آياتنا "، قال: يكذبون بآياتنا .
13391 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن ليث, عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات, فإنهم الذين يخوضون في آيات الله .
13392 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا " , وقوله: الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [سورة الأنعام: 159] ؛ وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [سورة آل عمران: 105] ؛ وقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: 13] ، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة, وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله .
13393 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: يستهزئون بها. قال: نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم. فذلك قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " = قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه, فإذا سمعوا استهزءوا، فنـزلت: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " ، الآية. (65)
13394- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: يكذبون.
13395 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عن أبي مالك قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يعني المشركين =" وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين "، إن نسيت فذكرتَ فلا تجلس معهم.
* * *
---------------
الهوامش:
(60) انظر تفسير"الخوض" فيما سلف 9: 320.
(61) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: 337 ، تعليق: 1 ، والمراجع كلها.
(62) انظر تفسير"الظلم" في فهارس اللغة فيما سلف (ظلم).
(63) في المطبوعة: "بعد الذكرى" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، كما سترى في التفسير ص: 439.
(64) في المطبوعة: "يقول: نسيت فتعقد معهم" ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة: "نهينا فتعقد معهم" ، وهو مضطرب ، واستظهرت صوابها من تفسير الآية فيما سلف. وقوله: "نهينا" مفعول قوله في الآية: "وإما ينسينك الشيطان" ، وذلك على عادة أهل التأويل الأوائل في الاختصار.
(65) الأثر: 13393 - سيأتي ، تفسير ابن جريج فيما بعد بتمامه رقم: 13396.
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٦٩﴾
القول في تأويل قوله : وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن اتقى الله فخافه، فأطاعه فيما أمره به، واجتنب ما نهاه عنه, فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله، شيء من تبعة فيما بينه وبين الله, إذا لم يكن تركه الإعراضَ عنهم رضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقه متقيًا, (1) ولا عليه من إثمهم بذلك حرج, ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله =" لعلهم يتقون "، يقول: ليتقوا.
* * *
ومعنى " الذكرى "، الذكرُ. و " الذكر " و " الذكرى " بمعنًى.
* * *
وقد يجوز أن يكون " ذكرى " في موضع نصب ورفع:
فأما النصب، فعلى ما وصفت من تأويل: ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى.
وأما الرفع، فعلى تأويل: وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض, ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون. (2)
* * *
وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله, لأن قيامه عنهم كان مما يكرهونه, فقال الله له: إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم، ليتقوا الخوضَ فيها ويتركوا ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
13396 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه, فإذا سمعوا استهزءوا, فنـزلت: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، الآية، قال: فجعل إذا استهزءوا قام، فحذروا وقالوا لا تستهزءوا فيقوم! فذلك قوله: " لعلهم يتقون "، أن يخوضوا فيقوم، ونـزل: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، إن قعدوا معهم, ولكن لا تقعدوا. ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ، [سورة النساء: 140] , فنسخ قولَه: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، الآية.
13397 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، يقول: من حساب الكفار من شيء =" ولكن ذكرى "، يقول: إذا ذكرت فقم =" لعلهم يتقون " مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم. ثم نسخها الله بعد, فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدًا، قال: وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ، الآية .
13398 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، إن قعدوا, ولكن لا تقعد .
13399- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .
13400 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عن أبي مالك: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى "، قال: وما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك.
-----------------
الهوامش :
(1) هكذا في المخطوطة أيضا"بحقوقه متقيًا" ، وأرجح أن تكون: "بخوفه متقيًا" ، ولم أغيرها لأن الأخرى تكاد تكون جائزة.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1: 339.
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٧٠﴾
القول في تأويل قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذرْ هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبًا ولهوًا, (3) فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، (4) واللهوَ والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم, فأعرض عنهم, فإني لهم بالمرصاد, وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، ونسيانهم المعادَ إلى الله تعالى ذكره والمصيرَ إليه بعد الممات، كالذي:-
13401 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا " ، قال: كقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ، [سورة المدثر: 11] .
13402- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
* * *
وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، [سورة التوبة:5 ]. وكذلك قال عدد من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13403- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا "، ثم أنـزل في" سورة براءة ", فأمر بقتالهم.
13404- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال: قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا "، ثم أنـزل الله تعالى ذكره " براءة ", وأمر بقتالهم فقال: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [سورة التوبة: 5].
* * *
وأما قوله: " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت "، فإنه يعني به: وذكّر، يا محمد، بهذا القرآن هؤلاء المولِّين عنك وعنه (5) =" أن تبسل نفس "، بمعنى: أن لا تبسل, كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [سورة النساء : 176] ، بمعنى: أن لا تضلوا (6) = وإنما معنى الكلام: وذكرهم به ليؤمنوا ويتبعوا ما جاءهم من عند الله من الحق, (7) فلا تُبْسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار= ولكن حذفت " لا "، لدلالة الكلام عليها.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أن تبسل نفس " .
فقال بعضهم: معنى ذلك: أن تُسْلَم.
* ذكر من قال ذلك:
13405 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة قوله: " أن تبسل نفس بما كسبت "، قال: تُسلم .
13406 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: " أن تبسل نفس "، قال: أن تُسلم .
13407- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن, مثله .
13408 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " أن تبسل "، قال: تسلم.
13409- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أن تبسل نفس "، قال: تسلم.
13410- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد: أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا ، أسلموا.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تُحْبس.
* ذكر من قال ذلك:
13411- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " أن تبسل نفس "، قال: تؤخذ فتحبس .
13412- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله .
13413 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أن تبسل نفس بما كسبت "، أن تؤخذ نفس بما كسبت.
* * *
وقال آخرون: معناه: تُفضَح.
* ذكر من قال ذلك:
13414 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت "، يقول: تفضح.
* * *
وقال آخرون: معناه: أن تجزَى.
* ذكر من قال ذلك:
13415 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد قال، قال الكلبي: " أن تبسل "، أن تجزَى.
* * *
وأصل " الإبسال " التحريم, يقال منه: " أبسلت المكان "، إذا حرّمته فلم يقرب، (8) ومنه قوله الشاعر: (9)
بَكَـرَتْ تَلُـومُكَ بَعْـدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى,
بَسْــلٌ عَلَيْــكِ مَلامَتِـي وَعِتَـابِي (10)
أي: حرام [عليك ملامتي وعتابي] . ومنه قولهم: " أسد باسل ", (11) ويراد به: لا يقربه شيء, فكأنه قد حرَّم نفسه، ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يتحامى لشدته. ويقال: " أعط الراقي بُسْلَتَه ", (12) يراد بذلك: أجرته," وشراب بَسِيل "، بمعنى متروك. وكذلك " المبسَلُ بالجريرة ", وهو المرتهن بها, قيل له: " مُبْسَل "، لأنه محرَّم من كل شيء إلا مما رُهن فيه وأُسلم به، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي:
وَإبْسَــالِي بَنِــيَّ بِغَــيْرِ جُــرْمٍ
بَعَوْنَــــاهُ وَلا بِـــدَمٍ مُـــرَاقِ (13)
وقال الشنفرى: (14)
هُنَــالِكَ لا أَرْجُــو حَيَـاةً تَسُـرُّنِي
سَــمِيرَ اللَّيَــالِي مُبْسَـلا بِـالْجَرَائِرِ (15)
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وذكّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرهم ممن سلك سبيلهم من المشركين, كيلا تُبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها, وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله (16) =" ليس لها من دون الله "، يقول: ليس لها، حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها، أحدٌ ينصرها فينقذها من الله الذي جازاها بذنوبها جزاءها (17) =" ولا شفيع "، يشفع لها, لوسيلة له عنده. (18)
* * *
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن تعدل النفس التي أبسلت بما كسبت, يعني: " وإن تعدل كل عدل "، يعني: كل فداء.
* * *
يقال منه: " عَدَل يعدِل "، إذا فدى," عَدْلا "، ومنه قول الله تعالى ذكره: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ، [سورة المائدة: 95] ، وهو ما عادله من غير نوعه. (19)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، قال: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها.
13417 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قُبل منها.
13418- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، قال: " وإن تعدل "، وإن تفتد، يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها =" لا يؤخذ منه "، عدلا عن نفسه, لا يقبل منه.
* * *
وقد تأوّل ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى: وإن تُقسط كل قسط لا يقبل منها. وقال: إنها التوبة في الحياة. (20)
وليس لما قال من ذلك معنى, وذلك أن كل تائب في الدنيا فإن الله تعالى ذكره يقبل توبته.
* * *
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم, هم " الذين أبسلوا بما كسبوا "، يقول: أسلموا لعذاب الله, فرهنوا به جزاءً بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار، (21) =" لهم شرابٌ من حميم ".
* * *
و " الحميم " هو الحارّ، في كلام العرب, وإنما هو " محموم " صرف إلى " فعيل "، ومنه قيل للحمّام،" حمام " لإسخانه الجسم، ومنه قول مرقش:
فِــي كُــلِّ مُمْسًـى لَهَـا مِقْطَـرَةٌ
فِيهَـــا كِبَــاءٌ مُعَــدٌّ وَحَــمِيمْ (22)
يعني بذلك ماء حارًّا، ومنه قول أبي ذويب الهذلي في صفة فرس:
تَــأبَى بِدِرَّتِهَـا إذَا مَـا اسْـتُضْغِبَتْ
إلا الْحَـــمِيمَ فَإنّـــهُ يَتَبَضَّـــعُ (23)
يعني بالحميم: عرق الفرس.
* * *
وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شرابًا من حميم, لأن الحارّ من الماء لا يروي من عطش. فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم, ولكن بما يزيدون به عطشًا على ما بهم من العطش =" وعذاب أليم "، يقول: ولهم أيضًا مع الشراب الحميم من الله العذابُ الأليم والهوان المقيم =" بما كانوا يكفرون "، يقول: بما كان من كفرهم في الدنيا بالله، وإنكارهم توحيده، وعبادتهم معه آلهة دونه.
* * *
13419 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا "، قال يقال: أسلموا.
13420 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أولئك الذين أبسلوا "، قال: فُضحوا.
13421 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا "، قال: أخذوا بما كسبوا.
--------------------
الهوامش :
(3) انظر تفسير"ذر" فيما سلف 6: 22/7 : 424.
(4) انظر تفسير"اللعب" فيما سلف 10: 429 ، 432.
(5) انظر تفسير"التذكير" فيما سلف 6: 63 ، 64 ، 66 ، 211/10 : 130/11 : 357
(6) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.
(7) في المطبوعة: "وذكر به" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(8) في المطبوعة: "فلم تقر به" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(9) هو ضمرة بن ضمرة النهثلي.
(10) نوادر أبي زيد: 2 ، الأمالي 2: 279 ، الشعر والشعراء: 250 ، الوحشيات رقم: 424 ، الأزمنة والأمكنة 1: 160 ، اللسان (بسل) وغيرها ، وبعد هذا البيت من أبيات حسان: قالها لامرأته إذ عاتبته على حلب إبله ونحرها لضيفه وأهله ، وتحبب إليه الشح ، وتنهاه عن بذل المال ، في القحط والجدب:
أَأَصُرُّهَــا، وَبُنَــيُّ عَمِّـي سَـاغِبٌ
فَكَفَــاكِ مــن إبَـةٍ عَـلَيَّ وَعَـابِ!
وَلَقَــدْ عَلِمْـتُ، فَـلاَ تَظُنِّـي غَـيْرَهُ
أَنْ سَـوْفَ يَخلِجُـني سَـبيلُ صِحَـابِي
أرَأيـتِ إنْ صَرَخَـتْ بِلَيْـلٍ هَــامَتي
وَخَرَجْــتُ مِنْهَــا عَارِيًـا أثْـوَابِي
هَـلْ تَخْمِشَـنْ إبِـلِي عَـلَيَّ وُجُوهَهَـا
أمْ تَعْصِبَــنَّ رُؤُوسَــهَا بِسِـلاَبِ!!
"بكرت" ، عجلت في أول السحر."بعد وهن" ، أي بعد قومة من جوف الليل. أرقها ما يبذل لبني عمه من ماله ، فلم تتأن به مطلع النهار حتى أخذت تلومه في وجه الصبح. ثم أخذ يذكرها بالمروءة فيقول: "أأصرها" ، يعني النوق ، يشد عليها الصرار (وهو خيط يشد فوق الخلف) ، لئلا تحلب ، أو يرضعها ولدها ، يقول: لا أفعل ذلك ، وبني عمي جياع حتى ، أرويهم؛ و"السغب" الجوع ، فإن ذلك لؤم. و"الإبة" الخزي يستحي منه ، و"العاب" ، العيب. يقول: كفاك بهذا الفعل لؤمًا يخزي فاعله. ثم احتج عليها بما يجد بنو عمه وضيفانه من اللوعة عليه إذا مات ، وأن الإبل لا تفعل ذلك. فقال لها: إن الموت سبيل كل حي ، وأني سلك سبيل أصحابي الذين ذهبوا وخلفوني ، فإن هذه السبيل تخجلني (أي: تجذبني وتنتزعني) كما خلجتهم من قبل. وقوله: "صرخت بليل هامتي" ، وهو من عقائد الجاهلية ، أبطله الله بالإسلام ، يزعمون أن روح القتيل تصير طائرًا كالبومة يزقو عند قبره ، يقول: اسقوني ، اسقوني! وقوله: "عاريًا أثوابي" أي: عاريًا من أثوابي التي كنت أستمتع بلباسها في الدنيا. ويروى: "باليًا أثوابي" ، ويعني عندئذ: أكفانه التي تبلى في التراب. وقول"هل تخمش إبلي" ، أي: هل تلطم الإبل على وجوهها فيخمشها اللطم ويؤثر فيها ويجرحها ، كما يفعل بنو عمي وبنات عمي إذا مت. و"السلاب": عصائب للرأس سود ، يلبسنها عند الحداد. يقول: هذا حزن بنات عمي علي ، فهل تفعل الإبل فعلهن حتى آسى على نحرها وإهلاكها في إطعامهم وإروائهم في زمان الجدب وهم جياع؟
(11) كانت هذه العبارة في المطبوعة والمخطوطة: "أي حرام. ومنه قولهم: وعتابي أسد آسد" ، وهو خطأ صرف. استظهرت صوابه من سياق الشرح ، ومن معاني القرآن للفراء 1: 339 ، وزدت ما بين القوسين استظهارًا أيضًا.
(12) في المطبوعة: "بسيلته" ، وهو خطأ صرف ، صوابه في المخطوطة ، لم يحسن قراءتها. وانظر معاني القرآن للفراء 1: 339.
(13) نوادر أبي زيد: 151 ، مجاز القرآن 1: 194 ، المعاني الكبير: 1114 ، واللسان (بسل) (بعا) ، يقول:
فَلَــوْلا أَنَّنِــي رَحُــبَتْ ذِرَاعِـي
بِإعْطَـــاءِ المَفَــارِقِ والحِقَــاقِ
وَإنْسَــالِي بَنِــيَّ بِغَــيْرِ جُــرْمٍ
بَعَوْنَـــاهً، وَلا بِـــدَمٍ مُـــرَاقِ
لَقِيتُـــمْ مِــنْ تَــدَرُّئِكُمْ عَلَيْنَــا
وَقَتْـــلِ سَــرَاتِنَا ذَاتَ العَــرَاقِي
"المفارق" جمع"ناقة مفرق" ، فارقها ولدها. و"الحقاق" جمع"حقة" (بكسر الحاء) ، وهي الناقة إذا استكملت السنة الثالثة ، ودخلت في الرابعة. يقول: طابت نفسي ببذل ذلك من المال ، لكن أحقن الدماء ، وأبقي على الوشائج. و"بعا الذنب يبعوه بعوا": اجترمه واكتسبه. يقول لهم: وأسلمت إليكم بني في الفداء ، ولم نجرم جريمة ، ولم نرق دمًا ، فنحمل الحمالة في الذي اجترحناه. و"تدرأ على فلان" أي: تطاول وتهجم. و"السراة" أشراف القوم. و"ذات العراقي" ، أي: ذات الدواهي المنكرة ، يقول: لولا ما فعلت إبقاء ، لفعلنا بكم الأفاعيل.
(14) وتروى لتأبط شرا.
(15) ديوانه (الطرائف): 36 ، وفيه المراجع ، ومجاز القرآن 1: 195 ، اللسان (بسل). وقبله ، وهي أبيات مشهورة:
لا تَقْــبُرُونِي، إنَّ قَــبْرِي مُحَــرَّمٌ
عَلَيْكُــمْ، وَلِكـنْ أبْشِـرِي أمَّ عـامِرِ
إذَا احْـتَمَلُوا رَأْسِي، وَفِي الرّأسِ أكْثَرِي،
وَغُـودِرَ عِنْـدَ المُلْتَقَـى ثَـمَّ سَـائِري
و"سمير الليالي": أبد الليالي ، ويروى"سجيس الليالي" ، وهو مثله.
(16) انظر تفسير"كسب" فيما سلف ص: 261 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(17) انظر تفسير"من دون" فيما سلف 11: 486 ، وفهارس اللغة (دون).
(18) انظر تفسير"شفيع" فيما سلف ص: 373: تعليق 4 ، والمراجع هناك.
(19) انظر تفسير"العدل" فيما سلف 2: 34 ، 35 ، 574/11: 43 ، 44.
(20) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 195.
(21) انظر تفسير"أبسل" فيما سلف قريبًا = وتفسير"كسب" ص: 446 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(22) المفضليات: 505 ، واللسان (قطر) (حمم) ، وسيأتي في التفسير 11: 61 (بولاق). من قصيدته في ابنة عجلان ، جارية صاحبته فاطمة بنت المنذر ، وكان لابنه عجلان قصر بكاظمة ، وكان لها حرس يجرون الثياب كل ليلة حول قصرها ، فلا يطؤه إلا بنت عجلان. وكانت تأخذ كل عشية رجلا من أهل المال يبيت عندها ، فبات عندها المرقش ليلة ، وقال ذاك الشعر ، فوصفها بالنعمة والترف. و"المقطرة": المجمرة ، يكون فيها القطر (بضم فسكون) ، وهو العود الذي يتبخر به. و"الكباء": ضرب من العود. يصف ما هي فيه من الترف ، بين تبخر بالعود الطيب ، وتنزه بالاستحمام بالماء الساخن ، من شدة عنايتها ببدنها.
(23) ديوانه 17؛ المفضليات 879 ، اللسان (حمم) (بصع) (بضع) ، وغيرها. وهذا من الأبيات التي أخذت على أبي ذؤيب ، وأنه لا علم له بالخيل. وقد اختلف في روايته. روي: وإذا ما استغضبت" و"إذ اما استكرهت" ، ورواية الطبري مذكورة في اللسان في (بضع) وروي أيضًا"يتصبع" بالصاد. أي يسيل قليلا قليلا. و"تبضع العرق" بالضاد ، سال سيلا منقطعًا. وانظر شرح هذا البيت في المراجع ، فإنه يطول ذكره هنا. وأما رواية: "استضغبت" ، وهي التي هنا ، فقد فسرت بأنه: فزعت ، لأن"الضاغب" ، هو الذي يختبئ في الخمر ليفزع بمثل صوت الأسد. و"الضغاب" و"الضغيب" صوت الأرنب والذئب إذا تضور.
قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٧١﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا
قال أبو جعفر: وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان. يقول له تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأنداد، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا, فنخصه بالعبادة دون الله, وندع عبادة الذي بيده الضر والنفع والحياة والموت, إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر؟ فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره، أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره!
* * *
=" ونرد على أعقابنا "، يقول: ونرد إلى أدبارنا، فنرجع القهقري خلفنا، لم نظفر بحاجتنا.
* * *
وقد بينا معنى: " الرد على العقب ", وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها: " رد على عقبيه "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (24)
* * *
وإنما يراد به في هذا الموضع: ونرد من الإسلام إلى الكفر =" بعد إذ هدانا الله، فوفقنا له, فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان، يهوي في الأرض حيران.
* * *
وقوله: " استهوته "،" استفعلته ", من قول القائل: " هوى فلان إلى كذا يهوي إليه ", ومن قول الله تعالى ذكره: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، [سورة إبراهيم: 37] ، بمعنى: تنـزع إليهم وتريدهم.
* * *
وأما " حيران "، فإنه " فعلان " من قول القائل: " قد حار فلان في الطريق، فهو يَحَار فيه حَيرة وحَيَرَانًا وَحيرُورة ", (25) وذلك إذ ضل فلم يهتد للمحجَّة.
=" له أصحاب يدعونه إلى الهدى ", يقول: لهذا الحيران الذي قد استهوته الشياطين في الأرض، أصحابٌ على المحجة واستقامة السبيل, يدعونه إلى المحجة لطريق الهدى الذي هم عليه, يقولون له : ائتنا.
* * *
وترك إجراء " حيران ", لأنه " فعلان ", وكل اسم كان على " فعلان " مما أنثاه " فعلى " فإنه لا يجري في كلام العرب في معرفة ولا نكرة.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لمن كفَر بالله بعد إيمانه، فاتبع الشياطين، من أهل الشرك بالله = وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال إسلامه، المقيمون على الدين الحق، يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون, وهو له مفارق وعنه زائل, يقولون له: " ائتنا فكن معنا على استقامة وهدى "! وهو يأبى ذلك, ويتبع دواعي الشيطان، ويعبد الآلهة والأوثان.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل, وخالف في ذلك جماعة.
* ذكر من قال ذلك مثل ما قلنا:
13422 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا "، قال: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا, واتركوا دين محمد = صلى الله عليه وسلم. فقال الله تعالى ذكره: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، هذه الآلهة =" ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ", فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق, فضلّ الطريق, فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض, وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم, يقولون: " ائتنا، فإنا على الطريق ", فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد, ومحمد الذي يدعو إلى الطريق, والطريق هو الإسلام.
13423 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا "، قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعونَ إلى الله, كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالا (26) إذ ناداه مناد: " يا فلان بن فلان، هلمّ إلى الطريق "، وله أصحاب يدعونه: " يا فلان، هلم إلى الطريق " ! فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة, وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان. يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله, فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض "، وهم " الغيلان " يدعونه باسمه واسم أبيه واسم جده, فيتبعها، فيرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في الهلكة، وربما أكلته = أو تلقيه في مضلّة من الأرض يهلك فيها عطشًا. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تُعبد من دون الله عز وجل.
13424 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " استهوته الشياطين في الأرض "، قال: أضلته في الأرض حيران.
13425 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، قال: الأوثان .
13426 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " استهوته الشياطين في الأرض حيران "، قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق, فذلك مثل من يضلّ بعد إذ هدي. (27)
13427- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، حدثنا رجل, عن مجاهد قال،" حيران "، هذا مثل ضربه الله للكافر, يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب.
13428 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا "، حتى بلغ لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، علمها الله محمدًا وأصحابه، يخاصمون بها أهلَ الضلالة.
* * *
وقال آخرون في تأويل ذلك، بما:-
13429 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى "، فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله, وهو رجل أطاعَ الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحار عن الحقّ وضل عنه, وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدًى. يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله, والضلالة ما تدعو إليه الجنّ.
* * *
فكأنّ ابن عباس = على هذه الرواية = يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أنّ ذلك هدى, وأنّ الله أكذبهم بقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ، لا ما يدعوه إليه أصحابه.
وهذا تأويل له وجه، لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابه " هدى ", وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه: أنهم هم الذين سموه, ولكن الله سماه " هدى ", وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه. وغير جائز أن يسمي الله " الضلال " هدى، لأن ذلك كذب, وغير جائز وصف الله بالكذب، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته. وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب، لو كان ذلك خبرًا من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له: " تعال إلى الهدى "، فأما وهو قائل: " يدعونه إلى الهدى ", فغير جائز أن يكون ذلك، وهم كانوا يدعونه إلى الضلال.
* * *
وأما قوله: " ائتنا "، فإن معناه: يقولون: ائتنا، هلم إلينا = فحذف " القول "، لدلالة الكلام عليه.
* * *
وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) .
13430 - حدثنا بذلك ابن وكيع قال، حدثنا غندر, عن شعبة, عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا).
13431 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: في قراءة ابن مسعود: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) ، قال: " الهدى " الطريق, أنه بين.
* * *
وإذا قرئ ذلك كذلك, كان " البين " من صفة " الهدى ", ويكون نصب " البين " على القطع من " الهدى ", (28) كأنه قيل: يدعونه إلى الهدى البين, ثم نصب " البين " لما حذفت " الألف واللام " , وصار نكرة من صفة المعرفة.
* * *
وهذه القراءة التي ذكرناها عن ابن مسعود تؤيد قول من قال: " الهدى " في هذا الموضع، هو الهدى على الحقيقة.
* * *
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، القائلين لأصحابك: " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، فإنا على هدى " =: ليس الأمر كما زعمتم =" إن هدى الله هو الهدى "، يقول: إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه، وسبيلنا الذي أمرنا بلزومه، ودينه الذي شرعه لنا فبينه, هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها, لا عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع, فلا نترك الحق ونتبع الباطل =" وأمرنا لنسلم لرب العالمين "، يقول: وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه, (29) لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية, فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة.
* * *
وقد بينا معنى " الإسلام " بشواهده فيما مضى من كتابنا، بما أغنى عن إعادته. (30)
* * *
وقيل: " وأمرنا لنسلم "، بمعنى: وأمرنا كي نسلم, وأن نسلم لرب العالمين = لأن العرب تضع " كي" و " اللام " التي بمعنى " كي"، مكان " أن " و " أن " مكانها .
--------------------------
الهوامش :
(24) انظر تفسير"الرد على الأعقاب" فيما سلف 3: 163 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 196.
(25) "حيرورة" ، مصدر مثل"صيرورة" ، ولم تذكره كتب اللغة ، فهذا مما يستفاد من أبي جعفر ، ويزاد على كتب اللغة.
(26) قوله"تائهًا ضالا" ، ساقطة من المطبوعة ، ثابتة في المخطوطة.
(27) في المطبوعة: "كذلك مثل" ، وفي المخطوطة: "لذلك مثل . . ." ، والصواب ما أثبت.
(28) انظر تفسير"القطع" فيما سلف من فهارس المصطلحات ، وهذا بيان صريح أن"القطع" هو النكرة إذا صار صفة لمعرفة.
(29) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).
(30) انظر تفسير"الإسلام" فيما سلف من فهارس اللغة (سلم).
وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٧٢﴾
القول في تأويل قوله : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأمرنا أنْ أقيموا الصلاة.
* * *
وإنما قيل: " وأن أقيموا الصلاة "، فعطف ب " أن " على " اللام " من لِنُسْلِمَ ، لأن قوله: لِنُسْلِمَ معناه: أن نسلم, فردّ قوله: " وأن أقيموا " على معنى: لِنُسْلِمَ , إذ كانت " اللام " التي في قوله: لِنُسْلِمَ , لامًا لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال, وكانت " أن " من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة " اللام " التي في لِنُسْلِمَ , فعطف بها عليها، لاتفاق معنيهما فيما ذكرت.
ف " أن " في موضع نصب بالردّ على اللام. (31)
* * *
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إما أن يكون ذلك،" أمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة ", يقول: أمرنا كي نسلم, كما قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (32) [سورة يونس: 104] ، أي: إنما أمرت بذلك. (33) ثم قال: " وأن أقيموا الصلاة واتقوه "، أي: أمرنا أن أقيموا الصلاة = أو يكون أوصل الفعل باللام, والمعنى: أمرت أن أكون, كما أوصل الفعل باللام في قوله: هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف: 154].
* * *
فتأويل الكلام: وأمرنا بإقامة الصلاة, وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا (34) =" واتقوه "، يقول: واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له, فخافوه واحذروا سَخطه، بأداء الصلاة المفروضة عليكم، والإذعان له بالطاعة، وإخلاص العبادة له =" وهو الذي إليه تحشرون "، يقول: وربكم رب العالمين، هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة, (35) فيجازي كلَّ عامل منكم بعمله, وتوفي كل نفس ما كسبت.
---------------------
الهوامش :
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 339.
(32) في المطبوعة والمخطوطة: "وأمرت لأن أكون من المؤمنين" ، وهذه ليست آية في كتاب الله ، بل الآية هي التي ذكرت ، وهي حق الاستدلال في هذا الموضع.
(33) في المطبوعة والمخطوطة: "إنما أمرت لذلك" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت.
(34) انظر تفسير"إقامة الصلاة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) (صلا).
(35) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 373 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.