Ibn Kathir
· Al-An'aamOuvrir dans le lecteurٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾
[ بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة وما توفيقي إلا بالله ] تفسير سورة الأنعام [ وهي مكية ] قال العوفي وعكرمة وعطاء ، عن ابن عباس : أنزلت سورة الأنعام بمكة سبب نزولها . وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة ، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح
وقال سفيان الثوري ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة [ واحدة ] وأنا آخذة بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة
وقال شريك ، عن ليث ، عن شهر ، عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض
وقال السدي ، عن مرة ، عن عبد الله قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة .
وروي نحوه من وجه آخر ، عن ابن مسعود .
وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي ، أخبرنا جعفر بن عون ، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " . ثم قال : صحيح على شرط مسلم
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي ، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي ، عن نافع بن مالك أبي سهيل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة ، سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج " ، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : " سبحان الله العظيم ، سبحان الله العظيم "
ثم روى ابن مردويه ، عن الطبراني ، عن إبراهيم بن نائلة ، عن إسماعيل بن عمرو ، عن يوسف بن عطية ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله : " نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة ، وشيعها سبعون ألفا من الملائكة ، لهم زجل بالتسبيح والتحميد "
يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة ، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم ، فجمع لفظ " الظلمات " ووحد لفظ " النور " ; لكونه أشرف ، كما قال ( عن اليمين والشمائل ) [ النحل : 48 ] ، وكما قال في آخر هذه السورة ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) [ الأنعام : 153 ] .
وقوله : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) أي : ومع هذا كله كفر به بعض عباده ، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢﴾
وقوله : ( هو الذي خلقكم من طين ) يعني : أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا ، فانتشروا في المشارق والمغارب .
وقوله : ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ثم قضى أجلا ) يعني : الموت ( وأجل مسمى عنده ) يعني : الآخرة .
وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .
وقول الحسن - في رواية عنه : ( ثم قضى أجلا ) قال : ما بين أن يخلق إلى أن يموت ( وأجل مسمى عنده ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث - هو يرجع إلى ما تقدم ، وهو تقدير الأجل الخاص ، وهو عمر كل إنسان ، وتقدير الأجل العام ، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها ، [ وانتقالها ] والمصير إلى الدار الآخرة .
وعن ابن عباس ومجاهد : ( ثم قضى أجلا ) يعني : مدة الدنيا ( وأجل مسمى عنده ) يعني : عمر الإنسان إلى حين موته ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم [ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ] ) الآية [ الأنعام : 60 ] .
وقال عطية ، عن ابن عباس ( ثم قضى أجلا ) يعني : النوم ، يقبض فيه الروح ، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ( وأجل مسمى عنده ) يعني : أجل موت الإنسان ، وهذا قول غريب .
ومعنى قوله : ( عنده ) أي : لا يعلمه إلا هو ، كقوله تعالى : ( إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) [ الأعراف : 187 ] ، وكقوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) [ النازعات : 42 - 44 ] .
وقوله : ( ثم أنتم تمترون ) قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .
وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾
وقوله : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال ، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأول القائلين بأنه - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - في كل مكان ; حيث حملوا الآية على ذلك ، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض ، أي : يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ، ويسمونه الله ، ويدعونه رغبا ورهبا ، إلا من كفر من الجن والإنس ، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) [ الزخرف : 84 ] ، أي : هو إله من في السماء وإله من في الأرض ، وعلى هذا فيكون قوله : ( يعلم سركم وجهركم ) خبرا أو حالا .
والقول الثاني : أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض ، من سر وجهر . فيكون قوله : ( يعلم ) متعلقا بقوله : ( في السماوات وفي الأرض ) تقديره : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون .
والقول الثالث أن قوله ( وهو الله في السماوات ) وقف تام ، ثم استأنف الخبر فقال : ( وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) وهذا اختيار ابن جرير .
وقوله : ( ويعلم ما تكسبون ) أي : جميع أعمالهم خيرها وشرها .
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤﴾
يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين : إنهم مهما أتتهم ) من آية ) أي : دلالة ومعجزة وحجة ، من الدلالات على وحدانية الرب ، عز وجل ، وصدق رسله الكرام ، فإنهم يعرضون عنها ، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها .
فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٥﴾
قال الله تعالى : ( فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق ، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب ، وليجدن غبه ، وليذوقن وباله .
أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ﴿٦﴾
ثم قال تعالى واعظا ومحذرا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة ، وأكثر جمعا ، وأكثر أموالا وأولادا واستغلالا للأرض وعمارة لها ، فقال ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) أي : من الأموال والأولاد والأعمار ، والجاه العريض ، والسعة والجنود ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) أي : شيئا بعد شيء ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) أي : أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض ، أي : استدراجا وإملاء لهم ( فأهلكناهم بذنوبهم ) أي : بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها ( وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أي : فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث ( وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أي : جيلا آخر لنختبرهم ، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم . فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [ مثل ] ما أصابهم ، فما أنتم بأعز على الله منهم ، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم ، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم ، لولا لطفه وإحسانه .
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰبًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿٧﴾
يقول تعالى مخبرا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ) أي : عاينوه ، ورأوا نزوله ، وباشروا ذلك ( لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [ الحجر : 14 ، 15 ] وقال تعالى : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) [ الطور : 44 ] .
وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿٨﴾
( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) [ أي : فيكون معه نذيرا ] قال الله : ( ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) أي : لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب ، كما قال تعالى : ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) [ الحجر : 8 ] ، [ و ] قال تعالى : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [ ويقولون حجرا محجورا ] ) [ الفرقان : 22 ] .
وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴿٩﴾
وقوله : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي : ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا ، أي : لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة رجل لتفهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري ، كما قال تعالى : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) [ الإسراء : 95 ] ، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منهم ، ليدعو بعضهم بعضا ، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال ، كما قال تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ) الآية [ آل عمران : 164 ] .
قال الضحاك ، عن ابن عباس في [ قوله : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) ] الآية . يقول : لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل ; لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي : ولخلطنا عليهم ما يخلطون . وقال الوالبي عنه : ولشبهنا عليهم .
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿١٠﴾
وقوله : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) هذا تسلية لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب من كذبه من قومه ، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة .
قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾
ثم قال : ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : فكروا في أنفسكم ، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم ، من العذاب والنكال ، والعقوبة في الدنيا ، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة ، وكيف نجي رسله وعباده المؤمنون .
قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن ، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة ، كما ثبت في الصحيحين ، من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، - رضي الله عنه - ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي "
وقوله : ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) هذه اللام هي الموطئة للقسم ، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [ وهو يوم القيامة ] الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده المؤمنين ، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون .
وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة ، حدثنا عباس بن محمد ، حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا محصن بن عقبة اليماني ، عن الزبير بن شبيب ، عن عثمان بن حاضر ، عن ابن عباس قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوقوف بين يدي رب العالمين ، هل فيه ماء؟ قال : " والذي نفسي بيده ، إن فيه لماء ، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء ، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار ، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء " .
هذا حديث غريب وفي الترمذي : " إن لكل نبي حوضا ، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة ، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة
ولهذا قال : ( الذين خسروا أنفسهم ) [ أي يوم القيامة ] ( فهم لا يؤمنون ) أي : لا يصدقون بالمعاد ، ولا يخافون شر ذلك اليوم .
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿١٣﴾
ثم قال تعالى ( وله ما سكن في الليل والنهار ) أي : كل دابة في السموات والأرض ، الجميع عباده وخلقه ، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره ، ولا إله إلا هو ( وهو السميع العليم ) أي : السميع لأقوال عباده ، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم .
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿١٤﴾
ثم قال لعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم ، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه المستقيم : ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ) كما قال ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) [ الزمر : 64 ] ، والمعنى : لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له ، فإنه فاطر السموات والأرض ، أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق .
( وهو يطعم ولا يطعم ) أي : وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم ، كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ] ) [ الذاريات : 56 - 58 ] .
وقرأ بعضهم هاهنا : ( وهو يطعم ولا يطعم ) الآية أي : لا يأكل .
وفي حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فانطلقنا معه ، فلما طعم النبي - صلى الله عليه وسلم - وغسل يديه قال : الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ، ومن علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله غير مودع ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه ، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام ، وسقانا من الشراب ، وكسانا من العري ، وهدانا من الضلال ، وبصرنا من العمى ، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين "
( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) أي : من هذه الأمة
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾
( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) يعني : يوم القيامة .
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴿١٦﴾
( من يصرف عنه ) يعني : العذاب ( يومئذ فقد رحمه ) يعني : فقد رحمه الله ( وذلك الفوز المبين ) كما قال : ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) [ آل عمران : 185 ] ، والفوز : هو حصول الربح ونفي الخسارة .
وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٧﴾
يقول تعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع ، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) كما قال تعالى : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) الآية [ فاطر : 2 ] وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد "
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿١٨﴾
ولهذا قال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) أي : هو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة ، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره
( وهو الحكيم ) أي : في جميع ما يفعله ) الخبير ) بمواضع الأشياء ومحالها ، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق .
قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿١٩﴾
م قال : ( قل أي شيء أكبر شهادة ) أي : من أعظم الأشياء [ شهادة ] ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) أي : هو العالم بما جئتكم به ، وما أنتم قائلون لي : ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) أي : وهو نذير لكل من بلغه ، كما قال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب في قوله : ( ومن بلغ ) [ قال ] من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - - زاد أبو خالد : وكلمه .
ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر ، عن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( لأنذركم به ومن بلغ ) إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " بلغوا عن الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " .
وقال الربيع بن أنس : حق على من اتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو كالذي دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ينذر كالذي أنذر .
وقوله : ( أئنكم لتشهدون ) [ أي ] أيها المشركون ( أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ) كما قال تعالى : ( فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) [ الأنعام : 150 ] ( قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون )
ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠﴾
ثم قال مخبرا عن أهل الكتاب : إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم ، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء ، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد - صلى الله عليه وسلم - وببعثه وصفته ، وبلده ومهاجره ، وصفة أمته ; ولهذا قال بعد هذا : ( الذين خسروا أنفسهم ) أي : خسروا كل الخسارة ( فهم لا يؤمنون ) بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٢١﴾
ثم قال : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) أي : لا أظلم ممن تقول على الله ، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله ، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته ( إنه لا يفلح الظالمون ) أي : لا يفلح هذا ولا هذا ، لا المفتري ولا المكذب .
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٢٢﴾
يقول تعالى مخبرا عن المشركين : ( ويوم نحشرهم جميعا ) يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلا [ لهم ] ( أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) كما قال تعالى في سورة القصص : ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) [ الآية : 62 ] .
ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢٣﴾
وقوله : ( ثم لم تكن فتنتهم ) أي : حجتهم . وقال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : أي : معذرتهم . وكذا قال قتادة . وقال ابن جريج ، عن ابن عباس : أي قيلهم . وكذا قال الضحاك .
وقال عطاء الخراساني : ثم لم تكن بليتهم حين ابتلوا ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين )
وقال ابن جرير : والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين )
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن مطرف ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال يا أبا عباس . سمعت الله يقول : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) قال : أما قوله : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة ، فقالوا : تعالوا فلنجحد ، فيجحدون ، فيختم الله على أفواههم ، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا ، فهل في قلبك الآن شيء ؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل فيه شيء ، ولكن لا تعلمون وجهه .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : هذه في المنافقين .
وفي هذا نظر ، فإن هذه الآية مكية ، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة ، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له [ كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ] ) [ المجادلة : 18 ]
ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾
وهكذا قال في حق هؤلاء : ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) كما قال ( ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا [ بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ] ) [ غافر : 73 ، 74 ] .
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾
وقوله : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) أي : يجيؤوك ليسمعوا قراءتك ، ولا تجزي عنهم شيئا ; لأن الله جعل ( على قلوبهم أكنة ) أي : أغطية لئلا يفقهوا القرآن ( وفي آذانهم وقرا ) أي : صمما عن السماع النافع ، فهم كما قال تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ] ) [ البقرة : 171 ] . وقوله : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) أي : مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات ، لا يؤمنوا بها . فلا فهم عندهم ولا إنصاف ، كما قال تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ] ) [ الأنفال : 23 ] .
وقوله : ( حتى إذا جاءوك يجادلونك ) أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل ( يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) أي : ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم .
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾
وقوله : ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) وفي معنى ( ينهون عنه ) قولان : أحدهما : أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق ، وتصديق الرسول ، والانقياد للقرآن ، وينسأون عنه أي : [ ويبتعدون هم عنه ، فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ] ولا يتركون أحدا ينتفع [ ويتباعدون ] قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وهم ينهون عنه ) قال : ينهون الناس عن محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنوا به .
وقال محمد بن الحنفية : كان كفار قريش لا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وينهون عنه .
وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك ، وغير واحد . وهذا القول أظهر ، والله أعلم ، وهو اختيار ابن جرير .
والقول الثاني : رواه سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله : ( وهم ينهون عنه ) قال : نزلت في أبي طالب كان ينهى [ الناس ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤذى
وكذا قال القاسم بن مخيمرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار : إنها نزلت في أبي طالب . وقال سعيد بن أبي هلال : نزلت في عمومة النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، وكانوا عشرة ، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر . رواه ابن أبي حاتم .
وقال محمد بن كعب القرظي : ( وهم ينهون عنه ) أي : ينهون الناس عن قتله .
[ و ] قوله : ( وينأون عنه ) أي : يتباعدون منه ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) أي : وما يهلكون بهذا الصنيع ، ولا يعود وباله إلا عليهم ، وما يشعرون .
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾
يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار ، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال ، فعند ذلك قالوا ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ، ليعملوا عملا صالحا ، ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين .
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿٢٨﴾
قال تعالى : ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) أي : بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة ، وإن أنكروها ، في الدنيا أو في الآخرة ، كما قال قبل هذا بيسير ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم )
ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا ، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه ، كما قال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون : ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ) الآية [ الإسراء : 102 ] . قال تعالى مخبرا عن فرعون وقومه : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) [ النمل : 14 ] .
ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر ، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار ، ولا ينافي هذا كون هذه [ السورة ] مكية ، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت ، فقال : ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) [ العنكبوت : 11 ] ; وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة ، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق ، والله أعلم .
وأما معنى الإضراب في قوله : ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) فهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان ، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر ، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار ; ولهذا قال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) أي : في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان .
ثم قال مخبرا عنهم : إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا ، لعادوا لما نهوا عنه [ من الكفر والمخالفة ] ( وإنهم لكاذبون ) أي : في قولهم : ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين )
وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿٢٩﴾
( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) أي : لعادوا لما نهوا عنه ، إنهم لكاذبون ولقالوا : ( إن هي إلا حياتنا ) أي : ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ، ثم لا معاد بعدها ; ولهذا قال : ( وما نحن بمبعوثين )
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٠﴾
ثم قال ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) أي : أوقفوا بين يديه قال : ( أليس هذا بالحق ) أي : أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون؟ ( قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أي : بما كنتم تكذبون به ، فذوقوا اليوم مسه ( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) [ الطور : 15 ]
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١﴾
يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة ، وعن ندامته على ما فرط من العمل ، وما أسلف من قبيح الفعال ولهذا قال : ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها )
وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة [ الدنيا ] وعلى الأعمال ، وعلى الدار الآخرة ، أي : في أمرها .
وقوله ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ) أي : يحملون . وقال قتادة : يعملون .
[ و ] قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق قال : ويستقبل الكافر - أو : الفاجر - - عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن ريحا ، فيقول : من أنت؟ فيقول : أو ما تعرفني؟ فيقول : لا والله إلا أن الله [ قد ] قبح وجهك ونتن ريحك . فيقول : أنا عملك الخبيث ، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه ، طالما ركبتني في الدنيا ، هلم أركبك ، فهو قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم [ ألا ساء ما يزرون ] )
وقال أسباط : عن السدي أنه قال : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه ، أسود اللون ، منتن الرائحة عليه ثياب دنسة ، حتى يدخل معه قبره ، فإذا رآه قال : ما أقبح وجهك! قال : كذلك كان عملك قبيحا قال : ما أنتن ريحك! قال : كذلك كان عملك منتنا ! قال : ما أدنس ثيابك ، قال : فيقول : إن عملك كان دنسا . قال له : من أنت؟ قال : أنا عملك! قال : فيكون معه في قبره ، فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات ، وأنت اليوم تحملني . قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار ، فذلك قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون )
وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٣٢﴾
وقوله : ( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) أي : إنما غالبها كذلك ( وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون )
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٣٣﴾
يقول تعالى مسليا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) أي : قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك ، وحزنك وتأسفك عليهم ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) [ فاطر : 8 ] كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) [ الشعراء : 3 ] ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) [ الكهف : 7 ]
وقوله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) أي : لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) أي : ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم ، كما قال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن علي [ رضي الله عنه ] قال : قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون )
ورواه الحاكم ، من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة ، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي ، عن سلام بن مسكين ، عن أبي يزيد المدني ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي أبا جهل فصافحه ، قال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟ ! فقال : والله إني أعلم إنه لنبي ، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ ! وتلا أبو يزيد : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون )
قال أبو صالح وقتادة : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
وذكر محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل ، هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ، ولا يشعر واحد منهم بالآخر . فاستمعوها إلى الصباح ، فلما هجم الصبح تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقال كل منهم للآخر : ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له ثم تعاهدوا ألا يعودوا ، لما يخافون من علم شباب قريش بهم ، لئلا يفتتنوا بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان ، لما تقدم من العهود ، فلما أجمعوا جمعتهم الطريق ، فتلاوموا ، ثم تعاهدوا ألا يعودوا . فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا ، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ ثم تفرقوا ]
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به .
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ، قال : فقام عنه الأخنس وتركه
وروى ابن جرير ، من طريق أسباط ، عن السدي ، في قوله : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة ، إن محمدا ابن أختكم ، فأنتم أحق من كف عنه . فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا . فيومئذ سمي الأخنس : وكان اسمه " أبي " فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد : أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا . فقال أبو جهل : ويحك! والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجاب والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) فآيات الله : محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾
وقوله ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ) هذه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعزية له فيمن كذبه من قومه ، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، ووعد له بالنصر كما نصروا ، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة ، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ ، ثم جاءهم النصر في الدنيا ، كما لهم النصر في الآخرة ; ولهذا قال : ( ولا مبدل لكلمات الله ) أي : التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين ، كما قال : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) [ الصافات : 171 - 173 ] ، وقال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) [ المجادلة : 21 ] .
وقوله : ( ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) أي : من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم ، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة .
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿٣٥﴾
ثم قال تعالى : ( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) أي : إن كان شق عليك إعراضهم عنك ( فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : النفق : السرب ، فتذهب فيه ( فتأتيهم بآية ) أو تجعل لك سلما في السماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما آتيتهم به ، فافعل .
وكذا قال قتادة والسدي ، وغيرهما .
وقوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ] ) [ يونس : 99 ] ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول .
۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٣٦﴾
وقوله : ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) أي : إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه ، كقوله : ( لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) [ يس : 70 ] ، وقوله ( والموتى يبعثهم الله ) يعني : بذلك الكفار ; لأنهم موتى القلوب ، فشبههم الله بأموات الأجساد فقال : ( والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) وهذا من باب التهكم بهم ، والازدراء عليهم .
وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٧﴾
يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون : ( لولا نزل عليه آية من ربه ) أي : خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ، ومما يتعنتون كما قالوا : ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) الآيات [ الإسراء : 90 ] .
( قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي : هو تعالى قادر على ذلك ، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك ; لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا ، لعاجلهم بالعقوبة ، كما فعل بالأمم السالفة ، كما قال تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] ، وقال تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) [ الشعراء : 4 ] .
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿٣٨﴾
وقوله : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) قال مجاهد : أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها . وقال قتادة : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة . وقال السدي : ( إلا أمم أمثالكم ) أي : خلق أمثالكم .
وقوله : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) أي : الجميع علمهم عند الله ، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره ، سواء كان بريا أو بحريا ، كما قال : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] أي : مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها ، وحاصر لحركاتها وسكناتها ، وقال [ الله ] تعالى : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) [ العنكبوت : 60 ]
وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد ، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان ، حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قل الجراد في سنة من سني عمر ، - رضي الله عنه - ، التي ولي فيها ، فسأل عنه فلم يخبر بشيء ، فاغتم لذلك . فأرسل راكبا إلى كذا ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق يسأل : هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة جراد فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبر ثلاثا ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " خلق الله ، عز وجل ، ألف أمة ، منها ستمائة في البحر ، وأربعمائة في البر . وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه .
وقوله ( ثم إلى ربهم يحشرون ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ثم إلى ربهم يحشرون ) قال : حشرها الموت .
وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل ، عن سعيد ، عن مسروق ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : موت البهائم حشرها . وكذا رواه العوفي ، عنه .
قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد والضحاك ، مثله .
والقول الثاني : إن حشرها هو بعثها يوم القيامة كما قال تعالى : ( وإذا الوحوش حشرت ) [ التكوير : 5 ]
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن منذر الثوري ، عن أشياخ لهم ، عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى شاتين تنتطحان ، فقال : " يا أبا ذر ، هل تدر فيم تنتطحان؟ " قال : لا . قال " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما "
ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الأعمش ، عمن ذكره عن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ انتطحت عنزان ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون فيم انتطحتا؟ " قالوا : لا ندري . قال : " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما " . رواه ابن جرير ، ثم رواه من طريق منذر الثوري ، عن أبي ذر ، فذكره وزاد : قال أبو ذر : ولقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثني عباس بن محمد وأبو يحيى البزار قالا حدثنا حجاج بن نصير ، حدثنا شعبة ، عن العوام بن مراجم - من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي عثمان النهدي ، عن عثمان ، - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة "
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة في قوله : ( إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) قال : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء . قال : ثم يقول : كوني ترابا . فلذلك يقول الكافر : ( يا ليتني كنت ترابا ) [ النبأ : 40 ] ، وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٣٩﴾
وقوله ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) أي : مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم - وهو الذي لا يسمع - أبكم - وهو الذي لا يتكلم - وهو مع هذا في ظلام لا يبصر ، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق ، أو يخرج مما هو فيه؟ كما قال تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [ البقرة : 17 ، 18 ] ) وكما قال [ تعالى ] ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) [ النور : 40 ] ; ولهذا قال تعالى : ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) أي : هو المتصرف في خلقه بما يشاء .
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿٤٠﴾
يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد ، المتصرف في خلقه بما يشاء ، وأنه لا معقب لحكمه ، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه ، بل هو وحده لا شريك له ، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء ; ولهذا قال : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ) أي : أتاكم هذا أو هذا ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين؟ ) أي : لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه ; ولهذا قال : ( إن كنتم صادقين ) أي : في اتخاذكم آلهة معه .
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿٤١﴾
( بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ) أي : في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كما قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) الآية [ الإسراء : 67 ] .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢﴾
وقوله : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ) يعني : الفقر والضيق في العيش ) والضراء ) وهي الأمراض والأسقام والآلام ( لعلهم يتضرعون ) أي : يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون .
فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾
قال الله تعالى : ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) أي : فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا ( ولكن قست قلوبهم ) أي : ما رقت ولا خشعت ( وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) أي : من الشرك والمعاصي .
فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾
( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) أي : فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون ، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم ، عياذا بالله من مكره ; ولهذا قال : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) أي : من الأموال والأولاد والأرزاق ( أخذناهم بغتة ) أي : على غفلة ( فإذا هم مبلسون ) أي : آيسون من كل خير .
قال الوالبي ، عن ابن عباس : المبلس : الآيس .
وقال الحسن البصري : من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به ، فلا رأي له . ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له ، ثم قرأ : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) قال الحسن : مكر بالقوم ورب الكعبة ; أعطوا حاجتهم ثم أخذوا . رواه ابن أبي حاتم .
وقال قتادة : بغت القوم أمر الله ، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم فلا تغتروا بالله ، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون . رواه ابن أبي حاتم أيضا .
وقال مالك ، عن الزهري : ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) قال : إرخاء الدنيا وسترها .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج " . ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون )
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث حرملة وابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، به
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد ، حدثني أبي ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن عبادة بن الصامت [ رضي الله عنه ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " إن الله [ تبارك وتعالى ] إذا أراد بقوم بقاء - أو : نماء - رزقهم القصد والعفاف ، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة "
( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) كما قال : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٥﴾
( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) كما قال : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿٤٦﴾
يقول الله تعالى لرسوله [ محمد ] - صلى الله عليه وسلم - : قل لهؤلاء المكذبين المعاندين : ( أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ) أي : سلبكم إياها كما أعطاكموها فإنه ( هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار [ والأفئدة قليلا ما تشكرون ] ) [ الملك : 33 ] .
ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي ; ولهذا قال : ( وختم على قلوبكم ) كما قال : ( أمن يملك السمع والأبصار ) [ يونس : 31 ] ، وقال : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) [ الأنفال : 24 ] .
وقوله : ( من إله غير الله يأتيكم به ) أي : هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه ; ولهذا قال [ عز شأنه ] ( انظر كيف نصرف الآيات ) أي : نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا الله ، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ( ثم هم يصدفون ) أي : ثم هم مع هذا البيان يعرضون عن الحق ، ويصدون الناس عن اتباعه .
قال العوفي ، عن ابن عباس ) يصدفون ) أي يعدلون . وقال مجاهد وقتادة : يعرضون : وقال السدي : يصدون .
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٤٧﴾
وقوله : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ) أي : وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم .
( أو جهرة ) أي : ظاهرا عيانا ( هل يهلك إلا القوم الظالمون ) أي : إنما : كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله [ عز وجل ] وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . كما قال تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ] ) [ الأنعام : 82 ] . .
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٤٨﴾
وقوله : ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) أي : مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات . ولهذا قال [ سبحانه وتعالى ] ( فمن آمن وأصلح ) أي : فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم ( فلا خوف عليهم ) أي : بالنسبة إلى ما يستقبلونه ( ولا هم يحزنون ) أي : بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها ، الله وليهم فيما خلفوه ، وحافظهم فيما تركوه .
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿٤٩﴾
ثم قال : ( والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ) أي : ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل ، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته ، وارتكبوا محارمه ومناهيه وانتهاك حرماته .
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴿٥٠﴾
يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) أي : لست أملكها ولا أتصرف فيها ( ولا أعلم الغيب ) أي : ولا أقول : إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله ، عز وجل ، لا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ( ولا أقول لكم إني ملك ) أي : ولا أدعي أني ملك ، إنما أنا بشر من البشر ، يوحى إلي من الله ، عز وجل ، شرفني بذلك ، وأنعم علي به ; ولهذا قال : ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه .
( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) أي : هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه ، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟ ( أفلا تتفكرون ) وهذه كقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب ) [ الرعد : 19 ] .
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٥١﴾
( الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) أي : يوم القيامة . ( ليس لهم ) أي : يومئذ ( من دونه ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ( لعلهم يتقون ) أي : أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ، عز وجل ( لعلهم يتقون ) فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه .
وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٥٢﴾
وقوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) أي : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك ، كما قال : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) [ الكهف : 28 ] .
وقوله ( يدعون ربهم ) أي : يعبدونه ويسألونه ( بالغداة والعشي ) قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة : المراد بذلك الصلوات المكتوبات .
وهذا كقوله [ تعالى ] ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] أي : أتقبل منكم .
وقوله : ( يريدون وجهه ) أي : يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم ، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات .
وقوله : ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) كما قال نوح ، - عليه السلام - ، في جواب الذين قالوا : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) [ قال ] ( وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) [ الشعراء : 112 ، 113 ] ، أي : إنما حسابهم على الله ، عز وجل ، وليس علي من حسابهم من شيء ، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء .
وقوله : ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) أي : إن فعلت هذا والحالة هذه .
قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثنا أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : خباب وصهيب وبلال وعمار . فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين )
ورواه ابن جرير ، من طريق أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : صهيب وبلال وعمار وخباب ، وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك ، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ، فنزلت هذه الآية : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) إلى آخر الآية
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود ، عن خباب في قول الله ، عز وجل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - حقروهم ، فأتوه فخلوا به ، وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت . قال : " نعم " . قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ، قال : فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية ، فنزل جبريل فقال : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم [ بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ] ) فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصحيفة ، ثم دعانا فأتيناه .
ورواه ابن جرير ، من حديث أسباط ، به .
وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر .
وقال سفيان الثوري ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه قال : قال سعد : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم ابن مسعود ، قال : كنا نسبق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وندنو منه ونسمع منه ، فقالت قريش : يدني هؤلاء دوننا ، فنزلت : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي )
رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان ، وقال : على شرط الشيخين . وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح ، به
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٥٣﴾
وقوله : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) أي : ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ( ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غالب من اتبعه في أول البعثة ، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل ، كما قال قوم نوح لنوح : ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) الآية [ هود : 27 ] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [ عن تلك ] المسائل ، فقال له : فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال : بل ضعفاؤهم . فقال : هم أتباع الرسل
والغرض : أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ، ويعذبون من يقدرون عليه منهم ، وكانوا يقولون : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) ؟ أي : ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا ، كما قالوا : ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) [ الأحقاف : 11 ] ، وكما قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) [ مريم : 73 ] .
قال الله تعالى في جواب ذلك : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ) [ مريم : 74 ] ، وقال في جوابهم حين قالوا : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أي : أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إليه صراطا مستقيما ، كما قال تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت : 69 ] . وفي الحديث الصحيح : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى ألوانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) الآية ، قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل ، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب ، لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا ، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه ، وتصديقنا له . قال : فأتى أبو طالب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثه بالذي كلموه فقال عمر بن الخطاب ، - رضي الله عنه - : لو فعلت ذلك ، حتى تنظر ما الذي يريدون ، وإلى ما يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله عز وجل ، هذه الآية : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ] ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء : ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القاري وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد - وأبو مرثد من غني حليف حمزة بن عبد المطلب - وأشباههم من الحلفاء . ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) الآية . فلما نزلت ، أقبل عمر ، - رضي الله عنه - ، فاعتذر من مقالته ، فأنزل الله ، عز وجل : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا [ فقل سلام ] ) الآية
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥٤﴾
وقوله : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) أي : فأكرمهم برد السلام عليهم ، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ; ولهذا قال : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : أوجبها على نفسه الكريمة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال بعض السلف : كل من عصى الله ، فهو جاهل .
وقال معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : ( من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال : الدنيا كلها جهالة . رواه ابن أبي حاتم .
( ثم تاب من بعده وأصلح ) أي : رجع عما كان عليه من المعاصي ، وأقلع وعزم على ألا يعود وأصلح العمل في المستقبل ( فأنه غفور رحيم )
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما قضى الله الخلق ، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي " . أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ورواه موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وكذا رواه الليث وغيره ، عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك
وقد روى ابن مردويه ، من طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق ، أخرج كتابا من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم . عتقاء الله " .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان في قوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) قال : إنا نجد في التوراة عطفتين : أن الله خلق السماوات والأرض ، وخلق مائة رحمة - أو : جعل مائة رحمة - قبل أن يخلق الخلق ، ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة . قال فبها يتراحمون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتباذلون وبها يتزاورون ، وبها تحن الناقة ، وبها تثج البقرة ، وبها تثغو الشاة ، وبها تتابع الطير ، وبها تتابع الحيتان في البحر . فإذا كان يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .
وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) [ الأعراف : 156 ]
ومما يناسب هذه الآية [ الكريمة ] من الأحاديث أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل : " أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا " ، ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم " وقد رواه الإمام أحمد ، من طريق كميل بن زياد ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ]
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٥٥﴾
يقول تعالى : وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد ، وذم المجادلة والعناد ( وكذلك نفصل الآيات ) أي : التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ( ولتستبين سبيل المجرمين ) أي : ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل ، وقرئ : " وليستبين سبيل المجرمين " أي : وليستبين يا محمد - أو يا مخاطب - سبيل المجرمين .
قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ ﴿٥٧﴾
وقوله : ( قل إني على بينة من ربي ) أي : على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي ) وكذبتم به ) أي : بالحق الذي جاءني من [ عند ] الله ( ما عندي ما تستعجلون به ) أي : من العذاب ( إن الحكم إلا لله ) أي : إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك ، وإن شاء أنظركم وأجلكم ; لما له في ذلك من الحكمة العظيمة . ولهذا قال ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) أي : وهو خير من فصل القضايا ، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده .
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٥٨﴾
وقوله : ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ) أي : لو كان مرجع ما تستعجلون به إلي ، لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ( والله أعلم بالظالمين )
فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية ، وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال : " لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة ; إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل - عليه السلام - ، فناداني ، فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " . قال : " فناداني ملك الجبال وسلم علي ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربك إليك ، لتأمرني بأمرك ، فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ، لا يشرك به شيئا " ، وهذا لفظ مسلم
فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم ، فاستأنى بهم ، وسأل لهم التأخير ، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا . فما الجمع بين هذا ، وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين ) ؟
فالجواب - والله أعلم - : أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له ، لأوقعه بهم . وأما الحديث ، فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا - فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ ﴿٥٩﴾
وقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان : 34 ] .
وفي حديث عمر [ رضي الله عنه ] أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان ، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال له : " خمس لا يعلمهن إلا الله " ، ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية [ لقمان : 34 ] .
وقوله : ( ويعلم ما في البر والبحر ) أي : يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات ، بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . وما أحسن ما قال الصرصري :
فلا يخفى عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى
وقوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي : ويعلم الحركات حتى من الجمادات ، فما ظنك بالحيوانات ، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم ، كما قال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن حسان النمري عن ابن عباس في قوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) قال : ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها ، يكتب ما يسقط منها .
وقوله : ( ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يا بس إلا في كتاب مبين ) قال محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن النضر ، عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورا ، على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ، عز وجل ، على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله ، عز وجل ، إليه في كل يوم ملكا من عنده : أن احتفظ بما عندك .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري : حدثنا مالك بن سعير ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها : رطوبتها إذا رطبت ، ويبسها إذا يبست .
وكذا رواه ابن جرير ، عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني ، عن مالك بن سعير ، به
ثم قال ابن أبي حاتم : ذكر عن أبي حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح ، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق ، أو رزق حلال أو حرام ، أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) إلى آخر الآية .
وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾
يخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل ، وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي [ ومطهرك من الذين كفروا ] ) [ آل عمران : 55 ] ، وقال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) [ الزمر : 42 ] ، فذكر في هذه الآية الوفاتين : الكبرى والصغرى ، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى ، فقال : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار . وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم ، في حال سكونهم وفي حال حركتهم ، كما قال : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] ، وكما قال تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ) أي : في الليل ( ولتبتغوا من فضله ) [ القصص : 73 ] أي : في النهار ، كما قال : ( وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ) [ النبأ : 10 ، 11 ; ولهذا قال هاهنا : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ما كسبتم بالنهار ) ثم يبعثكم فيه ) أي : في النهار . قاله مجاهد وقتادة والسدي .
وقال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير : أي في المنام .
والأول أظهر . وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ، ويرد إليه . فإن أذن الله في قبض روحه قبضه ، وإلا رد إليه " ، فذلك قوله : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل )
وقوله ( ليقضى أجل مسمى ) يعني به : أجل كل واحد من الناس ( ثم إليه مرجعكم ) أي : يوم القيامة ( ثم ينبئكم ) أي : فيخبركم ( بما كنتم تعملون ) أي : ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾
وقوله : ( وهو القاهر فوق عباده ) أي : هو الذي قهر كل شيء ، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء .
( ويرسل عليكم حفظة ) أي : من الملائكة يحفظون بدن الإنسان ، كما قال [ تعالى ] ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) [ الرعد : 11 ] ، وحفظة يحفظون عمله ويحصونه [ عليه ] كما قال : ( وإن عليكم لحافظين [ كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ] ) [ الانفطار : 10 - 12 ] ، وقال : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 17 ، 18 ] .
وقوله : ( حتى إذا جاء أحدكم الموت ) أي : [ إذا ] احتضر وحان أجله ( توفته رسلنا ) أي : ملائكة موكلون بذلك .
قال ابن عباس وغير واحد : لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد ، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ] ) [ إبراهيم : 27 ] ، الأحاديث المتعلقة بذلك ، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة .
وقوله : ( وهم لا يفرطون ) أي : في حفظ روح المتوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ، عز وجل ، إن كان من الأبرار ففي عليين ، وإن كان من الفجار ففي سجين ، عياذا بالله من ذلك .
ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ ﴿٦٢﴾
وقوله : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) قال ابن جرير : ( ثم ردوا ) يعني : الملائكة ( إلى الله مولاهم الحق )
ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد [ عن أبي هريرة في ذكر صعود الملائكة بالروح من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل ] حيث قال : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقال : فلان ، فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان . فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل . وإذا كان الرجل السوء ، قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء . فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر ، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول
هذا حديث غريب
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ( ثم ردوا إلى الله ) يعني : الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة ، فيحكم فيهم بعدله ، كما قال [ تعالى ] ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) [ الواقعة : 49 ، 50 ] ، وقال ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) إلى قوله : ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 47 - 49 ] ; ولهذا قال : ( مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين )
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٦٣﴾
يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم ( من ظلمات البر والبحر ) أي : الحائرين الواقعين في المهامه البرية ، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الريح العاصفة ، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له ، كما قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ] ) [ الإسراء : 67 ] وقال تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) [ يونس : 22 ] وقال تعالى : ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ) [ النمل : 63 ] .
وقال في هذه الآية الكريمة : ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ) أي : جهرا وسرا ( لئن أنجانا من هذه ) أي : من هذه الضائقة ( لنكونن من الشاكرين ) أي : بعدها
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾
قال الله [ تعالى ] ( قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ) أي : بعد ذلك ) تشركون ) أي : تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى .
قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾
وقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لما قال : ( ثم أنتم تشركون ) عقبه بقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا [ من فوقكم أو من تحت أرجلكم ] ) أي : بعد إنجائه إياكم ، كما قال في سورة سبحان : ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) [ الإسراء : 66 - 69 ] .
قال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هارون الأعور ، عن جعفر بن سليمان عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : هذه للمشركين .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد [ في قوله ] ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فعفا عنهم .
ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، وبه الثقة .
قال البخاري رحمه الله ، في قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) يلبسكم : يخلطكم ، من الالتباس ، يلبسوا : يخلطوا . شيعا : فرقا .
حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بوجهك " . ( أو من تحت أرجلكم ) قال : " أعوذ بوجهك " . ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه أهون - أو قال : هذا أيسر " .
وهكذا رواه أيضا في " كتاب التوحيد " عن قتيبة ، عن حماد به
ورواه النسائي [ أيضا ] في " التفسير " ، عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي أربعتهم ، عن حماد بن زيد ، به .
وقد رواه الحميدي في مسنده ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمع جابرا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، به .
ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن أبي خيثمة ، عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع ، كلهم عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه أبو بكر بن مردويه ، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي ، عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ، كلاهما عن عمرو بن دينار ، به
طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا مقدام بن داود ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن أبي الزبير عن جابر قال : لما نزلت : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو من تحت أرجلكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو يلبسكم شيعا ) قال : " هذا أيسر " ، ولو استعاذه لأعاذه
ويتعلق بهذه الآية [ الكريمة ] أحاديث كثيرة :
أحدها : قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا أبو بكر - هو ابن أبي مريم - عن راشد - هو ابن سعد المقرئي - عن سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ] قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) فقال : " أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد " .
وأخرجه الترمذي ، عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، به ثم قال : هذا حديث غريب . [ جدا ]
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى - هو ابن عبيد - حدثنا عثمان بن حكيم ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررنا على مسجد بني معاوية ، فدخل فصلى ركعتين ، فصلينا معه ، فناجى ربه ، عز وجل ، طويلا قال سألت ربي ثلاثا " سألته ألا يهلك أمتي بالغرق ، فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .
انفرد بإخراجه مسلم فرواه في " كتاب الفتن " عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، كلاهما عن عبد الله بن نمير - وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر ، عن مروان بن معاوية كلاهما عن عثمان بن حكيم ، به
حديث آخر : قال الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك ; أنه قال : جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي : هل تدري أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدكم هذا؟ فقلت : نعم . فأشرت إلى ناحية منه ، فقال : هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت : نعم . فقال : وأخبرني بهن ، فقلت دعا ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، ولا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعها . قال : صدقت ، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة "
ليس هو في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، ولله الحمد والمنة .
حديث آخر : قال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عباد ، عن حنيف ، عن علي بن عبد الرحمن أخبرني حذيفة بن اليمان قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حرة بني معاوية ، قال : فصلى ثماني ركعات ، فأطال فيهن ، ثم التفت إلي فقال : حبستك؟ قلت الله ورسوله أعلم . قال : إني سألت الله ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم ، فأعطاني وسألته ألا يهلكهم بغرق ، فأعطاني . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعني " .
رواه ابن مردويه من حديث ابن إسحاق
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبيدة بن حميد ، حدثني سليمان الأعمش ، عن رجاء الأنصاري ، عن عبد الله بن شداد عن معاذ بن جبل ، - رضي الله عنه - ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلبه فقيل لي : خرج قبل . قال : فجعلت لا أمر بأحد إلا قال : مر قبل . حتى مررت فوجدته قائما يصلي . قال : فجئت حتى قمت خلفه ، قال : فأطال الصلاة ، فلما قضى صلاته قلت : يا رسول الله ، لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة . سألته ألا يهلك أمتي غرقا ، فأعطاني وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ليس منهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فردها علي " .
ورواه ابن ماجه في " الفتن " عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، كلاهما عن أبي معاوية ، عن الأعمش به
ورواه ابن مردويه من حديث أبي عوانة ، عن عبد الله بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بمثله أو نحوه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات . فلما انصرف قال : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين ، ففعل . وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم ، ففعل . وسألته ألا يلبسهم شيعا ، فأبى علي " .
رواه النسائي في الصلاة ، عن محمد بن سلمة ، عن ابن وهب ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، قال : قال الزهري : حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبيه خباب بن الأرت - مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أنه قال : راقبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة صلاها كلها ، حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته ، قلت يا رسول الله ، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أجل ، إنها صلاة رغب ورهب . سألت ربي ، عز وجل ، فيها ثلاث خصال ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا ، فأعطانيها . وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا ، فأعطانيها . وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يلبسنا شيعا ، فمنعنيها " .
ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة به ومن وجه آخر . وابن حبان في صحيحه ، بإسناديهما عن صالح بن كيسان - والترمذي في " الفتن " من حديث النعمان بن راشد - كلاهما عن الزهري به وقال : حسن صحيح .
حديث آخر : قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره : حدثني زياد بن عبيد الله المزني ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا أبو مالك حدثني نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود ، فقال : " قد كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، فيها ثلاثا ، أعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألت الله ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم ، فأعطانيها . وسألته ألا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها " . قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : نعم ، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق قال : قال معمر ، أخبرني أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر ، وإني سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض . فقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد . وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة ، وألا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة ، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، وبعضهم يقتل بعضا ، وبعضهم يسبي بعضا " . قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي ، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة "
ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه فالله أعلم
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي ، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من أصحاب الشجرة - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى والناس حوله ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود . قال : فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : أن اسكتوا ، إنه ينزل عليه . فلما فرغ قال له بعض القوم : يا رسول الله ، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : إنه ينزل عليك . قال : " لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة . سألت الله ألا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم ، فأعطانيها . ألا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها ، فأعطانيها . وسألته ألا يلبسكم شيعا وألا يذيق بعضكم بأس بعض ، فمنعنيها " ، قال : قلت له : أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه؟ قال : نعم ، سمعته يقول : إنه سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عدد أصابعي هذه ، عشر أصابع
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد ، عن أبي وهب الخولاني عن رجل قد سماه ، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ، عز وجل ، أربعا فأعطاني ثلاثا ، ومنعني واحدة . سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم ، فأعطانيها . وسألت الله ، عز وجل ، ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعنيها "
لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .
حديث آخر : قال الطبراني : ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي ، عن زياد بن علاقة ، عن جابر بن سمرة السوائي ، عن علي [ رضي الله عنه ] ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة ، فقلت : يا رب ، لا تهلك أمتي جوعا فقال : هذه لك . قلت : يا رب ، لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم - يعني أهل الشرك - فيجتاحهم . قال ذلك لك . قلت : يا رب ، لا تجعل بأسهم بينهم " . قال : " فمنعني هذه "
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : ، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد بن عاصم ، حدثنا أبو الدرداء المروزي ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان حدثني أبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " دعوت ربي ، عز وجل ، أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع الله عنهم اثنتين ، وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين . دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع اثنتين : القتل ، والهرج " .
طريق أخرى عن ابن عباس أيضا : قال ابن مردويه : حدثني عبد الله بن محمد بن زيد حدثني الوليد بن أبان ، حدثنا جعفر بن منير ، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ، حدثنا عمرو بن قيس عن رجل ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ ، ثم قال : " اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم ، ولا تلبسهم شيعا ، ولا تذق بعضهم بأس بعض " قال : فأتاه جبريل فقال : يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم
حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى ، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي المنهال ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي لأمتي أربع خصال ، فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة . سألته ألا تكفر أمتي واحدة ، فأعطانيها . وسألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .
ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن عمرو بن محمد العنقزي ، به نحوه
طريق أخرى : وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني ، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب ، سمع أبا هريرة يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سألت ربي ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني . وسألته ألا يهلكهم بالسنين ، فأعطاني . وسألته ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعني " .
ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بنحوه . ورواه البزار من طريق عمر بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه
أثر آخر : قال سفيان الثوري ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : أربعة من هذه الأمة : قد مضت ثنتان ، وبقيت ثنتان : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال : الرجم . ( أو من تحت أرجلكم ) قال : الخسف . ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال سفيان : يعني : الرجم والخسف .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فهي أربع خلال ، منها ثنتان بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعا ، وذاق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرجم والخسف .
ورواه أحمد ، عن وكيع ، عن أبي جعفر . ورواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث [ عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ] ) الآية ، قال : حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها ، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها .
وهكذا قال سعيد بن جبير وأبو مالك ومجاهد والسدي وابن زيد في قوله : ( عذابا من فوقكم ) يعني : الرجم . ( أو من تحت أرجلكم ) يعني : الخسف . وهذا هو اختيار ابن جرير .
ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : كان عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] يصيح وهو في المجلس - أو على المنبر - يقول : ألا أيها الناس ، إنه قد نزل بكم .
إن الله يقول : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) لو جاءكم عذاب من السماء ، لم يبق منكم أحدا ( أو من تحت أرجلكم ) لو خسف بكم الأرض أهلككم ، لم يبق منكم أحدا ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث .
قول ثان : قال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، سمعت خلاد بن سليمان يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) فأما العذاب من فوقكم ، فأئمة السوء ( أو من تحت أرجلكم ) فخدم السوء .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( عذابا من فوقكم ) يعني : أمراءكم . ( أو من تحت أرجلكم ) يعني : عبيدكم وسفلتكم .
وحكى ابن أبي حاتم ، عن أبي سنان وعمير بن هانئ ، نحو ذلك .
وقال ابن جرير : وهذا القول وإن كان له وجه صحيح ، لكن الأول أظهر وأقوى .
وهو كما قال ابن جرير - رحمه الله - ويشهد له بالصحة قوله تعالى : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [ ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ] ) [ الملك : 16 - 18 ] ، وفي الحديث : " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ " وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة ، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى .
وقوله : ( أو يلبسكم شيعا ) أي : يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين . قال الوالبي ، عن ابن عباس : يعني : الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد .
وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " .
وقوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال ابن عباس وغير واحد : يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل .
وقوله : ( انظر كيف نصرف الآيات ) أي : نبينها ونوضحها ونقرها ( لعلهم يفقهون ) أي : يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه .
قال زيد بن أسلم : لما نزلت ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) الآية ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف . قالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله؟ قال : " نعم " . فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبدا ، أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون ، فنزلت : ( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون )
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴿٦٦﴾
يقول تعالى : ( وكذب به ) أي : بالقرآن الذي جئتهم به ، والهدى والبيان . ) قومك ) يعني : قريشا ) وهو الحق ) أي : الذي ليس وراءه حق ( قل لست عليكم بوكيل ) أي : لست عليكم بحفيظ ، ولست بموكل بكم ، كقوله ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) [ الكهف : 29 ] أي : إنما علي البلاغ ، وعليكم السمع والطاعة ، فمن اتبعني ، سعد في الدنيا والآخرة ، ومن خالفني ، فقد شقي في الدنيا والآخرة
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦٧﴾
ولهذا قال : ( لكل نبإ مستقر )
قال ابن عباس وغير واحد : أي لكل نبأ حقيقة ، أي : لكل خبر وقوع ، ولو بعد حين ، كما قال : ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ، وقال ( لكل أجل كتاب ) [ الرعد : 37 ] .
وهذا تهديد ووعيد أكيد ; ولهذا قال بعده : ( وسوف تعلمون )
وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٦٨﴾
ثم قال : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) أي : بالتكذيب والاستهزاء ( فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي : حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ( وإما ينسينك الشيطان ) والمراد بهذا كل فرد ، فرد من آحاد الأمة ، ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها ، فإن جلس أحد معهم ناسيا ( فلا تقعد بعد الذكرى ) بعد التذكر ( مع القوم الظالمين )
ولهذا ورد في الحديث : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
وقال السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : ( وإما ينسينك الشيطان ) قال : إن نسيت فذكرت ، فلا تجلس معهم . وكذا قال مقاتل بن حيان .
وهذه الآية هي المشار إليها في قوله : ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) الآية [ النساء : 140 ] أي : إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك ، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه .
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٦٩﴾
وقوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) أي : إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك ، فقد برئوا من عهدتهم ، وتخلصوا من إثمهم .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، قوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) قال : ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ، أي : إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم .
وقال آخرون : بل معناه : وإن جلسوا معهم ، فليس عليهم من حسابهم من شيء . وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية ، وهي قوله : ( إنكم إذا مثلهم ) [ النساء : 140 ] . قاله مجاهد والسدي وابن جريج ، وغيرهم . وعلى قولهم ، يكون قوله : ( ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) أي : ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه ; لعلهم يتقون ذلك ، ولا يعودون إليه .
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٧٠﴾
يقول تعالى : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ) أي : دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ; ولهذا قال : ( وذكر به ) أي : وذكر الناس بهذا القرآن ، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة .
وقوله : ( أن تبسل نفس بما كسبت ) أي : لئلا تبسل . قال الضحاك ، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي : تبسل : تسلم .
وقال الوالبي ، عن ابن عباس : تفضح . وقال قتادة : تحبس . وقال مرة وابن زيد تؤاخذ . وقال الكلبي : تجازى
وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى ، وحاصلها الإسلام للهلكة ، والحبس عن الخير ، والارتهان عن درك المطلوب ، كما قال : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] .
وقوله : ( ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب ولا أحد يشفع فيها ، كما قال : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] .
وقوله : ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) أي : ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كما قال : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا [ ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ] ) [ آل عمران : 91 ] ، وهكذا قال ههنا : ( أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )
قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٧١﴾
قال السدي : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا ، واتركوا دين محمد فأنزل الله ، عز وجل : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ) أي : في الكفر ( بعد إذ هدانا الله ) فيكون مثلنا مثل الذي ( استهوته الشياطين في الأرض [ حيران ] ) يقول : مثلكم ، إن كفرتم بعد الإيمان ، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق ، فضل الطريق ، فحيرته الشياطين ، واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون : " ائتنا فإنا على الطريق " ، فأبى أن يأتيهم . فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام . رواه ابن جرير .
وقال قتادة : ( استهوته الشياطين في الأرض ) أضلته في الأرض ، يعني : استهوته مثل قوله : ( تهوي إليهم ) [ إبراهيم : 37 ] .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) الآية . هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها ، والدعاة الذين يدعون إلى الله ، عز وجل ، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ضالا إذ ناداه مناد : " يا فلان بن فلان ، هلم إلى الطريق " ، وله أصحاب يدعونه : " يا فلان ، هلم إلى الطريق " ، فإن اتبع الداعي الأول ، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى ، اهتدى إلى الطريق . وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان ، يقول : مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله ، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت ، فيستقبل الهلكة والندامة . وقوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) هم " الغيلان " ، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده ، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في هلكة ، وربما أكلته - أو تلقيه في مضلة من الأرض ، يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ، عز وجل . رواه ابن جرير .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي .
وقال العوفي عن ابن عباس قوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) هو الذي لا يستجيب لهدى الله ، وهو رجل أطاع الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وجار عن الحق وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى ، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس ، يقول [ الله ] ( إن هدى الله هو الهدى ) والضلال ما يدعو إليه الجن . رواه ابن جرير ، ثم قال : وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ، ويزعمون أنه هدى . قالت : وهذا خلاف ظاهر الآية ; فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى ، فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى .
وهو كما قال ابن جرير ، وكان سياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ، وهو منصوب على الحال ، أي : في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة ، وله أصحاب على المحجة سائرون ، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى . وتقدير الكلام : فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ، ولو شاء الله لهداه ، ولرد به إلى الطريق ; ولهذا قال : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) كما قال : ( ومن يهد الله فما له من مضل ) [ الزمر : 37 ] ، وقال : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) [ النحل : 37 ] ، وقوله ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) أي : نخلص له العبادة وحده لا شريك له .
وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٧٢﴾
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : يوم القيامة .