At-Tabari
· Al-An'aamOuvrir dans le lecteurوَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿١٤٦﴾
القول في تأويل قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحرّمنا على اليهود (25) =" كل ذي ظفر ", وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقُوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14092- حدثني المثنى, وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، وهو البعير والنعامة .
14093- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: البعير والنعامة ونحو ذلك من الدوابّ .
4094- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عطاء, عن سعيد: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع .
14095- حدثني علي بن الحسين الأزدي قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن شريك, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: كل شيء متفرق الأصابع, ومنه الديك . (26)
14096- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: (كل ذي ظفر) ، النعامة والبعير .
14097- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, مثله .
14098- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، فكان يقال: البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان .
14098- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (كل ذي ظفر)، قال: الإبل والنعام, ظفر يد البعير ورجله, والنعام أيضًا كذلك, وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه, وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع .
14099- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أما كل ذي ظفر "، فالإبل والنعام .
14100- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ, عن مجاهد في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا, قال قلت: " ما شقًّا شقًّا "؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود, البعيرُ والنعامة. والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد فُرِجت .
14101- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (كل ذي ظفر)، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا. قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثنيه: ما " شقًّا شقًّا "؟ قال: كل شيء لم يفرج من قوائم البهائم. قال: وما انفرج أكلته اليهود. قال: انفرجت قوائم الدجاج والعصافير, فيهود تأكلها . قال: ولم تنفرج قائمة البعير، خفّه، ولا خف النعامة، ولا قائمة الوَزِّينة, (27) فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزِّين، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته, وكذلك لا تأكل حمار وحش .
* * *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بما:-
14102- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، الإبل قطْ . (28)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب, القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن قال بمثل مقالته؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر, فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه . وإذا كان ذلك كذلك, وكان النعام وكل ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلا في ظاهر التنـزيل, وجب أن يحكم له بأنه داخل في الخبر, إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخلٍ في الآية، خبرٌ عن الله ولا عن رسوله, وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل .
* * *
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" الشحوم " التي أخبر الله تعالى ذكره: أنه حرمها على اليهود من البقر والغنم.
فقال بعضهم: هي شحوم الثُّروب خاصة . (29)
* ذكر من قال ذلك:
14103- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما)، الثروب . ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الثروب ثم أكلوا أثمانها! (30)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك كان كل شحم لم يكن مختلطًا بعظم ولا على عظم .
* ذكر من قال ذلك:
14104- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: إنما حرم عليهم الثرب, وكل شحم كان كذلك ليس في عظم .
* * *
وقال آخرون: بل ذلك شحم الثرب والكُلَى .
* ذكر من قال ذلك:
14105- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: الثرب وشحم الكليتين . وكانت اليهود تقول: إنما حرَّمه إسرائيل، فنحن نحرّمه .
14106- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: إنما حرم عليهم الثروب والكليتين = هكذا هو في كتابي عن يونس, وأنا أحسب أنه: " الكُلَى ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول أن يقال: إن الله أخبر أنه كان حرم على اليهود من البقر والغنم شحومهما، إلا ما استثناه منها مما حملت ظهورهما أو الحَوَايا أو ما اختلط بعظم. فكل شحم سوى ما استثناه الله في كتابه من البقر والغنم, فإنه كان محرمًا عليهم .
وبنحو ذلك من القول تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك قوله: " قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها " . (31)
* * *
وأما قوله: (إلا ما حملت ظهورهما)، فإنه يعني: إلا شحوم الجَنْب وما علق بالظهر, فإنها لم تحرَّم عليهم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14107- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (إلا ما حملت ظهورهما)، يعني: ما علق بالظهر من الشحوم .
14108- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا " ما حملت ظهورهما "، فالألْيات .
14108م - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: الألية، مما حملت ظهورهما .
* * *
القول في تأويل قوله : أَوِ الْحَوَايَا
قال أبو جعفر: و " الحوايا " جمع, واحدها " حاوِياء "، و " حاوية "، و " حَوِيَّة "، وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار, وهي بنات اللبن, وهي" المباعر ", وتسمى " المرابض ", وفيها الأمعاء . (32)
* * *
ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو ما حملت الحوايا = فـ" الحوايا "، رفع، عطفًا على " الظهور ", و " ما " التي بعد " إلا ", نصبٌ على الاستثناء من " الشحوم ". (33)
* * *
وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14109- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (أو الحوايا)، وهي المبعر .
14110- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (أو الحوايا)، قال: المبعر .
14111- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الحوايا "، المبعر والمرْبَض .
14112- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أو الحوايا)، قال: المبعر .
14113- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (أو الحوايا)، قال: المباعر .
14114- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (أو الحوايا)، قال: المباعر .
14115- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أو الحوايا)، قال: المبعر .
14116- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أو الحوايا)، قال: المبعر .
14117- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة والمحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: المبعر .
14118- حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أو الحوايا)، يعني: البطون غير الثروب .
14119- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أو الحوايا)، هو المبعر .
14120- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أو الحوايا)، قال: المباعر .
* * *
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
14121- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أو الحوايا)، قال: " الحوايا "، المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها, وهي" بنات اللبن ", وهي في كلام العرب تدعى " المرابض " .
* * *
القول في تأويل قوله : أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما، سوى ما حملت ظهورهما, أو ما حملت حواياهما, فإنا أحللنا ذلك لهم, وإلا ما اختلط بعظم، فهو لهم أيضًا حلال .
* * *
فردّ قوله: (أو ما اختلط بعظم)، على قوله: إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا فـ" ما " التي في قوله: (أو ما اختلط بعظم)، في موضع نصب عطفًا على " ما " التي في قوله: إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا . (34)
* * *
وعنى بقوله: (أو ما اختلط بعظم)، شحم الألية والجنب، وما أشبه ذلك ، كما:-
14122- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أو ما اختلط بعظم)، قال: شحم الألية بالعُصْعُص, (35) فهو حلال. وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم, فهو حلال .
14123- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أو ما اختلط بعظم)، مما كان من شحم على عظم .
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهذا الذي حرمنا على الذين هادوا من الأنعام والطير, ذوات الأظافير غير المنفرجة, ومن البقر والغنم, ما حرمنا عليهم من شحومهما، الذي ذكرنا في هذه الآية, حرمناه عليهم عقوبة منّا لهم, وثوابًا على أعمالهم السيئة، وبغيهم على ربهم ، (36) كما:-
14124- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون)، إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم .
14125- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم )، فعلنا ذلك بهم ببغيهم.
* * *
وقوله: (وإنا لصادقون)، يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم, وفي غير ذلك من أخبارنا, وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه .
----------------------
الهوامش :
(25) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف 10 : 476 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .
(26) قوله : (( كل شيء متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، هكذا هو في المخطوطة ، والذي تبادر إلى ذهن من نشر التفسير قبل ، أن صوابه (( غير متفرق الأصابع )) ، ليطابق ما قبله وما بعده . ولكني وجدت ابن كثير في تفسيره 3 : 417 ، يقول : (( وفي رواية عنه : (( كل متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، فلذلك رجحت صواب ما في المخطوطة والمطبوعة .
(27) (( الوزينة )) ( بفتح الواو ، وتشديد الزاي مكسورة ) ، هي الإوزة ، و جمعها (( الوزين )) ، مثلها في الوزن بغير هاء .
(28) في المطبوعة : (( فقط )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب . يقال : (( ماله إلى عشرة قط )) ( بفتح وسكون الطاء ) و (( قط )) ( بتشديد الطاء وكسرها ) ، بمعنى : أي ، ولا يزيد على ذلك ، بمعنى (( حسب )) .
(29) (( الثروب )) جمع (( ثرب )) ( بفتح فسكون ) ، وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء .
(30) الأثر : 14103 - الخبر الذي رواه قتادة مرسلا ، رواه البخاري بإسناده مرفوعًا ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) . بنحوه ، ورواه الجماعة . انظر التعليق التالي .
(31) رواه الجماعة ، انظر ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) ز و (( جمل الشحم )) : أذابه واستخرج ودكه . و (( الجميل )) الشحم المذاب .
(32) (( الربض )) ( بفتحتين ) و (( المربض )) ( بفتح الميم ، وفتح الباء أو كسرها ) ، و (( الربيض )) مجتمع الحوايا ، أو ما تحوى من مصارين البطن . و (( بنات اللبن )) : ما صغر من الأمعاء . وانظر الأثر التالي رقم : 14121 .
(33) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 363 .
(34) انظر معاني القرآن 1 : 363 .
(35) (( العصعص )) ، وهو عظم عجب الذنب .
(36) انظر تفسير (( جزى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
= وتفسير (( البغي )) فيما سلف 2 : 342 / 4 : 281 / 6 : 276 .
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١٤٧﴾
القول في تأويل قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كذبك، يا محمد، (1) هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم، كما بينا في هذه الآية=" فقل ربكم ذو رحمة "، بنا، وبمن كان به مؤمنًا من عباده، وبغيرهم من خلقه=" واسعة ", تسع جميع خلقه، (2) المحسنَ والمسيء, لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنِّقمة, ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله, رحمة منه بكلا الفريقين، ولكن بأسه= وذلك سطوته وعذابه (3) = لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء = و " المجرمون " هم الذين أجرَموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات . (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14126- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فإن كذبوك)، اليهود .
14127- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فإن كذبوك)، اليهود=(فقل ربكم ذو رحمة واسعة) .
14128- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال، كانت اليهود يقولون: إنما حرّمه إسرائيل = يعني: الثَّرْب وشحم الكليتين = فنحن نحرمه, فذلك قوله: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يردّ بأسه عن القوم المجرمين) .
--------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة : (( كذبوك )) والصواب من المخطوطة .
(2) انظر تفسير (( واسع )) فيما سلف 11 : 489 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( البأس )) فيما سلف 11 : 357 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( المجرم )) فيما سلف ص : 93 .
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿١٤٨﴾
القول في تأويل قوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: (سيقول الذين أشركوا)، وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش=(لو شاء الله ما أشركنا)، يقول: قالوا احتجازًا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة، لما تبين لهم الحق, وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم, وتحريمهم ما كانوا يحرّمون من الحروث والأنعام, على ما قد بيَّن تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، وما بعد ذلك: لو أراد الله منا الإيمان به، وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة، وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا, ما جعلنا لله شريكًا, ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا, ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك, حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل: إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به، وإلى القول بتحليل ما حرمنا= وأما بأن يلطف بنا بتوفيقه، فنصير إلى الإقرار بوحدانيته، وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام, وإلى تحليل ما حرمنا ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام, واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد, وأراد ما نحرّم من الحروث والأنعام, فلم يَحُلْ بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك .
قال الله مكذبًا لهم في قيلهم: " إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك، وتحريم ما نحرّم "= ورادًّا عليهم باطلَ ما احتجوا به من حجتهم في ذلك= (كذلك كذب الذين من قبلهم)، يقول: كما كذب هؤلاء المشركون، يا محمد، ما جئتهم به من الحق والبيان, كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طَغَوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه, وردُّوا عليهم نصائحهم =(حتى ذاقوا بأسنا)، يقول: حتى أسخطونا فغضبنا عليهم, فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه, فعطبوا بذوقهم إياه, فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة. (5) يقول: وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلهم, إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما جئتهم به من عند ربهم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14129- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، وقال: (كذلك كذب الذين من قبلهم) , ثم قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، فإنهم قالوا: " عبادتنا الآلهة تقرّبنا إلى الله زلفى ", فأخبرهم الله أنها لا تقربهم, وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين .
14130- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا حرمنا من شيء)، قال: قول قريش= يعني: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة .
14131- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا حرمنا من شيء)، قولُ قريش بغير يقين: إن الله حرّم هذه البحيرة والسائبة .
* * *
فإن قال قائل: وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم: " رضي الله منا عبادة الأوثان, وارأد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام ", دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم, وتحريمهم ما كانوا يحرمون؟
قيل له: الدلالة على ذلك قوله: (كذلك كذب الذين من قبلهم)، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند الله = من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ذكره, وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه وعلى لسان رسوله = مسلكَ أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة اللهَ ورسولَه . والتكذيبُ منهم إنما كان لمكذَّب, ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، لقال: " كذلك كذَبَ الذين من قبلهم "، بتخفيف " الذال ", وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله، لا إلى التكذيب = مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب, وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه .
* * *
القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، المحرِّمين ما هم له محرِّمون من الحُروث والأنعام, القائلين: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم: " هل عندكم "، = بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ما تشركون، وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون = علمُ يقينٍ من خبر مَنْ يقطع خبره العذر, أو حجة توجب لنا اليقين، من العلم =" فتخرجوه لنا "، يقول: فتظهروا ذلك لنا وتبينوه, كما بينا لكم مواضع خطأ قولكم وفعلكم, وتناقض ذلك واستحالته في المعقول والمسموع (6) =(إن تتبعون إلا الظن)، يقولُ له: قل لهم: إن تقولون ما تقولون، أيها المشركون، وتعبدون من الأوثان والأصنام ما تعبدون، وتحرمون من الحروث والأنعام ما تحرّمون، إلا ظنًّا وحسبانًا أنه حق, وأنكم على حق، وهو باطلٌ, وأنتم على باطل =(وإن أنتم إلا تخرصون)، يقول: " وإن أنتم ", وما أنتم في ذلك كله =" إلا تخرصون ", يقول: إلا تتقوّلون الباطل على الله، ظنًّا بغير يقين علم ولا برهان واضح . (7)
---------------
الهوامش :
(5) انظر تفسير (( ذاق )) فيما سلف : 11 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير (( الإخراج )) فيما سلف 2 : 228 .
(7) انظر تفسير (( التخرص )) فيما سلف ص 65 .
قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٤٩﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, القائلين على ربهم الكذبَ، في تحريمهم ما حرموا من الحروث والأنعام, إن عجزوا عن إقامة الحجة عند قيلك لهم: " هل عندكم من علم بما تدعون على ربكم فتخرجوه لنا ", وعن إخراج علم ذلك لك وإظهاره, وهم لا شك عن ذلك عَجَزَة, وعن إظهاره مقصرون, لأنه باطل لا حقيقة له =(فلله)، الذي حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا, وأن تتبعوا خطوات الشيطان في أموالكم من الحروث والأنعام =(الحجة البالغة)، دونكم أيها المشركون .
ويعني بـ" البالغة "، أنها تبلغ مراده في ثبوتها على مَنْ احتج بها عليه من خلقه, وقَطْعِ عُذْرِه إذا انتهت إليه فيما جُعِلت حجة فيه .
* * *
=(فلو شاء لهداكم أجمعين)، يقول: فلو شاء ربكم لوفَّقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة، والبراءة من الأنداد والآلهة، والدينونة بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله, وترك اتباع خطوات الشيطان, وغير ذلك من طاعاته، ولكنه لم يشأ ذلك، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم, فمنهم كافر ومنهم مؤمن .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14132- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال، لا حجة لأحد عصَى الله, ولكن لله الحجة البالغة على عباده . وقال: (فلو شاء لهداكم أجمعين)، قال: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [سورة الأنبياء: 23] .
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١٥٠﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المفترين على ربهم من عبدة الأوثان, الزاعمين أنّ الله حرم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم =(هلم شهداءكم)، يقول: هاتوا شهداءكم الذين يشهدون على الله أنه حرم عليكم ما تزعمون أنه حرمه عليكم . (8)
* * *
وأهل العالية من تهامة توحِّد " هلم " في الواحد والاثنين والجميع, وتذكر في المؤنث والمذكر, فتقول للواحد: " هلم يا فلان "، وللاثنين والجميع كذلك, وللأنثى مثله، ومنه قول الأعشى:
وَكَـــانَ دَعَــا قَوْمَــهُ دَعْــوَةً
هَلُــمَّ إلَــى أَمْــرِكُمْ قَـدْ صُـرِمْ (9)
ينشد: " هلم "، و " هلموا " . وأما أهل السافلة من نجد، فإنهم يوحِّدون للواحد، ويثنُّون للاثنين، ويجمعون للجميع. فيقال للواحد من الرجال: " هلم " وللواحدة من النساء: " هلمي", وللاثنين: " هلما ", وللجماعة من الرجال: " هلموا ", وللنساء: " هَلْمُمْنَ". (10)
* * *
قال الله لنبيه: (فإن شهدوا)، يقول: يا محمد, فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حَرَّم ما يزعمون أن الله حرمه عليهم =(فلا تشهد معهم)، فإنهم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله . وخاطب بذلك جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم, والمراد به أصحابه والمؤمنون به =(ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا)، يقول: ولا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب بوحي الله وتنـزيله، في تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل لهم, ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتاب ربك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه =(والذين لا يؤمنون بالآخرة)، يقول: ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة, فتكذب بما هم به مكذبون من إحياء الله خلقه بعد مماتهم، ونشره إياهم بعد فنائهم =(وهم بربهم يعدلون)، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة، بالله يعدلون الأوثانَ والأصنامَ, فيجعلونها له عِدْلا ويتخذونها له ندًّا يعبدونها من دونه . (11)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14133- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا)، يقول: قل أروني الذين يشهدون أن الله حرم هذا مما حرمت العرب, وقالوا: أمرنا الله به . قال الله لرسوله: (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) .
14134- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا)، قال: البحائر والسُّيَّب .
----------------------
الهوامش :
(8) انظر تفسير (( الشهداء )) فيما سلف من فهارس اللغة (( شهد )) .
(9) ديوانه 34 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، من قصيدة طويلة مضت منها أبيات في مواضع متفرقة ، وهذا البيت داخل في قصة (( الحضر )) ، وما أصاب أهله ، تركت نقل أبياتها لطولها .
(10) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، فهذا نص كلامه .
(11) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف 11 : 251 - 254 .
۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم, على ما ذكرت لك في تنـزيلي عليك =: تعالوا، أيها القوم، (12) أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًا يقينًا, (13) لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا, (14) ولكن وحيًا من الله أوحاه إليّ, وتنـزيلا أنـزله عليّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه =(وبالوالدين إحسانًا)، يقول: وأوصى بالوالدين إحسانًا = وحذف " أوصى " و " أمر "، لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه. (15) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى من الكتاب . (16)
* * *
وأما " أن " في قوله: (أن لا تشركوا به شيئًا)، فرفعٌ, لأن معنى الكلام: قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم, هو أن لا تشركوا به شيئًا .
وإذا كان ذلك معناه, كان في قوله: (تشركوا)، وجهان:
= الجزم بالنهي, وتوجيهه " لا " إلى معنى النهي .
= والنصب، على توجيه الكلام إلى الخبر, ونصب " تشركوا "، بـ" أن لا "، كما يقال: " أمرتك أن لا تقوم ".
وإن شئت جعلت " أن " في موضع نصبٍ، ردًّا على " ما " وبيانًا عنها, ويكون في قوله: (تشركوا)، أيضًا من وجهي الإعراب، نحو ما كان فيه منه. و " أن " في موضع رفع.
ويكون تأويل الكلام حينئذ: قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم, أتلُ أن لا تشركوا به شيئًا .
* * *
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون قوله (تشركوا) نصبًا بـ" أن لا ", أم كيف يجوز توجيه قوله: " ألا تشركوا به ", على معنى الخبر, وقد عطف عليه بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ، وما بعد ذلك من جزم النهي؟ قيل: جاز ذلك، كما قال تعالى ذكره: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، فجعل " أن أكون " خبرًا، و " أنْ" اسمًا, ثم عطف عليه وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، [سورة الأنعام: 14], (17) وكما قال الشاعر: (18)
حَــجَّ وَأوْصَــى بِسُـلَيْمَى الأعْبُـدَا
أَنْ لا تَـــرَى وَلا تُكَـــلِّمْ أَحَــدَا
وَلا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا (19)
فجعل قوله: " أن لا ترى " خبرًا, ثم عطف بالنهي فقال: " ولا تكلم "," ولا يزل " .
* * *
القول في تأويل قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم, فإن الله هو رازقكم وإياهم, ليس عليكم رزقهم, فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجزَ عن أرزاقهم وأقواتهم .
* * *
و " الإملاق "، مصدر من قول القائل: " أملقت من الزاد, فأنا أملق إملاقًا ", وذلك إذا فني زاده، وذهب ماله، وأفلس .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14135- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، الإملاق الفقر, قتلوا أولادهم خشية الفقر .
14136- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، أي خشية الفاقة.
14137- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، قال: " الإملاق "، الفقر .
14138- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: (من إملاق)، قال: شياطينهم، يأمرونهم أن يئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة .
14139- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك في قوله: (من إملاق)، يعني: من خشية فقر .
* * *
القول في تأويل قوله : وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم، (20) التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها, والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به, فإن كل ذلك حرام . (21)
* * *
وقد قيل : إنما قيل: لا تقربوا ما ظهر من الفواحش وما بطن, لأنهم كانوا يستقبحون من معاني الزنى بعضًا [دون بعض].
وليس ما قالوا من ذلك بمدفوع, غير أن دليل الظاهر من التنـزيل على النهي عن ظاهر كل فاحشة وباطنها, ولا خبر يقطع العذرَ، بأنه عنى به بعض دون جميع. وغير جائز إحالة ظاهر كتاب الله إلى باطن، إلا بحجة يجب التسليم لها .
* * *
* ذكر من قال ما ذكرنا من قول من قال: الآية خاصُّ المعنى:
14140- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، أما " ما ظهر منها "، فزواني الحوانيت, وأما " ما بطن "، فما خَفِي . (22)
14141- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى, ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا. فحرّم الله السر منه والعلانية =(ما ظهر منها)، يعني: العلانية =(وما بطن)، يعني: السر . (23)
14142- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية, فحرَّم الله الزنى في السرّ والعلانية .
* * *
وقال آخرون في ذلك بمثل الذي قلنا فيه .
* ذكر من قال ذلك:
14143- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، سرَّها وعلانيتها .
14144- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, نحوه .
* * *
وقال آخرون: " ما ظهر "، نكاح الأمهات وحلائل الآباء =" وما بطن "، الزنى .
* ذكر من قال ذلك:
14145- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن خصيف, عن مجاهد: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: " ما ظهر "، جمعٌ بين الأختين, وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده =" وما بطن "، الزنى . (24)
* * *
وقال آخرون في ذلك بما:-
14146- حدثني إسحاق بن زياد العطار النصري قال، حدثنا محمد بن إسحاق البلخي قال، حدثنا تميم بن شاكر الباهلي, عن عيسى بن أبي حفصة قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: " ما ظهر "، الخمر =" وما بطن "، الزنى . (25)
* * *
القول في تأويل قوله : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفسَ مؤمن أو مُعاهد = وقوله: (إلا بالحق)، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتقتل قَوَدًا بها, أو تزني وهي محصنة فترجم, أو ترتدَّ عن دينها الحقِّ فتقتل. فذلك " الحق " الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به =(ذلكم)، يعني هذه الأمور التي عهد إلينا فيها ربُّنا أن لا نأتيه وأن لا ندعه, هي الأمور التي وصَّانا والكافرين بها أن نعمل جميعًا به =(لعلكم تعقلون)، يقول: وصاكم بذلك لتعقلوا ما وصاكم به ربكم . (26)
------------------------
الهوامش :
(12) انظر تفسير (( تعالوا )) فيما سلف 11 : 137 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(13) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف 10 : 201 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(14) في المطبوعة : (( كخرصكم على الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(15) انظر تفسير (( الإحسان )) فيما سلف 2 : 292 / 8 : 334 ، 514 / 9 : 283 / 10 : 512 ، 576 .
(16) انظر ما سلف 2 : 290 - 292 / 8 : 334 .
(17) قوله : (( ولا تكونن من المشركين )) ، ساقط في المطبوعة والمخطوطة ، واستظهرت زيادته من معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وهي زيادة يفسد الكلام بإسقاطها .
(18) لم أعرف قائله .
(19) معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وليس فيه البيت الثالث ، وفيه مكانه :
* وَلا تَمْشِ بِفَضَـــاءٍ بَعَـــدَا *
(20) انظر تفسير (( الفواحش )) فيما سلف 8 : 203 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(21) انظر تفسير (( ظهر )) ، و (( بطن )) فيما سلف ص 72 - 75 ، ثم انظر الأثر رقم : 9075 .
(22) (( زواني الحوانيت )) ، كانت البغايا تتخذ حانوتًا عليه راية ، إعلامًا بأنها بغى . وانظر الأثر السالف رقم : 13801 .
(23) الأثر : 14141 - مضى هذا الخبر برقم : 13802 .
(24) الأثر : 14145 - مضى برقم : 13803 .
(25) الأثر : 14146 - ((إسحاق بن زياد العطار النصري )) ، لم أجد له ترجمة ، وفي المطبوعة (( البصري )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
و (( محمد بن إسحاق البلخي الجوهري )) ، لم أجد له غير ترجمة في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 195 ، قال : (( روى عن مطرف بن مازن ، وأبي أمية بن يعلي ، وقيراط الحجام ، ومحمد بن حرب الأبرش ، وعيسى بن يونس . كتب عنه أبي بالري )) .
وأما (( تميم بن شاكر الباهلي )) و (( عيسى بن أبي حفصة )) ، فلم أعثر لهما على ترجمة ولا ذكر .
(26) انظر تفسير (( وصى )) فيما سلف ص : 189 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره ، كما:-
14147- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: التجارة فيه.
14148- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، فليثمر مالَه .
14149- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا فضيل بن مرزوق العنـزي, عن سليط بن بلال, عن الضحاك بن مزاحم في قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: يبتغي له فيه, ولا يأخذ من ربحه شيئًا . (1)
14150- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: " التي هي أحسن "، أن يأكل بالمعروف إن افتقر, وإن استغنى فلا يأكل. قال الله: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، [سورة النساء: 6]. قال: وسئل عن الكسوة، فقال: لم يذكر الله الكسوة، إنما ذكر الأكل .
* * *
وأما قوله: (حتى يبلغ أشده)، فإن " الأشُدّ" جمع " شَدٍّ", كما " الأضُرّ" جمع " ضر ", وكما " الأشُرّ" جمع " شر "، (2) و " الشد " القوة, وهو استحكام قوة شبابه وسنه, كما " شَدُّ النهار " ارتفاعه وامتداده. يقال: " أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار ", وذلك حين امتداده وارتفاعه; وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة:
عَهْــدِي بِــهِ شَـدَّ النَّهَـارِ كَأَنَّمَـا
خُــضِبَ اللَّبَــانُ وَرَأْسُـهُ بِـالْعِظْلِمِ (3)
ومنه قول الآخر: (4)
تُطِيــفُ بِــهِ شَـدَّ النَّهَـارِ ظَعِينَـةٌ
طَوِيلَــةُ أَنْقَــاءِ اليَــدَيْنِ سَـحُوقُ (5)
وكان بعض البصريين يزعم أن " الأشد " مثل " الآنُك ". (6)
* * *
فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل: " بلغ أشدّه ".
فقال بعضهم: يقال ذلك له إذا بلغ الحُلُم .
* ذكر من قال ذلك:
14151- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، أخبرني يحيى بن أيوب, عن عمرو بن الحارث, عن ربيعة في قوله: (حتى يبلغ أشده)، قال: الحلم .
14152- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه, مثله = قال ابن وهب: وقال لي مالك مثله . (7)
14153- حدثت عن الحماني قال، حدثنا هشيم, عن مجاهد, عن عامر: (حتى يبلغ أشده)، قال: " الأشد "، الحلم, حيث تكتب له الحسنات، وتكتب عليه السيئات .
* * *
وقال آخرون: إنما يقال ذلك له، إذا بلغ ثلاثين سنة .
* ذكر من قال ذلك:
14154- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (حتى يبلغ أشده)، قال: أما " أشده "، فثلاثون سنة, ثم جاء بعدها: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ . [سورة النساء: 6].
* * *
وفي الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حذف . وذلك أن معنى الكلام: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ", فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشدًا، فادفعوا إليه ماله = لأنه جل ثناؤه لم ينه أن يُقرب مال اليتيم في حال يُتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، ليحِلَّ لوليّه بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتي هي أسوأ, (8) ولكنه نهاهم أن يقرَبوه حياطةً منه له، وحفظًا عليه، (9) ليسلموه إليه إذا بلغ أشده .
* * *
القول في تأويل قوله : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا = وأن أوفوا الكيل والميزان. يقول: لا تبخسوا الناس الكيلَ إذا كلتموهم، والوزنَ إذا وزنتموهم, ولكن أوفوهم حقوقهم. وإيفاؤهم ذلك، إعطاؤهم حقوقهم تامة (10) =" بالقسط"، يعني بالعدل ، كما:-
14155- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (بالقسط)، بالعدل .
* * *
وقد بينا معنى: " القسط" بشواهده فيما مضى، وكرهنا إعادته . (11)
* * *
وأما قوله: (لا نكلف نفسًا إلا وسعها)، فإنه يقول: لا نكلف نفسًا، من إيفاء الكيل والوزن، إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَجُ فيه . (12) وذلك أن الله جل ثناؤه، علم من عباده أن كثيرًا منهم تَضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجبُ عليها له, فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقَّه الذي هو له، ولم يكلِّفه الزيادة، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر الذي له الحق، بأخذ حقه، ولم يكلفه الرضا بأقل منه, لما في النقصان عنه من ضيق نفسه. فلم يكلف نفسًا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق, فلذلك قال: (لا نكلف نفسًا إلا وسعها) .
وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته . (13)
* * *
القول في تأويل قوله : وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم, واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا، (14) ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم، ذا قرابة لكم, ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره, أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه =(وبعهد الله أوفوا)، يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم, وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك هو الوفاء بعهد الله . (15)
وأما قوله: (ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين, هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا، ووصاكم بها ربكم، وأمركم بالعمل بها = لا بالبحائر، والسوائب، والوصائل، والحام، وقتل الأولاد، ووأد البنات، واتباع خطوات الشيطان (16) =(لعلكم تذكرون)، يقول: أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها, لتتذكروا عواقبَ أمركم، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون, فتنـزجروا عنها، وترتدعوا وتُنيبوا إلى طاعة ربكم .
* * *
وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات، هنَّ الآيات المحكمات .
14156- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن علي بن صالح, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن قيس, عن ابن عباس قال: هن الآيات المحكمات, قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . (17)
14157- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت يحيى بن أيوب يحدّث، عن يزيد بن أبى حبيب, عن مرثد بن عبد الله, عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار قال، سمع كعب الأحبار رجلا يقرأ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، فقال: والذي نفس كعب بيده, إنّ هذا لأوَّل شيء في التوراة: " بسم الله الرحمن الرحيم "، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . (18)
14158- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن سعيد بن مسروق, عن رجل, عن الربيع بن خثيم أنه قال لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد؟ ثم قرأ هؤلاء الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .
14159- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي سنان, عن عمرو بن مرة قال: قال الربيع: ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ = لم يقل: " خاتمها " = فقرأ هذه الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .
14160- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة قال: جاء إليه نفر فقالوا: قد جالست أصحابَ محمد، فحدثنا عن الوَحي. فقرأ عليهم هذه الآيات من " الأنعام ": قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، قالوا: ليس عن هذا نسألك ! قال: فما عندنا وحيٌ غيره .
14161- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هؤلاء الآيات التي أوصى بها من محكم القرآن .
14162- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، قال: قولوا الحق .
-----------------
الهوامش :
(1) الأثر : 14149 - (( فضيل بن مرزوق العنزي )) ، الرقاشي ، الأغر . مضى برقم : 5437 . و (( سليط بن بلال )) ، لا أدري من هو ، ولم أجد له ترجمة .
(2) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : (( الأضر )) و (( الأشر )) ، ولم أجد لشيء من ذلك أصلا في كتب العربية ، وهذان اللفظان محرفان فيما أرجح ، ولكني تركتهما على حالهما ، حتى أقف على الصواب في قراءتهما إن شاء الله . ولكنهم مثلوا له بقولهم (( قد )) و (( أقد)) وهو قريب التحريف في الأولى ، ولكن الثانية مبهمة .
(3) من معلقته المشهورة ، وهذا البيت من أبيات وصف فيها بطلا مثله ، يقول قبله :
لَمَّــا رَآنِــي قَـدْ قَصَـدْتُ أُرِيــدُهُ
أَبْـــدَى نَوَاجِــذَهُ لِغَــيْرِ تَبَسُّــمِ
فَطَعَنْتُــهُ بِــالرُّمْحِ ثُــمَّ عَلَوْتُــهُ
بِمُهَنَّــدٍ صَــافِي الحَــدِيدَةِ مِخْـذَمِ
و (( اللبان )) الصدر . و (( العظلم )) ، صبغ أحمر . يصفه قتيلا سال دمه ، فخصب رأسه وأطرافه ، لا حراك به .
(4) لم أعرف قائله .
(5) (( الظعينة )) ، يعني زوجته . (( الأنقاء )) جمع (( نقو )) ( بكسر فسكون ) ، وهو كل عظم فيه مخ ، كعظام اليدين والساقين ، وامرأة (( سحوق )) : طويلة كأنها نخلة مستوية قد انجرد عنها كربها .
(6) (( آنك )) ( بالمد وضم النون ) هو . الرصاص القلعي ، وهو القزدير . ويعني أنه مفرد لا جمع .
(7) الأثران : 14151 ، 14152 - (( أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري )) ، مضى برقم : 2747 ، 6613 ، 10330 ، وهو ابن أخي (( عبد الله بن وهب )) و (( عمه )) ، هو : (( عبد الله بن وهب )) .
(8) في المطبوعة : (( ويحل )) بالواو ، والذي في المخطوطة حق السياق .
(9) في المطبوعة : (( أن يقربوا )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(10) انظر تفسير (( الإيفاء )) فيما سلف 9 : 426 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(11) انظر تفسير (( القسط )) فيما سلف 10 : 334 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(12) انظر تفسير (( التكليف )) فيما سلف 5 : 45 / 6 : 129 ، 130 / 8 : 579 .
= وتفسير (( الوسع )) فيما سلف 5 : 45 /6 : 129 ، 130 .
(13) انظر ما سلف 5 : 45 ، 46 / 6 : 129 ، 130 .
(14) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدل ) .
(15) انظر تفسير (( العهد )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عهد ) .
= وتفسير (( الإيفاء )) فيما سلف ص : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير (( وصى )) فيما ص : 221 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(17) الأثر : 14156 - (( على بن صالح بن صالح بن حي الهمداني )) ثقة ، مضى برقم : 178 ، 11975 .
وفي المخطوطة والمطبوعة : (( علي بن أبي صالح )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، والزيادة سهو من الناسخ ، وإنما هو (( علي بن صالح )) ، فهو الذي يروي عن إسحاق السبيعي ، ويروي عنه وكيع ، وكما في المستدرك ، كما سيأتي في التخريج .
و (( أبو إسحاق )) هو السبيعي .
و (( عبد الله بن قيس )) ، راوى هذا الخبر ، خص براوية هذا الخبر عن ابن عباس ، ورواية أبي إسحاق السبيعي عنه . مترجم في التهذيب ( 5 : 365 ) ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 138 .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 288 ، وقال : (( صحيح )) ، ووافقه الذهبي . وقد أشرت إلى ذلك في تخريج الخبر رقم : 6573 ، فراجعه .
ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك 2 : 317 ، بإسناد آخر من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، عن ابن عباس ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .
و (( عبد الله بن خليفة الهمداني )) ، مضى برقم : 5796 .
(18) الأثر : 14157 - (( وهب بن جرير بن حازم الأزدي )) ، الحافظ الثقة .
وأبو (( جرير بن حازم الأزدي )) ، ثقة ، روى له الجماعة .
و (( يحيى بن أيوب الغافقي )) ، ثقة ، مضى برقم : 3877 ، 4330 .
و (( يزيد بن أبي حبيب المصري )) ، مضى مرارًا ، آخرها : 11871 .
و (( مرثد بن عبد الله اليزني )) ، الفقيه المصري ، مضى برقم : 2839 ، 2840 ، 10890 .
و (( عبيد الله بن عدي بن الخيار النوفلي القرشي )) ثقة ، قليل الحديث ، من فقهاء قريش وعلمائهم ، أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين . مترجم في التهذيب .
وهذا خبر إسناده صحيح إلى كعب الأحبار .
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾
القول في تأويل قوله : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم، أيها الناس، في هاتين الآيتين من قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وأمركم بالوفاء به, هو " صراطه " = يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده =(مستقيمًا)، يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق (19) =(فاتبعوه)، يقول: فاعملوا به, واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، فاتبعوه (20) =(ولا تتبعوا السبل)، يقول: ولا تسلكوا طريقًا سواه, ولا تركبوا منهجًا غيره, ولا تبغوا دينًا خلافه (21) ، من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل, فإنها بدع وضلالات =(فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان, اتباعُكم إياها =" عن سبيله ", يعني: عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه, وهو الإسلام الذي وصّى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم (22) =(ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم: " أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل "، وصاكم به " لعلكم تتقون ", يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها, وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها، فيحل بكم نقمته وعذابه . (23)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14163- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: البدع والشبهات .
14164- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
14165- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا تتبعوا السبل) ، البدع والشبهات .
14166- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) , وقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: 13]، ونحو هذا في القرآن. قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة, وأخبرهم أنه إنما هلك مَنْ كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله .
14167- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: لا تتبعوا الضلالات .
14168- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حماد, عن عاصم, عن أبي وائل, عن عبد الله قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًّا فقال: هذا سبيل الله. ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطًا فقال: هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها. ثم قرأ هذه الآية: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . (24)
14169- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: " سبيله "، الإسلام, و " صراطه "، الإسلام . نهاهم أن يتبعوا السبل سواه =(فتفرق بكم عن سبيله) ، عن الإسلام .
14170- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أبان: أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه, وطرفُه في الجنة, وعن يمينه جوادُّ, وعن يساره جَوَادُّ, وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم. فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة . ثم قرأ ابن مسعود: (وأن هذا صراطي مستقيمًا)، الآية .
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: (وأن هذا صراطي مستقيمًا).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (وَأَنَّ) بفتح " الألف " من " أن ", وتشديد " النون ", ردًّا على قوله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، بمعنى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ," وأن هذا صراطي مستقيمًا ".
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: " وَإِنَّ" بكسر " الألف " من " أن ", وتشديد " النون " منها، على الابتداء وانقطاعها عن الأول, إذ كان الكلام قد انتهى بالخبر عن الوصية التي أوصى الله بها عباده دونه، عندهم . (25)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار وعوامّ المسلمين، (26) صحيح معنياهما, فبأيِّ القراءتين قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته .
وذلك أن الله تعالى ذكره قد أمر باتباع سبيله, كما أمر عباده الأنبياء . (27) وإن أدخل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وما أمركم به, ففتح على ذلك " أن "، فمصيب = وإن كسرها، إذ كانت " التلاوة " قولا وإن كان بغير لفظ " القول " لبعدها من قوله: " أتل ", وهو يريد إعمال ذلك فيه، فمصيبٌ = وإن كسرها بمعنى ابتداء وانقطاع عن الأول و " التلاوة ", وأن ما أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوته على من أُمِر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك, فمصيب .
* * *
وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري: " وَأنْ" بفتح الألف من " أن " وتخفيف النون منها, بمعنى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ," وأنْ هذا صراطي"، فخففها، إذ كانت " أن " في قوله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، مخففة, وكانت " أن " في قوله: (وأن هذا صراطي)، معطوفة عليها, فجعلها نظيرةَ ما عطفت عليه .
وذلك وإن كان مذهبًا, فلا أحب القراءة به، لشذوذها عن قراءة قرأة الأمصار، وخلاف ما هم عليه في أمصارهم .
-------------------
الهوامش :
(19) انظر تفسير (( الصراط المستقيم )) فيما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(20) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .
(21) في المخطوطة : (( دينا خلاه)) ، وعلى (( خلاه )) ، حرف ( ط ) دلالة على الخطأ أو الشك ، والذي في المخطوطة مستقيم جيد .
(22) انظر تفسير (( السبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(23) انظر تفسير (( الوصية )) و (( الاتقاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وصى ) و ( وقي ) .
(24) الأثر : 14168 - صحيح الإسناد ، رواه أحمد في المسند رقم : 4142 ، 4437 ، بنحوه . وقد فصل ابن كثير في تفسيره شرح هذا الإسناد ، وما فيه من اختلاف الرواية 3 : 427 - 429 . وسيأتي برقم : 14170 ، موقوفًا على ابن مسعود .
(25) يعني بقوله : (( دونه عندهم )) ، دون النبي صلى الله عليه وسلم ، عند من قرأ ذلك كذلك ، كما سيظهر ذلك من الآتي بعد ، انظر التعليق رقم : 3 .
(26) (( عوام المسلمين )) يعني : عامة المسلمين ، لا يعني (( العوام )) كما استعملت بمعنى : الذين لم يتعلموا العلم .
(27) في المطبوعة : (( عباده بالأشياء )) ، وهو كلام ساقط ، لم يحسن قراءة المخطوطة فغير وزاد . وفي المخطوطة : (( عباده الأساء )) ، والصواب قراءتها ما أثبت . ويعني أن هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء .
ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٤﴾
القول في تأويل قوله : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ثم آتينا موسى الكتاب)، ثم قل بعد ذلك يا محمد: آتى ربك موسى الكتابَ = فترك ذكر " قل ", إذ كان قد تقدم في أول القصّة ما يدلّ على أنه مرادٌ فيها, وذلك قوله : (28) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، فقصَّ ما حرم عليهم وأحلّ, ثم قال: ثم قل: "آتينا موسى ", فحذف " قل " لدلالة قوله: " قل " عليه, وأنه مراد في الكلام .
وإنما قلنا: ذلك مرادٌ في الكلام, لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا شك أنه بُعث بعد موسى بدهر طويل، وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه. ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدًا بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه. و " ثم " في كلام العرب حرف يدلّ على أن ما بعده من الكلام والخبر، بعد الذي قبلها .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: (تمامًا على الذي أحسن)، فقال بعضهم: معناه: تمامًا على المحسنين .
* ذكر من قال ذلك:
14171- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (تمامًا على الذي أحسن)، قال: على المؤمنين.
14172- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (تمامًا على الذي أحسن)، المؤمنين والمحسنين.
* * *
= وكأنّ مجاهدًا وجّه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده .
* * *
فإن قال قائل: فكيف جاز أن يقال: (على الذي أحسن)، فيوحِّد " الذي", والتأويل على الذين أحسنوا؟
قيل: إن العرب تفعل ذلك خاصة في" الذي" وفي" الألف واللام "، إذا أرادت به الكل والجميع, كما قال جل ثناؤه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، [سورة العصر: 2،1] ، وكما قالوا: " كثر الدِّرهم فيه في أيدي الناس ". (29)
وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ ذلك: " تمامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا "، وذلك من قراءته كذلك، يؤيد قول مجاهد .
وإذا كان المعنى كذلك, كان قوله: " أحسن "، فعلا ماضيًا, فيكون نصبه لذلك .
* * *
وقد يجوز أن يكون " أحسن " في موضع خفض, غير أنه نصب إذ كان " أفعل ", و " أفعل "، لا يجري في كلامها . (30)
فإن قيل: فبأيِّ شيء خفض؟
قيل: ردًّا على " الذي"، إذ لم يظهر له ما يرفعه = فيكون تأويل الكلام حينئذ: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي هو أحسن, ثم حذف " هو ", وجاور " أحسن "" الذي", فعرِّب بتعريبه, (31) إذ كان كالمعرفة من أجل أن " الألف واللام " لا يدخلانه," والذي" مثله, كما تقول العرب: " مررت بالذي خيرٍ منك، وشرٍّ منك ", (32) كما قال الراجز: (33)
إِنَّ الزُّبَــيْرِيَّ الَّــذِي مِثْـلَ الحَـلَمْ
مَسَّــى بِأَسْــلابِكُمُ أَهْــلَ الْعَلَــمْ (34)
فأتبع " مثل "" الذي"، في الإعراب . ومن قال ذلك، لم يقل: مررت " بالذي عالمٍ", لأن " عالمًا " نكرة،" والذي" معرفة, ولا تتبع نكرة معرفة . (35)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " تمامًا على الذي أحسن "، موسى، فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه .
* ذكر من قال ذلك:
14173- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذين أحسن)، فيما أعطاه الله.
14174- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، قال: من أحسن في الدنيا، تمم الله له ذلك في الآخرة .
14175- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، يقول: من أحسن في الدنيا، تمت عليه كرامة الله في الآخرة.
* * *
وعلى هذا التأويل الذي تأوّله الربيع، يكون " أحسن "، نصبًا, لأنه فعل ماض, و " الذي" بمعنى " ما " = وكأنّ الكلام حينئذ: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على ما أحسن موسى = أي: آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الآخرة، تمامًا على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته .
* * *
وقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم .
* ذكر من قال ذلك:
14176- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن)، قال: تمامًا من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام, وآتاهم ذلك الكتاب تمامًا، لنعمته عليه وإحسانه .
* * *
" وأحسن " على هذا التأويل أيضًا، في موضع نصب، على أنه فعل ماض،" والذي" على هذا القول والقول الذي قاله الربيع، بمعنى: " ما " .
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك: " تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ" رفعًا= بتأويل: على الذي هو أحسن .
14177- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا الحجاج, عن هارون, عن أبي عمرو بن العلاء, عن يحيى بن يعمر .
* * *
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح, لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لنعمنا عنده، على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا = لأن ذلك أظهرُ معانيه في الكلام, وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه ومنة عظيمة. فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحُسن طاعة .
* * *
ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد، كان الكلام: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسنّا = أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن .
وفي وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب، ثم صرفه الخبر بقوله: " أحسن ", إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين = الدليلُ الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد .
* * *
وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه " الذي" إلى معنى الجميع، فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك. بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه . وإذا تنوزع في تأويل الكلام، كان أولى معانيه به أغلبُه على الظاهر, إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضح على أنه معنيٌّ به غير ذلك .
* * *
وأما قوله: (وتفصيلا لكل شيء)، فإنه يعني: وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به . (36)
* * *
= فتأويل الكلام إذًا: ثم آتينا موسى التوراة تمامًا لنعمنا عنده وأيادينا قِبَله, تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربَّه وقيامه بما كلّفه من شرائع دينه, وتبيينًا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم، (37) كما:-
14178- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وتفصيلا لكل شيء)، فيه حلاله وحرامه .
* * *
القول في تأويل قوله : وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: آتينا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلا لكل شيء =(وهدى)، يعني بقوله " وهدى "، تقويمًا لهم على الطريق المستقيم, وبيانًا لهم سُبُل الرشاد لئلا يضلوا =(ورحمة)، يقول: ورحمة منا بهم ورأفة, لننجيهم من الضلالة وَعمى الحيرة . (38)
وأما قوله: (لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون)، فإنه يعني: إيتائي موسى الكتاب تمامًا لكرامة الله موسى، على إحسان موسى, وتفصيلا لشرائع دينه, وهدًى لمن اتبعه، ورحمة لمن كان منهم ضالا لينجيه الله به من الضلالة, وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه, فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به, وبلقائه بعد مماته, فيطيع ربه, ويصدِّق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله عليه وسلم .
--------------------
الهوامش :
(28) في المطبوعة والمخطوطة : (( ذلك قوله )) بغير واو ، والسياق يقتضي إثباتها .
(29) في المطبوعة : (( أكثر الذي هم في أيدي الناس )) ، وهو كلام غث لا معنى له ، زاد (( فيه )) على ما كان في المخطوطة . وكان فيها : (( أكثر الدرهم في أيدي الناس )) ، وصواب قراءتها ما أثبت ، أو : (( ما أكثر الدرهم في أيدي الناس )) .
وقد سلف هذا البحث فيما مضى ، وفيه نحو هذا الشاهد 4 : 263 ، 270 / 6 : 125 .
(30) الإجراء : الصرف .
(31) في المطبوعة : (( فعرف بتعريفه )) ، وهو كلام لا معنى له ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها . و (( التعريب )) ، هو (( الإعراب )) .
(32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 365 ، وفيها خطأ ظاهر ، لأنه كتب هناك : (( مررت بالذي هو خير منك ، وشر منك )) ، فزادوا (( هو )) ، والصواب حذفها ، فلتصحح هناك .
(33) لم أعرفه .
(34) معاني القرآن للفراء 1 : 365 ، وروايته كما في مطبوعة المعاني :
مَشَّــى بِأَسْـلابِكَ فِـي أَهْـلِ الَعَلَـمْ
كأنه يعني أنه سلبه ثيابه ولبسهما ، وهو يمشي بها في الناس . (( ومشى )) بتشديد الشين . يقال : (( مشى )) و (( تمشي )) و (( مشى )) بمعنى واحد .
وأما رواية أبي جعفر ، فهي بالسين لا بالشين ، لا شك في ذلك ، كأنه يقول : صبحه بالغارة ، ثم أمسى بما سلبه عند (( أهل العلم )) ، وهو موضع . و (( العلم )) ، الجبل . و (( الحلم )) ( بفتحتين ) : القراد الصغير ، يصف هذا الزبيرى الذي سلبه ثيابه وأمواله ، بأنه قميء قصير .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 365 .
(36) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف 113 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(37) في المطبوعة : (( ما لقومه )) باللام ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
(38) انظر تفسير (( الهدى )) و (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) و ( رحم ) .
وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٥٥﴾
القول في تأويل قوله : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وهذا كتاب أنـزلناه مبارك)، وهذا القرآن الذي أنـزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم =" كتاب أنـزلناه مبارك فاتبعوه "، (39) يقول: فاجعلوه إمامًا تتّبعونه وتعملون بما فيه، أيها الناس (40) =(واتقوا)، يقول: واحذروا الله في أنفسكم، أن تضيعوا العمل بما فيه, وتتعدّوا حدودَه, وتستحلُّوا محارمه . (41) كما:-
14179- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة,قوله: (وهذا كتاب أنـزلناه مبارك)، وهو القرآن الذي أنـزله الله على محمد عليه الصلاة والسلام =(فاتبعوه)، يقول: فاتبعوا حلاله، وحرّموا حرامه .
* * *
وقوله: (لعلكم ترحمون)، يقول: لترحموا، فتنجوا من عذاب الله، وأليم عقابه .
---------------------
الهوامش :
(39) انظر تفسير (( مبارك )) فيما سلف 7 : 25 /11 : 530 .
(40) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .
(41) انظر تفسير (( التقوى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .
أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿١٥٦﴾
القول في تأويل قوله : أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في العامل في" أن " التي في قوله: (أن تقولوا) وفي معنى هذا الكلام.
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، (42) كراهيةَ أن تقولوا: " إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ".
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك في موضع نصب بفعل مضمر. قال: ومعنى الكلام: فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون = اتقوا أن تقولوا . قال: ومثله يقول الله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ، [ سورة الحجرات: 2].
* * *
وقال آخرون منهم: هو في موضع نصب . قال: ونصبه من مكانين: أحدهما: أنـزلناه لئلا يقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا (43) = والآخر من قوله: (اتقوا). قال: ولا يصلح في موضع " أن " كقوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ سورة النساء: 176]. (44)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نصب " أن " لتعلقها: بالإنـزال, لأن معنى الكلام: وهذا كتاب أنـزلناه مبارك لئلا تقولوا: " إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ".
* * *
فأما الطائفتان اللتان ذكرهما الله, وأخبر أنه إنما أنـزل كتابه على نبيه محمد لئلا يقول المشركون: " لم ينـزل علينا كتاب فنتبعه, ولم نؤمر ولم نُنْه, فليس علينا حجة فيما نأتي ونَذَر, إذ لم يأت من الله كتاب ولا رسول ", (45) وإنما الحجة على الطائفتين اللتين أنـزل عليهما الكتاب من قبلنا = فإنهما اليهود والنصارى، (46) وكذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14180- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (أن تقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، وهم اليهود والنصارى .
14181- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أن تقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، اليهود والنصارى يُخاف أن تقوله قريش .
14182- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج عن مجاهد: (أن تقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، قال: اليهود والنصارى. قال: أن تقول قريش .
14183- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أن تقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، وهم اليهود والنصارى .
14184- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، أما الطائفتان: فاليهود والنصارى .
* * *
وأما(وإن كنا عن دِرَاستهم لغافلين)، فإنه يعني: أن تقولوا: وقد كنا عن تلاوة الطائفتين الكتابَ الذي أنـزلتُ عليهم (47) =" غافلين ", لا ندري ما هي, (48) ولا نعلم ما يقرؤون وما يقولون، وما أنـزل إليهم في كتابهم, لأنهم كانوا أهله دوننا, ولم نعن به ولم نؤمر بما فيه, ولا هو بلساننا, فيتخذوا ذلك حجة . فقطع الله بإنـزاله القرآنَ على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حجتهم تلك . (49)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
14185- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وإن كنا عن دراستهم لغافلين)، يقول: وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين .
14186- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وإن كنا عن دراستهم لغافلين)، أي: عن قراءتهم .
14187- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإن كنا عن دراستهم لغافلين)، قال: " الدراسة "، القراءة والعلم. وقرأ: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، [سورة الأعراف: 169]. قال: علموا ما فيه، لم يأتوه بجهالة .
14188- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن كنا عن دراستهم لغافلين)، يقول: وإن كنا عن قراءتهم لغافلين، لا نعلم ما هي .
-----------------
الهوامش :
(42) أرجح أن صواب العبارة : (( معنى ذلك : وهذا كتاب أنزلناه مبارك ، كراهية أن تقولوا ... )) فإنه هو القول الذي اختاره أبو جعفر بعد . ولعله سهو منه أو من الناسخ .
(43) في المطبوعة والمخطوطة : (( إنما أنزل الكتاب على )) وقطع ، وزدت بقية الآية .
(44) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 36 .
(45) في المطبوعة : (( لم يأت )) ، وفي المخطوطة مثلها ، وضرب عليها ، ووضع حرف ( ط ) دلالة على الخطأ أو الشك ، ورأين قراءتها ، فهذا حق السياق .
(46) انظر تفسير (( الطائفة )) فيما سلف 6 : 500 ، 506 / 9 : 141 .
(47) انظر تفسير (( الدراسة )) فيما سلف 6 : 546 / 12 : 25 - 31 .
(48) في المخطوطة : (( ما هم )) ، ويؤيد ما في المطبوعة ، ما سيأتي بعد في رقم : 14188 .
(49) انظر تفسير (( الغفلة )) فيما سلف من فهارس اللغة (( غفل )) .
أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ ﴿١٥٧﴾
القول في تأويل قوله : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ , لئلا يقول المشركون من عبدة الأوثان من قريش: إِنَّمَا أُنْـزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا , أو: لئلا يقولوا: لو أنّا أنـزل علينا الكتاب كما أنـزل على هاتين الطائفتين من قبلنا, فأمرنا فيه ونُهِينا, وبُيِّن لنا فيه خطأ ما نحن فيه من صوابه =(لكنا أهدى منهم) ، أي: لكنا أشدَّ استقامة على طريق الحق، واتباعًا للكتاب, وأحسن عملا بما فيه، من الطائفتين اللتين أنـزل عليهما الكتاب من قبلنا . (50) يقول الله: (فقد جاءكم بينة من ربكم)، يقول: فقد جاءكم كتابٌ بلسانكم عربيٌ مبين, حجة عليكم واضحة بيّنة من ربكم (51) =(وهدى)، يقول: وبيان للحق, وفُرْقانٌ بين الصواب والخطأ =، (ورحمة) لمن عمل به واتّبعه، كما:-
14189- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أو تقولوا لو أنا أنـزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم)، يقول: قد جاءكم بينة، لسانٌ عربي مبين, حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين, وحين قلتم: لو جاءنا كتاب لكنا أهدى منهم .
14190- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أو تقولوا لو أنا أنـزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم)، فهذا قول كفار العرب =(فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ).
* * *
القول في تأويل قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فمن أخطأ فعلا وأشدّ عدوانًا منكم، أيها المشركون, المكذبون بحجج الله وأدلته = وهي آياته (52) =(وصدف عنها)، يقول: وأعرض عنها بعد ما أتته, فلم يؤمن بها، ولم يصدِّق بحقيقتها .
وأخرج جل ثناؤه الخبر بقوله: (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله)، مخرج الخبر عن الغائب, والمعنيّ به المخاطبون به من مشركي قريش .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: (وصدف عنها)، قال أهل التأويل . (53)
* ذكر من قال ذلك:
14191- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وصدف عنها)، يقول: أعرض عنها .
14192- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يصدفون عن آياتنا)، يعرضون عنها, و " الصدف "، الإعراض.
14193- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وصدف عنها)، أعرض عنها,(سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون)، أي: يعرضون .
14194- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وصدف عنها)، فصدَّ عنها.
* * *
وقوله: (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب)، يقول: سيثيب الله الذين يعرضون عن آياته وحججه ولا يتدبرونها، (54) ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من توحيد الله، وحقيقة نبوة نبيه، (55) وصدق ما جاءهم به من عند ربهم =(سوء العذاب)، يقول: شديد العقاب, وذلك عذاب النار التي أعدَّها الله لكفرة خلقه به =(بما كانوا يصدفون)، يقول: يفعل الله ذلك بهم جزاء بما كانوا يعرضون عن آياته في الدنيا، فلا يقبلون ما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم .
--------------------
الهوامش :
(50) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(51) انظر تفسير (( البينة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(52) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم )
= وتفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
(53) انظر تفسير (( صدف )) فيما سلف 11 : 366 .
(54) انظر تفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
(55) في المطبوعة : (( وحقية نبوة نبيه )) ، فعل بها ما فعل بأخواتها من قبل . انظر ما سلف 11 : 475 تعليق : 3 ، والمراجع هناك . و (( حقيقة )) مصدر بمعنى (( حق )) .