At-Tabari
· Aal-i-ImraanOuvrir dans le lecteurوَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٢٩﴾
القول في تأويل قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء.
* * *
فقوله: " أو يتوب عليهم "، منصوبٌ عطفًا على قوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ .
وقد يحتمل أن يكون تأويله: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم = فيكون نصب " يتوب " بمعنى " أو " التي هي في معنى " حتى ". (60)
* * *
قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
* * *
وتأويل قوله: " ليس لك من الأمر شيء "، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي. كما:-
7804- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم = (61) " فإنهم ظالمون "، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي. (62)
* * *
وذكر أن الله عز وجل إنما أنـزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق: " كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم!!"
*ذكر الرواية بذلك:
7805- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رَبَاعيته، وشُجَّ، فجعل يمسح عن وجهه الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم!! فأنـزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". (63)
7806- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
7807- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
7808- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". (64)
7809- حدثني يعقوب، عن ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو &; 7-197 &; يدعوهم إلى الله عز وجل!! فنـزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". (65)
7810- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحو ذلك.
7811- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، ذكر لنا أن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7812- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكِسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله! فأنـزل الله تبارك وتعالى: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7813- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: " ليس لك من الأمر شيء " الآية قال قال الربيع بن أنس: أنـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، وقد شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وأصيبتْ رباعيته، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ عليهم، فقال: " كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله وهم يدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! فهمَّ أن يدعوَ عليهم، فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، فكفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم.
7814- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم " الآية كلها، فقال: جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صُنع بأصحابه يوم بدر، فقاتل أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد قتالا شديدًا، حتى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمةً علم الله أنها قد خالطت غضبًا: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الإسلام! فقال الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7815- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رباعية النبي صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في وجهه. وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم الدمَ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم صنعوا بنبيهم هذا!! فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7816- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد، حين كسر رباعيته، وَوثأ وجهه، (66) فقال: " اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا!" قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرا.
7817 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: شج النبي صلى الله عليه وسلم في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته.
= قال ابن جريج: ذكر لنا أنه لما جرح، جعل سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله!". فأنـزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء)
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه دعا على قوم، فأنـزل الله عز وجل: ليس الأمر إليك فيهم.
* ذكر الرواية بذلك:
7818 - حدثني يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يدعو على أربعة نفر، فأنـزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) قال: وهداهم الله للإسلام (67) .
&; 7-200 &;
7819 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللهم العن أبا سفيان ! اللهم العن الحارث بن هشام ! اللهم العن صفوان بن أميه ! فنـزلت: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (68) .
&; 7-201 &;
7820 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قالاللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد! اللهم أنج المستضعفين من المسلمين! اللهم اشدد وطأتك على مضر! اللهم سنين كسنين آل يوسف ! فأنـزل الله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) (69) الآية.
7821 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أخبره، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن: أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ، في صلاة الفجر، من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " ثم يقول وهو قائم: " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين! اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف! اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله!". ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نـزل قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (70) .
---------------------------
الهوامش :
(60) انظر معاني القرآن للفراء 1: 234.
(61) في سيرة ابن هشام: ". . . بذنوبهم ، فبحقي".
(62) الأثر: 7804- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها: 7801 ، مع اختلاف يسير في بعض لفظه.
(63) الحديث: 7805- هذا الحديث رواه الطبري متصلا بخمسة أسانيد: 7805 - 7808 ، 7810 ، من طريق بشر بن المفضل ، وابن أبي عدي ، وهشيم ، وأبي بكر بن عياش ، وابن علية = الخمسة عن حميد بن أبي حميد الطويل ، عن أنس بن مالك. ورواه: 7809 ، من حديث الحسن البصري ، بنحوه ، مرسلا.
وقد رواه أحمد في المسند: 11980 ، عن هشيم ، و: 12862 ، عن سهل بن يوسف ، و: 13115 ، عن يزيد بن هارون ، و: 13170 ، عن ابن أبي عدي = أربعتهم عن حميد الطويل ، به. (ج3 ص99 ، 178 - 179 ، 201 ، 206 حلبى). ورواه الترمذي 4: 83 ، عن أحمد بن منيع ، وعبد بن حميد - كلاهما عن يزيد بن هارون ، كرواية المسند: 13115. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه أبو جعفر النحاس ، في الناسخ والمنسوخ ، ص: 90 ، من طريق يزيد بن هارون.
ورواه أحمد أيضًا ، بنحوه: 13692 (ج3 ص253 حلبي) ، عن عفان ، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ثابت ، عن أنس.
وكذلك رواه مسلم 2: 67 ، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، عن حماد بن سلمة ، به
وذكره البخاري في الصحيح 7: 281 ، مختصرًا ، معلقًا ، من الوجهين. قال: "قال حميد وثابت ، عن أنس. . .". وبين الحافظ في الفتح أن رواية حميد وصلها أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن إسحاق في المغازي. وأن رواية ثابت وصلها مسلم.
وذكر ابن كثير 2: 238 رواية البخاري المعلقة. وفي ص: 239 رواية أحمد عن هشيم. ثم أشار إلى رواية مسلم.
وذكره السيوطي 2 : 70 - 71 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل.
وانظر ما يأتي: 7818 - 7821.
"الرباعية" - على وزن"ثمانية": الأسنان الأربعة التي تلي الثناياه ، بين الثنية والناب.
(64) الحديث: 7808- يحيى بن طلحة اليربوعي: سبق في: 421 أن النسائي ضعفه. والراجح توثيقه. فقد ترجمه ابن أبي حاتم 4 / 2 / 160 ، فلم يذكر فيه جرحًا.
(65) الحديث: 7809- هذه رواية الحسن المرسلة. وقد ذكر السيوطي 2: 71 رواية عن الحسن ، مطولة مرسلة أيضًا ، ونسبها لعبد بن حميد ، وحده.
(66) وثأه وثأه: فهو أن يضرب حتى يرهص الجلد واللحم ، ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر ، يكسر اللحم ولا يكسر العظم.
(67) الحديث: 7818 - خالد بن الحارث بن عبيد ، أبو عثمان الهجيمي : ثقة ثبت إمام . وقال أحمد : " إليه المنتهى في التثبت بالبصرة " .
والحديث رواه أحمد في المسند: 5813 ، عن يحيى بن حبيب بن عربي- شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه، إحالة على رواية قبله .
ورواه الترمذي 4 : 84 عن يحيى بن حبيب بن عربي أيضًا . وقال : " هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه ، من حديث نافع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان" .
ورواه أحمد أيضًا: 5812 - قبل الرواية السابقة - : عن أبي معاوية الغلابي ، عن خالد بن الحارث.
ورواه أحمد أيضًا: 5997 ، بنحوه ، عن هارون بن معروف المروزي ، عن ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر .
وهو متابعة صحيحة لرواية ابن عجلان عن نافع، التي استغربها الترمذي - فكانت غير غريبة ، بهذه المتابعة الصحيحة .
وذكره ابن كثير 2 : 238 ، من رواية المسند : 5812 .
وأشار إليه الحافظ في الفتح 8 : 170 ، من روايتي أحمد والترمذي .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، ونسبه للترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم، فقط .
وانظر الحديث التالي لهذا.
(68) الحديث: 7819 - أحمد بن بشير ، أبو بكر الكوفي ، مولى عمرو بن حريث المخزومي: ثقة ، أخرج له البخاري في صحيحه ، وترجمه هو وابن أبي حاتم ، فلم يذكرا فيه جرحًا . ومن نقل فيه جرحًا عن ابن معين فقد وهم . ذاك " أحمد بن بشير " آخر ، كما بينه الخطيب في تاريخ بغداد 4 : 46 - 48 .
ووقع في المطبوعة هنا اسم أبيه " سفيان" ، وفي المخطوطة "سنين" - وكلاهما خطأ ، ليس في الرواة من يسمى بهذا أو بذاك ، إلا راويًا اسمه " أحمد بن سفيان أبو سفيان النسائي" وهو متأخر عن هذه الطبقة . وأثبتنا الصواب عن ذلك ، وعن رواية الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد ، كما سيأتي .
عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: رجحنا توثيقه في شرح المسند : 5638 ، بأنه أخرج له مسلم في صحيحه، وبقول الحاكم : " أحاديثه كلها مستقيمة" . وهو يروي هنا عن عمه " سالم بن عبد الله بن عمر " عن جده " عبد الله بن عمر" .
والحديث رواه أحمد في المسند : 5674 ، عن أبي النضر ، عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة ، به وزاد في آخره بعد نزول الآية : " قال : فتيب عليهم " .
ورواه الترمذي 4 : 83 ، عن أبي السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد . وزاد في آخره : " فتاب عليهم ، فأسلموا فحسن إسلامهم " .
وقال الترمذي : " هذا حديث حسن غريب ، يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم . وكذا رواه الزهري، عن سالم ، عن أبيه" .
ورواية الزهري عن سالم - التي أشار إليها الترمذي - رواها أحمد في المسند : 6349 ، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه .
وكذا رواها أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص : 89 ، من طريق عبد الرزاق ، به . ورواه أيضًا ابن المبارك عن معمر .
فرواه أحمد في المسند : 6350 ، عن علي بن إسحاق ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن سالم . عن أبيه .
وكذلك رواه البخاري 7 / 281 ، 8 : 170 / و 13 : 263 - 264 ، من طريق عبد الله بن المبارك .
ورواه البخاري أيضًا 7 : 281 ، من رواية ابن المبارك ، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي ، عن سالم بن عبد الله : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو . . . " رواه تبعًا لحديث ابن المبارك عن معمر، فقال الحافظ في الفتح : " والراوي له عن حنظلة، هو عبد الله بن المبارك" .
ووهم من زعم أنه معلق . وقوله : " سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو " ، إلى آخره -: هو مرسل.
وقد ذكره ابن كثير 2 : 238 ، عن رواية المسند : 5674 .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، وزاد نسبته للنسائي ، والبيهقي في الدلائل .
(69) الحديث : 7820 - عبد الله بن كعب : هو الحميري المدني ، مولى عثمان بن عفان . وهو ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه ، وترجمه ابن أبي حاتم 2 / 2 / 142 .
وهذا الحديث مرسل ، لأن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي - تابعي- وقد مضت ترجمته في : 2351. ولم أجد هذا الحديث المرسل في موضع آخر . ومعناه ثابت صحيح في الحديث الآتي عقبه : 7821 ، وفي حديث أبي هريرة في المسند : 7656 ، من رواية الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن . عن أبي هريرة . ولكن ليس فيه نزول الآية .
ثم وجدته موصولا من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه :
فرواه البخاري 2 : 241 - 242 ، في حديث مطول ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري " قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة ... قالا : وقال أبو هريرة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه . . . " - إلخ .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 207 ، مقتصرًا على القسم الأخير منه ، من أول قوله : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " - من طريق عثمان بن سعيد الدارمي ، عن أبي اليمان ، بمثل إسناد البخاري ، ثم قال : " رواه البخاري في الصحيح ، عن أبي اليمان " .
ووجدته أيضا مرسلا ، مثل رواية الطبري هنا :
فرواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 142 ، من طريق سلمة بن رجاء ، عن محمد بن إسحاق ، بمثل إسناد الطبري هنا . وزاد في آخره بعد الآية : " قال : فما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء على أحد ".
(70) الحديث: 7821 - روى مسلم في صحيحه 1 : 187 ، عن أبي الطاهر ، وحرملة بن يحيى - كلاهما عن ابن وهب ، بهذا الإسناد .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 197 ، من طريق بحر بن نصر ، عن ابن وهب ، به . ثم أشار إلى رواية مسلم .
ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 142 ، عن يونس بن عبد الأعلى - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد ؛ ولكنه اختصر آخره ، فلم يذكر قوله : " ثم بلغنا أنه ترك ذلك . . . " .
ورواه أحمد في المسند : 7458 ، عن أبي كامل ، عن إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وكذلك رواه البخاري 8 : 170 - 171 (فتح) ، عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد ، به .
وكذلك رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ، ص : 89 ، من طريق الحسن بن محمد ، عن إبراهيم بن سعد .
وكذلك رواه البيهقي 2 : 197 ، من طريق محمد بن عثمان بن خالد ، عن إبراهيم بن سعد .
ونقله ابن كثير 2 : 238 ، عن رواية البخاري ، التي أشرنا إليها آنفًا .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، وزاد نسبته لابن المنذر ، وابن أبي حاتم . ولم يفرق بين روايتي إبراهيم بن سعد ويونس ، والفرق بينهما واضح - فنسبه بنحو رواية يونس - للبخاري والنحاس ، وهما لم يروياه بهذا اللفظ .
وقد قال الحافظ في الفتح 7 : 282 ، في شرح حديث ابن عمر ، الذي أشرنا إليه في شرح : 7819 - قال : " ووقع في رواية يونس ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، نحو حديث ابن عمر ، لكن فيه : اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية، قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت : ( ليس لك من الأمر شيء ) . قلت: [القائل ابن حجر] . وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد . لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها ، كما سيأتي تلو هذه الغزوة ، وفيه بعد . والصواب : أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد . والله أعلم . ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية : ( ليقطع طرفًا من الذين كفروا ) أي يقتلهم ، ( أو يكبتهم ) أي يخزيهم ، ثم قال : ( أو يتوب عليهم) أي فيسلموا ، ( أو يعذبهم ) أي إن ماتوا كفارًا " .
وهذا تحقيق نفيس جيد من الطراز العالي.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٣٠﴾
القول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما يشاء، ويقضي فيهم ما أحب، فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمرَه ونهيه، ثم يغفر له، ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم. كما:-
7822- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله غفور رحيم "، أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم. (71)
----------------------
(71) الأثر: 7822- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: 7804.
وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ﴿١٣١﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.
* * *
وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،. كما:-
7823- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نـزيدكم وتؤخِّرون؟ فنـزلت: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".
7824- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، (72) ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم. (73)
7825- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجلّ: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة " قال: ربا الجاهلية.
7826- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول &; 7-205 &; في قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. (74) يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ (75) فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك = إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، (76) ثم هكذا إلى فوق = وفي العين يأتيه، (77) فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".
* * *
وأما قوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه =" لعلكم تفلحون "، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه، كما:-
7827- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، أي: فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه. (78)
-----------------
(72) سيرة ابن هشام: "هداكم الله به".
(73) الأثر: 7824- سيرة ابن هشام 3: 115 ، من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7822.
(74) السن: العمر. يريد بها أسنان الأنعام ، كما سيتبين لك من بقية الأثر.
(75) في المخطوطة: "تقضي أو تزدني".
(76) "المخاض": النوق الحوامل. و"ابن المخاض" و"ابنة المخاض" ، ما دخل في السنة الثانية ، لأن أمه لحقت بالمخاض ، أي الحوامل."واللبون": الناقة ذات اللبن. و"ابن اللبون" و"ابنة لبون" ، ما أتى عليه سنتان ، ودخل في السنة الثالثة. فصارت أمه لبونًا ، أي ذات لبن. و"الحق" و"الحقة" البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة."والجدع" و"الجذعة" ما استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة. فإذا طعن البعير في السادسة فهو"ثنى" ، وقد سقط هذا من الأسنان التي يذكرها. أما "الرباع" للذكر ، و"الرباعية" للأنثى ، فهو الذي دخل في السابعة.
(77) العين: المال. من ذهب وفضة وأشباهها.
(78) الأثر: 7827- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها: 7824 ، وفي السيرة"لعلكم تنجون. . . وتدركون".
وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾
القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه = التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، (79) بخلافكم أمري، وترككم طاعتي. كما:-
7828- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " واتقوا النار التي أعدت للكافرين "، التي جعلت دارًا لمن كفر بي. (80)
--------------------
الهوامش :
(79) في المطبوعة: "مداخلهم" بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة.
(80) الأثر: 7828- سيرة ابن هشام 3: 115 تابع الآثار التي آخرها: 7827.
۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾
القول في تأويل قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك =" لعلكم ترحمون "، يقول: لترحموا فلا تعذبوا.
* * *
وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خالفوا أمرَه يوم أحد، فأخلُّوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها.
*ذكر من قال ذلك:
7829- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وأطيعوا &; 7-207 &; الله والرسول لعلكم ترحمون "، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد. (81)
* * *
----------------
(81) الأثر: 7829- سيرة ابن هشام 3: 115 ، تابع الآثار التي آخرها: 7828.
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾
القول في تأويل قوله : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وسارعوا "، وبادروا وسابقوا = (1) " إلى مغفرة من ربكم "، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها =" وجنة عرضها السموات والأرض "، يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
* * *
ذكر أن معنى ذلك: وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض.
*ذكر من قال ذلك:
7830- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجنة عرضها السموات والأرض "، قال: قال ابن عباس: تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة.
* * *
وإنما قيل: " وجنة عرضها السموات والأرض "، فوصف عرضها بالسموات والأرضين، والمعنى ما وصفنا: من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، &; 7-208 &; تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [سورة لقمان: 28]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر: (2)
كــأَنَّ عَذِيــرَهُمْ بِجَــنُوب سِـلَّى
نَعَــامٌ قَــاقَ فِــي بَلَــدٍ قِفَـارِ (3)
أي: عذيرُ نعام، وكما قال الآخر: (4)
حَسِــبتَ بُغَــامَ رَاحِـلَتِي عَنَاقًـا!
وَمَـا هـي, وَيْـبَ غَـيْرِكَ بالعَنَـاقِ (5)
يريد صوت عناق.
* * *
قال أبو جعفر: وقد ذكر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: &; 7-209 &; هذه الجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء، أين الليل.
*ذكر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره.
7831- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. (6) قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي: " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، (7) فأين النار؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ (8)
7832- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، &; 7-211 &; حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أنّ ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن " جنة عرضها السموات والأرض "، أين النار؟ قال: أرأيتم إذا جاء الليل، أن يكون النهار؟" فقالوا: اللهم نـزعْتَ بمثَله من التوراة " (9) .
7833- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيت قوله: " وجنة عرضها السموات والأرض "، فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر: " أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟" فقالوا: نـزعت مثَلها من التوراة.
7834- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، أخبرنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر بنحوه، في الثلاثة الرّهط الذين أتوا عمر فسألوه: عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بمثل حديث قيس بن مسلم.
7835- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: " جنة عرضها السموات والأرض "، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ.
7836- حدثني أحمد بن حازم قال، أخبرنا أبو نعيم قال، حدثنا جعفر بن برقان قال، حدثنا يزيد بن الأصم: أن رجلا من أهل الكتاب أتى ابن عباس فقال: تقولون " جنة عرضها السموات والأرض "، فأين النار؟ فقال ابن عباس: أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ (10)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله: " أعدت للمتقين " فإنه يعني: إنّ الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع، أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه. كما:-
7837- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،" وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين "، أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي. (11)
--------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"سارع" فيما سلف 7: 130.
(2) هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي ، وينسب لأعشى باهلة ، وللنابغة خطأ.
(3) الكامل 2: 196 ، معجم البلدان (سلى) ، واللسان (فوق) (سلل) ، وكان شقيق بن جزء قد أغار على بني ضبة بروضة سلى وروضة ساجر ، وهما روضتان لعكل -وضبة وعدى وعكل وتيم حلفاء متجاورون- فهزمهم ، وأفلت عوف بن ضرار ، وحكيم بن قبيصة بن ضرار بعد أن جرح ، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي ، فقال شقيق:
لَقَــدْ قَــرَّتْ بِهِـمْ عَيْنـي بِسِـلَّى
وَرَوْضَــةِ سَــاجِرٍ ذَاتِ القَــرَارِ
جَــزَيْتُ المُلْجِــئِينَ بِمَــا أَزَلْـتْ
مِـنَ البُؤْسَـى رِمَـاحُ بنـي ضِـرَارِ
وَأَفْلَـــتَ مــن أسِنَّتِنَا حَـكِيمٌ
جَرِيضًـــا مِثْــلَ إفْـلاتِ الحِمـارِ
كــــأَنَّ عَذِيـــرَهُمْ............
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المعجم"ذات العرا" ، والصواب ما أثبت. والقرار: المكان المنخفض المطمئن يستقر فيه الماء ، فتكون عندها الرياض ، ومنه قوله تعالى: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين". والملجئ الذي قد تحصن بملجأ واعتصم. وأزل إليه زلة: أي أنعم إليه واصطنع عنده صنيعة ، وإنما أراد: ما قدم من السوء ، سخرية منهم. يقول: جزيتهم هؤلاء المعتصمين بأسوأ ما صنعوا. وقوله: "جريضًا" ، أي أفلت وقد كاد يقضى ويهلك. والعذير: الحال. يقول كأن حالهم حال نعام في أرض قفر يصوت مذعورًا ، هزموا وتصايحوا. والقفار جمع قفر ، يقال: "أرض قفر وأرض قفار" ، يوصف بالجمع.
(4) هو ذو الخرق الطهوي.
(5) سلف تخريجه وشرحه في 3: 103.
(6) في المطبوعة: "قد أقعد". وهو خطأ لا شك فيه ، وفي تفسير ابن كثير 2: 240"قد فسد" ، وهو خطأ أيضًا ، ولكنه رجع عندي أن نص الطبري هنا قد"فند" (بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيًا للمجهول) بمعنى: قد نسب إلى الفند (بفتحتين) وهو العجز ، والخرف وإنكار العقل من الهرم والمرض ، ولم يرد ذلك إنما أراد الكبر والهرم إلى أقصى العمر. وأهل اللغة يقولون في ذلك"أفند" (بالبناء للمعلوم) ، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند ، وأما رواية أحمد في المسند ، فنصها: "شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب".
(7) في المطبوعة: "فإذا هو أنك كتبت تدعوني" ، وهو محاولة تصحيح لما في المخطوطة ، وكان فيها: "فإذا كان كتبت تدعوني" ، والصواب الذي أثبته من ابن كثير في تفسيره 2: 241 ، ومثله في خبر أحمد في مسنده.
(8) الحديث: 7831-"مسلم بن خالد": هو الزنجي المكي الفقيه ، شيخ الإمام الشافعي. وهو في نفسه صدوق ، ولكنه يخطئ كثيرًا في روايته ، حتى قال البخاري: "منكر الحديث" ولذلك رجحنا تضعيفه في المسند: 613. ابن خثيم - بضم الخاء المعجمة ثم فتح الثاء المثلثة: هو عبد الله بن عثمان بن خثيم ، مضت ترجمته في: 4341. سعيد بن أبي راشد: في التهذيب 4: 26 ويقال: ابن ر0اشد. روى عن يعلى بن مرة الثقفي ، وعن التنوخي النصراني رسول قيصر ، ويقال: رسول هرقل. وعنه عبدالله بن عثمان بن خثيم. ذكره ابن حبان في الثقات ، قلت: وفي الرواة سعيد بن أبي راشد ، أو ابن راشد - آخر".
ثم نقل طابع التهذيب هامشة عن الأصل الذي يطبع عنه. وجعل رقمها عند قوله"النصراني" - وهذا نصها: "قال شيخنا: أسلم متأخرًا ، عن هذا يقال له أبو محمد المازني ، السماك ، مذكور في كتاب الضعفاء. نبهت عليه"!!
وهذا تخطيط عجيب من الطابع. فالهامشة أصلها هامشتان يقينًا ، كل منهما في موضع ، كما هو بديهي.
فإن قوله: "أسلم متأخرًا" هو المناسب لقوله"النصراني". وأما ما بعده ، فإنه يريد به أن"سعيد بن راشد" أو"ابن أبي راشد" متأخر عن المترجم الذي يروى عن رسول قيصر ، وأن هذا المتأخر هو الذي كنيته"أبو محمد المازني السماك". وهو مترجم في الكبير للبخاري 2 / 1 / 431 ، وقال فيه: "منكر الحديث". وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 1 / 19 - 20 برقم: 80 ، وترجم قبله ، برقم: 79"سعيد بن أبي راشد" وأنه صحابي ، وترجم بعدهما برقم: 81"سعيد بن راشد المرادى" - وهو متأخر عن هذين.
وترجم الحافظ في الإصابة 3: 96 للصحابي ، ثم قال في آخر الترجمة: "وأما سعيد بن أبي راشد شيخ عبد الله بن عثمان بن خثيم ، روى عنه عن رسول قيصر حديثًا = فأظنه غير هذا".
وترجم الذهبي في الميزان 1: 379 ثلاث تراجم ، فرق بينها ، وبين ضعف"سعيد بن راشد المازني السماك". وكذلك صنع الحافظ في لسان الميزان 3: 27 - 28. و"سعيد بن راشد السماك" الضعيف: ترجمه ابن حبان في المجروحين ، برقم: 398 ، وأساء القول فيه. والراجح عندي أن"سعيد بن أبي راشد" الذي هنا = هو الصحابي. وأنه روى هذا عن التنوخي رسول هرقل.
يعلى بن مرة: هو الثقفي الصحابي المعروف. وعندي أن ذكره في هذا الإسناد مقحم خطأ ، كما سيأتي.
التنوخي رسول هرقل: لم أجد له ترجمة ، إلا ذكره بهذا الوصف وأنه روى عنه سعيد بن أبي راشد ، كما ذكره الحافظ في التعجيل ، ص: 535. وإلا الكلمة التي نقلها طابع التهذيب عن هامش أصله بأنه أسلم متأخرًا. فهو بهذا لا يعتبر من الصحابة ، لأنه حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مسلمًا ، وإنما أسلم بعده. ولا يعتبر من الصحابة إلا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكان مسلمًا حين الرؤية. أما من رآه وكان كافرًا حين الرؤية ثم أسلم بعد موته صلى الله عليه وسلم -كالتنوخي هذا- فلا صحبة له. انظر تدريب الراوي ، ص: 202
ولكن روايته تكون صحيحة مقبولة ، لأنه كان مسلمًا حين الأداء ، أعني التبليغ والتحديث ، وإن كان كافرًا حين التحمل ، أعني الرؤية وسماع ما يرويه. وانظر أيضًا تدريب الراوي ، ص: 128. وهذا الحديث طرف من حديث طويل في قصة ، رواه الإمام أحمد في المسند: 15719 (ج3 ص 441 - 442 حلبي) ، عن إسحاق بن عيسى -وهو الطباع- عن يحيى بن سليم ، وهو الطائفي ، "عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد ، قال: رأيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحمص ، وكان جارًا لي ، شيخًا كبيرًا ، قد بلغ الفند أو قرب. . ." - إلى آخر القصة.
وقد نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ 5: 15 - 16 ، عن المسند -بطوله- وبإسناده ، ثم قال: "هذا حديث غريب ، وإسناده لا بأس به. تفرد به أحمد". وأشار إليه في التفسير 2: 240 ، إشارة موجزة.
وقد وقع في نسختي المسند - المطبوعة والمخطوطة: "يحيى بن سليمان" ، بدل"يحيى بن سليم". وهو خطأ من الناسخين. وثبت على الصواب في تاريخ ابن كثير. فهذه رواية يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم - فيها أن سعيد بن أبي راشد هو الذي لقى التنوخي وسمع منه هذا الحديث.
ويحيى بن سليم: سبق توثيقه في: 4894. وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه ، ومهما يقل في حفظه فلا نشك أنه كان أحفظ من مسلم بن خالد الزنجي الضعيف ، وخاصة في حديث ابن خثيم ، فقد شهد أحمد ليحيى بن سليم بأنه"كان قد أتقن حديث ابن خثيم".
فعن ذلك قطعنا بأن زيادة"عن يعلى بن مرة" - في إسناد الطبري هذا - خطأ ووهم. والراجح أن الخطأ من مسلم بن خالد. ورواية الطبري - هذه - ذكرها ابن كثير في التفسير 2: 240 - 241 ، والسيوطي 2: 71 ، ولم ينسبها لغيره.
(9) في المطبوعة: "مثله من التوراة" ، وفي المخطوطة"فمثله" ، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "انتزع معنى جيدًا ونزعه" ، أي استخرجه واستنبطه.
(10) الحديث: 7836- جعفر بن برقان -بضم الباء الموحدة وسكون الراء- الكلابي الجزري: ثقة صدوق ، وثقه ابن معين ، وابن نمير ، وغيرهما. يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي: تابعي ثقة ، أمه برزة بنت الحارث ، أخت ميمونة أم المؤمنين. وعبد الله بن عباس هو ابن خالته.
ووقع في المطبوعة هنا"يزيد الأصم" ، وهو خطأ."الأصم" لقب أبيه ، وليس لقبه. وهذا الحديث رواه يزيد بن الأصم عن ابن خالته ابن عباس ، موقوفًا عليه من كلامه. والإسناد إليه صحيح.
وقد رواه أيضًا يزيد ، عن أبي هريرة ، مرفوعًا قال ، "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد ، أرأيت جنة عرضها السموات والأرض ، فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء ، أين جعل؟ قال: الله أعلم ، قال: فإن الله يفعل ما يشاء". رواه ابن حبان في صحيحه ، رقم: 103 بتحقيقنا ، والحاكم في المستدرك 1: 36 - من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ولا أعلم له علة" ، ووافقه الذهبي. وكذلك رواه البزار من حديثه. نقله عنه ابن كثير 2: 241 ، بنحوه.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 327 ، وقال: "رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح". وذكره السيوطي 2: 71 ، ونسبه للبزار والحاكم فقط. وأما الموقوف على ابن عباس ، فقد نقله ابن كثير 2: 241 ، عن هذا الموضع من الطبري. وذكره السيوطي 2: 71 ، ونسبه إليه وإلى عبد بن حميد.
(11) الأثر: 7837- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو من تمام الآثار التي آخرها: 7829. وكان في المطبوعة: "أي ذلك لمن أطاعني" ، وهو إن كان مستقيما على وجه ، إلا أن نص ابن هشام أشد استقامة على منهاج المعنى في الآية ، فأثبت نص ابن هشام. هذا مع قرب التصحيف في"دارًا" إلى"ذلك". فمن أجل هذا رجحت ما في سيرة ابن هشام.
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء "، أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله. (12)
* * *
وأما قوله: " في السراء "، فإنه يعني: في حال السرور، بكثرة المال ورخاء العيش
* * *
" والسراء " مصدر من قولهم " سرني هذا الأمر مسرَّة وسرورًا "
* * *
" والضراء " مصدر من قولهم: " قد ضُرّ فلان فهو يُضَرّ"، إذا أصابه الضُّر، وذلك إذا أصابه الضيق، والجهد في عيشه. (13)
* * *
7838- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء "، يقول: في العسر واليسر.
* * *
فأخبر جل ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها، لمن اتقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة، (14) وفي حال الضيق والشدة، في سبيله.
* * *
وقوله: " والكاظمين الغيظ "، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه.
* * *
يقال منه: " كظم فلان غيظه "، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.
وأصل ذلك من " كظم القربة "، يقال منه: " كظمتُ القربة "، إذا ملأتها ماء. و " فلان كظيمٌ ومكظومٌ"، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله عز وجل، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [سورة يوسف: 84] يعني: ممتلئ من الحزن. ومنه قيل لمجاري المياه: " الكظائم "، لامتلائها بالماء. ومنه قيل: " أخذت بكَظَمِه " يعني: بمجاري نفسه.
* * *
و " الغيظ " مصدر من قول القائل: " غاظني فلان فهو يغيظني غيظًا "، وذلك إذا أحفظه وأغضبهُ.
* * *
وأما قوله: " والعافين عن الناس "، فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
* * *
وأما قوله: " والله يحب المحسنين "، فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم " احسنون "، وإحسانهم، هو عملهم بها،. كما:-
7839- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " الذين ينفقون في السراء والضراء " الآية: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به. (15)
7840- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "، قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله. فنِعْمت والله يا ابن آدم، الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ، وأنت مظلومٌ.
7841- حدثني موسى بن عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محرز أبو رجاء، عن الحسن قال: يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". (16)
7842- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة في قوله: " والكاظمين الغيظ ": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا. (17)
7843- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " والكاظمين الغيظ " إلى " والله يحب المحسنين "، فـ" الكاظمين الغيظ " كقوله: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ &; 7-217 &; [سورة الشورى: 37]، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله =" والعافين عن الناس " كقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [سورة النور: 22]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا.
-------------------------
الهوامش :
(12) في المطبوعة: "للجهاد" ، بلامين ، وأثبت ما في المخطوطة. والمضعف: الذي قد ضعفت دابته.
(13) انظر تفسير"الضراء" فيما سلف 3: 350 - 352.
(14) في المخطوطة: "في حال الرضا" ، وكأنها صواب أيضًا.
(15) الأثر: 7839- سيرة ابن هشام 3: 115 وهو من تمام الآثار التي آخرها: 7837.
(16) الأثر: 7841-"موسى بن عبد الرحمن المسروقي" سلفت ترجمته برقم: 3345. و"محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي" مضت ترجمته أيضًا برقم: 4557. و"محرز""أبو رجاء" هو"محرز بن عبد الله الجزري" ، مولى هشام بن عبد الملك. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان يدلس عن مكحول".
(17) الحديث 7842- داود بن قيس الفراء: سبق توثيقه في: 5398. زيد بن أسلم: تابعي ثقة معروف ، مضى في 5465.
وأما عبد الجليل ، الذي ذكر غير منسوب ، إلا بأنه من أهل الشام -: فإنه مجهول. وعمه أشد جهالة منه.
وقد ذكره الذهبي في الميزان ، والحافظ في اللسان ، في ترجمة"عبد الجليل" ، وقالا: "قال البخاري: لا يتابع عليه".
وترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 / 33 ، وقال: "روى عنه داود بن قيس. وقال بعضهم: عن داود ابن قيس ، عن زيد بن أسلم". أي كمثل رواية الطبري هنا.
وهذا الإسناد ضعيف ، لجهالة اثنين من رواته. وقد نقله ابن كثير 2: 244 ، عن عبد الرزاق ، به.
ونقله السيوطي 2: 71 - 72 ، ونسبه لعبد الرزاق ، والطبري وابن المنذر.
وذكره في الجامع الصغير: 8997 ، ونسبه لابن أبي الدنيا في ذم الغضب؛ ولم ينسبه لغيره ، فكان عجبًا!!
وفي معناه حديثان ، رواهما أبو داود: 4777 ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه. و: 4778 ، عن سويد بن وهب ، عن رجل من أبناء الصحابة ، عن أبيه.
وقد روى أحمد في المسند: 6114 ، عن علي بن عاصم ، عن يونس بن عبيد ، أخبرنا الحسن ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ ، يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى".
وهذا إسناد صحيح. ونقله ابن كثير 2: 244 ، من تفسير ابن مردويه. من طريق علي بن عاصم ، عن يونس بن عبيد ، به. ثم قال: "رواه ابن جرير. وكذا رواه ابن ماجه ، عن بشر بن عمر ، عن حماد بن سلمة ، عن يونس بن عبيد ، به". فنسبه ابن كثير -في هذا الموضع- لرواية الطبري. ولم يقع إلينا فيه في هذا الموضع. فلا ندري: أرواه ابن جرير في موضع آخر ، أم سقط هنا سهوًا من الناسخين؟ فلذلك أثبتناه في الشرح احتياطًا.
أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ﴿١٣٦﴾
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " والذين إذا فعلوا فاحشة "، أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في السراء والضراء، والذين إذا فعلوا فاحشة. وجميع هذه النعوت من صفة " المتقين "، الذين قال تعالى ذكره: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، كما:-
7844- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، ثم قرأ: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " إلى " أجر العاملين "، فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد.
7845- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم "، قال: هذان ذنبان،" الفاحشة "، ذنب،" وظلموا أنفسهم " ذنب.
* * *
وأما " الفاحشة "، فهي صفة لمتروك، ومعنى الكلام: والذين إذا فعلوا فعلة فاحشة.
* * *
ومعنى " الفاحشة "، الفعلة القبيحة الخارجة عما أذِن الله عز وجل فيه. وأصل " الفحش ": القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول: " إنه لفاحش الطول "، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: " كلام فاحش "، وقيل للمتكلم به: " أفحش في كلامه "، إذا نطق بفُحش (18) .
* * *
وقيل: إن " الفاحشة " في هذا الموضع، معنىٌّ بها الزنا.
*ذكر من قال ذلك:
7846- حدثنا العباس بن عبد العظيم قال، حدثنا حبان قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن جابر: " والذين إذا فعلوا فاحشة "، قال: زنى القوم وربّ الكعبة.
7847- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والذين إذا فعلوا فاحشة "، أما " الفاحشة "، فالزنا.
* * *
وقوله: " أو ظلموا أنفسهم "، يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك، ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته، كما:-
7848- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قوله: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم "، قال: الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم.
* * *
وقوله: " ذكروا الله "، يعني بذلك: ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه =" فاستغفروا لذنوبهم "، يقول: فسألوا ربهم أن يستُر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها =" ومن يغفر الذنوب إلا الله "، يقول: وهل يغفر الذنوب -أي يعفو عن راكبها فيسترها عليه- إلا الله =" ولم يصروا على ما فعلوا "، يقول: ولم يقيموا على ذنوبهم التي أتوها، ومعصيتهم التي ركبوها =" وهم يعلمون "، يقول: لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها، وهم يعلمون أنّ الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبةَ من ركبها.
* * *
وذكر أن هذه الآية أنـزلت خصوصًا بتخفيفها ويسرها أُمَّتَنا، (19) مما كانت بنو إسرائيل ممتحنة به من عظيم البلاء في ذنوبها.
7849- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح: أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: " اجدع أذنك "،" اجدع أنفك "،" افعل "! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزلت: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ إلى قوله: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بخير من ذلك "؟ فقرأ هؤلاء الآيات.
7850- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني عمر بن أبي خليفة العبدي قال، حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: قال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا أصبح مكتوبًا على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيرًا من ذلك، هذه الآية. (20)
7851- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: لما نـزلت: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ، بكى إبليس فزعًا من هذه الآية.
7852- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نـزلت هذه الآية: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم "، بكى.
7853- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي قال، سمعت علي بن ربيعة يحدِّث، عن رجل من فزارة يقال له أسماء -و: ابن أسماء-، عن علي قال: كنت إذا سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني [منه]، فحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من عبد -قال شعبة: وأحسبه قال: مسلم- يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب [إلا غفر له]" = وقال شعبة: وقرأ إحدى هاتين الآيتين: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ). (21)
7854- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا الفضل بن إسحاق قال، حدثنا وكيع = عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته. وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يتوضأ، ثم يصلي = قال أحدهما: ركعتين، وقال الآخر: " ثم يصلي = ويستغفر الله، إلا غفر له ". (22)
7855- حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثني سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما حدثني أحدٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سألته أن يقسم لي بالله لَهُوَ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أبا بكر، فإنه كان لا يكذب. قال علي رضي الله عنه: فحدثني أبو بكر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد يذنب ذنبًا ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله من ذنبه ذلك، إلا غفره الله له. (23)
* * *
وأما قوله " ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم "، فإنه كما بينا تأويله.
وبنحو ذلك كان أهل التأويل يقولون:
7856- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق: " والذين إذا فعلوا فاحشة "، أي إن أتوا فاحشة =" أو ظلموا أنفسهم " بمعصية، &; 7-223 &; ذكروا نهي الله عنها، وما حرَّم الله عليهم، فاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوبَ إلا هو. (24)
* * *
وأما قوله: " ومن يغفر الذنوب إلا الله "، فإن اسم " الله " مرفوع ولا جحد قبله، وإنما يرفع ما بعد " إلا " بإتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل: " ما في الدار أحد إلا أخوك ". (25) فأما إذا قيل: " قام القوم إلا أباك "، فإن وجه الكلام في" الأب " النصب. و " مَنْ" بصلته في قوله: " ومن يغفر الذنوب إلا الله "، معرفة. فإن ذلك إنما جاء رفعًا، لأن معنى الكلام: وهل يغفر الذنوب أحدٌ = أو: ما يغفر الذنوب أحدٌ إلا الله. فرفع ما بعد " إلا " من [اسم] الله، (26) على تأويل الكلام لا على لفظه.
* * *
وأما قوله: " ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون "؛ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل " الإصرار "، ومعنى هذه الكلمة.
فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به.
*ذكر من قال ذلك:
7857- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون "، فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرُّون، الماضون قُدُمًا، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموتُ وهم على ذلك.
7858- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "؟ قال: قُدمًا قُدُمًا في معاصي الله!! لا تنهاهم مخافة الله، حتى جاءهم أمر الله.
7859- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "، أي: لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي، فيما عملوا به من كفرٍ بي. (27)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لم يواقعوا الذنب إذا همُّوا به.
*ذكر من قال ذلك:
7860- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " ولم يصروا على ما فعلوا "، قال: إتيان العبد ذنبًا إصرارٌ، حتى يتوب.
7861- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولم يصروا على ما فعلوا "، قال: لم يواقعوا. (28)
* * *
وقال آخرون: معنى " الإصرار "، السكوت على الذنب وترك الاستغفار.
*ذكر من قال ذلك:
7862- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "، أما " يصروا " فيسكتوا ولا يستغفروا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال: " الإصرار "، الإقامة على الذنب عامدًا، وترك التوبة منه. (29) ولا معنى لقول من قال: " الإصرار على الذنب هو مواقعته "، لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مُواقع الذنب، فقال: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "، ولو كان المواقع الذنب مصرًّا بمواقعته إياه، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم. لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه، وجهٌ.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة ".
7863- حدثني بذلك الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (30)
* * *
= فلو كان مواقع الذنب مصرًّا، لم يكن لقوله " ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة "، معنى لأن مواقعةَ الذنب إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيل الاسمَ الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيل عن الزاني اسم " زان " وعن القاتل اسم " قاتل "، توبته منه، ولا معنى غيرها. وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصرٍّ عليه، فمعلوم بذلك أن " الإصرار " غير المواقعة، وأنه المقام عليه، على ما قلنا قبل.
* * *
واختلف أهل التأويل، في تأويل قوله: " وهم يعلمون ".
فقال بعضهم: معناه: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا.
*ذكر من قال ذلك:
7864- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " وهم يعلمون "، فيعلمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا فلم يستغفروا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلمون أن الذي أتوا معصية لله. (31)
*ذكر من قال ذلك:
7865- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وهم يعلمون "، قال: يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. (32)
* * *
قال أبو جعفر: وقد تقدم بياننا أولى ذلك بالصواب.
---------------------
الهوامش :
(18) انظر تفسير"الفحشاء" فيما سلف 3: 303 / 4: 571.
(19) في المطبوعة: "أمنا" ، مكان"أمتنا" ، أخطأ الناشر الأول قراءتها ، لأنها غير منقوطة في المخطوطة ، وقوله: "أمتنا" منصوب ، مفعول به لقوله: "خصوصًا". أي: قد خص الله بتخفيفها ويسرها أمتنا.
(20) الأثر: 7850-"عمر بن أبي خليفة العبدي" ، واسم"أبي خليفة": "حجاج بن عتاب" ، ثقة مات سنة 189 ، مترجم في التهذيب ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمر بن خليفة" وهو خطأ.
(21) الحديث: 7853- عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي: هو عثمان بن المغيرة مولى ثقيف. وسيأتي باسم أبيه في الحديث التالي لهذا. وهو ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين وغيرهما.
علي بن ربيعة بن فضلة الوالبي الأسدي: تابعي ثقة ، روى له الشيخان وأصحاب السنن. أسماء أو ابن أسماء؛ هكذا شك فيه شعبة. وغيره لم يشك فيه. وهو أسماء بن الحكم الفزاري ، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا. وهو تابعي ثقة ، وثقه العجلي وغيره. وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 1 / 325 ، فلم يذكر فيه جرحًا.
وترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 55 ، وأشار إلى روايته هذا الحديث ، ثم قال: "ولم يتابع عليه. وقد روى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم عن بعض ، فلم يحلف بعضهم بعضًا". وهذا لا يقدح في صحة الحديث ، كما قال الحافظ المزي.
والحديث رواه الطيالسي ، عن شعبة ، بهذا الإسناد. وهو أول حديث في مسنده المطبوع.
ورواه أحمد في المسند ، برقم: 48 ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، به. ورواه أيضًا ، برقم: 47 ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة.
ورواه أيضًا ، برقم: 56 ، عن أبي كامل ، عن أبي عوانة ، عن عثمان بن أبي زرعة ، عن علي بن ربيعة. و"عثمان بن أبي زرعة": هو عثمان بن المغيرة الثقفي. وكذلك رواه الترمذي 1: 313 - 314 (رقم: 406 بشرحنا). عن قتيبة ، عن أبي عوانة. وكذلك رواه أيضا في كتاب التفسير 4: 84 ، بهذا الإسناد.
وقال في الموضع الأول: "حديث على حديث حسن ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث عثمان بن المغيرة. وروى عنه شعبة وغير واحد ، فرفعوه مثل حديث أبي عوانة. ورواه سفيان الثوري ومسعر فأوقفاه ، ولم يرفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"! وقال نحو ذلك في الموضع الثاني. كأنه يريد تعليل المرفوع بالموقوف. وما هي بعلة. ولكنه وهم -رحمه الله- وهمًا شديدًا فيما نسب إلى مسعر وسفيان. وها هي ذي روايتهما عقب هذه الرواية ، مرفوعة أيضًا. ولعل له عذرًا أن تكون روايتهما وقعت له موقوفة
(22) الحديث: 7854- هو تكرار للحديث السابق ، ولكنه مختصر قليلا. والفضل بن إسحاق - شيخ الطبري: لم أعرف من هو؟ ولم أجد له ترجمة. ولعله محرف عن اسم آخر.
والحديث من هذا الوجه رواه أحمد في المسند ، برقم: 2 ، عن وكيع ، عن مسعر وسفيان ، بهذا الإسناد ، مرفوعًا أيضًا. فهو يرد على الترمذي ادعاءه أن سفيان ومسعرًا روياه موقوفًا.
وقد نقله ابن كثير 2: 246 ، عن رواية المسند هذه. ثم قال: "وهكذا رواه علي بن المديني ، والحميدي ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأهل السنن ، وابن حبان في صحيحه ، والبزار ، والدارقطني - من طرق ، عن عثمان بن المغيرة ، به".
وذكره السيوطي 2: 77 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 241 ، مختصرًا ، ونسبه لبعض من ذكرنا ، ثم قال: "وذكره ابن خزيمة في صحيحه بغير إسناد ، وذكر فيه الركعتين".
(23) الحديث: 7855- وهذا إسناد ثالث للحديث السابق. ولكنه إسناد ضعيف جدًا. الزبير بن بكار - شيخ الطبري: ثقة ثبت عالم بالنسب ، عارف بأخبار المتقدمين. وهو ابن أخي المصعب بن عبد الله الزبيري ، صاحب كتاب"نسب قريش".
سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: قال أبو حاتم - فيما روى عنه ابنه 2 / 1 / 85: "هو في نفسه مستقيم ، وبليته أنه يحدث عن أخيه عبد الله بن سعيد ، وعبد الله بن سعيد ضعيف الحديث ، ولا يحدث عن غيره. فلا أدري ، منه أو من أخيه؟". وأخوه: هو عبد الله بن سعيد المقبري ، وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب. والإسنادان السابقان كافيان كل الكفاية لصحة الحديث ، دون هذا الإسناد الواهي.
(24) الأثر: 7856- ابن هشام 3: 115 ، 116 - وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7839.
(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 234.
(26) في المخطوطة والمطبوعة: "ما بعد إلا من الله" ، والصواب زيادة ما بين القوسين.
(27) الأثر: 7859- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7856.
(28) في المخطوطة: "قال: لم يصروا" ، لم يفعل غير إعادة لفظ الآية ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب ، كما سترى في ترجيح أبي جعفر بعد.
(29) في المخطوطة والمطبوعة: "أو ترك التوبة" ، ولا معنى لوضع "أو" هنا والصواب ما أثبت.
(30) الحديث: 7863- الحسين بن يزيد السبيعي؛ مضى الكلام في: 2892 بالشك في نسبته"السبيعي". ولكن هكذا ثبتت هذه النسبة مرة أخرى في هذا الموضع. فلعله شيخ للطبري لم تصل إلينا معرفته. عبد الحميد الحماني - بكسر الحاء وتشديد الميم: هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني الكوفي ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين ، وأخرج له الشيخان. عثمان بن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: ثقة ، وثقه ابن معين. وقال أحمد: "لا أرى به بأسا".
أبو نصيرة -بضم النون وفتح الصاد المهملة- الواسطي: اسمه مسلم بن عبيد. وهو تابعي ثقة. والحديث ذكره ابن كثير 2: 248 ، من رواية أبي يعلى ، من طريق عبد الحميد الحماني ، بهذا الإسناد ، ووقع فيه تحريف في كنية"أبي نصيرة" واسمه ونسبته. وهو خطأ مطبعي فيما أرجح.
وقال ابن كثير - بعد ذكره: "ورواه أبو داود ، والترمذي ، والبزار في مسنده ، من حديث عثمان بن واقد ، وقد وثقه يحيى بن معين - به. وشيخه أبو نصيرة الواسطى ، واسمه مسلم بن عبيد ، وثقه الإمام أحمد ، وابن حبان. وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك - فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر. ولكن جهالة مثله لا تضر ، لأنه تابعي كبير ، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر ، فهو حديث حسن".
وذكره السيوطي 2: 78 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.
(31) في المخطوطة: "معصية الله" ، والصواب ما أثبت.
(32) الأثر: 7865- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7859 وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بما حرمت عليهم" ، وأثبت ما في ابن هشام ، فهو الصواب.
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، الذين ذكر أنه أعد لهم الجنة التي عرضها السموات والأرض، من المتقين، ووصفهم بما وصفهم به. ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم =" جزاؤهم "، يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصَفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، (33) = " مغفرة من ربهم "، يقول: عفوٌ لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها =" جنات "، وهي البساتين (34) = " تجري من تحتها الأنهار "، يقول: تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم (35) = " خالدين فيها " يعني: دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها =" ونعم أجر العاملين "، يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها، كما:-
7866- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين "، أي ثواب المطيعين. (36)
----------------------
الهوامش :
(33) انظر تفسير: "الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 / 6: 576.
(34) انظر تفسير: "الجنات" فيما سلف 1: 384 / 5 : 535 ، 542.
(35) انظر تفسير: "تجري من تحتها الأنهار" فيما سلف 5: 542.
(36) الأثر: 7866- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7865.
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٨﴾
القول في تأويل قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " قد خلت من قبلكم سنن "، مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، (37) يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم (38) = " سنن "، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنـزلتُ بساحتهم نِقَمي، (39) فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا =" فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانَ عاقبه المكذبين "، يقول: فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، (40) وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم. &; 7-229 &; ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
7867- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين "، فقال: ألم تسيروا في الأرض فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقومَ صالح، والأممَ التي عذَّب الله عز وجل؟
7868- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " قد خلت من قبلكم سنن "، يقول: في الكفار والمؤمنين، والخير والشرّ.
7869- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " قد خلت من قبلكم سنن "، في المؤمنين والكفار.
7870- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: استقبل ذكر المصيبة التي نـزلت بهم = يعني بالمسلمين يوم أحد = والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفًا لهم فيما صنعوا، وما هو صانع بهم: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين "، أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: (41) عادٍ وثمودَ وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروْا مثُلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك &; 7-230 &; مني، (42) وإن أمْليْتُ لهم، (43) أي: لئلا تظنوا أنّ نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، (44) للدوْلة التي أدلتها عليكم بها، لأبتليكم بذلك، (45) لأعلم ما عندكم. (46)
7871- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين "، يقول: متَّعهم في الدنيا قليلا ثم صيرَّهم إلى النار.
* * *
قال أبو جعفر: وأما " السنن " فإنها جمع " سنَّة "،" والسُّنَّة "، هي المثالُ المتبع، والإمام المؤتمُّ به. يقال منه: " سنّ فلان فينا سُنة حسنة، وسنّ سُنة سيئة "، إذا عمل عملا اتبع عليه من خير وشر، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
مِــنْ مَعْشَـرٍ سَـنَّتْ لَهُـمْ آبـاؤُهُمْ
وَلِكـــلِّ قَــوْمٍ سُــنَّةٌ وَإِمَامُهَــا (47)
وقولُ سليمان بن قَتَّه: (48)
وَإنَّ الألَـى بـالطَفِّ مِـنْ آل هَاشِـم
تَآسَــوْا فَسَــنُّوا لِلكِــرَامِ التَّآسِـيَا (49)
* * *
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
7872- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قد خلت من قبلكم سنن "، قال: أمثالٌ.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بـ" هذا ".
فقال بعضهم: عنى بقوله " هذا "، القرآن.
*ذكر من قال ذلك:
7873- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا &; 7-232 &; عباد، عن الحسن في قوله: " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين "، قال: هذا القرآن.
7874- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة. قوله: " هذا بيان للناس "، وهو هذا القرآن، جعله الله بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خصوصًا.
7875- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال في قوله: " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين "، خاصةً.
7876- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج في قوله: " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين "، خاصةً.
* * *
وقال آخرون: إنما أشير بقوله " هذا "، إلى قوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ، ثم قال: هذا الذي عرَّفتكم، يا معشر أصحاب محمد، بيان للناس.
*ذكر من قال ذلك:
7877- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بذلك.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: قوله: " هذا "، إشارةٌ إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضِّهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم. لأن قوله: " هذا "، إشارة إلى حاضر: إما مرئيّ وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة.
فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحتُ لكم وعرفتكموه، بيانٌ للناس = يعني بـ" البيان "، الشرح والتفسير، كما:-
7878- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " هذا بيان للناس "، أي: هذا تفسير للناس إن قبلوه. (50)
7879- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي: " هذا بيان للناس "، قال: من العَمى.
7880- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الشعبي، مثله.
* * *
وأما قوله: " وهدى وموعظة "، فإنه يعني بـ" الهدى "، الدلالةَ على سبيل الحق ومنهج الدين = و بـ" الموعظة "، التذكرة للصواب والرشاد، (51) كما:-
7881- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي: " وهدى "، قال: من الضلالة =" وموعظة "، من الجهل.
7882- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن بيان، عن الشعبي مثله.
7883- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " للمتقين "، أي: لمن أطاعني وعرَف أمري. (52)
-------------------
الهوامش :
(37) انظر تفسير"خلا" فيما سلف 3: 100 ، 128 / 4: 289.
(38) "سلاف" على وزن"جهال" جمع"سلف" ، وجمعه أيضًا"أسلاف" ، والسلاف: المتقدمون من الآباء الذين مضوا.
(39) في المطبوعة: "نقمتي" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(40) في المطبوعة: "عن خلافهم أمري" ، وهي في المخطوطة"عب" غير منقوطة ، فلم يحسن الناشر قراءتها ، وغب الأمر: عاقبته وآخرته.
(41) في المخطوطة والمطبوعة: "والشرك في عاد وثمود. . ." ، وهو خطأ جدًا ، والصواب ما أثبته من سيرة ابن هشام.
(42) في المخطوطة والمطبوعة: "ما هم عليه مثل ذلك مني" ، والصواب من ابن هشام.
(43) في المخطوطة والمطبوعة: "إن أمكنت لهم" ، والصواب من ابن هشام. والإملاء: الإمهال والاستدراج.
(44) في المخطوطة والمطبوعة: "عن عدوهم وعدوي" ، والصواب من ابن هشام ، وهو مقتضى سياق الضمائر في عبارته.
(45) الإدالة الغلبة. يقال: "أديل لنا على عدونا" ، أي نصرنا عليهم ، و"أدلني على فلان" ، أي: انصرني عليه. والدولة (بضم الدال ، وبفتحها وسكون الواو): الانتقال من حال إلى حال في الحرب وغيرها. وانظر ما سيأتي في تفسير ذلك بعد قليل ص: 239.
(46) الأثر: 7870- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو من تمام الآثار التي آخرها: 7866.
(47) من معلقته البارعة ، يذكر قومه وفضلهم ، والبيت متعلق بقوله قبل:
إِنّـا إِذَا التَقَـتِ المَجَـامِعُ لـم يَـزَلْ
مِنَّــا لِــزَازُ عَظِيمَــةٍ جَشّــامُهَا
وَمُقَسِّــمٌ يُعْطِــى العَشِـيرَةَ حَقّهَـا
ومُغَذْمِـــرٌ لِحقوقِهـــا هَضّامُهــا
فَضْـلا وَذُو كَـرَمٍ يعِيـن عَلَى النَّدَى
سَــمْحٌ كَسُــوبُ رَغَـائِبٍ غَنّامُهَـا
مِنْ مَعْشَرٍ............................
......................................
يقول: هذه العادة سنة وطريقة قد توارثناها ، ولكل سنة إمام قد تقدم الناس فيها فاتبعوه ، فنحن أهل الفضل القديم الذي ابتدعته أوائلنا للناس.
(48) في المطبوعة: "سليمان بن قنة" ، وهو تصحيف وقع في كتب كثيرة ، و"قتة" أمه ، وهو مولى لتيم قريش. وهو من التابعين ، روى عن أبي سعيد الخدري ، وابن عمر وابن عباس ، وعمرو ابن العاص ، ومعاوية. ترجم له البخاري في الكبير 2 / 2 / 33 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 136. وزعم بعضهم أنه"سليمان بن حبيب المحاربي" ، وهو خطأ ، بل هما رجلان ، هذا محاربي ، وهذا تيمي. وهو أحد الشعراء الفرسان ، وهو القائل:
وَقَـدْ يَحْـرِمُ اللـه الفَتَـى وَهْـوَ عَاقِلٌ
وَيُعْطِـى الفَتَـى مَـالا وَلَيْس لـه عَقْلُ
وهو من أول من سن رثاء أهل البيت ، وله في رثائهم شعر كثير.
(49) تاريخ الطبري 7: 184 ، وأنساب الأشراف 5: 339 ، وأمالي الشجري 1: 131 ، واللسان (أسى) ، وغيرها. وهذا البيت ، أنشده مصعب بن الزبير قبل مقتله ، فعلم الناس أن لا يريم حتى يقتل. و"الطف": أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية ، فيها كان مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقوله: "تآسوا" ، صار بعضهم أسوة لبعض في الصبر على المصير إلى الموت بلا رهبة ولا فرق.
(50) الأثر: 7878- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7870.
(51) انظر تفسير: "الهدى" فيما سلف ، من فهارس اللغة = وتفسير"الموعظة" ، فيما سلف 2: 180 / 6: 14.
(52) الأثر: 7883- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7878 ، والظاهر أنه قد سقط من نص ابن إسحاق ، ما أثبته ابن هشام في تفسير هذه الآية ، وهو قوله قبل الذي رواه أبو جعفر: أي: "نور وأدب للمتقين". أما ما رواه أبو جعفر فهو تفسير قوله: "للمتقين" ، وهو في هذا الموضع يفسر"الهدى" ، و"الموعظة".
وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد.
قال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح - عن جهاد عدوكم وحربهم.
* * *
=من قول القائل: " وهنَ فلان في هذا الأمر فهو يهنُ وَهْنًا ".
* * *
=" ولا تحزنوا "، ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم " أنتم الأعلون "، يعني: الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم. كما:-
7884- حدثنا المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنـزل الله عز وجل القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين " إلى قوله: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .
7885- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله.
7886- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، قال: يأمر محمدًا، يقول: " ولا تهنوا "، أن تمضوا في سبيل الله. (53)
7887- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولا تهنوا "، ولا تضعفوا.
7888- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7889- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يقول: ولا تضعفوا.
7890- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولا تهنوا "، قال ابن جريج: ولا تضعفوا في أمر عدوكم، =" ولا تحزنوا وأنتم الأعلون "، قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فرحوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر "!. قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله: " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".
7891- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا تهنوا "، أي: لا تضعفوا =" ولا تحزنوا "، ولا تأسوا على ما أصابكم، (54) =" وأنتم الأعلون "، أي: لكم تكون العاقبة والظهور =" إن كنتم مؤمنين " إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني. (55)
7892- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا يعلُون علينا ". فأنـزل الله عز وجل: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".
----------------
الهوامش :
(53) في المخطوطة: "وأن تمضوا" ، بزيادة "واو" ، والذي في المطبوعة أظهر.
(54) في سيرة ابن هشام: "ولا تبتئسوا".
(55) الأثر: 7891- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7878.