At-Tabari
· Al-BaqaraOuvrir dans le lecteurٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٢٢٩﴾
الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
القول في تأويل قوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته , والعدد الذي تبين به زوجته منه . ذكر من قال إن هذه الآية أنزلت لأن أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه , فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدا حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج , وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه . ذكر الأخبار الواردة بما قلنا في ذلك : 3775 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : كان الرجل يطلق ما شاء ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته , فغضب رجل من الأنصار على امرأته , فقال لها : لا أقربك ولا تحلين مني ! قالت له : كيف ؟ قال : أطلقك , حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك , فإذا دنا أجلك راجعتك . قال : فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى ذكره : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } . . الآية . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن هشام , عن أبيه , قال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك , ولا أدعك تحلين ! فقالت له : كيف تصنع ؟ قال : أطلقك , فإذا دنا مضي عدتك راجعتك , فمتى تحلين ؟ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فاستقبله الناس جديدا من كان طلق ومن لم يكن طلق . 3776 - حدثنا محمد بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك , ثم يراجع ما كانت في العدة , فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات . * حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم امرأته ثم يراجعها لا حد في ذلك , هي امرأته ما راجعها في عدتها , فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة قروء , وجعل حد الطلاق ثلاث تطليقات . 3777 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { الطلاق مرتان } قال كان الطلاق قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاث ليس له أمد يطلق الرجل امرأته مائة , ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحل كان ذلك له , وطلق رجل امرأته حتى إذا كادت أن تحل ارتجعها , ثم استأنف بها طلاقا بعد ذلك ليضارها بتركها , حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها , وصنع ذلك مرارا . فلما علم الله ذلك منه , جعل الطلاق ثلاثا , مرتين , ثم بعد المرتين إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان . 3778 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } أما قوله : { الطلاق مرتان } فهو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة . 3779 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن سماك , عن عكرمة في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فيطلقها تطليقتين , فإن أراد أن يراجعها كانت له عليها رجعة , فإن شاء طلقها أخرى , فلم تحل له حتى تنكح زوجا غيره . فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعة إذا كن مدخولا بهن : تطليقتان , ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان , لأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطلقها الثالثة . وقال آخرون إنما أنزلت هذه الآية على نبي الله صلى الله عليه وسلم تعريفا من الله تعالى ذكره عباده سنة طلاقهم نساءهم إذا أرادوا طلاقهن , لا دلالة على القدر الذي تبين به المرأة من زوجها . ذكر من قال ذلك : 3780 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مطرف , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : يطلقها بعد ما تطهر من قبل جماع , ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى , ثم يطلقها إن شاء , ثم إن أراد أن يراجعها راجعها , ثم إن شاء طلقها , وإلا تركها حتى تتم ثلاث حيض وتبين منه به . 3781 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين , فليتق الله في التطليقة الثالثة , فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها , أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا . 3782 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير جماع , فإذا حاضت ثم طهرت فقد تم القرء , ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى , إن أحب أن يفعل , فإن طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهما تطليقتان وقرءان , ثم قال الله تعالى ذكره في الثالثة : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فيطلقها في ذلك القرء كله إن شاء حين تجمع عليها ثيابها . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه , إلا أنه قال : فحاضت الحيضة الثانية , كما طلق الأولى , فهذان تطليقتان وقرءان , ثم قال : الثالثة , وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو , عن أبي عاصم . وتأويل الآية على قول هؤلاء : سنة الطلاق التي سننتها وأبحتها لكم إن أردتم طلاق نسائكم , أن تطلقوهن ثنتين في كل طهر واحدة , ثم الواجب بعد ذلك عليكم : إما أن تمسكوهن بمعروف , أو تسرحوهن بإحسان . والذي هو أولى بظاهر التنزيل ما قاله عروة وقتادة ومن قال مثل قولهما من أن الآية إنما هي دليل على عدد الطلاق الذي يكون به التحريم , وبطول الرجعة فيه , والذي يكون فيه الرجعة منه . وذلك أن الله تعالى ذكره قال في الآية التي تتلوها : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فعرف عباده القدر الذي به تحرم المرأة على زوجها إلا بعد زوج , ولم يبين فيها الوقت الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه , فيكون موجها تأويل الآية إلى ما روي عن ابن مسعود ومجاهد ومن قال بمثل قولهما فيه . وأما قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فإن في تأويله وفيما عني به اختلافا بين أهل التأويل , فقال بعضهم : عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج المطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف , أو فراقهن بطلاق . ذكر من قال ذلك : 3783 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : الطلاق مرتان ؟ قال : يقول عند الثالثة : إما أن يمسك بمعروف , وإما أن يسرح بإحسان . وغيره قالها قال : وقال مجاهد : الرجل أملك بامرأته في تطليقتين من غيره , فإذا تكلم الثالثة فليست منه بسبيل , وتعتد لغيره . 3784 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين , قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله أرأيت قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فأين الثالثة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان ; هي الثالثة " . * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , وعبد الرحمن بن مهدي , قالا : ثنا سفيان , عن إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين , قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله , الطلاق مرتان , فأين الثالثة ؟ قال : " إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان " * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن إسماعيل , عن أبي رزين , قال : قال رجل : يا رسول الله , يقول الله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } فأين الثالثة ؟ قال : " التسريح بإحسان " . 3785 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن ابن جريج , عن مجاهد : { أو تسريح بإحسان } قال في الثالثة . 3786 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن معمر , عن قتادة قال : كان الطلاق ليس له وقت حتى أنزل الله : { الطلاق مرتان } قال : الثالثة : { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } . وقال آخرون منهم : بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان , بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن , فيصرن أملك لأنفسهن . وأنكروا قول الأولين الذين قالوا : إنه دليل على التطليقة الثالثة . ذكر من قال ذلك : 3787 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : ذلك : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } إذا طلق واحدة أو اثنتين , إما أن يمسك - ويمسك : يراجع بمعروف - وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها . 3788 - حدثنا علي بن عبد الأعلى , قال : ثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك : { أو تسريح بإحسان } والتسريح : أن يدعها حتى تمضي عدتها . 3789 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تصريح بإحسان } قال : يعني تطليقتين بينهما مراجعة , فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان . قال : فإن هو طلقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام : الطلاق مرتان , فإمساك في كل واحدة منهما لهن بمعروف , أو تسريح لهن بإحسان . وهذا مذهب مما يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم , الذي رواه إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين ; فإن اتباع الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره . فإذا كان ذلك هو الواجب , فبين أن تأويل الآية : الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان , ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية , إما إمساك بمعروف , وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة حتى تبين منهم , فتبطل ما كان لهن عليهن من الرجعة ويصرن أملك لأنفسهن منهن . فإن قال قائل : وما ذلك الإمساك الذي هو بمعروف ؟ قيل : هو ما : 3790 - حدثنا به علي بن عبد الأعلى المحاربي , قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { فإمساك بمعروف } قال : المعروف : أن يحسن صحبتها . 3791 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فإمساك بمعروف } قال : ليتق الله في التطليقة الثالثة , فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها . فإن قال : فما التسريح بإحسان ؟ قيل : هو ما : 3792 - حدثني به المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { أو تسريح بإحسان } قيل : يسرحها , ولا يظلمها من حقها شيئا . 3793 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : هو الميثاق الغليظ . 3794 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أو تسريح بإحسان } قال : الإحسان : أن يوفيها حقها , فلا يؤذيها , ولا يشتمها . 3795 - حدثنا علي بن عبد الأعلى , قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك : { أو تسريح بإحسان } قال : التسريح بإحسان : أن يدعها حتى تمضي عدتها , ويعطيها مهرا إن كان لها عليه إذا طلقها . فذلك التسريح بإحسان , والمتعة على قدر الميسرة . 3796 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس في قوله : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } 4 21 قال قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فإن قال : فما الرافع للإمساك والتسريح ؟ قيل : محذوف اكتفي بدلالة ما ظهر من الكلام من ذكره , ومعناه : الطلاق مرتان , فالأمر الواجب حينئذ به إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان . وقد بينا ذلك مفسرا في قوله : { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } 2 178 فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله
القول في تأويل قوله تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } يعني تعالى ذكره بقوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } ولا يحل لكم أيها الرجال أن تأخذوا من نسائكم إذا أنتم أردتم طلاقهن بطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق , وسقتم إليهن , بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان , وذلك إيفادهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله . واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه بعضهم : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وذلك قراءة عظم أهل الحجاز والبصرة بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله , وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب : " إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله " . 3797 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : أخبرني ثور , عن ميمون بن مهران , قال : في حرف أبي بن كعب إن الفداء تطليقة . قال : فذكرت ذلك لأيوب , فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأبي خرج من ثقة , فقرأناه فإذا فيه : " إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله , فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " : لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . والعرب قد تضع الظن موضع الخوف والخوف موضع الظن في كلامها لتقارب معنييهما , كما قال الشاعر : أتاني كلام عن نصيب يقوله وما خفت يا سلام أنك عائبي بمعنى : ما ظننت . وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة : " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " فأما قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة , فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك اعتبارا منه بقراءة ابن مسعود , وذكر أنه في قراءة ابن مسعود : " إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله " وقراءة ذلك كذلك اعتبارا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ ; وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه , فإنما أعمل الخوف في " أن " وحدها , وذلك غير مدفوعة صحته , كما قال الشاعر : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فأما قارئه إلا أن يخافا بذلك المعنى , فقد أعمل في متروكة تسميته وفي " أن " , فأعمله في ثلاثة أشياء : المتروك الذي هو اسم ما لم يسم فاعله , وفي أن التي تنوب عن شيئين , ولا تقول العرب في كلامها ظنا أن يقوما , لكن قراءة ذلك كذلك صحيحة على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك اعتبارا بقراءة عبد الله الذي وصفنا , ولكن على أن يكون مرادا به إذا قرئ كذلك . إلا أن يخاف بأن لا يقيما حدود الله , أو على أن لا يقيما حدود الله , فيكون العامل في أن غير الخوف , ويكون الخوف عاملا فيما لم يسم فاعله . وذلك هو الصواب عندنا في القراءة لدلالة ما بعده على صحته , وهو قوله : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } فكان بينا أن الأول بمعنى : إلا أن تخافوا أن لا يقيما حدود الله . فإن قال قائل : وأية حال الحال التي يخاف عليهما أن لا يقيما حدود الله حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها ؟ قيل : حال نشوزها وإظهارها له بغضته , حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق , ويخاف على زوجها بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله له تركه أداء الواجب لها عليه , فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه , والحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان أتى زوجته إذ نشزت عليه بغضا منها له . كما : 3798 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : قرأت على فضيل , عن أبي جرير أنه سأل عكرمة , هل كان للخلع أصل ؟ قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي , أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا ! إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة , فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . قال زوجها : يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة فلترد علي حديقتي ! قال : " ما تقولين ؟ " قالت : نعم , وإن شاء زدته قال : ففرق بينهما . 3799 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا أبو عمرو السدوسي , عن عبد الله , يعني ابن أبي بكر , عن عمرة عن عائشة : أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس , فضربها فكسر بعضها , فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح , فاشتكته , فدعا رسول الله ثابتا , فقال : " خذ بعض مالها وفارقها ! " قال : ويصلح ذلك يا رسول الله ؟ قال : " نعم " , قال : فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خذهما وفارقها ! " ففعل . 3800 - حدثنا أبو يسار , قال : ثنا روح , قال : ثنا مالك , عن يحيى , عن عمرة أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية : أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند بابه بالغلس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من هذه ؟ " قالت : أنا حبيبة بنت سهل , لا أنا ولا ثابت بن قيس ! لزوجها . فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذه حبيبة بنت سهل تذكر ما شاء الله أن تذكر " . فقالت حبيبة : يا رسول الله كل ما أعطانيه عندي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ منها ! " فأخذ منها وجلست في بيتها . 3801 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسن بن واقد , عن ثابت , عن عبد الله بن رباح , عن جميلة بنت أبي ابن سلول , أنها كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه , فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : " يا جميلة ما كرهت من ثابت ؟ " قالت : والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا , إلا أني كرهت دمامته . فقال لها : " أتردين الحديقة ؟ " قالت : نعم ! فردت الحديقة وفرق بينهما . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في شأنهما , أعني في شأن ثابت بن قيس وزوجته هذه . 3802 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة , قال : وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟ " فقالت : نعم ! فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له , فقال : ويطيب لي ذلك ؟ قال : " نعم " , قال ثابت : وقد فعلت فنزلت : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها } . وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في معنى الخوف منهما أن لا يقيما حدود الله , فقال بعضهم : ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها , فإذا ظهر ذلك منها له , حل له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها . ذكر من قال ذلك : 3803 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها , فتدعوك إلى أن تفتدي منك , فلا جناح عليك فيما افتدت به . 3804 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : قال ابن جريج : أخبرني هشام بن عروة أن عروة كان يقول : لا يحل الفداء حتى يكون الفساد من قبلها , ولم يكن يقول : لا يحل له حتى تقول : لا أبر لك قسما , ولا أغتسل لك من جنابة . 3805 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , قال : قال جابر بن زيد : إذا كان النشز من قبلها حل الفداء . - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن أبي الزناد , عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول إذا كان سوء الخلق وسوء العشرة من قبل المرأة فذاك يحل خلعها . * حدثني علي بن سهل , قال : ثنا محمد بن كثير , عن حماد , عن هشام , عن أبيه أنه قال : لا يصلح الخلع , حتى يكون الفساد من قبل المرأة . 3806 - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد , قال : ثنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر في امرأة قالت لزوجها : لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أغتسل لك من جنابة . قال : ما هذا ؟ وحرك يده , لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا ! إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذه وليتركها . 3807 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة : يعظها , فإن انتهت وإلا هجرها , فإن انتهت وإلا ضربها , فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان , فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها , فيقول الحكم الذي من أهلها : تفعل بها كذا وتفعل بها كذا , ويقول الحكم الذي من أهله : تفعل به كذا وتفعل به كذا , فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ فوق يده , وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع . 3808 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } إلى قوله : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : إذا كانت المرأة راضية مغتبطة مطيعة , فلا محل له أن يضربها , حتى تفتدي منه , فإن أخذ منها شيئا على ذلك , فما أخذ منها فهو حرام , وإذا كان النشوز والبغض والظلم من قبلها , فقد حل له أن يأخذ منها ما افتدت به . 3809 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال : لا يحل للرجل أن يخلع امرأته إلا أن يرى ذلك منها , فأما أن يكون يضارها حتى تختلع , فإن ذلك لا يصلح , ولكن إذا نشزت فأظهرت له البغضاء , وأساءت عشرته , فقد حل له خلعها . 3810 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال : الصداق { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وحدود الله أن تكون المرأة ناشزة , فإن الله أمر الزوج أن يعظها بكتاب الله , فإن قبلت وإلا هجرها , والهجران أن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراش واحد ويوليها ظهره ولا يكلمها , فإن أبت غلظ عليها القول بالشتيمة لترجع إلى طاعته , فإن أبت فالضرب ضرب غير مبرح , فإن أبت إلا جماحا فقد حل له منها الفدية . وقال آخرون : بل الخوف من ذلك أن لا تبر له قسما ولا تطيع له أمرا , وتقول : لا أغتسل لك من جنابة ولا أطيع لك أمرا , فحينئذ يحل له عندهم أخذ ما آتاها على فراقه إياها . ذكر من قال ذلك : 3811 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , عن أبيه , قال : قال الحسن : إذا قالت : لا أغتسل لك من جنابة , ولا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , فحينئذ حل الخلع . * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : إذا قالت المرأة لزوجها : لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أغتسل لك من جنابة , ولا أقيم حدا من حدود الله , فقد حل له مالها . 3812 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عنبسة , عن محمد بن سالم , قال : سألت الشعبي , قلت : متى يحل للرجل أن يأخذ من مال امرأته ؟ قال : إذا أظهرت بغضه وقالت : لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا . 3813 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي أنه كان يعجب من قول من يقول : لا تحل الفدية حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة . وقال : إن الزاني يزني ثم يغتسل . 3814 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم في الناشز , قال : إن المرأة ربما عصت زوجها , ثم أطاعته , ولكن إذا عصته فلم تبر قسمه , فعند ذلك تحل الفدية . 3815 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } لا يحل له أن يأخذ من مهرها شيئا { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فإذا لم يقيما حدود الله , فقد حل له الفداء , وذلك أن تقول : والله لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أكرم لك نفسا , ولا أغتسل لك من جنابة . فهو حدود الله , فإذا قالت المرأة ذلك فقد حل الفداء للزوج أن يأخذه ويطلقها . 3816 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عنبسة , عن علي بن بذيمة , عن مقسم في قوله : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } 4 19 يقول : " إلا أن يفحشن " في قراءة ابن مسعود , قال إذا عصتك وآذتك , فقد حل لك ما أخذت منها . 3817 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال : الخلع , قال : ولا يحل له إلا أن تقول المرأة لا أبر قسمه ولا أطيع أمره , فيقبله خيفة أن يسيء إليها إن أمسكها , ويتعدى الحق . وقال آخرون : بل الخوف من ذلك أن تبتدئ له بلسانها قولا أنها له كارهة . ذكر من قال ذلك : 3818 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , عن أيوب بن موسى , عن عطاء بن أبي رباح , قال : يحل الخلع أن تقول المرأة لزوجها : إني لأكرهك , وما أحبك , ولقد خشيت أن أنام في جنبك ولا أؤدي حقك . وتطيب نفسك بالخلع . وقال آخرون : بل الذي يبيح له أخذ الفدية أن يكون خوف أن لا يقيما حدود الله منهما جميعا لكراهة كل واحد منهما صحبة الآخر . ذكر من قال ذلك : 3819 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا بشر بن المفضل قال : ثنا داود , عن عامر , حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن داود , قال : قال عامر : أحل له مالها بنشوزه ونشوزها . 3820 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : قال ابن جريج , قال : طاوس : يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره , ولم يكن يقول قول السفهاء : لا أبر لك قسما , ولكن يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة . 3821 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن محمد بن إسحاق , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال : فيما افترض الله عليهما في العشرة والصحبة . 3822 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني ابن شهاب , قال : أخبرني سعيد بن المسيب , قال : لا يحل الخلع حتى يخافا أن لا يقيما حدود الله في العشرة التي بينهما . وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال : لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها , حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه منهما جميعا , على ما ذكرناه عن طاوس والحسن ومن قال في ذلك قولهما ; لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله . فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت فالواجب أن يكون حراما على الرجل قبول الفدية منها إذا كان النشوز منها دونه , حتى يكون منه من الكراهة لها مثل الذي يكون منها له ؟ قيل له : إن الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت , وذلك أن في نشوزها عليه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به , وذلك هو المعنى الذي يوجب للمسلمين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله . فأما إذا كان التفريط من كل واحد منهما في واجب حق صاحبه قد وجد وسوء الصحبة والعشرة قد ظهر للمسلمين , فليس هناك للخوف موضع , إذ كان المخوف قد وجد , وإنما يخاف وقوع الشيء قبل حدوثه , فأما بعد حدوثه فلا وجه للخوف منه ولا الزيادة في مكروهه .فإن خفتم ألا يقيما حدود الله
القول في تأويل قوله تعالى : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } التي إذا خيف من الزوج والمرأة أن لا يقيماها حلت له الفدية من أجل الخوف عليهما بصنيعها , فقال بعضهم : هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه , وأذاها له بالكلام . ذكر من قال ذلك : 3823 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : هو تركها إقامة حدود الله , واستخفافها بحق زوجها , وسوء خلقها , فتقول له : والله لا أبر لك قسما , ولا أطأ لك مضجعا , ولا أطيع لك أمرا ; فإن فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية . 3824 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة , عن يزيد بن إبراهيم , عن الحسن في قوله : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : إذا قالت : لا أغتسل لك من جنابة حل له أن يأخذ منها . 3825 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : ثنا يونس , عن الزهري قال : يحل الخلع حين يخافا أن لا يقيما حدود الله , وأداء حدود الله في العشرة التي بينهما . وقال آخرون : معنى ذلك : فإن خفتم أن لا يطيعا الله . ذكر من قال ذلك : 3826 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن عامر : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } قالا : أن لا يطيعا الله . 3827 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : الحدود : الطاعة . والصواب من القول في ذلك : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ما أوجب الله عليهما من الفرائض فيما ألزم كل واحد منهما من الحق لصاحبه من العشرة بالمعروف , والصحبة بالجميل , فلا جناح عليهما فيما افتدت به . وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس والشعبي , وما رويناه عن الحسن والزهري , لأن من الواجب للزوج على المرأة إطاعته فيما أوجب الله طاعته فيه , وأن لا تؤذيه بقول , ولا تمتنع عليه إذا دعاها لحاجته , فإذا خالفت ما أمرها الله به من ذلك كانت قد ضيعت حدود الله التي أمرها بإقامتها . وأما معنى إقامة حدود الله , فإنه العمل بها , والمحافظة عليها , وترك تضييعها , وقد بينا ذلك فيما مضى قبل من كتابنا هذا بما يدل على صحته .فلا جناح عليهما فيما افتدت به
القول في تأويل قوله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } يعني قوله تعالى ذكره بذلك : فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيم الزوجان ما حد الله لكل واحد منهما على صاحبه من حق , وألزمه له من فرض , وخشيتم عليهما تضييع فرض الله وتعدي حدوده في ذلك فلا جناح حينئذ عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها , ولا حرج عليهما فيما أعطت هذه على فراق زوجها إياها ولا على هذا فيما أخذ منها من الجعل والعوض عليه . فإن قال قائل : وهل كانت المرأة حرجة لو كان الضرار من الرجل بها فيما افتدت به نفسها , فيكون لا جناح عليهما فيما أعطته من الفدية على فراقها إذا كان النشوز من قبلها ؟ قيل : لو علمت في حال ضراره بها ليأخذ منها ما آتاها أن ضراره ذلك إنما هو ليأخذ منها ما حرم الله عليه أخذه على الوجه الذي نهاه الله عن أخذه منها , ثم قدرت أن تمتنع من إعطائه بما لا ضرر عليها في نفس , ولا دين , ولا حق عليها في ذهاب حق لها لما حل لها إعطاؤه ذلك , إلا على وجه طيب النفس منها بإعطائه إياه على ما يحل له أخذه منها لأنها متى أعطته ما لا يحل له أخذه منها وهي قادرة على منعه ذلك بما لا ضرر عليها في نفس , ولا دين , ولا في حق لها تخاف ذهابه , فقد شاركته في الإثم بإعطائه ما لا يحل له أخذه منها على الوجه الذي أعطته عليه , فلذلك وضع عنها الجناح إذا كان النشوز من قبلها , وأعطته ما أعطته من الفدية بطيب نفس , ابتغاء منها بذلك سلامتها وسلامة صاحبها من الوزر والمأثم , وهي إذا أعطته على هذا الوجه باستحقاق الأجر والثواب من الله تعالى أولى إن شاء الله من الجناح والحرج , ولذلك قال تعالى ذكره : { فلا جناح عليهما } فوضع الحرج عنها فيما أعطته على هذا الوجه من الفدية على فراقه إياها , وعنه فيما قبض منها إذا كانت معطية على المعنى الذي وصفنا , وكان قابضا منها ما أعطته من غير ضرار , بل طلب السلامة لنفسه ولها في أديانهما وحذار الأوزار والمأثم . وقد يتجه قوله : { فلا جناح عليهما } وجها آخر من التأويل وهو أنها لو بذلت ما بذلت من الفدية على غير الوجه الذي أذن نبي الله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس , وذلك لكراهتها أخلاق زوجها أو دمامة خلقه , وما أشبه ذلك من الأمور التي يكرهها الناس بعضهم من بعض , ولكن على الانصراف منها بوجهها إلى آخر غيره على وجه الفساد وما لا يحل لها كان حراما عليها أن تعطي على مسألتها إياه فراقها على ذلك الوجه شيئا ; لأن مسألتها إياه الفرقة على ذلك الوجه معصية منها لله , وتلك هي المختلعة - إن خولعت على ذلك الوجه - التي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها منافقة . كما : 3828 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثني المعتمر بن سليمان , عن ليث , عن أبي إدريس , عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم الله عليها رائحة الجنة " . وقال : " المختلعات هن المنافقات " 3829 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مزاحم بن دواد بن علية , عن أبيه , عن ليث بن أبي سليم , عن أبي الخطاب عن أبي زرعة , عن أبي إدريس , عن ثوبان مولى رسول الله , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والمختلعات هن المنافقات " 3830 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن بشر , قال : ثنا قيس بن الربيع , عن أشعث بن سوار , عن الحسن , عن ثابت بن يزيد , عن عقبة بن عامر الجهني , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات " * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , وحدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قالا جميعا : ثنا أيوب , عن أبي قلابة , عمن حدثه , عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " . * حدثني المثنى , قال : ثنا عارم , قال : ثنا حماد بن زيد , عن أيوب , عن أبي قلابة , عن أبي أسماء الرحبي , عن ثوبان , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه . فإذا كان من وجوه افتداء المرأة نفسها من زوجها ما تكون به حرجة , وعليها في افتدائها نفسها على ذلك الحرج والجناح , وكان من وجوهه ما يكون الحرج والجناح فيه على الرجل دون المرأة , ومنه ما يكون عليهما , ومنه ما لا يكون عليهما فيه حرج ولا جناح . قيل في الوجه : الذي لا حرج عليهما فيه لا جناح إذ كان فيما حاولا وقصدا من افتراقهما بالجعل الذي بذلته المرأة لزوجها لا جناح عليهما فيما افتدت به من الوجه الذي أبيح لهما , وذلك أن يخافا أن لا يقيما حدود الله بمقام كل واحد منهما على صاحبه . وقد زعم بعض أهل العربية أن في ذلك وجهين : أحدهما أن يكون مرادا له : فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة , وإن كانا قد ذكرا جميعا كما قال في سورة الرحمن : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 وهما من الملح لا من العذب , قال : ومثله . { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما } 18 61 وإنما الناسي صاحب موسى وحده ; قال : ومثله في الكلام أن تقول : عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما وإنما تركب إحداهما وتسقي على الأخرى , وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام . قال : والوجه الآخر أن يشتركا جميعا في أن لا يكون عليهما جناح , إذ كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم . اشتركت فيه , لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم احتاجت إلى مثل ذلك . قال أبو جعفر : فلم يصب الصواب في واحد من الوجهين , ولا في احتجاجه فيما احتج به قوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 فأما قوله : { فلا جناح عليهما } فقد بينا وجه صوابه , وسنبين وجه قوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 في موضعه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى . وإنما خطأنا قوله ذلك ; لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الحرج عن الزوجين إذا افتدت المرأة من زوجها على ما أذن , وأخبر عن البحرين أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان , فأضاف إلى اثنين , فلو جاز لقائل أن يقول : إنما أريد به الخبر عن أحدهما فيما لم يكن مستحيلا أن يكون عنهما جاز في كل خبر كان عن اثنين غير مستحيلة صحته أن يكون عنهما أن يقال : إنما هو خبر عن أحدهما , وذلك قلب المفهوم من كلام الناس والمعروف من استعمالهم في مخاطباتهم , وغير جائز حمل كتاب الله تعالى ووحيه جل ذكره على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } أمعني به : أنهما موضوع عنهما الجناح في كل حد افتدت به المرأة نفسها من شيء أم في بعضه ؟ فقال بعضهم : عنى بذلك فلا جناح عليهما فيما افتدت به من صداقها الذي كان آتاها زوجها الذي تختلع منه واحتجوا في قولهم ذلك بأن آخر الآية مردود على أولها , وأن معنى الكلام : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } مما آتيتموهن . قالوا : فالذي أحله الله لهما من ذلك عند الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله هو الذي كان حظر عليهما قبل حال الخوف عليهما من ذلك . واحتجوا في ذلك بقصة ثابت بن قيس بن شماس , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر امرأته إذ نشزت عليه أن ترد ما كان ثابت أصدقها , وأنها عرضت الزيادة فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : 3831 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع أنه كان يقول : لا يصلح له أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها , ويقول : إن الله يقول : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } منه , يقول : من المهر . وكذلك كان يقرؤها : " فيما افتدت به منه " 3832 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا بشر بن بكر , عن الأوزاعي , قال : سمعت عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري يقولون في الناشز : لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها . 3833 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد , ثنا أبو عمرو , عن عطاء , قال : الناشز لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء أنه كره أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها . 3834 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا ابن إدريس , عن أشعث , عن الشعبي , قال : كان يكره أن يأخذ الرجل من المختلعة فوق ما أعطاها , وكان يرى أن يأخذ دون ذلك . * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن الشعبي , قال : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها . * حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن الشعبي أنه كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها , يعني المختلعة . 3835 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت ليثا عن الحكم بن عتيبة , قال : كان علي رضي الله عنه يقول : لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها . 3836 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا سعيد , عن الحكم أنه قال في المختلعة : أحب إلي أن لا يزداد . 3837 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , عن حميد أن الحسن كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . * حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن مطر أنه سأل الحسن , أو أن الحسن سئل عن رجل تزوج امرأة على مائتي درهم , فأراد أن يخلعها , هل له أن يأخذ أربعمائة ؟ فقال : لا والله , ذاك أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : كان الحسن يقول : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها . قال معمر : وبلغني عن علي أنه كان يرى أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها . 3838 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الكريم الجزري , عن ابن المسيب , قال : ما أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها منه ما يعيشها . 3839 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس أن أباه كان يقول في المفتدية : لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . 3840 - حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , قال : لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته أكثر مما أعطاها . وقال آخرون : بل عنى بذلك : فلا جناح عليهما فيما افتدت به من قليل ما تملكه وكثيره . واحتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية , وأنه غير جائز إحالة ظاهر عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها قالوا : ولا حجة يجب التسليم لها بأن الآية مراد بها بعض الفدية . دون بعض من أصل أو قياس , فهي على ظاهرها وعمومها . ذكر من قال ذلك : 3841 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب عن كثير مولى سمرة : أن عمر أتي بامرأة ناشز , فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثلاثا , ثم دعا بها فقال : كيف وجدت ؟ قالت : ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي حبستني . فقال لزوجها : اخلعها ولو من قرطها . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن كثير مولى سمرة , قال : أخذ عمر بن الخطاب امرأة ناشزة فوعظها , فلم تقبل بخير , فحبسها في بيت كثير الزبل ثلاثة أيام وذكر نحو حديث ابن علية . 3842 - حدثنا ابن بشار ومحمد بن يحيى , قالا : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن حميد بن عبد الرحمن : أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فشكت زوجها , فقال : إنها ناشز . فأباتها في بيت الزبل , فلما أصبح قال لها : كيف وجدت مكانك ؟ قالت : ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة . فقال : خذ ولو عقاصها . 3843 - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع : أن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه إلا من ثيابها , فلم يعب ذلك ابن عمر . * حدثنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا معتمر , قال : سمعت عبيد الله يحدث , عن نافع , قال : ذكر لابن عمر مولاة له اختلعت من زوجها بكل مال لها , فلم يعب ذلك عليها ولم ينكره . 3844 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا هشيم , عن حميد , عن رجاء بن حيوة , عن قبيصة بن ذؤيب : أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . ثم تلا هذه الآية : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } 3845 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال في الخلع : خذ ما دون عقاص شعرها , وإن كانت المرأة لتفتدي ببعض مالها . * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخلع بما دون عقاص الرأس . * حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن إبراهيم أنه قال في المختلعة : خذ منها ولو عقاصها . * حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخلع بما دون عقاص الرأس , وقد تفتدي المرأة ببعض مالها . 3846 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع ابنة معوذ بن عفراء حدثته قالت : كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني , ويحرمني إذا غاب . قالت : فكانت مني زلة يوما , فقلت : أختلع منك بكل شيء أملكه ! قال : نعم ! قال : ففعلت قالت : فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان , فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه . أو قالت : ما دون عقاص الرأس . 3847 - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا الحسن بن يحيى , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : لا بأس بما خلعها به من قليل أو كثير , ولو عقصها . 3848 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا حجاج , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : إن شاء أخذ منها أكثر مما أعطاها . 3849 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول : قال ابن عباس : ليأخذ منها حتى قرطها . يعني في الخلع . 3850 - حدثني المثنى , قال : ثنا مطرف بن عبد الله , قال : أخبرنا مالك بن أنس , عن نافع , عن مولاة لصفية ابنة أبي عبيد : أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها , فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر . * حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا حميد , عن رجاء بن حيوة , عن قبيصة بن ذويب أنه تلا هذه الآية : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : يأخذ أكثر مما أعطاها . 3851 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يزيد وسهل بن يوسف وابن أبي عدي , عن حميد , قال : قلت لرجاء بن حيوة : إن الحسن يقول في المختلعة : لا يأخذ أكثر مما أعطاها , ويتأول : { ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال رجاء : فإن قبيصة بن ذؤيب كان يرخص أن يأخذ أكثر مما أعطاها , ويتأول : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } وقال آخرون : هذه الآية منسوخة بقوله : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } 4 20 ذكر من قال ذلك : 3852 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث , قال : ثنا عقبة بن أبي الصهباء قال : سألت بكرا عن المختلعة أيأخذ منها شيئا ؟ قال لا وقرأ : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } 4 21 3853 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا عقبة بن أبي الصهباء , قال : سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد امرأته منه الخلع , قال : لا يحل له أن يأخذ منها شيئا . قلت : يقول الله تعالى ذكره في كتابه : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : هذه نسخت . قلت : فإني حفظت ؟ قال : حفظت في سورة النساء قول الله تعالى ذكره : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } 4 20 وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : إذا خيف من الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله على سبيل ما قدمنا البيان عنه , فلا حرج عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها من قليل ما تملكه وكثيره مما يجوز للمسلمين أن يملكوه ,
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٢٣٠﴾
فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره
القول في تأويل قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } اختلف أهل التأويل فيما دل عليه هذا القول من الله تعالى ذكره ; فقال بعضهم : دل على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : { الطلاق مرتان } فإن امرأته تلك لا تحل له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره , يعني به غير المطلق . ذكر من قال ذلك : 3856 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : جعل الله الطلاق ثلاثا , فإذا طلقها واحدة فهو أحق بها ما لم تنقض العدة , وعدتها ثلاث حيض , فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها فقد بانت منه , وصارت أحق بنفسها , وصار خاطبا من الخطاب , فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها , حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قبل عدتها عند شاهدي عدل , فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها , وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة , وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها , حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قبل عدتها , فإن بدا له مراجعتها راجعها , فكانت عنده على واحدة , وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها , فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } 3857 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } يقول : إن طلقها ثلاثا , فلا تحل حتى تنكح زوجا غيره . 3858 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة , قال : والثالثة قوله : { فإن طلقها } يعني بالثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره . * حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , بنحوه . 3859 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فإن طلقها } بعد التطليقتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره , وهذه الثالثة وقال آخرون : بل دل هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : { الطلاق مرتان } قالوا : وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله : { أو تسريح بإحسان } وأعلم أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحل له المسرحة كذلك إلا بعد زوج . ذكر من قال ذلك : 3860 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غير } قال : عاد إلى قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . قال أبو جعفر : والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال : أو سئل فقيل : هذا قول الله تعالى ذكره : { الطلاق مرتان } فأين الثالثة ؟ قال : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . فأخبر صلى الله عليه وسلم , أن الثالثة إنما هي قوله : { أو تسريح بإحسان } فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة , فمعلوم أن قوله : { فإن طلقها فلا تحل لا من بعد حتى تنكح زوجا غيره } من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل , وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين , والذي يحرم عليه منها , والحال التي يجوز له نكاحها فيها , وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته . فإن قال قائل : فأي النكاحين عنى الله بقوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج ؟ قيل : كلاهما , وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول , وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول بإجماع الأمة جميعا . فإذ كان ذلك كذلك , فمعلوم أن تأويل قوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } نكاحا صحيحا , ثم يجامعها فيه , ثم يطلقها . فإن قال : فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره , فما الدلالة على أن معناه ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه . وبعد , فإن الله تعالى ذكره قال : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فلو نكحت زوجا غيره بعقب , الطلاق قبل انقضاء عدتها , كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به , وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ; وكذلك قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دل على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ذلك على لسانه لعباده . ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : 3861 - حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري , وسفيان بن وكيع , وأبو هشام الرفاعي , قالوا : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن الأسود , عن عائشة , قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت رجلا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها , أتحل لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته " . * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه . 3862 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قال : سمعتها تقول : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت : كنت عند رفاعة فطلقني , فبت طلاقي , فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير , وإن ما معه مثل هدبة الثوب , فقال لها : " تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يونس , عن ابن شهاب , عن عروة , عن عائشة , نحوه . * حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني عقيل , عن ابن شهاب , قال : ثنى عروة بن الزبير , أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله , فذكر مثله . 3863 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته , فبت طلاقها , فتزوجها بعد عبد الرحمن بن الزبير , فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله إنها كانت عند رفاعة , فطلقها آخر ثلاث تطليقات , فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير , وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل الهدبة . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال لها : " لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " قالت : وأبو بكر جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بن العاص بباب الحجرة لم يؤذن له , فطفق خالد ينادي يا أبا بكر يقول : يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . 3864 - حدثنا محمد بن يزيد الأودي , قال : ثنا يحيى بن سليم , عن عبيد الله , عن القاسم , عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق الأول " . * حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , قال : سمعت القاسم يحدث عن عائشة , قال : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق صاحبه " . * حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى , عن عبيد الله , قال : ثنا القاسم , عن عائشة , أن رجلا طلق امرأته ثلاثا , فتزوجت زوجا , فطلقها قبل أن يمسها , فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحل للأول ؟ قال : " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول " . 3865 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا موسى بن عيسى الليثي , عن زائدة , عن علي بن زيد , عن أم محمد , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره , فيذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " . 3866 - حدثني العباس بن أبي طالب , قال : أخبرنا سعيد بن حفص الطلحي , قال : أخبرنا شيبان , عن يحيى , عن أبي الحارث الغفاري , عن أبي هريرة , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " وحتى يذوق عسيلتها " . 3867 - حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني , قال : ثني أبي , قال : ثنا شيبان , قال : ثنا يحيى بن أبي كثير , عن أبي الحارث الغفاري , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا , فتتزوج غيره , فيطلقها قبل أن يدخل بها , فيريد الأول أن يراجعها , قال : " لا , حتى يذوق عسيلتها " . 3868 - حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي , قال : ثنا هشام بن عبد الملك , قال : ثنا محمد بن دينار , قال : حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل طلق امرأته ثلاثا , فتزوجها آخر فطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى زوجها الأول ؟ قال : " لا , حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته " . 3869 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , ويعقوب بن ماهان , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق , عن سليمان بن يسار , عن عبيد الله بن العباس : أن الغميصاء أو الرميصاء جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها , وتزعم أنه لا يصل إليها , قال : فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها , فزعم أنها كاذبة , ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره " . 3870 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن علقمة بن مرثد , عن سالم بن رزين الأحمري , عن سالم بن عبد الله , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة , فتتزوج زوجا آخر , فيطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى الأول ؟ قال : " لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها " . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن رزين الأحمري , عن ابن عمر , عن النبي أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا , فيتزوجها رجل , فأغلق الباب , فطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى زوجها الآخر ؟ قال : " لا حتى يذوق عسيلتها " . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن سليمان بن رزين , عن ابن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن رجل طلق امرأته , فتزوجت بعده , ثم طلقها أو مات عنها , أيتزوجها الأول ؟ قال : " لا حتى تذوق عسيلته " .فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله
القول في تأويل قوله تعالى : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } يعني تعالى ذكره بقوله : { فإن طلقها } فإن طلق المرأة التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني , زوجها الذي نكحها بعد بينونتها من الأول ; { فلا جناح عليهما } يقول تعالى ذكره : فلا حرج على المرأة التي طلقها هذا الثاني من بعد بينونتها من الأول , وبعد نكاحه إياها , وعلى الزوج الأول الذي كانت حرمت عليه ببينونتها منه بآخر التطليقات أن يتراجعا بنكاح جديد . كما : 3871 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } يقول : إذا تزوجت بعد الأول , فدخل الآخر بها , فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها , فقد حلت له . 3872 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشام , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين , فله الرجعة ما لم تنقض العدة . قال : والثالثة قوله : { فإن طلقها } يعني الثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره , فيدخل بها , فإن طلقها هذا الأخير بعد ما يدخل بها , فلا جناح عليهما أن يتراجعا - يعني الأول - إن ظنا أن يقيما حدود الله . وأما قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } فإن معناه : إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله . وإقامتهما حدود الله : العمل بها , وحدود الله : ما أمرهما به , وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه , وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما . وقد بينا معنى الحدود ومعنى إقامة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكان مجاهد يقول في تأويل قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } ما : 3873 - حدثني به محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . وقد وجه بعض أهل التأويل قوله { إن ظنا } إلى أنه بمعنى : إن أيقنا . وذلك ما لا وجه له , لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره . فإذ كان ذلك كذلك , فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله ؟ ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره : { إذ ظنا } بمعنى طمعا بذلك ورجواه ; " وأن " التي في قوله { أن يقيما } في موضع نصب ب " ظنا " , و " أن " التي في { أن يتراجعا } جعلها بعض أهل العربية في موضع نصب بفقد الخافض , لأن معنى الكلام : فلا جناح عليهما في أن يتراجعا , فلما حذفت " في " التي كانت تخفضها نصبها , فكأنه قال : فلا جناح عليهما تراجعهما . وكان بعضهم يقول : موضعه خفض , وإن لم يكن معها خافضها , وإن كان محذوفا فمعروف موضعه .وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون
القول في تأويل قوله تعالى : { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } يعني تعالى ذكره بقوله : { وتلك حدود الله } هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات , حدود الله معالم فصول حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته , { يبينها } : يفصلها , فيميز بينها , ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم , فيعرفون أنها من عند الله , فيصدقون بها , ويعملون بما أودعهم الله من علمه , دون الذين قد طبع الله على قلوبهم , وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها , ولا يصدقون بأنها من عند الله , فهم يجهلون أنها من الله , وأنها تنزيل من حكيم حميد . ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون , إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها , وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها , وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به .
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٣١﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وإذا طلقتم "، أيها الرجال نساءكم =" فبلغن أجلهن ", يعني: ميقاتهن الذي وقته لهن، من انقضاء الأقراء الثلاثة، إن كانت من أهل القرء، (1) وانقضاء الأشهر, إن كانت من أهل الشهور=" فأمسكوهن "، يقول: فراجعوهن إن أردتم رجعتهن في الطلقة التي فيها رجعة: وذلك إما في التطليقة الواحدة أو التطليقتين، كما قال تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .
=وأما قوله: " بمعروف "، فإنه عنى: بما أذن به من الرجعة، من الإشهاد على الرجعة قبل انقضاء العدة، دون الرجعة بالوطء والجماع. لأن ذلك إنما يجوز للرجل بعد الرجعة, وعلى الصحبة مع ذلك والعشرة بما أمر الله به وبينه لكم أيها الناس =" أو سرحوهن بمعروف "، يقول: أو خلوهن يقضين تمام عدتهن وينقضي بقية أجلهن الذي أجلته لهن لعددهن، بمعروف. يقول: بإيفائهن تمام حقوقهن عليكم، (2) على ما ألزمتكم لهن من مهر ومتعة ونفقة وغير ذلك من حقوقهن قبلكم =" وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا " = يقول: ولا تراجعوهن، &; 5-8 &; إن راجعتموهن في عددهن، مضارة لهن، لتطولوا عليهن مدة انقضاء عددهن, أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم، لمضارتكم إياهن، بإمساككم إياهن, ومراجعتكموهن ضرارا واعتداء.
وقوله: " لتعتدوا "، يقول: لتظلموهن بمجاوزتكم في أمرهن حدودي التي بينتها لكم.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
4909- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق: " وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا "، قال: يطلقها، حتى إذا كادت تنقضي راجعها, ثم يطلقها, فيدعها, حتى إذا كادت تنقضي عدتها راجعها, ولا يريد إمساكها: فذلك الذي يضار ويتخذ آيات الله هزوا.
4910- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء قال: سئل الحسن عن قوله تعالى: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، قال: كان الرجل يطلق المرأة ثم يراجعها, ثم يطلقها ثم يراجعها، يضارها، فنهاهم الله عن ذلك.
4911- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف "، قال: نهى الله عن الضرار =" ضرارا "، أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به.
4912- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه= إلا أنه قال: نهى عن الضرار, والضرار في الطلاق &; 5-9 &; أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها= وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.
4913- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها, ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارها ويعضلها, فأنـزل الله هذه الآية . (3)
4914- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، قال: كان الرجل يطلق امرأته تطليقة واحدة، ثم يدعها, حتى إذا ما تكاد تخلو عدتها راجعها, ثم يطلقها, حتى إذا ما كاد تخلو عدتها راجعها. (4) ولا حاجة له فيها, إنما يريد أن يضارها بذلك. فنهى الله عن ذلك وتقدم فيه, (5) وقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .
4915- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب قال: قال الله تعالى ذكره: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، فإذا طلق الرجل المرأة وبلغت أجلها، فليراجعها بمعروف أو ليسرحها بإحسان, ولا يحل له أن يراجعها ضرارا, وليست له فيها رغبة، إلا أن يضارها.
4916- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، قال: هو في الرجل &; 5-10 &; يحلف بطلاق امرأته, فإذا بقي من عدتها شيء راجعها، يضارها بذلك ويطول عليها، فنهاهم الله عن ذلك.
4917- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس, عن مالك بن أنس, عن ثور بن زيد الديلي: أن رجلا كان يطلق امرأته ثم يراجعها, ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها, كيما يطول عليها بذلك العدة ليضارها، فأنـزل الله تعالى ذكره: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه "، يعظم ذلك. (6)
4918- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " ولا تمسكوهن ضرارا "، هو الرجل يطلق امرأته واحدة ثم يراجعها, ثم يطلقها ثم يراجعها, ثم يطلقها، ليضارها بذلك، لتختلع منه.
4920- حدثنا موسى قال حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا "، قال: نـزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار (7) طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، (8) ثم طلقها, ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر، مضارَّةً يضارُّها, فأنـزل الله تعالى ذكره: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ".
4921- حدثني العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، سمعت عبد العزيز &; 5-11 &; يسأل عن طلاق الضرار فقال: يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع, فهذا الضرار الذي قال الله: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ".
4922- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق , عن عطية: " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا "، قال: الرجل يطلق امرأته تطليقة, ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض, ثم يراجعها, ثم يطلقها تطليقة, ثم يمسك عنها حتى تحيض ثلاث حيض , ثم يراجعها=" لتعتدوا "، قال: لا يطاول عليهن.
* * *
قال أبو جعفر: وأصل " التسريح "، من " سرح القوم ", وهو ما أطلق من نَعَمهم للرعي. يقال للمواشي المرسلة للرعي " هذا سرْح القوم " يراد به مواشيهم المرسلة للرعي. ومنه قول الله تعالى ذكره: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [سورة النحل: 5 ، 6] يعني بقوله: " حين تسرحون "، حين ترسلونها للرعي. فقيل للمرأة إذا خلاها زوجها فأبانها منه: سرحها, تمثيلا لذلك ب " تسريح " المسرح ماشيته للرعي، وتشبيها به. (9)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ومن يراجع امرأته = بعد طلاقه إياها في الطلاق الذي له فيه عليها الرجعة = ضرارا بها ليعتدي حد الله في أمرها, &; 5-12 &; فقد ظلم نفسه, يعني: فأكسبها بذلك إثما, وأوجب لها من الله عقوبة بذلك.
* * *
وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى, وأنه وضع الشيء في غير موضعه، وفعل ما ليس للفاعل فعله. (10)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولا تتخذوا أعلام الله وفصوله بين حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، في وحيه وتنـزيله = استهزاء ولعبا, فإنه قد بين لكم في تنـزيله وآي كتابه، ما لكم من الرجعة على نسائكم، في الطلاق الذي جعل لكم عليهن فيه الرجعة, وما ليس لكم منها, وما الوجه الجائز لكم منها، وما الذي لا يجوز, وما الطلاق الذي لكم عليهن فيه الرجعة، وما ليس لكم ذلك فيه, وكيف وجوه ذلك، رحمة منه بكم ونعمة منه عليكم, ليجعل بذلك لبعضكم = من مكروه، إن كان فيه من صاحبه ما يؤذيه = المخرج والمخلص بالطلاق والفراق، (11) وجعل ما جعل لكم عليهن من الرجعة سبيلا لكم إلى الوصول إلى ما نازعه إليه ودعاه إليه هواه، بعد فراقه إياهن منهن, لتدركوا بذلك قضاء أوطاركم منهن, إنعاما منه بذلك عليكم , لا لتتخذوا ما بينت لكم من ذلك في آي كتابي وتنـزيلي -تفضلا مني ببيانه عليكم &; 5-13 &; وإنعاما ورحمة مني بكم- لعبا وسخريا.
* * *
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال، أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
4923- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أيوب بن سليمان قال، حدثنا أبو بكر بن أبي أويس, عن سليمان بن بلال, عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة, عن ابن شهاب, عن سليمان بن أرقم: أن الحسن حدثهم: أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، يطلق الرجل أو يعتق فيقال: ما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لاعبا! قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه = قال الحسن: وفيه نـزلت: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا ". (12) .
4924- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, &; 5-14 &; عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا "، قال: كان الرجل يطلق امرأته فيقول: إنما طلقت لاعبا! فنهوا عن ذلك, فقال تعالى ذكره: " ولا تتخذوا آيات الله هزوا ".
4925- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن منصور, عن عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن عبد الرحمن, عن أبي العلاء, عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي موسى: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم غضب على الأشعريين -فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، غضبت على الأشعريين! فقال: يقول أحدكم: " قد طلقت، قد راجعت "!! ليس هذا طلاق المسلمين , طلقوا المرأة في قبل عدتها.
4926- حدثنا أبو زيد, عن ابن شبة قال، حدثنا أبو غسان النهدي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن أبي خالد -يعني الدالاني- عن أبي العلاء الأودي, عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي موسى الأشعري, عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لم يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك, قد راجعتك "؟ ليس هذا بطلاق المسلمين , طلقوا المرأة في قبل طهرها. (13)
* * *
&; 5-15 &;
القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام, الذي أنعم عليكم به فهداكم له, وسائر نعمه التي خصكم بها دون غيركم من سائر خلقه, فاشكروه على ذلك بطاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه, واذكروا أيضا مع ذلك ما أنـزل عليكم من كتابه، وذلك: القرآن الذي أنـزله على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم، (14) واذكروا ذلك فاعملوا به, واحفظوا حدوده فيه = و " الحكمة "، يعني: وما أنـزل عليكم من الحكمة، وهي السنن التي علمكموها رسول الله صلي الله عليه وسلم وسنها لكم.
&; 5-16 &;
وقد ذكرت اختلاف المختلفين في معنى " الحكمة " فيما مضى قبل في قوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (15) [سورة البقرة: 129]، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. (16)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يعظكم به "، يعظكم بالكتاب الذي أنـزل عليكم = والهاء التي في قوله: " به "، عائدة على الكتاب.
" واتقوا الله "، يقول: وخافوا الله = فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه في كتابه الذي أنـزله عليكم, وفيما أنـزله فبينه على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم لكم = أن تضيعوه وتتعدوا حدوده, فتستوجبوا ما لا قبل لكم به من أليم عقابه ونكال عذابه.
وقوله: " واعلموا أن الله بكل شيء عليم "، يقول: واعلموا أيها الناس أن ربكم = الذي حد لكم هذه الحدود, وشرع لكم هذه الشرائع, وفرض عليكم هذه الفرائض، في كتابه وفي تنـزيله على رسوله محمد صلي الله عليه وسلم= بكل ما أنتم عاملوه- من خير وشر, وحسن وسيئ, وطاعة ومعصية, عالم لا يخفى عليه من ظاهر ذلك وخفيه وسره وجهره، شيء, وهو مجازيكم بالإحسان إحسانا, وبالسيئ سيئا, إلا أن يعفو ويصفح، فلا تتعرضوا لعقابه وتظلموا أنفسكم. (17)
----------------
الهوامش:
(1) في المطبوعة : "من أهل الأقراء" ، وهي صواب ، ولكن لا أدري لم غير ما في المخطوطة .
(2) في المخطوطة : "بإنفاقهن" ، وهو فساد من الناسخ العجل ، كما أسلفت .
(3) عضل المرأة يعضلها : لم يحسن عشرتها ، ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها .
(4) خلا الشيء يخلو خلوا : مضى وانقضى .
(5) قوله : "تقدم فيه" ، أي أمرهم بأمره فيه ونهاهم عن فعله ، وزجرهم .
(6) الأثر : 4917- الموطأ : 588 ، بلفظه ، إلا قوله : "يعظم ذلك" فإنها فيه"يعظهم الله بذلك" . وفي المطبوعة : "ليعظم ذلك" .
(7) في المطبوعة : "ثابت بن بشار" ، والصواب من المخطوطة ، والدر المنثور 1 : 285 ، وأسد الغابة ، وذكر الخبر ، ونسبه إلى الطبري وابن المنذر .
(8) في المطبوعة : "أو ثلاثا" والصواب من المخطوطة .
(9) هذا دليل آخر على أن الطبري كان أحيانا يرجئ تفسير كلمة أو ينساها ، لرغبته في الاختصار وإلا فقد مضى"التسريح" آنفًا في الآية : 229 ، ولم يبينه هناك .
(10) انظر مراجع"الظلم" فيما سلف 4 : 584 ، تعليق رقم : 2
(11) في المخطوطة والمطبوعة : "ليجعل بذلك لبعضكم من مكروه إن كان فيه من صاحبه مما هو فيه المخرج . . . " ، وهي جملة لا تكاد تستقيم ، وأظن أن الناسخ العجل في هذا القسم من الكتاب ، قد عجل كعادته ، فنقل"ما يؤذيه""مما هو فيه" جعل"الياء" هاء ، وشبك الذال في الياء وجعلها فاء . وسياق الجملة : "ليجعل بذلك لبعضكم المخرج والمخلص . . . من مكروه إن كان -فيه من صاحبه ما يؤذيه"_ أي : في هذا المكروه من صاحبه أذى له ، وجملة"فيه من صاحبه ما يؤذيه" ، صفة لقوله : "مكروه" .
(12) الحديث : 4923- عبد الله بن أحمد بن شبويه : مضى في : 1909- أبوه"أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان الخزاعي ، أبو الحسن بن شبويه" : ثقة ، روى عنه ابن معين -وهو من أقرانه- وأبو زرعة وأبو داود ، وغيرهم . أيوب بن سليمان بن بلال التيمي : ثقة من شيوخ البخاري . يروى عن أبيه بواسطة ابن أبي أويس . أبو بكر بن أبي أويس : هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله المدني الأعشى ، مضى في : 4333 . سليمان بن بلال : مضى في 41 ، 4333 . محمد بن أبي عتيق : هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، نسب إلى"أبي عتيق" كنية جده"محمد بن عبد الرحمن" . وهو ثقة ، أخرج له البخاري في صحيحه . سليمان بن أرقم ، أبو معاذ البصري : ضعيف جدا ، قال البخاري : "تركوه" . وقال ابن معين : "ليس يسوى فلسا ، وليس بشيء" . وقال أبو زرعة : "ضعيف الحديث ، ذاهب الحديث" . وهو من تلاميذ الزهري ، ولكن الزهري يروى عنه أحيانا ، كما في هذا الإسناد . وهذا الحديث ضعيف ، لإرساله ، إلى ضعف راويه سليمان بن أرقم . وقد جاء هذا الحديث المرسل بإسناد أجود من هذا -على إرساله- : فرواه ابن أبي حاتم ، عن عصام بن رواد ، عن آدم بن أبي إياس ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن . ذكره ابن كثير 1 : 555 . ثم أشار إلى إسناد الطبري هنا . وذكره السيوطي 1 : 286 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة .
(13) الحديثان : 4925 ، 4926- إسحاق بن منصور السلولي- في الإسناد الأول : ثقة ، أخرج له الأئمة الستة .
و"أبو زيد عن ابن شبة" -في الإسناد الثاني : لم أجد في هذه الطبقة من يعرف بأبي زيد ، ولا في التي فوقها من يعرف بابن شبة . والظاهر أنه شيخ واحد ، محرف عن"أبي زيد عمر بن شبة" . أبو غسان النهدي : هو مالك بن إسماعيل بن درهم ، مضى في : 2989 .
يزيد بن عبد الرحمن - في الإسناد الأول : هو"يزيد أبو خالد الدالاني" . في الإسناد الثاني . مضت ترجمته في : 875 . ووقع في الإسناد الثاني -هنا-"عن يزيد بن أبي خالد" ، وزيادة"بن" خطأ .
أبو العلاء الأودي : هو داود بن عبد الله الأودي الزعافري . وهو ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما . وأخطأ من خلط بينه وبين"داود بن يزيد الأودي ، عم ابن إدريس" . "الزعافري" : نسبة إلى"الزعافر" ، وهم بطن من"أود" .
حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري : تابعي ثقة ، أخرج له الأئمة الستة .
والحديث رواه أيضًا البيهقي 7 : 323 ، من طريق العباس بن محمد الدوري ، عن مالك بن إسماعيل ، وهو أبو غسان النهدي ، عن عبد السلام بن حرب ، به . وآخره عنده : "طلقوا المرأة في قبل طهرها" . وقوله في الإسناد الثاني : "أنه قال : لم يقول أحدكم لامرأته" - في المطبوعة"لهم" بدل"لم" . والظاهر أنها خطأ ، فصححناه من رواية البيهقي .
وإسنادا الطبري هذان صحيحان . وكذلك إسناد البيهقي . ونقله ابن كثير 1 : 554 ، عن إسناد الطبري الأول ، ثم أشار إلى الثاني . ونقله السيوطي 1 : 285 - 286 ، ونسبة لابن ماجه ، وابن جرير ، والبيهقي . ثم نقله بنحوه 6 : 230 ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن مردويه .
ورواية ابن ماجه ليست بهذا اللفظ ، ولا من هذا الوجه . فرواه ابن ماجه : 2017 ، عن محمد بن بشار ، عن مؤمل بن إسماعيل ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، مرفوعا : "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله؟ يقول أحدهم : قد طلقتك ، قد راجعتك ، قد طلقتك!!" وقال البوصيري في زوائده : "إسناده حسن ، مؤمل بن إسماعيل اختلف فيه ، فقيل : ثقة . وقيل : كثير الخطأ ، وقيل : منكر الحديث" .
وقد أخطأ البوصيري من وجهين . فإن مؤمل بن إسماعيل ثقة ، كما بينا في : 2057 . ثم هو لم ينفرد بروايته حتى يعل به .
فقد رواه البيهقي 7 : 322 ، من طريق موسى بن مسعود النهدي ، عن سفيان ، وهو الثوري ، بهذا الإسناد . ثم رواه أيضًا من طريق مؤمل بن إسماعيل ، عن الثوري . وموسى بن مسعود : ثقة ، كما بينا في : 280 ، 1693 .
(14) في المطبوعة : "من كتابه ذلك القرآن" ، وهو سهو من الكاتب والصواب من المخطوطة .
(15) في المطبوعة والمخطوطة : "ويعلمكم الكتاب" ، وصوابها هنا ما أثبت .
(16) انظر ما سلف 3 : 87 ، 88 .
(17) في المطبوعة : "ولا تظلموا أنفسكم" ، والصواب من المخطوطة بحذف"لا" .