At-Tabari
· Al-BaqaraOuvrir dans le lecteurوَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " ويسألونك عن المحيض "، ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض.
* * *
وقيل : " المحيض " ، لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل، وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل: " ضرَب يضرِب، وحبَس يحبِس، ونـزل ينـزل "، فإن العرب تبني مصدره على " المفعَل " والاسم على " المفعِل "، مثل " المضرَب، والمضرِب " من " ضربتُ"،" ونـزلت منـزلا ومنـزلا ". ومسموع في ذوات الياء والألف والياء،" المعيش والمعاش " و " المعيبُ والمعاب " ، كما قال رؤبة في المعيش:
إلَيْـــكَ أَشْـــكُو شِــدَّةَ المَعيشِ
وَمَــرَّ أَعْــوَامٍ نَتَفْــنَ رِيشِــي (44)
* * *
وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذُكر لنا - عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهنَّ في إناء ولا يشاربونهن. فعرَّفهم الله بهذه الآية، أنّ الذي عليهم في أيام حيض نسائهم : أن يجتنَّبوا جماعهن فقط، دون ما عدا ذلك من &; 4-373 &; مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن، كما :-
4231 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ويسألونك عن المحيض " حتى بلغ: حَتَّى يَطْهُرْنَ فكان أهلُ الجاهلية لا تساكنهم حائضٌ في بيت، ولا تؤاكلهم في إناءٍ، فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرَّم فرْجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك، إذا كان عليها إزارٌ محتجزةً به دونك. (45)
4232 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن، فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم - إذا تطهَّرن من حيضهن - في إتيانهن من حيث أمرَهم باعتزالهنَّ، وحرم إتيانهن في أدبارهنَّ بكل حال.
* ذكر من قال ذلك:
4233 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد قال، كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنـزل الله: " ويسألونك عن المحيض " إلى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ - في الفرج لا تعدوه. (46)
* * *
&; 4-374 &;
وقيل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري.
4234 - حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذًى
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض : " هو أذى ".
* * *
" والأذى " هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى " أذى " لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض.
فقال بعضهم : قوله: " قل هو أذى "، قل هو قَذَر.
* ذكر من قال ذلك:
4235 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " قل هو أذى "، قال: أما " أذى " فقذرٌ.
4236 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " قل هو أذى "، قال: " قل هو أذى " ، قال: قذرٌ.
* * *
&; 4-375 &;
وقال آخرون: قل هو دمٌ.
* ذكر من قال ذلك:
4237 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى "، قال: الأذى الدم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض "، فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ، كما:-
4238 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض "، يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ.
* * *
واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض.
فقال بعضهم: الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.
* ذكر من قال ذلك:
4239 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى. (47)
&; 4-376 &;
4240 - حدثني تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، حدثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين. (48)
4241 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردَّ عليها من ثوبه، ردَّ عليها منه.
* * *
&; 4-377 &;
واعتل قائلو هذه المقالة: بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ.
* * *
وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم.
* ذكر من قال ذلك:
4242 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال، حدثنا مروان الأصفر، عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. (49)
&; 4-378 &;
4243 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سعيد بن زريع قال، حدثنا سعيد = وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد = عن قتادة قال: ذكر لنا عن عائشة أنها قالت: وأين كان ذو الفراشَين وذو اللحافين؟! (50)
4244 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت : فرجها. (51)
4245 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أنّ مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته. فقالت عائشة: أبو عائشة! مرحبًا! فأذنوا له فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي! فقالت: إنما أنا أمُّك، وأنت ابني! فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها. (52)
4246 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار. (53)
&; 4-379 &;
4247 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار.
4248 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال: سألتُ عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج. (54)
4249 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال، قال ابن عباس: إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكفُّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها. (55)
4250 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: ما فوق الإزار.
4251 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتق من الدم مثل موضع النعل. (56)
&; 4-380 &;
4252 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة. (57)
4253 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج - يعني وهي حائض.
4254 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: يبيتان في لحاف واحد - يعني الحائض - إذا كان على الفرج ثوب.
4255 - حدثنا تميم قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث قال: تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيث شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض. (58)
4256 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ قال: إذا كفَّت الأذى.
4257 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني &; 4-381 &; عمران بن حدير قال، سمعت عكرمة يقول، كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم.
* * *
قال أبو جعفر : وعلة قائل هذه المقالة، قيامُ الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساءَ في المحيض "، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.
* * *
وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها.
* ذكر من قال ذلك:
4258 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح قال : له ما فوق السرة - وذكر الحائض.
4259 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار.
4260 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قال شريح: له ما فوق سُرَّتها.
4261 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد &; 4-382 &; بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: سئل سعيد بن المسيب: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما فوق الإزار.
* * *
وعلة من قال هذه المقالة، صحةُ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:-
4262 - حدثني به ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا سليمان الشيباني = وحدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الشيباني = قال حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت ".
4263 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار. (59)
4264 - حدثني سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.
4265 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرَها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر، ثم يباشرها. (60)
&; 4-383 &;
ونظائر ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب (61)
قالوا: فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم. (62)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك. (63) فقرأه بعضهم: " حتى يطهرن " بضم " الهاء " وتخفيفها. وقرأه آخرون بتشديد " الهاء " وفتحها.
وأما الذين قرءوه بتخفيف " الهاء " وضمها، فإنهم وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن. وقال بهذا التأويل جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
4266 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، قال: انقطاع الدم.
&; 4-384 &;
4267 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، - أو عثمان بن الأسود - : " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، حتى ينقطع الدم عنهن.
4268 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، قال: حتى ينقطع الدم. (64)
* * *
وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد " الهاء " وفتحها، فإنهم عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا " الطاء " لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت " التاء " في" الطاء " لتقارب مخرجيهما.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ( حَتَّى يَطَّهَّرْنَ ) بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر.
* * *
وإنما اختُلف في" التطهر " الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.
فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها. (65)
وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.
وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.
* * *
&; 4-385 &;
فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف " الهاء " وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، (66) وقبل اغتسالها وتطهُّرها.
* * *
فتأويل الآية إذًا: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا جماع نسائكم في وقت حيضهنّ، ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " فإذا تطهَّرن فأتوهن "، فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء فجامعوهن.
* * *
فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟
قيل: لا.
فإن قال: فما معنى قوله إذًا: " فأتوهن " ؟
قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [ سورة المائدة: 2 ]، وقوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [ سورة الجمعة: 10 ]، وما أشبه ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " فإذا تطهرن " .
فقال بعضهم: معنى ذلك، فإذا اغتسلن.
* ذكر من قال ذلك:
&; 4-386 &;
4269 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاومة بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإذا تطهَّرن " يقول: فإذا طهُرت من الدم وتطهَّرت بالماء.
4270 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فإذا تطهرن "، فإذا اغتسلن. (67)
4271 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: " فإذا تطهرن "، يقول: اغتسلن.
4272 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو عثمان بن الأسود:-" فإذا تطهرن "، إذا اغتسلن.
4273 - حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عامر، عن الحسن: في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة. (68)
4275 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيره، عن إبراهيم: أنه كره أن يطأها حتى تغتسل - يعني المرأة إذا طهُرت.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك : فإذا تطهَّرن للصلاة.
* ذكر من قال ذلك:
4276 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث، عن طاوس ومجاهد أنهما قالا إذا طهُرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرَها &; 4-387 &; بالوضوء قبل أن تغتسل - إذا أدركه الشَّبَق فليُصب.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال : معنى قوله : " فإذا تطهَّرن "، فإذا اغتسلن، لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهرَ الذي يحل لها به الصلاة. وإن القولَ لا يخلو في ذلك من أحد أمرين :
= إما أن يكون معناه: فإذا تطهَّرن من النجاسة فأتوهن.
فإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها، إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة. هذا، إن كان قوله: " فإذا تطهَّرن " جائزًا استعماله في التطهُّر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام.
= أو يكون معناه: فإذا تطهَّرن للصلاة. وفي إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، (69) إذا لم يكن هنالك نجاسة، دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته = أدلُّ الدليل على أن معناه: فإذا تطهرن الطهرَ الذي يجزيهن به الصلاة.
وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا: من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله: " فإذا تطهرن "، فإذا اغتسلن فصرن طواهرَ الطهرَ الذي يجزيهنّ به الصلاة.
* * *
&; 4-388 &;
القول في تأويل قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك : الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض. (70)
* ذكر من قال ذلك:
4277 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ.
4278 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدَى.
4279 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوا.
4280 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو : يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ قال: بلى! فقرأ: وَيَسْأَلُونَكَ &; 4-389 &; عَنِ الْمَحِيضِ حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، منْ ثَمَّ أمِرت أن تأتي. (71)
4281 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن عثمان، عن مجاهد قال: دبُر المرأة مثله من الرجل، ثم قرأ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ إلى " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن. (72)
4282 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: أمِروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه.
4283 - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، في الفرج، ولا تعْدوه.
4284 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: إذا تطهرن فأتوهن من حيث نُهي عنه في المحيض.
4285 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو: عثمان بن الأسود-: " فأتوهن من حيث أمركم الله " باعتزالهنّ منه.
4286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، أي : من الوجه الذي يأتي منه المحيض، طاهرًا غيرَ حائض، ولا تعدوا ذلك إلى غيره.
&; 4-390 &;
4287 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: طواهرَ من غير جماع ومن غير حيض، من الوجه الذي يأتي [ منه ] المحيض، ولا يتعدَّه إلى غيره = قال سعيد: ولا أعلمه إلا عن ابن عباس. (73)
4288 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، من حيث نُهِيتم عنه في المحيض = وعن أبيه، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، من حيث نُهيتهم عنه، واتقوا الأدبار.
4289 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: في الفرج.
* * *
وقال آخرون: معناها: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. (74)
* ذكر من قال ذلك:
4290 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، &; 4-391 &; حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يعني أن يأتيها طاهرًا غيرَ حائض.
4291 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قُبْل الطهر. (75)
4292 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بمثله.
4293 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: ائتوهنّ من عند الطهر.
4294 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا علي بن هاشم، عن الزبرقان، عن أبي رزين: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قُبْل الطهر، ولا تأتوهن من قُبْل الحيضة. (76)
4295 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض. (77)
4296 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال يقول: طواهر غيرَ حُيَّض. (78)
4297 - حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 4-392 &; أسباط، عن السدي قوله: " من حيث أمركم الله "، من الطهر.
4298 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " فأتوهن "، طُهَّرًا غير حيَّض. (79)
4299 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: ائتوهن طاهرات غير حُيَّض.
4300 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: طهَّرًا غير حيَّض في القُبُل. (80)
* * *
وقال آخرون: بلى معنى ذلك: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور.
* ذكر من قال ذلك:
4301 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر الأسدي، عن ابن الحنفية: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك عندي قولُ من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن. وذلك أن كل أمر بمعنى، فنهيٌ عن خلافه وضده. وكذلك النهي عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، فأتوهن من قِبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله في حال حيضهن - لوجب أن يكون قوله: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ، &; 4-393 &; تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم، دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن.
وفي إجماع الجميع = : على أن الله تعالى ذكره لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرَّمه في حال الطُّهر، ولا حرِّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله في حال الحيض = ما يُعلم به فسادُ هذا القول.
وبعد، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة، لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله = (81) حتى يكون معنى الكلام حينئذ على التأويل الذي تأوله، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن في فروجهن. لأنّ الكلام المعروفَ إذا أريد ذلك، أن يقال: " أتى فلان زَوجته من قِبَل فرجها " - ولا يقال: أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبَل فرجها في مكان غير الفرج.
* * *
فإن قال لنا قائل: فإنَّ ذلك وإنْ كان كذلك، فليس معنى الكلام: فأتوهن في فروجهن - وإنما معناه : فأتوهن من قِبَل قُبُلهن في فروجهن - ، كما يقال: " أتيتُ هذا الأمرَ من مَأتاه " .
قيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك على ما زعمتم، فقد يجب أن يكون معنى قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، غير الذي زعمتم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم، ومن حيث أمِرتم باعتزالهن - ولكن الواجبُ أن يكون تأويلُه على ذلك: فأتوهن من قبل وُجوههنّ في أقبالهن، كما كان قول القائل: " ائت الأمر من مأتاه " ، إنما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب. &; 4-394 &; فكذلك يجب أن يكون مأتى الفرج - الذي أمر الله في قولهم بإتيانه - غير الفرج. (82)
وإذا كان كذلك، وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههن في فروجهن - وجب أن يكون على قولهم محرَّمًا إتيانهن في فروجهن من قِبل أدبارهن. وذلك إن قالوه، خرج من قاله من قِيل أهل الإسلام، وخالف نص كتاب الله تعالى ذكره، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك أن الله يقول: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، وأذن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إتيانهن في فروجهن من قبل أدبارهن.
فقد تبين إذًا إذْ كان الأمر على ما وصفنا، فسادُ تأويل من قال ذلك: فأتوهن في فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهنّ في حال حيضهن = وصحةُ القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن في فروجهنّ من الوجه الذي أذن الله لكم بإتيانهن، وذلك حال طهْرهن وتطهُّرهن، دون حال حيضهن.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " إن الله يحب التوابين "، المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته. وقد بينا معنى " التوبة " قبل. (83)
* * *
واختلف في معنى قوله: " ويحب المتطهِّرين " .
فقال بعضهم: هم المتطهِّرون بالماء.
* ذكر من قال ذلك:
&; 4-395 &;
4302 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا طلحة، عن عطاء قوله: " إن الله يحب التوابين "، قال: التوابين من الذنوب =" ويحب المتطهرين " = قال: المتطهرين بالماء للصلاة.
4303 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا طلحة، عن عطاء، مثله.
4304 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: " إن الله يحب التوابين " من الذنوب، لم يصيبوها =" ويحب المتطهرين "، بالماء للصلوات. (84)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك : " إن الله يحب التوابين " ، من الذنوب =" ويحب المتطهرين " ، من أدبار النساء أن يأتوها.
* ذكر من قال ذلك:
4305 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت سليمان مولى أم علي قال، سمعت مجاهدًا يقول: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين. (85)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " ويحب المتطهرين " ، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها.
* ذكر من قال ذلك:
&; 4-396 &;
4306 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " يحب التوابين "، من الذنوب، لم يصيبوها =" ويحب المتطهرين "، من الذنوب، لا يعودون فيها.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: " إنّ الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة ". لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه.
وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر أمرَ المحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها في جاهليتهم : من تركهم مساكنة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده. فلما استفتى أصحابُ رسولِ الله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، (86) أوحى الله تعالى إليه في ذلك، فبيَّن لهم ما يكرهه مما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته، تائبًا مما يكرهه.
وكان مما بيَّن لهم من ذلك، (87) أنه قد حرّم عليهم إتيان نسائهم وإن طهُرن من حيضهن حتى يغتسلن، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ، فإن الله يحب المتطهرين = يعني بذلك : المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة، والمتطهرات بالماء - من الحيض والنفاس والجنابة والأحداث - من النساء.
* * *
وإنما قال: " ويحب المتطهرين " - ولم يقل " المتطهرات " - وإنما جرى قبل ذلك ذكرُ التطهر للنساء، لأن ذلك بذكر " المتطهرين " يجمع الرجال والنساء. ولو ذكر ذلك بذكر " المتطهرات " ، لم يكن للرجال في ذلك حظ، وكان للنساء خاصة. فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميعَ عباده المكلفين، إذ كان قد &; 4-397 &; تعبَّد جميعَهم بالتطهر بالماء، وإن اختلفت الأسباب التي توجب التطهر عليهم بالماء في بعض المعاني، واتفقت في بعض.
------------------
(44) ديوانه : 78 ، من قصيدة يمدح فيها الحارث بن سليم الهجيمي ، وبين البيتين في الديوان :
* دَهْـرًا تَنَفَّـى المُـخَّ بِالتَّمْشِـيشِ *
ورواية الديوان ، بعده :
وَجَــهْدَ أَعْــوَامٍ بَــرَيْنَ رِيشِـي
نَتْـفَ الحُبَـارى عَـنْ قَـرًى رَهِيشِ
(45) احتجز بالإزار : إذا شده على وسطه . والحجزة (بضم الحاء وسكون الجيم) : موضع شد الإزار ، ثم يسمى الإزار نفسه حجزة ، وجمعه حجز .
(46) في المطبوعة : "ولا تعدوه" ، والصواب في المخطوطة بحذف الواو .
(47) الأثر : 4239- في المطبوعة والمخطوطة : "اللحاف واحد والفراش شتى" . وهو باطل المعنى ، وسيأتي على الصواب من طريق آخر برقم : 4241 .
(48) الحديث : 4240- يزيد : هو ابن هرون . محمد : هو ابن إسحاق . ندبد مولاة آل عباس : هي مولاة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ، خالة ابن عباس . فلعلها نسبت هنا"مولاة آل عباس" للقرابة بين ابن عباس وميمونة . وهي ثقة ، ذكرها ابن حبان في الثقات ص : 359 ، ولكنه وهم إذ ذكر أنه يروي عنها الزهري؛ والزهري روى عنها بالواسطة . وترجمها ابن سعد 8 : 364 . وذكرها ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة .
واختلف في ضبط اسمها ، فقيل بضم النون أو فتحها مع سكون الدال ثم فتح الباء الموحدة . وقيل بدية" بضم الباء الموحدة ثم فتح الدال ثم فتح الياء التحتية المشددة .
والحديث رواه أحمد في المسند 6 : 332 (حلبي) عن يزيد بن هرون ، بهذا الإسناد ، نحوه ، مع بعض اختصار . وهو في روايته عن ميمونة جزمًا ، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة . وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري ، أو من شيخه تميم بن المنتصر .
ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث"عن الزهري ، عن عروة" . ولعل الخطأ من يزيد بن هرون . والصواب أنه"عن الزهري ، عن حبيب مولى عروة ، عن ندبة" . وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد ، كما سيأتي . ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة ، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير .
و"حبيب مولى عروة" : هو حبيب الأعور ، مولى عروة بن الزبير . وهو تابعي ثقة ، قال ابن سعد : "مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية" . وأخرج له مسلم في صحيحه .
والحديث رواه -على الصواب- البيهقي في السنن الكبرى 1 : 313 ، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن الزهري ، قال : "أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير ، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس . . . " ، فذكره مطولا .
ثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب ، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس .
فرواه أحمد في المسند 6 : 332 (حلبي) ، عن حجاج وأبي كامل ، عن الليث ، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة ، ولم يذكر لفظه ، وأحاله على الرواية السابقة . ثم رواه بعد ذلك ، ص : 335- 336 ، عن حجاج وأبي كامل ، بالإسناد نفسه . وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة ، دون القصة .
وكذلك رواه أبو داود : 267 ، وابن حبان في صحيحه 2 : 569 (مخطوطة الإحسان) . والبيهقي 1 : 313 - كلهم من طريق الليث بن سعد ، به . وكذلك رواه النسائي 1 : 54- 55 ، 67 ، من طريق يونس والليث- كلاهما عن ابن شهاب ، به مختصرًا .
فعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق -هنا وعند أحمد-"عن الزهري ، عن عروة" خطأ .
(49) الحديث : 4242- مروان الأصفر ، أبو خلف : تابعي ثقة : و"الأصفر" : بالفاء ، ووقع في المطبوعة بالغين . وهو تحريف .
مسروق بن الأجدع الهمداني : تابعي كبير ثقة ، من سادات التابعين وفقهائهم .
وهذا الحديث نقله ابن كثير 1 : 510 عن هذا الموضع . وكذلك نقله السيوطي 1 : 260 ، ولم ينسباه لغير الطبري .
وهو عندنا حديث مرفوع بالمعنى ، وإن كان لفظه موقوفًا على عائشة . لأن الصحابي إذا حكى عما يحل ويحرم فالثقة به أن لا يحكي ذلك إلا عمن يؤخذ عنه الحلال والحرام ، وهو معلم الخير ، صلى الله عليه وسلم . وهذا عند الإطلاق ، إلا أن تدل دلائل على أنه يقول ذلك اجتهادًا واستنباطًا من دلائل الكتاب والسنة . وانظر الأحاديث التالية لهذا .
(50) في المخطوطة : "وأينا كان . . . " .
(51) الحديث : 4244- سالم ابن أبي الجعد : تابعي ثقة معروف ، أخرج له الأئمة الستة . وهذا الحديث في معنى الحديث السابق : 4242 ، من وجه آخر ، وبلفظ آخر . وإسناده صحيح .
(52) الحديث : 4245- وهذا في معنى الحديثين السابقين ، مع تفصيل في قصة السؤال والجواب . وإسناده صحيح أيضًا .
(53) الحديث : 4246- ابن أبي زائدة : هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، مضى في : 2338 . حجاج : هو ابن أرطأة .
وهذا في معنى ما قبله .
(54) الحديث : 4248- هكذا وقع هذا الإسناد هنا . وهو إسناد ناقص على اليقين . فإن"أبا معشر" : هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي ، وهو يروي عن التابعين . وهو ثقة ، ولكنه لم يدرك عائشة ، فلا يمكن أن يقول : "سألت عائشة" .
وصواب الإسناد ، كما في المحلى لابن حزم 2 : 183"روينا عن أيوب السختياني ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم النخعي ، عن مسروق ، قال : سألت عائشة : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قالت : كل شيء إلا الفرج" . فسقط من الإسناد رجلان : إبراهيم النخعي ، ومسروق ، وهو الذي سأل عائشة . وهكذا ذكره ابن حزم ، فلم يذكر إسناده إلى أيوب .
وقد رواه الطحاوي في معاني الآثار 2 : 22 ، بإسناده ، من طريق عمرو بن خالد ، عن عبيد الله -وهو ابن عمرو الرقى الجزري-"عن أيوب ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، عن عائشة" . ولم يذكر لفظه ، إحالة على رواية أخرى قبله ، بمعناه .
(55) الخبر : 4249 -هذا إسناد منقطع- محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : تابعي ثقة معروف . ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة ، كما صرح بذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 32/184 .
(56) الخبر : 4251- الحكم بن فضيل ، أبو محمد الواسطي : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره . مترجم في الكبير 1/2/337 ، وابن أبي حاتم 1/2/126- 127 ، والتعجيل ، والميزان ، ولسان الميزان . وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 8 : 221- 223 . والبخاري لم يذكر فيه حرجًا .
والخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 1 : 314 ، من طريق الحسن بن مكرم . عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، بهذا الإسناد .
(57) الحديث : 4252 - هذا إسناد صحيح . وهو وإن كان موقوفًا على أم سلمة ، فإن معناه ثابت عنها مرفوعًا أيضًا :
فروى البيهقي 1 : 311 ، من طريق يزيد بن زريع ، "حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أم سلمة : أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحاف ، فأصابها الحيض ، فقال لها : قومي فاتزري ثم عودي" .
وثبت نحو معناه عن أم سلمة أيضًا ، بأطول من هذا ، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، مرفوعًا . رواه مسلم 1 : 95 ، والبيهقي 1 : 311 ، وذكر أنه أخرجه البخاري ومسلم .
(58) في المطبوعة : "حيثما شئت" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(59) الحديثان : 4262 ، 4263 - حفص : هو ابن غياث ، الشيباني سليمان : هو أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان . وسفيان في الحديث الثاني : هو الثوري .
والحديثان في معنى واحد . وقد ذكره ابن كثير 1 : 511 ، بلفظ أولهما عن الصحيحين ، وكذلك ذكره السيوطي 1 : 259 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة . وأبي داود ، والبيهقي . وانظر البخاري 1 : 64 ، ومسلم 1 : 95 ، والسنن الكبرى 1 : 311 .
(60) الحديثان : 4264 ، 4265- هما حديث واحد بإسنادين . وذكره السيوطي 1 : 259 ، عن ابن أبي شيبة ، والصحيحين ، وأبي داود ، وابن ماجه ، بزيادة في آخره . وانظر البخاري 1 : 63 . ومسلم 1 : 95 ، وأبا داود : 112 ، 113 ، والنسائي 1 : 54 ، 67 ، والبيهقي 1 : 310- 311 .
(61) في المخطوطة : "جميع ذكرها" ، والصواب ما في المطبوعة .
(62) في المخطوطة إسقاط قوله : "لهم" .
(63) في المطبوعة : "اختلف القراء" ، وقد مضى مثل ذلك مرارًا ، وتركناه في بعض المواضع كما هو في المطبوعة . ولكنا سنقيمه منذ الآن على المخطوطة دون الإشارة إليه بعد هذا الموضع إلى آخر الكتاب ، إن شاء الله .
(64) الأثر : 4268-"عبيد الله العتكي" هو عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي ، رأى أنسًا ، وروى عن عكرمة وسعيد بن جبير وغيرهما من التابعين .
(65) في المطبوعة : "ولا يحل . . . " بزيادة الواو .
(66) في المطبوعة : "أن للزوج غشيانها" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(67) الأثر : 4270- كان في المطبوعة : "محمد بن مهدي" ، وهو خطأ ، وزيادة فاسدة والصواب من المخطوطة . و"ابن مهدي" هو عبد الرحمن بن مهدي . الإمام العلم ، قال الشافعي : لا أعرف له نظيرًا في الدنيا . مات سنة 198 - مترجم في التهذيب وغيره .
(68) سقط من الترقيم : 4274
(69) في المخطوطة والمطبوعة : "في إجماع الجميع" بإسقاط الواو ، والسياق يوجبها ، وهذا سياقها؛"وفي إجماع الجميع . . . أدل الدليل . . . "
(70) "الإتيان" : كناية عن اسم"الجماع" وسيأتي تفسير ذلك في ص : 398
(71) في المطبوعة : "ثم أمرت" بحذف"من" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة ، ومما سيأتي رقم : 4325 . بمعنى : هناك . وسيأتي الخبر بتمامه في رقم : 4325 . وسنذكر فيه ترجمة رجاله .
(72) الأثر : 4281 - في المطبوعة : "عمرة عن مجاهد" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة . و"ابن أبي زائدة" ، هو يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة . و"عثمان" ، هو عثمان بن الأسود مولى بني جمح ، وقد سلفت روايته عن مجاهد ، أقربها رقم : 2782 .
(73) قوله : "طواهر" جمع امرأة"طاهر" ، وليس في كتب اللغة بل فيه"طاهرات" ولكنه جمع قياسي ، مثل حامل وحوامل ، وسيأتي في رقم : 4295 ، 4296 ، وسيأتي جمعها على"طهر" رقم 4298 ، 4300 . وفي المطبوعة : "ولا يتعدى إلى غيره" والصواب من المخطوطة .
(74) "قبل" (بضم فسكون) ، يقال : "كان ذلك في قبل الشتاء وقبل الصيف" ، أي في أوله وعند إقباله . وفي الحديث : "طلقوا النساء لقبل عدتهن" - ويروى : "في قبل طهرهن" أي في إقباله وأوله ، وحين يمكنها الدخول في العدة ، والشروع فيها ، فتكون لها محسوبة . وذلك في حالة الطهر . وكذلك قوله هنا : "من قبل الطهر" ، أي : في حال الطهر .
(75) انظر ص 390 ، تعليق : 2 .
(76) في المطبوعة : "الحيض" وأثبتنا ما في المخطوطة .
(77) انظر ما سلف رقم : 4287 ، والتعليق عليه .
(78) انظر ما سلف رقم : 4287 ، والتعليق عليه .
(79) قوله"طهر" ، جمع امرأة"طاهر" ، وهو جمع قياسي لم تذكره المعاجم كالذي سلف"طواهر" و"فاعل" الصفة ، إذا كانت فيه"تاء" ظاهرة ، مثل"ضاربة" - أو مقدرة مثل حائض فقياسه : "فواعل" ، و"فعل" (بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها) .
(80) قوله"طهر" ، جمع امرأة"طاهر" ، وهو جمع قياسي لم تذكره المعاجم كالذي سلف"طواهر" و"فاعل" الصفة ، إذا كانت فيه"تاء" ظاهرة ، مثل"ضاربة" - أو مقدرة مثل حائض فقياسه : "فواعل" ، و"فعل" (بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها) .
(81) في المخطوطة والمطبوعة : "من حيث أمركم الله" ، وهو نص الآية ، ولكنه أراد"في حيث" ، كما يدل عليه سائر كلامه ، فلذلك أثبتها على الصواب إن شاء الله .
وانظر ما يؤيد ذلك أيضًا في معاني القرآن للفراء 1 : 143 .
(82) في المخطوطة : "فكذلك يجب مأتى الفرج" ، وفي المطبوعة : "فكذلك يجب أن مأتى الفرج" والذي أثبته أشبه بالسياق وبالصواب .
(83) انظر ما سلف 1 : 547/ 2 : 72- 73/ 3 : 81 ، 259- 261 .
(84) في المطبوعة : "للصلاة" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(85) الأثر : 4305-"إبراهيم بن نافع" المخزومي المكي ، روى عن ابن أبي نجيح ، وكثير بن كثير ، وعطاء بن أبي رباح ، وعدة . روى عنه أبو عامر العقدي وأبو نعيم وغيرهما . كان حافظًا ، وكا أوثق شيخ بمكة ، وهو ثقة ، وكان أحمد يطريه . و"سليمان مولى أم علي" ، هو سليم المكي ، أبو عبد الله ، روى عن مجاهد . وعنه إبراهيم بن نافع وابن جريج وجماعة ، صدوق من كبار أصحاب مجاهد . وكلاهما مترجم في التهذيب .
(86) في المطبوعة : "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك" بإسقاط"رسول الله" الثانية وأثبت الصواب من المخطوطة .
(87) في المخطوطة والمطبوعة : "مع ذلك" ، والذي أثبته هو الصواب الحق .
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٢٣﴾
نساؤكم حرث لكم
القول في تأويل قوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم } يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم مزدرع أولادكم , فأتوا مزدرعكم كيف شئتم , وأين شئتم . وإنما عنى بالحرث المزدرع , والحرث هو الزرع , ولكنهن لما كن من أسباب الحرث جعلن حرثا , إذ كان مفهوما معنى الكلام . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 3446 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا ابن المبارك , عن يونس , عن عكرمة , عن ابن عباس : { فأتوا حرثكم } قال : منبت الولد . 3447 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { نساؤكم حرث لكم } أما الحرث فهي مزرعة يحرث فيها .فأتوا حرثكم أنى شئتم
القول في تأويل قوله تعالى : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يعني تعالى ذكره بذلك : فانكحوا مزدرع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى . والإتيان في هذا الموضع كناية عن اسم الجماع . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { أنى شئتم } فقال بعضهم : معنى أنى : كيف . ذكر من قال ذلك : 3448 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن عطية , قال : ثنا شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض . * - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قوله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : ائتها أنى شئت مقبلة ومدبرة , ما لم تأتها في الدبر والمحيض . 3449 - حدثنا علي بن داود قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يعني بالحرث : الفرج , يقول : تأتيه كيف شئت مستقبلة ومستدبرة وعلى أي ذلك أردت بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره , وهو قوله : { فأتوهن من حيث أمركم الله } . 3450 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن عبد الكريم , عن عكرمة : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء ما لم يعمل عمل قوم لوط . 3451 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا الحسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء , واتق الدبر والحيض . 3452 - حدثني عبيد الله بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , قال : ثني يزيد أن ابن كعب كان يقول : إنما قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : ائتها مضطجعة وقائمة ومنحرفة ومقبلة ومدبرة كيف شئت إذا كان في قبلها . 3453 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن مرة الهمداني , قال : سمعته يحدث : أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين , فقال له : أيأتي أحدكم أهله باركا ؟ قال : نعم , قال : فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فنزلت هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : كيف شاء بعد أن يكون في الفرج . 3454 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئت قائما أو قاعدا أو على جنب إذا كان يأتيها من الوجه الذي يأتي منه المحيض , ولا يتعدى ذلك إلى غيره . 3455 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ائت حرثك كيف شئت من قبلها , ولا تأتيها في دبرها , { أنى شئتم } قال : كيف شئتم . 3456 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا عمرو بن الحارث , عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن علي حدثه : أنه بلغه أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يوما ورجل من اليهود قريب منهم , فجعل بعضهم يقول : إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة , ويقول الآخر : إني لآتيها وهي قائمة , ويقول الآخر : إني لآتيها على جنبها وباركة فقال اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم , ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم } فهو القبل . وقال آخرون : معنى : { أنى شئتم } من حيث شئتم , وأي وجه أحببتم . ذكر من قال ذلك : 3457 - حدثنا سهل بن موسى الرازي , قال : ثنا ابن أبي فديك , عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي , عن داود بن الحصين , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكره أن تؤتى المرأة في دبرها ويقول : إنما الحرث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض . وينهى عن إتيان المرأة في دبرها ويقول : إنما نزلت هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : من أي وجه شئتم . 3458 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن واضح , قال : ثنا العتكي , عن عكرمة : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : ظهرها لبطنها غير معاجزة , يعني الدبر . 3459 - حدثنا عبيد الله بن سعد , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن يزيد , عن الحارث بن كعب , عن محمد بن كعب , قال : إن ابن عباس كان يقول : اسق نباتك من حيث نباته . 3460 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : من أين شئتم . ذكر لنا والله أعلم أن اليهود قالوا : إن العرب يأتون النساء من قبل أعجازهن , فإذا فعلوا ذلك جاء الولد أحول ; فأكذب الله أحدوثتهم , فقال : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . 3461 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد قال : يقول : ائتوا النساء في [ غير ] أدبارهن على كل نحو , قال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح قال : تذاكرنا هذا عند ابن عباس , فقال ابن عباس : ائتوهن من حيث شئتم مقبلة ومدبرة فقال رجل : كأن هذا حلال . فأنكر عطاء أن يكون هذا هكذا , وأنكره , كأنه إنما يريد الفرج مقبلة ومدبرة في الفرج . وقال آخرون : معنى قوله : { أنى شئتم } متى شئتم . ذكر من قال ذلك : 3462 - حدثنا عن حسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : متى شئتم . 3463 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثنا أبو صخر , عن أبي معاوية البجلي , وهو عمار الدهني , عن سعيد بن جبير أنه قال : بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس , أتاه رجل فوقف على رأسه , فقال : يا أبا العباس - أو يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض ؟ فقال : بلى ! فقرأ : { ويسألونك عن المحيض } حتى بلغ آخر الآية , فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي , فقال له الرجل : يا أبا الفضل كيف بالآية التي تتبعها { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ؟ فقال : إي ويحك وفي الدبر من حرث ؟ لو كان ما تقول حقا لكان المحيض منسوخا إذا اشتغل من ههنا جئت من ههنا ! ولكن أنى شئتم من الليل والنهار . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أين شئتم , وحيث شئتم . ذكر من قال ذلك : 3464 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ابن عون , عن نافع , قال : كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم , قال : فقرأت ذات يوم هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : أتدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قلت : لا , قال : نزلت في إتيان النساء في أدبارهن . * - حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم , قال : ثنا أبو عمر الضرير , قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم , صاحب الكرابيسي , عن ابن عون , عن نافع , قال : كنت أمسك على ابن عمر المصحف , إذ تلا هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : أن يأتيها في دبرها . 3465 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا عبد الملك بن مسلمة , قال : ثنا الدراوردي , قال : قيل لزيد بن أسلم : إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن فقال زيد : أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله . 3466 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر , قال : ثني عبد الرحمن بن القاسم , عن مالك بن أنس , أنه قيل له : يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم : " وكذب العبد أو العلج على أبي " , فقال مالك : أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني , عن سالم بن عبد الله , عن ابن عمر مثل ما قال نافع . فقيل له : إن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر , فقال له : يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري , فنحمض لهن ؟ فقال : وما التحميض ؟ قال : الدبر فقال ابن عمر : أف أف , يفعل ذلك مؤمن ؟ أو قال مسلم . فقال مالك : أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع . 3467 - حدثني محمد بن إسحاق , قال : أخبرنا عمرو بن طارق , قال : أخبرنا يحيى بن أيوب , عن موسى بن أيوب الغافقي , قال : قلت لأبي ماجد الزيادي : إن نافعا يحدث عن ابن عمر : في دبر المرأة فقال : كذب نافع , صحبت ابن عمر ونافع مملوك , فسمعته يقول : ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا . 3468 - حدثني أبو قلابة قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثني أبي , عن أيوب , عن نافع , عن ابن عمر : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : في الدبر . 3469 - حدثني أبو مسلم , قال : ثنا أبو عمر الضرير , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال ثنا روح بن القاسم , عن قتادة قال : سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن , فقال : هل يفعل ذلك إلا كافر قال روح : فشهدت ابن أبي مليكة يسأل عن ذلك , فقال : قد أردته من جارية لي البارحة فاعتاص علي , فاستعنت بدهن أو بشحم , قال : فقلت له : سبحان الله أخبرنا قتادة أن أبا الدرداء قال : هل يفعل ذلك إلا كافر ! فقال : لعنك الله ولعن قتادة ! فقلت : لا أحدث عنك شيئا أبدا , ثم ندمت بعد ذلك . واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم بما : 3470 - حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى , عن سليمان بن بلال , عن زيد بن أسلم , عن ابن عمر : أن رجلا أتى امرأته في دبرها , فوجد في نفسه من ذلك , فأنزل الله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . 3471 - حدثني يونس , قال : أخبرني ابن نافع , عن هشام بن سعد , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار : أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنكر الناس ذلك وقالوا : أثفرها فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . وقال آخرون : معنى ذلك : ائتوا حرثكم كيف شئتم , إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا . ذكر من قال ذلك : 3472 - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا الحسن بن صالح , عن ليث , عن عيسى بن سنان , عن سعيد بن المسيب : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئتم فاعزلوا , وإن شئتم فلا تعزلوا . 3473 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن يونس , عن أبي إسحاق , عن زائدة بن عمير , عن ابن عباس قال : إن شئت فاعزل , وإن شئت فلا تعزل . وأما الذين قالوا : معنى قوله : { أنى شئتم } كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج والقبل , فإنهم قالوا : إن الآية إنما نزلت في استنكار قوم من اليهود استنكروا إتيان النساء في أقبالهن من قبل أدبارهن , قالوا : وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من أن معنى ذلك على ما قلنا . واعتلوا لقيلهم ذلك بما : 3474 - حدثني به أبو كريب , قال : ثنا المحاربي , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن أبان بن صالح , عن مجاهد , قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها , حتى انتهى إلى هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال ابن عباس : إن هذا الحي من قريش , كانوا يشرحون النساء بمكة , ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات . فلما قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار , فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة , فأنكرن ذلك وقلن : هذا شيء لم نكن نؤتى عليه فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئت فمقبلة وإن شئت فمدبرة وإن شئت فباركة وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث , يقول : ائت الحرث من حيث شئت . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يونس بن بكير , عن محمد بن إسحاق بإسناده نحوه . 3475 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن محمد بن المنكدر , قال : سمعت جابرا يقول : إن اليهود كانوا يقولون : إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . * - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا الثوري , عن محمد بن المنكدر , عن جابر بن عبد الله قال : قالت اليهود : إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها وكان بينهما ولد كان أحول , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . 3476 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان , عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر , عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , قالت : تزوج رجل امرأة , فأراد أن يجبيها , فأبت عليه وقالت : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم , قالت أم سلمة : فذكرت ذلك لي . فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " أرسلي إليها ! " فلما جاءت قرأ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } " صماما واحدا , صماما واحدا " . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان بن عبد الله بن عثمان , عن ابن سابط , عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر , عن أم سلمة , قالت : قدم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار , وكانوا يجبون , وكانت الأنصار لا تفعل ذلك , فقالت امرأة لزوجها : حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله عن ذلك . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فاستحيت أن تسأله , فسألت أنا . فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقرأ عليها : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم . أنى شئتم } " صماما واحدا صماما واحدا " . * - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عبد الله بن عثمان , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة بنت عبد الرحمن , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . * - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان الثوري , عن عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة ابنة عبد الرحمن , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : " صماما واحدا , صماما واحدا " . * - حدثني محمد بن معمر البحراني , قال : ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي , قال : ثني وهيب , قال : ثني عبد الله بن عثمان , عن عبد الرحمن بن سابط قال : قلت لحفصة : إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي منك أن أسألك , قالت : سل يا بني عما بدا لك ! قلت : أسألك عن غشيان النساء في أدبارهن ؟ قالت : حدثتني أم سلمة , قالت : كانت الأنصار لا تجبي , وكان المهاجرون يجبون , فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار . ثم ذكر نحو حديث أبي كريب , عن معاوية بن هشام . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن ابن المنكدر : قال : سمعت جابر بن عبد الله , يقول : إن اليهود كانوا يقولون : إذا أتى الرجل امرأته باركة جاء الولد أحول , فنزلت { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } . 3477 - حدثني محمد بن أحمد بن عبد الله الطوسي , قال : ثنا الحسن بن موسى , قال : ثنا يعقوب القمي , عن جعفر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت ! قال : " وما الذي أهلكك ؟ " قال : حولت رحلي الليلة , قال : فلم يرد عليه شيئا , قال : فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } " أقبل وأدبر , واتق الدبر والحيضة " . 3478 - حدثنا زكريا بن يحيى المصري , قال : ثنا أبو صالح الحراني , قال : ثنا ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب أن عامر بن يحيى أخبره عن حنش الصنعاني , عن ابن عباس : أن ناسا من حمير أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء , فقال رجل منهم : يا رسول الله إني رجل أحب النساء , فكيف ترى في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى ذكره في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه , وأنزل فيما سأل عنه الرجل : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " . والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : معنى قوله { أنى شئتم } من أي وجه شئتم , وذلك أن أنى في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب , فكأن القائل إذا قال لرجل : أنى لك هذا المال ؟ يريد من أي الوجوه لك , لذلك يجيب المجيب فيه بأن يقول : من كذا وكذا , كما قال تعالى ذكره مخبرا عن زكريا وفي مسألته مريم : { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } 3 37 وهي مقاربة أين وكيف في المعنى , ولذلك تداخلت معانيها , فأشكلت " أنى " على سامعها ومتأولها حتى تأولها بعضهم بمعنى أين , وبعضهم بمعنى كيف , وآخرون بمعنى متى , وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات . وذلك أن " أين " إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال , وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها . ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال : أين مالك ؟ لقال بمكان كذا , ولو قال له : أين أخوك ؟ لكان الجواب أن يقول : ببلدة كذا , أو بموضع كذا , فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله , فيعلم أن أين مسألة عن المحل . ولو قال قائل لآخر : كيف أنت ؟ لقال : صالح أو بخير أو في عافية , وأخبره عن حاله التي هو فيها , فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسئول عن حاله . ولو قال له : أنى يحيي الله هذا الميت ؟ لكان الجواب أن يقال : من وجه كذا ووجه كذا , فيصف قولا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } 2 259 فعلا حين بعثه من بعد مماته . وقد فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها , فقال الكميت بن زيد : تذكر من أنى ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل وقال أيضا : أنى ومن أين نابك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب فيجاء ب " أنى " للمسألة عن الوجه و " أين " للمسألة عن المكان , فكأنه قال : من أي وجه ومن أي موضع رجعك الطرب . والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كيف شئتم , أو تأوله بمعنى حيث شئتم , أو بمعنى متى شئتم , أو بمعنى أين شئتم ; أن قائلا لو قال لآخر : أنى تأتي أهلك ؟ لكان الجواب أن يقول : من قبلها أو من دبرها , كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت : { أنى لك هذا } أنها قالت : { هو من عند الله } 3 37 . وإذ كان ذلك هو الجواب , فمعلوم أن معنى قول الله تعالى ذكره : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } إنما هو : فأتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتى , وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل . وإذ كان ذلك هو الصحيح , فبين خطأ قول من زعم أن قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } دليل على إباحة إتيان النساء في الأدبار , لأن الدبر لا يحترث فيه , وإنما قال تعالى ذكره : { حرث لكم } فأتوا الحرث من أي وجوهه شئتم , وأي محترث في الدبر فيقال ائته من وجهه . وتبين بما بينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عباس من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين إذا أتى الرجل المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول .وقدموا لأنفسكم
القول في تأويل قوله تعالى : { وقدموا لأنفسكم } اختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : قدموا لأنفسكم الخير . ذكر من قال ذلك : 3479 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , أما قوله : { وقدموا لأنفسكم } فالخير . وقال آخرون : بل معنى ذلك { وقدموا لأنفسكم } ذكر الله عند الجماع وإتيان الحرث قبل إتيانه ذكر من قال ذلك : 3480 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني محمد بن كثير , عن عبد الله بن واقد , عن عطاء , قال : أراه عن ابن عباس : { وقدموا لأنفسكم } قال : التسمية عند الجماع يقول بسم الله . والذي هو أولى بتأويل الآية , ما روينا عن السدي , وهو أن قوله : { وقدموا لأنفسكم } أمر من الله تعالى ذكره عباده بتقديم الخير , والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم , عدة منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب , فإنه قال : تعالى ذكره : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } 2 110 وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية , لأن الله تعالى ذكره عقب قوله : { وقدموا لأنفسكم } بالأمر باتقائه في ركوب معاصيه , فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عاما الأمر بالطاعة عاما . فإن قال لنا قائل : وما وجه الأمر بالطاعة بقوله : { وقدموا لأنفسكم } من قوله : { نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ؟ قيل : إن ذلك لم يقصد به ما توهمته , وإنما عنى به وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا : { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين } وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأجيبوا عنه مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات , ثم قال تعالى ذكره : قد بينا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم إلى ما يرضي ربكم عنكم , فقدموا لأنفسكم الخير الذي أمركم به , واتخذوا عنده به عهدا لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم , واتقوه في معاصيه أن تقربوها وفي حدوده أن تضيعوها , واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم , فمجاز المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته .واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين
القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } وهذا تحذير من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا شيئا مما نهاهم عنه من معاصيه , وتخويف لهم عقابه عند لقائه , كما قد بينا قبل , وأمر لنبيه محمد أن يبشر من عباده بالفوز يوم القيامة , وبكرامة الآخرة , وبالخلود في الجنة من كان منهم محسنا مؤمنا بكتبه ورسله وبلقائه , مصدقا إيمانه قولا بعمله ما أمره به ربه , وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه ومن حقوقه , وبتجنبه ما أمره بتجنبه من معاصيه .
وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " .
فقال بعضهم: معناه: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: " عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك " - أو " قد حلفت بالله أن لا أفعله "، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله.
* ذكر من قال ذلك:
&; 4-420 &;
4351 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: " ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يعتلّ بيمينه، يقول الله: " أن تبرُّوا وتتقوا " هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح، وإن حلفت كفَّرت عن يمينك وفعلت الذي هو خيرٌ لك.
4352 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله = إلا أنه قال: وإن حلفت فكفِّر عن يمينك، وافعل الذي هو خير.
4353 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو أن يكون بينه وبين إنسان مغاضبة فيحلف لا يُصلح بينهما ويقول: " قد حلفت ". قال: يكفّر عن يمينه: " ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم " .
4354 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا "، يقول: لا تعتلُّوا بالله، أن يقول أحدكم إنه تألَّى أن لا يصل رَحمًا، (135) ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدَّق من ماله. مهلا مهلا بارك الله فيكم، فإن هذا القرآن إنما جاء بترك أمر الشيطان، فلا تطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيء من نذروكم ولا أيمانكم.
4355 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف لا يصلح بين الناس ولا يبر، فإذا قيل له، قال: " قد حلفتُ".
&; 4-421 &;
4356 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: " ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: الإنسان يحلف أن لا يصنع الخير، الأمرَ الحسن، يقول: " حلفت "! قال الله: افعل الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك، ولا تجعل الله عرضةً.
4357 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية: هو الرجل يحرّم ما أحل الله له على نفسه، فيقول: " قد حلفت! فلا يصلح إلا أن أبرَّ يميني"، فأمرهم الله أن يكفّروا أيمانهم ويأتوا الحلال. (136)
4358 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، أما " عُرضة "، فيعرض بينك وبين الرجل الأمرُ، فتحلف بالله لا تكلمه ولا تصله. وأما " تبرُّوا "، فالرجل يحلف لا يبرُّ ذا رحمه فيقول: " قد حلفت!" ، فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبَرَّه، ولا يبالي بيمينه. وأما " تصلحوا "، فالرجل يصلح بين الاثنين فيعصيانه، فيحلف أن لا يصلح بينهما، فينبغي له أن يصلح ولا يبالي بيمينه. وهذا قبل أن تنـزل الكفَّارات. (137)
4359 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينُه.
* * *
&; 4-422 &;
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير.
* ذكر من مال ذلك:
4360 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك واصنع الخير.
4361 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا " .
4362 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف أن لا يبرّ قرابته، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين. يقول: فليفعل، وليكفِّر عن يمينه.
4363 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن إبراهيم النخعي في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: لا تحلف أن لا تتقي الله، ولا تحلف أن لا تبرَّ ولا تعمل خيرًا، ولا تحلف أن لا تصل، ولا تحلف أن لا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطَع.
4364 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن سعيد بن جبير = ومغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله &; 4-423 &; عرضة " الآية، قالا هو الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يتقي، ولا يصلح بين الناس. وأمِر أن يتقي الله، ويصلحَ بين الناس، ويكفّر عن يمينه.
4365 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس. فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله، وليدع يمينه. (138)
4366 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية، قال: ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس.
4367 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم.
4368 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حُدثت أن قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، الآية، نـزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح.
4369 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية، قال: يحلف الرجل أن لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يصل رحمه.
&; 4-424 &;
4370 - حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين. فلا يمنعه يمينه. (139)
4371 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة، عن سعيد، عن مكحول أنه قال في قول الله تعالى ذكره: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يصنع خيرًا، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. نهاهم الله عن ذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية، تأويلُ من قال: معنى ذلك : " لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس ".
* * *
وذلك أن " العُرْضة "، في كلام العرب، القوة والشدة. يقال منه: " هذا الأمر عُرْضة لك " (140) يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: " فلانة عُرْضة للنكاح "، أي قوة، (141) ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق:
مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ,
عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأَعْـلامِ مَجْهُولُ (142)
يعني بـ " عرضتها ": قوتها وشدتها.
* * *
&; 4-425 &;
فمعنى قوله تعالى ذكره: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " إذًا: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحنث في يمينه، وليبرَّ، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه.
* * *
وترك ذكر " لا " من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس:
فَقُلْــتُ يَمِيــنَ اللـهِ أَبْـرَحُ قَـاعِدًا
وَلَـوْ قَطَّعُـوا رَأْسِـي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي (143)
بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف " لا " ، اكتفاء بدلالة الكلام عليها.
* * *
وأما قوله: " أن تبروا "، فإنه اختلف في تأويل " البر "، الذي عناه الله تعالى ذكره.
فقال بعضهم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البر بذي رحمه، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى. (144)
* * *
وأولى ذلك بالصواب قول من قال: " عني به فعل الخير كله ". وذلك أن أفعال الخير كلها من " البر "، ولم يخصص الله في قوله: " أن تبرُّوا " معنى دون معنى من معاني" البر "، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني" البر ".
* * *
وأما قوله: " وتتقوا "، فإن معناه: أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في &; 4-426 &; فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها. وقد ذكرنا تأويل من تأوَّل ذلك أنه بمعنى " التقوى " قبل. (145)
* * *
وقال آخرون في تأويله بما:-
4372 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " أن تبروا وتتقوا " قال: كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " الآية. قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: " أن تبروا وتتقوا "، الآية. (146)
* * *
وأما قوله: " وتصلحوا بين الناس "، فهو الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه.
* * *
وأما الذي ذكرنا عن السدي: من أنّ هذه الآية نـزلت قبل نـزول كفارات الأيمان، (147) فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة. والخبر عما كان، لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مِثلها وخلافها على أحد. (148)
وغير محال أن تكون هذه الآية نـزلت بعد بيان كفارات الأيمان في" سوره المائدة "، واكتفى بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجبَ من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحالف.
* * *
&; 4-427 &;
القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: " والله سميع " لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: " والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس "، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم =" عليم " بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، ألخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن.
وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه.
* * *
------------------------------
الهوامش:
(135) تألى الرجل : أقسم بالله ، ومثله"آل" .
(136) الأثر : 4357- في المطبوعة : "حدثت عن عمار بن الحسن ، قال سمعت أبا معاذ" وهو خطأ صرف والصواب من المخطوطة ، وهو مع ذلك إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 4324 . و"الحسين" هو"الحسين بن الفرج" .
(137) انظر كلام أبي جعفر في هذا الأثر فيما بعد ص : 426 .
(138) الأثر : 4365- هو في المخطوطة إسناد واحد جاء هكذا : "حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح . . . " والذي في المطبوعة هو الصحيح ، وهما إسنادان دائران في التفسير . الأول منهما أقربه رقم : 4132 والثاني منهما أقربه رقم : 3872
(139) الأثر : 4370- هذا الأثر ليس في المخطوطة في هذا المكان ، وهو الصواب . وهو مكرر الذي مضى برقم : 4359- وفي المطبوعة هنا"فلا ينفعه يمينه" وهو خطأ ظاهر . وكأن أولى أن يحذف ولكني أبقيته للدلالة على اختلاف النسخ .
(140) في المخطوطة والمطبوعة : "عرضة له" وأثبت ما هو أولى بالصواب .
(141) أخشى أن يكون الصواب الجيد : "أي قرية" .
(142) ديوانه : 9 ، وسيأتي في التفسير 5 : 79/11 : 108/27 : 62 (بولاق) من قصيدته المشهورة . نضح الرجل بالعرق نضحا ، فض به حتى سال سيلانًا . ونضاحة : شديدة النضح . والذفرى : الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن ، وهو من الناس والحيوان جميعا : العظم الشاخص خلف الأذن . وسيلان عرقها هناك ، ممدوح في الإبل . والطامس : الدارس الذي أمحى أثره . والأعلام : أعلام الطريق ، تبنى في جادة الطريق ليستدل بها عليه إذا ضل الضال . وأرض مجهولة : إذا كان لا أعلام فيها ولا جبال ، فلا يهتدي فيها السائر . يقول : إذا نزلت هذه المجاهل ، عرفت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الفلوات .
(143) ديوانه : 141 وسيأتي في التفسير 13 : 28 (بولاق) وهو من قصيدته التي لا تبارى وهي مشهورة وما قبل البيت وما بعده مشهور .
(144) انظر ما سلف في معاني"البر" 2 : 8/ ثم 3 : 336- 338 ، 556 .
(145) انظر الآثار رقم : 4361 ، 4363 ، 4364 .
(146) الأثر : 4372- هو الأثر السالف رقم : 4361 وتتمته .
(147) يعني الأثر السالف رقم : 4358 .
(148) في المخطوطة"لا يبعد مثلها . . . " غير منقوطة كأنها"لا سعد" ، والذي في المطبوعة أجود .