At-Tabari
· Al-BaqaraOuvrir dans le lecteurوَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾
وكذلك جعلناكم أمة وسطا
يعني جل ثناؤه بقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام , وبما جاءكم به من عند الله , فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته , وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ; كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا . وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم . وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار , يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب , إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه , وهو وسط في قومه وواسط , كما يقال شاة يابسة اللبن , ويبسة اللبن , وكما قال جل ثناؤه : { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } 20 77 وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم قال : وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين , مثل " وسط الدار " , محرك الوسط مثقله , غير جائز في سينه التخفيف . وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه , ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ; ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه , فوصفهم الله بذلك , إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها . وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل , وذلك معنى الديار لأن الخيار من الناس عدولهم . ذكر من قال : الوسط العدل . 1789 - حدثنا سالم بن جنادة ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا حفص بن غياث , عن الأعمش , عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " * - حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار , قالا : ثنا جعفر بن عون , عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله . 1790 - حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح , عن أبي سعيد الخدري : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " . 1791 - حدثني علي بن عيسى , قال : ثنا سعيد بن سليمان , عن حفص بن غياث , عن أبي صالح , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " . 1792 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا . 1793 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا . * - حدثني المثنى , قال : ثنا حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله . 1794 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1795 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1796 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا . 1797 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } يقول : جعلكم أمة عدولا . 1798 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن راشد بن سعد , قال : أخبرنا ابن العم المعافري عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " الوسط : العدل " . 1799 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء مجاهد وعبد الله بن كثير : { أمة وسطا } قالوا : عدولا , قال مجاهد : عدولا . 1800 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : هم وسط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم .لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
القول في تأويل قوله تعالى : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } والشهداء جمع شهيد . فمعنى ذلك : وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولا [ لتكونوا ] شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها , ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به , وبما جاءكم به من عندي . كما : 1801 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا حفض , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة , فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به ؟ فيقول : نعم فيقال لقومه : هل بلغكم ؟ فيقول : ما جاءنا من نذير , فيقال له : من يعلم ذلك ؟ فيقول محمد وأمته فهو قوله { وكذلك جعلناك أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } 1802 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا جعفر بن عون , قال , ثنا الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه , إلا أنه زاد فيه . " فيدعون ويشهدون أنه قد بلغ " . 1803 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } بأن الرسل قد بلغوا { ويكون الرسول عليكم شهيدا } : بما عملتم أو فعلتم . 1804 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن أبي مالك الأشجعي , عن المغيرة بن عيينة بن النهاس , أن مكاتبا لهم حدثهم عن جابر بن عبد الله . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإني وأمتي لعلى كوم يوم القيامة مشرفين على الخلائق ما أحد من الأمم إلا ود أنه منها أيتها الأمة وما من نبي كذبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم " قال : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " . 1805 - حدثني عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني , قال : ثنا أبي قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن عبد الله بن الفضل , عن أبي هريرة قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة , فلما صلى على الميت قال الناس : نعم الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم . " وجبت " . ثم خرجت معه في جنازة أخرى , فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وجبت " . فقام إليه أبي بن كعب فقال , يا رسول الله ما قولك وجبت ؟ قال : " قول الله عر وجل : { لتكونوا شهداء على الناس } . * - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : حدثني أبو عمرو عن يحيى , قال : حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني , قال : حدثني أبو هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة , فقال الناس : نعم الرجل , ثم ذكر نحو حديث عصام عن أبيه . 1806 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا زيد بن حباب , قال : ثنا عكرمة بن عمار , قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع , عن أبيه , قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم , فمر عليه بجنازة فأثني عليها بثناء حسن , فقال : " وجبت " , ومر عليه بجنازة أخرى , فأثني عليها دون ذلك , فقال : " وجبت " , قالوا : يا رسول الله ما وجبت ؟ قال : " الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض فما شهدتم عليه وجب " . ثم قرأ : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } 9 105 الآية . 1807 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لتكونوا شهداء على الناس } تكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 1808 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا عاصم , عن عيسى عن ابن أبي نجيح , قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير , مثله . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : حدثني ابن أبي نجيح , عن أبيه قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , فذكر مثله , ولم يذكر عبيد بن عمير مثله . 1809 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } أي أن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها , { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته . 1810 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن قوم نوح يقولون يوم القيامة : لم يبلغنا نوح . فيدعى نوح عليه السلام فيسأل : هل بلغتهم ؟ فيقول : نعم , فيقال : من شهودك ؟ فيقول : أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته . فتدعون فتسألون , فتقولون : نعم قد بلغهم . فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟ قالوا : قد جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم , وأنزل عليه أنه قد بلغكم , فصدقناه . قال : فيصدق نوح عليه السلام ويكذبونهم . قال : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أن الرسل قد بلغتهم , ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدا , أن قد بلغ ما أرسل به . 1811 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن الأمم يقولون يوم القيامة : والله لقد كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلهم ! لما يرون الله أعطاهم . 1812 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : ثنا ابن المبارك عن راشد بن سعد , قال : أخبرني ابن أنعم المعافري , عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا جمع الله عباده يوم القيامة , كان أول من يدعى إسرافيل , فيقول له ربه : ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم رب قد بلغته جبريل عليهما السلام , فيدعى جبريل فيقال له هل بلغت إسرافيل عهدي ؟ فيقول : نعم رب قد بلغني . فيخلى عن إسرافيل , ويقال لجبريل : هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم قد بلغت الرسل فتدعى الرسل فيقال لهم : هل بلغكم جبريل عهدي " فيقول نعم ربنا فيخلى عن جبريل , ثم يقال للرسل : ما فعلتم بعهدي ؟ فيقول : بلغنا أممنا . فتدعى الأمم فيقال : هل بلغكم الرسل عهدي ؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق , فتقول الرسل إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك . فيقول : من يشهد لكم ؟ فيقول أمة محمد . فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فيقول : أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه ؟ فيقولون : نعم ربنا شهدنا أن قد بلغوا فتقول تلك الأمم . كيف يشهد علينا من لم يدركنا ؟ فيقول لهم الرب تبارك وتعالى : كيف يشهدون على من لم يدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا , وأنزلت إلينا عهدك وكتابك , وقصصت علينا أنهم قد بلغوا , فشهدنا بما عهدت إلينا . فيقول الرب : صدقوا فذلك قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } . والوسط : العدل . " { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من كان في قلبه حنة على أخيه . 1813 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني بذلك الذين استقاموا على الهدى , فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة لتكذيبهم رسل الله , وكفرهم بآيات الله . 1814 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يقول : لتكونوا شهداء على الأمم الذين خلوا من قبلكم بما جاءتهم رسلهم , وبما كذبوهم , فقالوا يوم القيامة وعجبوا : أن أمة لم يكونوا في زماننا , فآمنوا بما جاءت به رسلنا , وكذبنا نحن بما جاءوا به . فعجبوا كل العجب . قوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } يعني بإيمانهم به , وبما أنزل عليه . 1815 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني أنهم شهدوا على القرون بما سمى الله عز وجل لهم . 1816 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } ؟ قال : أمة محمد شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمان والهدى ممن كان قبلنا قالها عبد الله بن كثير . قال : وقال عطاء : شهداء على من ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين , جاء ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم وصدقوا به . 1817 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته , وهم شهداء على الأمم , وهم أحد الأشهاد الذي قال الله عز وجل : { ويوم يقوم الأشهاد } 40 51 الأربعة الملائكة الذين يحصون أعمالنا لنا وعلينا . وقرأ قوله : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } 50 21 وقال : هذا يوم القيامة قال : والنبيون شهداء على أممهم . قال : وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم , [ قال : والأطوار : الأجساد والجلود ] .وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه
القول في تأويل قوله تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يعني جل ثناؤه بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه . والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة . كما : 1818 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } يعني بيت المقدس . 1819 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } قال : القبلة : بيت المقدس . وإنما ترك ذكر الصرف عنها اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره . وإنما قلنا ذلك معناه لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة , حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم , وقالوا : ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا , ومرة إلى ها هنا ؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين , وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت . وقال المشركون : تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه . فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين , فلذلك قال جل ثناؤه : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } أي : وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها , وتحويلك إلى غيرها , كما قال جل ثناؤه : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } 17 60 بمعنى : وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي أريناك وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة , وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة . ذكر الأخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا : 1820 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة , قال : كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا , ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام , فقال في ذلك قائلون من الناس : { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } لقد اشتاق الرجل إلى مولده ! قال الله عز وجل : { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر , ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله , وإخلاص له , وتسليم لقضائه . 1821 - حدثني موسى قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل بيت المقدس , فنسختها الكعبة . فلما وجه قبل المسجد الحرام , اختلف الناس فيها , فكانوا أصنافا ; فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة زمانا ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟ وقال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أو لا ؟ وقالت اليهود : إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده , ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر . وقال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه , فتوجه بقبلته إليكم , وعلم أنكم كنتم أهدى منه , ويوشك أن يدخل في دينكم . فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } إلى قوله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } وأنزل في الآخرين الآيات بعدها . 1822 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ؟ فقال عطاء : يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره . قال ابن جريج : بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا : مرة ههنا ومرة ههنا . فإن قال لنا قائل : أو ما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع , وانقلاب المنقلب على عقبيه , حتى قال : ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟ قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها وليس قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده . فإن قال : فما معنى ذلك ؟ قيل له : أما معناه عندنا فإنه : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . فقال جل ثناؤه : { إلا لنعلم } ومعناه : ليعلم رسولي وأوليائي , إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه , وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس , وما فعل بهم إليه ; نحو قولهم : فتح عمر بن الخطاب سواد العراق , وجبى خراجها , وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك . وكالذي روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله جل ثناؤه : مرضت فلم يعدني عبدي , واستقرضته فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني " . 1823 - حدثنا أبو كريب قال : ثنا خالد عن محمد بن جعفر , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله : استقرضت عبدي فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني يقول : وادهراه وأنا الدهر أنا الدهر " . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه , وقد كان ذلك بغيره إذ كان ذلك عن سببه . وقد حكي عن العرب سماعا : أجوع في غير بطني , وأعرى في غير ظهري , بمعنى جوع أهله وعياله وعري ظهورهم , فكذلك قوله : { إلا لنعلم } بمعنى يعلم أوليائي وحزبي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 1824 - حدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال ابن عباس : لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة . وقال بعضهم : إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية , والرؤية مكان العلم , كما قال جل ذكره : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } 105 1 فزعم أن معنى : { ألم تر } : ألم تعلم , وزعم أن معنى قوله : { إلا لنعلم } بمعنى : إلا لنرى من يتبع الرسول . وزعم أن قول القائل : رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض , كما قال جرير بن عطية : كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا وعمرو بن عمرو إذا دعا يال دارم بمعنى : كأنك لم تعلم لقيطا ; لأن بين هلك لقيط وحاجب وزمان جرير ما لا يخفى بعده من المدة . وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية , وجرير كان بعد برهة مضت من مجيء الإسلام وهذا تأويل بعيد , من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا , فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما , وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك . فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم , فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه , كما قد قدمنا البيان , مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال : علمت كذا بمعنى رأيته , وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها , فموجود في كلامها " رأيت " بمعنى " علمت " , وغير موجود في كلامها " علمت " بمعنى " رأيت " , فيجوز توجيه { إلا لنعلم } إلى معنى : إلا لنرى . وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه , وقالوا إذ قيل لهم : إن قوما من أهل القبلة سيرتدون على أعقابهم , إذا حولت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة : ذلك غير كائن , أو قالوا : ذلك باطل . فلما فعل الله ذلك , وحول القبلة , وكفر من أجل ذلك من كفر , قال الله جل ثناؤه : ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه , أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد . فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله : { إلا لنعلم } إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وهذا وإن كان وجها له مخرج , فبعيد من المفهوم . وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال , على وجه الترفق بعباده , واستمالتهم إلى طاعته , كما قال جل ثناؤه : { قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } 34 24 وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين , ولكنه رفق بهم في الخطاب , فلم يقل : أنا على هدى , وأنتم على ضلال . فكذلك قوله : { إلا لنعلم } معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالا به قبل أن يكون ; فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم . وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحق . وأما قوله : { من يتبع الرسول } فإنه يعني : الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به , فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : { ممن ينقلب على عقبيه } فإنه يعني : من الذي يرتد عن دينه , فينافق , أو يكفر , أو مخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه . كما : 1825 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال : من إذا دخلته شبهة رجع عن الله , وانقلب كافرا على عقبيه . وأصل المرتد على عقبيه : هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه , فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير , ومن ذلك قوله : { فارتدا على آثارهما قصصا } 18 64 بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه . وإنما قيل للمرتد مرتد , لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها . وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه , فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرا وأخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه , فقيل ارتد فلان على عقبه , وانقلب على عقبيه .وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله
القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } . اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله . فقال بعضهم : عنى جل ثناؤه بالكبيرة : التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل , وإنما أنث الكبيرة لتأنيث التولية . ذكر من قال ذلك : 1826 - حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : قال الله : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يعني تحويلها . 1827 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : ما أمروا به من التحويل إلى الكعبة من بيت المقدس . * - حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 1828 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة حين حولت القبلة إلى المسجد الحرام , فكانت كبيرة إلا على الذين هدى الله . وقال آخرون : بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل . ذكر من قال ذلك . 1829 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية : { وإن كانت لكبيرة } أي قبلة بيت المقدس , { إلا على الذين هدى الله } وقال بعضهم : بل الكبيرة : هي الصلاة التي كانوا يصلونها إلى القبلة الأولى . ذكر من قال ذلك . 1830 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : صلاتكم حتى يهديكم صلى الله عليه وسلم الله عز وجل القبلة . 1831 - وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة } قال : صلاتك ها هنا - يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - وانحرافك ها هنا وقال بعض نحويي البصرة : أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة , وإياها عنى جل ثناؤه بقوله : { وإن كانت لكبيرة } . وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه , وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله . وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب , لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة ; لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهى غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجه تأنيث الكبيرة إلى القبلة , ويقول : اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك , كما قد وصفنا لك في نظائره , فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما . ومعنى قوله : { كبيرة } عظيمة . كما : 1832 - حدثنا يونس . قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة في صدور الناس فيما يدخل الشيطان به ابن آدم . قاله : ما لهم صلوا إلى ها هنا ستة عشر شهرا ثم انحرفوا ! فكبر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين . فقالوا : أي شيء هذا الدين ؟ وأما الذين آمنوا فثبت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم . وقرأ قول الله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة . قال أبو جعفر : وأما قوله : { إلا على الذين هدى الله } فإنه يعني به : وإن كان تقليبتناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك , والإيمان بك وبذلك , واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك . كما : 1833 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يقول : إلا على الخاشعين , يعني المصدقين بما أنزل الله تبارك وتعالى .وما كان الله ليضيع إيمانكم
القول في تأويل قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قيل : عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة . ذكر الأخبار التي رويت بذلك وذكر قول من قاله : 1834 - حدثنا أبو كريب . قال ثنا وكيع وعبيد الله , وحدثنا سفيان بن وكيع , قال ثنا عبيد الله بن موسى جميعا عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لما وجه رسوله الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1835 - حدثني إسماعيل بن موسى , قال : أخبرنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء في قول الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . * - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء نحوه . 1836 - وحدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن محمد بن نفيل عن الحراني , قال : ثنا زهير , قال : ثنا أبو إسحاق , عن البراء قال : مات على القبلة قبل أن تحول إلى البيت رجال وقتلوا , فلم ندر ما نقول فيهم , فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } 1837 - حدثنا بشر بن معاذ العقدي , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : قال أناس من الناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1838 - حدثني موسى بن هارون , قال : حدثني عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام , قال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أم لا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم قبل بيت المقدس , يقول : إن تلك طاعة وهذه طاعة . 1839 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قال : قال ناس لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } الآية 1840 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني داود بن أبي عاصم , قال : لما صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة , قال المسلمون : هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس فنزلت : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . 1841 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس في قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يقول : صلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة فكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا تقبل صلاتهم . 1842 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } صلاتكم . 1843 - حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري , قال : أخبرنا المؤمل قال : ثنا سفيان , ثنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس . قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق , وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا ; فمعنى قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة : وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي , واتباعا لأمري , وطاعة منكم لي . قال : وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه , فيذهب ضياعا ويصير باطلا , كهيئة إضاعة الرجل ماله , وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملا وهو له طاعة فلا يثيبه عليه , وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله . فإن قال قائل : وكيف قال الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين , والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس , وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟ قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك , فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة , وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا , فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ , فوجه الخطاب بها إلى الأحياء , ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب , فيدخل الغائب في الخطاب , فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : فعلنا بكما وصنعنا بكما , كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران , ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب .إن الله بالناس لرءوف رحيم
القول في تأويل قوله تعالى : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } ويعني بقوله جل ثناؤه : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } إن الله بجميع عباده ذو رأفة . والرأفة أعلى معاني الرحمة , وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة . وأما الرحيم , فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها , وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم . أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس , فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب , لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي . ولا تحزنوا عليهم , فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة , لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم , وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله . وفي الرءوف لغات : إحداها " رءوف " على مثال " فعل " كما قال الوليد بن عقبة : وشر الطالبين ولا تكنه بقاتل عمه الرءوف الرحيم وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة . والأخرى رءوف " على مثال " فعول " , وهي قراءة عامة قراء المدينة . و " رئف " , وهي لغة غطفان , على مثال " فعل " مثل " حذر " . و " رأف " على مثال " فعل " بجزم العين , وهي لغة لبني أسد , والقراءة على أحد الوجهين الأولين .
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.
* * *
ويعني: ب " التقلب "، التحوُّل والتصرُّف.
ويعني بقوله: " في السماء "، نحو السماء وقِبَلها.
* * *
وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم -فيما بلغنا- لأنه كان =قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة= يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:-
2230- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء " قال، كان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.
2231- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء "، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي نحو بيتَ المقدس, يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام, فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.
2232- حدثنا المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء "، يقول: نَظرَك في السماء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس, وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام, فولاه الله قبلةً كان يهواها.
2233- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس, فلما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره, كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر, وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنـزل الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء " الآية.
* * *
ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة.
قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس, من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!
* ذكر من قال ذلك:
2234- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه, ويَستفرض للقبلة، (70) فنـزلت: " قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام "، -وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا!- في صلاة الظهر، (71) . فجعل الرجالَ مكانَ النساء, والنساءَ مكانَ الرجال.
2235- حدثني يونس قال, أخبرنا ابن وهب قال، سمعته -يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا, فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! (72) فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, ورفع وجهه إلى السماء, فقال الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام " الآية. (73)
* * *
وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك:
2236- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم, فكان يدعو وينظر إلى السماء, فأنـزل الله عز وجل: " قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء " الآية. (74)
* * *
فأما قوله: " فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها "، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة " ترضاها ": تَهواها وتُحبها. (75)
* * *
وأما قوله: " فوَلِّ وجهك "، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.
* * *
وقوله: " شَطرَ المسجد الحَرَام "، يعني: ب " الشطر "، النحوَ والقصدَ والتّلقاء, كما قال الهذلي: (76)
إنَّ العَسِــيرَ بهَــا دَاء مُخَامِرُهَــا
فَشَــطْرَهَا نَظَـــرُ العَيْنَيْـنِ مَحْسُـورُ (77)
يعني بقوله: " شَطْرَها "، نحوها. وكما قال ابن أحمر:
تَعْـدُو بِنَـا شَـطْر جَـمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ,
قَـدْ كَارَبَ العَقْــدُ مِـنْ إيفَادِهَـا الحَقَبَـا (78)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2237- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن داود بن أبي هند, عن أبي العالية: " شَطْرَ المسجد الحَرَام "، يعني: تلقاءه.
2238- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " شطر المسجد الحرام "، نحوَه.
2239- حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، نَحوَه.
2240- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
2241- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَ المسجد الحرام.
2242- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " قال، نحو المسجد الحرام.
2243- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَه.
2244- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: " شطرَه "، نحوَه.
2245- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال، قِبَله.
2246- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " شَطْره "، ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه: " شُطوره ". (79)
* * *
ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.
فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعناها الله تعالى ذكره بقوله: " فلنولينَّك قبلة تَرْضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة.
* ذكر من قال ذلك:
2247- حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة, عن عبد الله بن عمرو: " فلنولينَّك قبلة ترضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة. (80)
2248- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا هشيم, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب, وتلا هذه الآية: " فلنولينك قِبلة ترضاها " قال، هذه القبلة، هي هذه القبلة.
2249- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم -بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه: " فلنولينك قبلة تَرضاها ". (81)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ, وقبلةُ البيت الباب.
* ذكر من قال ذلك:
2250- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: البيت كله قبلةٌ, وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب. (82)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه, كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه, وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره, بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة, وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها, أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما:
2251- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي, عن علي: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قال، شطُره، قبله. (83)
* * *
قال أبو جعفر: وقبلةُ البيت: بابه، كما:-
2252- حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ, هذه القبلة. (84)
2253- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت, فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة, فقال: هذه القبلةُ مرتين. (85)
2254- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, عن عبد الملك, عن عطاء, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. (86)
2255- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله, ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها, ولم يصلِّ حتى خرج, فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة. (87)
* * *
قال أبو جعفر: فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة, وأن قبلة البيت بابه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.
و " الهاء " التي في" شطرَه "، عائدة إلى المسجد الحرام.
فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.
وأدخلت " الفاء " في قوله: " فولوا "، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله: " حيثما كنتم " جزاء, ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
يعني بقوله جل ثناؤه: " وإنّ الذين أوتُوا الكتاب " أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.
* * *
وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.
* ذكر من قال ذلك:
2256- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإن الذين أوتوا الكتاب "، أنـزل ذلك في اليهود.
* * *
وقوله: " ليعلمون أنه الحق من ربهم "، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب, يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.
* * *
ويعني بقوله: " من رَبِّهم " أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره, وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام, ولا هو ساه عنه، (88) ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء, ويثيبكم عليه أفضل ثواب.
--------------------
الهوامش :
(70) في المطبوعة : "يستعرض للقبلة" ، وأثبت ما في الدر المنثور 1 : 147 وقوله : "يستفرض" أي يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين . وهذا ما لم تشبه كتب اللغة ، ولكنه صحيح العربية . أما قوله : "يستعرض للقبلة" ، فليست بشيء .
(71) سياق عبارته : "فنزلت . . . في صلاة الظهر" .
(72) في المطبوعة : "ما درى محمد صلى الله عليه وسلم" ، ولا تقوله يهود ، فرفعته . وكذلك جاء في رقم : 1838 .
(73) الأثر : 2235- مضى برقم : 1838 .
(74) الأثر : 2236- مضى برقم : 1833 ، ورقم : 2160 .
(75) انظر معاني"ولى" فيما سلف 2 : 162 ، 535 ، وهذا الجزء 3 : 131 .
(76) هو قيس بن العيزارة الهذلي . والعيزارة أمه ، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل .
(77) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري : 261 (أوربة) ، ورسالة الشافعي : 35 ، 487 ، وسيرة ابن هشام 2 : 200 ، والكامل 1 : 12 ، 2 : 3 ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 ، واللسان (شطر) (حسر) ، وغيرها . ورواية الشافعي في الرسالة : "إن العسيب" بالباء في آخره ، ورواية ديوانه وابن هشام : "إن النعوس" . والعسير : التي تعسر بذنبها إذا حملت ، من شراستها . والنعوس : التي تغمض عينيها عند الحلب . والعسيب : جريد النخل إذا كشط عنه خوصه . وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة ، وإنما هو اسم ناقته . وكلها صالح أن يكون اسما للناقة . وقد قال ابن هشام : "النعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : "وهو حسير" . ويروى : "داء يخامرها فنحوها . . . " ، ورواية ديوانه"مخزور" . ومحسور ، هو الحسير : الذي قد أعيى وكل . ومخزور : من قولهم : "خزر بصره" : إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه . وهو يصف ناقته ، ويذكر حزنه وحبه لها ، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل .
(78) سيرة ابن هشام 2 : 199 ، والروض الأنف 2 : 38 ، والخزانة 3 : 38 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 . وفي المطبوعة : "من إنفادها" ، وهو خطأ . وقال : قبله :
أَنْشَــأتُ أَسْـأَلُه عَـنْ حَـالِ رُفْقَتِـهِ
فقـال : حَـيَّ, فَـإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا
حي : اعجل . ونصب : جد في السير : وقوله : "جمع" ، هي مزدلفة ، يريد الحج . وقوله : عاقدة ، أي : قد عطفت ذنبها بين فخذيها . وقوله : كارب ، أي أوشك وكاد وقارب ودنا . وأوفدت الناقة إيفادًا : أسرعت . والحقب : الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير . يقول : قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب . والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها ، يقول المخبل السعدي :
وإذَ رَفَعْـــتُ السَّــوْطَ, أفْزَعَهَــا
تَحْــتَ الضُّلُــوعِ مُــرَوِّعٌ شَـهْمُ
وتَسُــدُّ حَاذَيْهَــا بِــذِي خُــصَلٍ
عُقِمَــتْ فنــاعَمَ, نَبْتَــهُ العُقْــمُ
ويقول المثقب العبدي ، يصف ناقته مسرعة :
تَسُــدُّ بِــدَائِمِ الخَــطَرَانِ جَــثْلٍ
خَوايَــةَ فَــرْجِ مِقْــلاَتٍ دَهِيــنِ
(79) الخبر : 2246- هو وما قبله من الأخبار ، في تفسير (شطره) بأنه : قبله ، أو : نحوه . وانظر مؤيدًا ذلك ، ما قاله الشافعي في الرسالة ، بتحقيقنا : 105-111 ، 1378-1381 .
(80) الحديث : 2247- عبد الله بن أبي زياد ، شيخ الطبري : نسب إلى جده . وهو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني" ، واسم"أبي زياد" : "سليمان" . وعبد الله هذا : ثقة ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 2/2/38 .
وشيخه"عثمان" : ما أدري من هو؟ وأغلب الظن أنه محرف ، وصوابه"عفان" .
يحيى بن قمطة : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 4/2/229 ، وابن أبي حاتم 4/2/181 ، وذكر أنه حجازي ، ولم يذكرا فيه جرحًا . وذكر البخاري أنه يروي"عن ابن عمر" . وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي"عن عبد الله بن عمرو" . وذكره ابن حبان في الثقات ، ص : 371 ، وقال : "يروي عن ابن عمر ، وعبد الله بن عمرو" . روى عنه يعلى بن عطاء .
واسم أبيه : "قمطة" بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة . ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف . لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة . ووقع في ابن كثير والمستدرك"قطة" بدون الميم . وهو خطأ ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع .
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .
(81) الحديثان : 2248 ، 2249- وهذان إسنادان آخران للحديث قبلهما . وأولهما من رواية عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء .
وهشيم- بالتصغير : هو ابن بشير ، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة . وهو أبو معاوية بن أبي خازم ، وهو حافظ ثقة ثبت . مترجم في التهذيب . والكبير 4/2/242 ، وابن سعد 7/2/61 ، 70 . وابن أبي حاتم 4/2/115-116 . وتذكرة الحفاظ 1 : 229-230 .
والحديث في تفسير عبد الرزاق ، ص : 13 ، بهذا الإسناد . وليس فيه كلمة"هي" المزادة هنا بعد قوله : "هذه القبلة" . وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة .
وذكر ابن كثير 1 : 352 ، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم"عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء" . ووقع اسم"هشيم" فيه محرفًا ، فيصحح من هذا الموضع .
والحديث في الدر المنثور أيضًا 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، وأحمد بن منيع في مسنده ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير . وهو في مجمع الزوائد 6 : 316 ، وقال : "رواه الطبراني من طريقين ، ورجال إحداهما ثقات" .
(82) الخبر : 2250- نقله السيوطي 1 : 147 ، عن الطبري وحده ، بلفظ : "البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب" .
(83) الحديث : 2251- أبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني .
عميرة -بفتح العين- بن زياد الكندي : تابعي ثقة ، ترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 141 ، وقال : "روى عن عبد الله" . أراد بذلك عبد الله بن مسعود . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/69 . وابن أبي حاتم 3/2/24 . ولم يذكرا فيه جرحًا ، ولا رواية عن غير ابن مسعود . وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق .
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق محمد بن كثير ، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي إسحاق بهذا الإسناد . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 2 ص 3 ، عن الحاكم .
وذكره السيوطي 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والدينوري في المجالسة .
وذكره ابن كثير 1 : 268 ، نقلا عن الحاكم .
ولفظه عندهم جميعًا : "قال : شطره قبله" ، كما أثبتنا . ووقع في المطبوعة هنا : "قال : شطره فينا قبلة"!! وهو خطأ سخيف ، من ناسخ أو طابع .
ووقع في الإسناد في ابن كثير"محمد بن إسحاق" بدل"أبي إسحاق" . وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا ، وما ثبت في سائر المراجع .
ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي -المطبوع والمخطوط-"عمير بن زياد" . وهو خطأ أيضًا . وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم .
(84) الحديث : 2252- الفضل بن الصباح البغدادي : ثقة ، وثقه ابن معين . وقال أبو القاسم البغوي : "كان من خيار عباد الله" . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/2/63 .
عبد الملك : هو ابن أبي سليمان العرزمي ، مضى في : 1455 .
عطاء : هو ابن أبي رباح ، التابعي الكبير ، الإمام الحجة ، القدوة العلم ، مفتي أهل مكة ومحدثهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/330-331 . وتذكرة الحفاظ 1 : 92 : 93 ، وتاريخ الإسلام 4 : 278-280 ، وابن سعد 2/2/133-134 ، و 5 : 344-346 .
أسامة بن زيد بن حارثة : هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه .
وقد زعم أبو حاتم -فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل : ص : 57- أن عطاء لم يسمع من أسامة . ولكن الرواية التالية لهذه ، فيها تصريح عطاء بالسماع منه . ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال ، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث .
وعطاء ولد سنة 27 ومات سنة 114 . بل ذكر الذهبي أنه مات عن 90 سنة . وأسامة بن زيد مات سنة 54 . بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة 58 أو 59 .
وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (5 : 209) ، عن هشيم ، بهذا الإسناد واللفظ . ثم رواه عقبه ، بالإسناد نفسه مطولا ، بنحوه .
(85) الحديث : 2253- ابن حميد : هو محمد بن حميد بن حيان الرازي الحافظ . سبقت رواية الطبري عنه مرارًا كثيرة ، ووثقناه في 2028 . ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره . وأنكروا عليه أحاديث ، وأجاب عنه ابن معين بأن"هذه الأحاديث التي يحدث بها ، ليس هو من قبله ، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم" . وقال الخليلي : "كان حافظًا عالمًا بهذا الشأن ، رضيه أحمد ويحيى" . وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه ، فقال : أما حديثه عن ابن المبارك وجرير ، فصحيح ، وأما حديثه عن أهل الري ، فهو أعلم" . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/69-70 ، وابن أبي حاتم 3/2/232-233 ، والخطيب 2 : 259-264 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 67-69 .
جرير : هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي ، وهو ثقة حجة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 . وابن أبي حاتم 1/1/505-507 ، والخطيب 7 : 253-261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .
فهذا إسناد صحيح ، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد ، كما أشرفا في الإسناد السابق .
والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 210 ح) ، ضمن قصة ، عن يحيى -وهو القطان- عن عبد الملك"حدثنا عطاء ، عن أسامة بن زيد" .
(86) الحديث : 2254- عبد الرحيم بن سليمان : هو المروزي الأشل ، مضت ترجمته : 2030 . والحديث تكرار لسابقه ، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة .
(87) الحديث 2255- سعيد بن يحيى بن سعيد ، الأموي : ثقة ثبت ، بل قال علي بن المديني : "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم . . . وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : أثبت من أبيه" . وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/477 ، وابن أبي حاتم 2/1/74 ، والخطيب 9 : 90-91 . أبوه ، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص : حافظ ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/277 ، وابن سعد 6 : 277-278 ، و 7/2/80-81 . وابن أبي حاتم 4/2/151-152 ، والخطيب 14 : 132-135 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 298 .
والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 208ح) ، عن عبد الرزاق ، وروح - كلاهما عن ابن جريج ، بهذا الإسناد نحوه .
رواه قبل ذلك (ص : 201 ح) عن عبد الرزاق وحده ، مختصرًا ، طوى القصة فلم يذكرها .
وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد ، لأنه -هنا- إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس ، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت . فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة ، من أجل هذا . ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة .
والحديث رواه أيضًا مسلم 1 : 376-377 ، من طريق محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، بهذا الإسناد ، نحو هذه القصة ، أطول منها قليلا .
ورواه البخاري 1 : 420- 421 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، مختصرًا . لم يذكر القصة ، ولم يذكر أنه عن أسامة ، جعله من حديث ابن عباس . وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم ، في مستخرجيهما ، من طريق إسحاق بن راهويه ، عن عبد الرزاق ، بإسناد هذا : "فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد" . قال الحافظ : "وهو الأرجح" .
والخلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين . والراجح صلاته فيها . المثبت مقدم على النافي . وانظر نصب الراية 2 : 319-322 .
(88) انظر تفسير"غافل" فيما سلف 2 : 243-244 ، 315 ، وهذا الجزء 3 : 127 .
وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٤٥﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي" الآية "- (89) بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام, ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا -مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.
* * *
قال أبو جعفر: وأجيبت " لئن " بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب " لو ", فأجيبت بما تجاب به " لو "، لتقارب معنييهما. &; وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى. (90) وأجيبت " لو " بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة، لأن الجزاء مُشابه اليمين: في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره, ولا يتمُّ وحده, ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه. فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت " اللام " الأولى بمنـزلة يَمين، والثانية بمنـزلة جواب لها, كما قيل: " لعمرك لتقومَنَّ" إذ كثرت " اللام " من " لعمرك "، حتى صارت كحرف من حروفه, فأجيب بما يجاب به الأيمان, إذ كانت " اللام " تنوب في الأيمان عن الأيمان، دون سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان. فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. (91) فشبهت " اللام " التي في جواب الأيمان بالأيمان، لما وصفنا, فأجيبت بأجوبَتها.
* * *
فكانَ مَعنى الكلام -إذ كان الأمر على ما وصفنا-: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.
* * *
وأما قوله: " وما أنتَ بتابع قِبلتهم "، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها, وأن النصارى تستقبل المشرقَ, فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها, ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.
* * *
وأما قوله: " وما بعضهم بتابع قبلة بعض "، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ &; 3-186 &; قبلةَ النصارى, ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها، كما:-
2257- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما بعضهم بتاع قبلة بعض "، يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى, ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال: وإنما أنـزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة, قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنـزل الله عز وجل فيهم: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إلى قوله: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . (92)
2258- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض "، مثل ذلك.
* * *
وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم. فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى, فإنه أمر لا سبيل إليه. لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم. من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى, وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود, فدع ما لا سبيل إليه, وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة, وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولئن اتبعت أهواءهم "، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني: فرَجعت إلى قبلتهم.
ويعني بقوله: " من بَعد مَا جَاءك من العلم "، من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق, ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها،" إنك إذًا لمن الظالمين "، يعني: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم, المخالفين أمري, والتاركين طاعتي, وأحدُهم وفي عِدادِهم. (93)
---------------------------
الهوامش:
(89) انظر تفسيره"آية" فيما سلف 1 : 106/2 : 553 .
(90) انظر ما سلف 2 : 458 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 84 .
(91) قوله : "أجوبة الأيمان لنا على الأيمان" هذه عبارة غامضة ، لم أظفر لها بوجه أرتضيه ، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها .
(92) الأثر : 2257- انظر ما مضى رقم : 2204 .
(93) السياق : من عبادي الظلمة . . . وأحدهم ، وفي عدادهم" .
ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه "، أحبارَ اليهود وعلماء النصارى: يقول: يعرف هؤلاء الأحبارُ من اليهود، والعلماءُ من النصارى: أن البيتَ الحرام قبلتُهم وقبلة إبراهيم وقبلةُ الأنبياء قبلك, كما يعرفون أبناءَهم، كما:-
2259- حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يَعرفونه كما يَعرفون أبناءهم "، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلةُ.
2260- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قول الله عز وجل: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم "، يعني: القبلةَ.
2261- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم "، عرفوا أن قِبلة البيت الحرام هي قبلتُهم التي أمِروا بها, كما عرفوا أبناءهم.
2262- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفونَ أبناءهم "، يعني بذلك: الكعبةَ البيتَ الحرام.
2263- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم "، يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء, كما يعرفون أبناءهم. (1)
2264- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال، اليهود يعرفون أنها هي القبلة، مكة.
2265- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال، القبلةُ والبيتُ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وإنّ طائفةً من الذين أوتوا الكتاب -وهُمُ اليهود والنصارى. وكان مجاهد يقول: هم أهل الكتاب.
2266- حدثني محمد بن عمرو -يعني الباهلي- قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بذلك.
2267- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج مثله.
2268- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وقوله: " ليكتمون الحق "، - وذلك الحق هو القبلة =التي وجَّه الله عز وجل إليها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم. يقول: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ = التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى, فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس, ورفضُوا ما أمرهم الله به, وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ تبارك وتعالى, وخيانتهم عبادَه, وكتمانِهم ذلك, وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه, وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافُه، فقال: " ليكتمونَ الحق وهم يعلمون "، أنْ لَيس لَهم كتمانه, فيتعمَّدون معصية الله تبارك وتعالى، كما:- (2)
2269- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: " وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهُمْ يعلمون "، فكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
2270- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليكتمون الحق وَهمْ يعلمون " قال، يكتمون محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
2271- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "، يعني القبلةَ.
---------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة : "يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء" .
(2) من أول قوله : "كما حدثنا بشر بن معاذ" ، إلى حيث نذكر في ص 207 تعليق : 2 موجود في ست عشرة صفحة بقيت من القسم المفقود من النسخة العتيقة .
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿١٤٧﴾
القول في تأويل قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (3) اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده, لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى.
وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام: (4) عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله عز وجل.
يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحقّ الذي أتاك من ربِّك يا محمد، ولا تَكوننَّ من الممترين.
* * *
يعني بقوله: " فلا تكونن من الممترين "، أي: فلا تكونن من الشاكِّين في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره، كما:
2272- حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام: " الحقُّ من ربك فلا تكونن من الممترين "، يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك. (5)
2273- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " فلا تكونن من الممترين " قال، من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما " الممتري" (6) " مفتعل "، من " المرْية ", و " المِرْية " هي الشك, ومنه قول الأعشى:
تَــدِرُّ عَــلَى أَسْــوُقِ المُمْـتَرِينَ
رَكْضًـا, إِذَا مَـا السَّـرَابُ ارْجَحَـــنّ (7)
* * *
ءقال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ كان النبي صلى الله عليه وسلم شَاكَّا في أنّ الحق من رَبه, أو في أن القبلة التي وجَّهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره، حتى نُهي عن الشك في ذلك، فقيل له: " فلا تكونن من الممترين "؟
قيل: ذلك من الكلام الذي تُخرجه العرب مخُرَج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره, كما قال جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [سورة الأحزاب: 1]، ثم قال: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [سورة الأحزاب: 2]. فخرج الكلام مخرج الأمرِ للنبي صلى الله عليه وسلم والنهيِ له, والمراد به أصحابه المؤمنون به. وقد بينا نظيرَ ذلك فيما مضى قبل بما أغنَى عن إعادته. (8)
-------------------
الهوامش :
(3) في المطبوعة : "يقول الله جل ثناؤه" ، وأثبت نص المخطوطة .
(4) في المطبوعة"وهذا من الله تعالى ذكره خبر" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(5) في المطبوعة : "فلا تكن في شك أنها" ، بإسقاط الفاء من"فإنها" .
(6) في المطبوعة : "والممتري" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(7) ديوانه : 20 واللسان (رجحن) من قصيدة سلف بيت منها في 1 : 345 ، 346 ، يصف خيلا مغاوير لقيس بن معديكرب الكندي ، أغارت على قوم مسرعة حثيثة ، فبينا القوم يتمارون فيها إذا بها : -
تُبَـــارِي الزِّجَـــاجَ مَغَاوِيرُهَــا
شَــمَاطِيط فــي رَهَــجٍ كـالدَّخَنْ
تَـــدِرُّ عَـــلَى أســـوُق . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
در الفرس يدر دريرًا ودرة : عدا عدوًا شديدًا . لا يثنيه شيء . والأسوق جمع ساق ، ويجمع أيضًا على سوق وسيقان . يقول : بيناهم يتمارون إذ غشيتهم الخيل فصرعتهم ، فوطئتهم وطئًا شديدًا ، ومرت على سيقانهم عدوًا . وارجحن السراب : ارتفع واتسع واهتز ، وذلك في وقت ارتفاع الشمس .
(8) انظر ما سلف 2 : 484- 488 .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٤٨﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " ولكلّ"، ولكل أهل ملة، (9) فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، كما:-
2274- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولكلِّ وِجْهة " قال، لكل صاحب ملة.
2275- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " ولكلٍّ وجهة هو موليها "، فلليهوديّ وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها, وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة للقِبلة التي هي قبلة. (10)
2276- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال، قلت لعطاء قوله: " ولكل وجهة هو موليها " قال، لكل أهل دين، اليهودَ والنصارَى. قال ابن جريج، قال مجاهد: لكل صاحب مِلة.
2277- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكل وجهة هو موليها " قال، لليهود قبلة, وللنصارى قبلة, ولكم قبلة. يريد المسلمين.
2278- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها "، يعني بذلك أهلَ الأديان: يقول: لكلٍّ قبلةٌ يرضَونها, ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون. وذلك أن الله تعالى ذكره قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 115]
2279- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولكلٍّ وجْهة هو موليها "، يقول: لكل قوم قبلة قد ولَّوْها.
* * *
فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها، ومولٍّ وجهه إليها.
* * *
وقال آخرون بما:-
2280- حدثنا به الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " ولكل وجهة هو موليها " قال، هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة.
* * *
وتأويل قائل هذه المقالة: ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربّك يا محمد قبلة، اللهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه.
* * *
وأما " الوِجهة "، فإنها مصدر مثل " القِعدة " و " المِشية "، من " التوجّه ". وتأويلها: مُتوَجِّهٌ، يتوجَّه إليه بوَجهه في صلاته، (11) كما:-
2281- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وجهة " قبلةٌ.
2282- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2283- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " ولكل وجهة " قال، وَجْه.
2284- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وِجْهة "، قِبلة.
2285- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، قلت لمنصور: " ولكل وجْهة هو مولِّيها " قال، نحن نقرؤها، ولكلٍّ جَعلنا قِبلة يرضَوْنها. (12)
* * *
وأما قوله: " هو مُولِّيها "، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها، (13) كما:-
2286- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " هو موليها " قال، هو مستقبلها.
2287- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
* * *
ومعنى " التوْلية " هاهنا الإقبال, كما يقول القائل لغيره: " انصرِف إليّ" بمعنى: أقبل إليّ." والانصراف " المستعمل، إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: " انصرفَ إلى الشيء "، بمعنى: أقبل إليه منصرفًا عن غيره. وكذلك يقال: " ولَّيت عنه "، إذا أدبرت عنه. ثم يقال: " ولَّيت إليه "، بمعنى أقبلت إليه مولِّيًا عن غيره. (14)
* * *
والفعل -أعني" التولية "- في قوله: " هو موليها " لل " كل ". و " هو " التي مع " موليها "، هو " الكل "، وحُدَّت للفظ " الكل ".
* * *
فمعنى الكلام إذًا: ولكل أهل مِلة وجهة, الكلُّ. منهم مولُّوها وجُوهَهم. (15)
* * *
وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها: " هو مُولاها "، بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها. ويكون " الكل " حينئذ غير مسمًّى فاعله، (16) ولو سُمي فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذي ملة وجهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها, بمعنى: موجِّهه إليها.
* * *
وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: " ولكُلٍّ وِجهةٍ" بترك التنوين والإضافة. وذلك لحنٌ, ولا تجوز القراءةُ به. لأن ذلك -إذا قرئ كذلك- كان الخبرُ غير تامٍّ, وكان كلامًا لا معنى لَه. وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.
* * *
والصواب عندنا من القراءة في ذلك: " ولكلٍّ وِجهةٌ هُوَ مُولِّيها "، بمعنى: ولكلٍّ وجهةٌ وقبلةٌ، ذلك الكُلّ مُولّ وجهه نحوها. لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها, وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاءَ به النقلُ مستفيضًا فحُجة, وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، (17) فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فاستبقوا "، فبادروا وسَارعوا, من " الاستباق ", وهو المبادرة والإسراع، كما:-
2288- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " فاستبقوا الخيرات "، يقول: فسارعوا في الخيرات. (18)
* * *
وإنما يعني بقوله: " فاستبقوا الخيرات "، أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم, فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم, وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، (19) فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، (20) فلا عذر لكم في التفريط, وحافظوا على قبلتكم, فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، (21) فتضلُّوا كما ضلت؛ كالذي:-
2289- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فاستبقوا الخيرات "، يقول: لا تُغلَبُنَّ على قبلتكم.
2290- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فاستبقوا الخيرات " قال، الأعمال الصالحة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: " أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا "، في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، (22) يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير، كما:-
2291- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أينما تكونوا يَأت بكمُ الله جميعًا "، يقول: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة.
2291م- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أينما تكونوا يَأت بكم الله جميعًا "، يعني: يومَ القيامة.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما حضَّ الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوُّد في الدنيا للآخرة, فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم, ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه, فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالفَ قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعًا يوم القيامة، من حيث كنتُم من بقاع الأرض, حتى يوفِّيَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه، (23) والمسيء عقابه بإساءته, أو يتفضّل فيصفح.
* * *
وأما قوله: " إنّ الله على كل شيء قدير "، فإنه تعالى ذكره يعني: إنّ الله تعالى على جَمْعكم -بعد مماتكم- من قبوركم إليه، من حيث كنتم وكانت قبوركم ، وعلى غير ذلك مما يشاء، قديرٌ. (24) فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليومَ بعثكم وَحشركم.
--------------
(9) في المطبوعة والمخطوطة : " . . . تعالى ذكره ولكل أهل ملة" ، والصواب ما أثبت .
(10) في المطبوعة : " فلليهود وجهة هو موليها" ، و"وللنصارى قبلة هو موليها" ، والصواب من المخطوطة . وفيها أيضًا : "التي هي قبلته" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جبد .
(11) في المطبوعة : "يتوجه إليها" ، وأثبت ما في المخطوطة . وانظر معاني القرآن للفراء : 90"وجهة" .
(12) قوله : "نقرؤها" ، لا يعني أنها قراءة في قراآت القرآن ، وإنما يعني دراستها والتفقه في معانيها .
(13) في المطبوعة : "مستقبلها" بحذف الواو ، وهي جيدة .
(14) انظر معنى"التولية" فيما سلف 2 : 535 ، وهذا الجزء 3 : 175 وانظر أيضًا 2 : 162 ، ثم هذا الجزء 3 : 115 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 85 .
(15) في المطبوعة : "لكل منهم مولوها" ، وهو كلام مختل ، والصواب من المخطوطة .
(16) في المطبوعة : "ويكون الكلام حينئذ" ، والصواب من المخطوطة .
(17) في المطبوعة : "السهو والخطأ" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(18) في المطبوعة : "يعني : فسارعوا" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(19) في المطبوعة : "لأخراكم" ، وهما سواء في المعنى .
(20) في المطبوعة : "سبيل النجاة" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(21) في المطبوعة : "ولا تضيعوها كما ضيعها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي أجود .
(22) انظر القول في تفسير"أينما" في معاني القرآن للفراء 1 : 85-89 .
(23) في المخطوطة : "حتى يؤتي المحسن منكم جزاءه" ، ولا بأس بها .
(24) في المطبوعة : "من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك" ، أسقط منها الناسخ .
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٩﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ومن حيث خرجت "، ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ، فولِّ يا محمد وَجهك - يقول: حوِّل وَجْهك. وقد دللنا على أن " التولية " في هذا الموضع شطر المسجد الحرام, إنما هي: الإقبالُ بالوجه نحوه. وقد بينا معنى " الشطر " فيما مضى. (25)
* * *
وأما قوله: " وإنه للحق من ربك "، فإنه يعني تعالى ذكره: وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك, فحافظوا عليه, وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله.
* * *
وأما قوله: " ومَا الله بغافل عَما تَعملون "، فإنه يقول: فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم، ولا بغافل عنها, ولكنه محصيها لكم، حتى يجازيكم بها يوم القيامة. (26)
* * *
---------------------
الهوامش :
(25) انظر ما سلف في"التولية" في هذا الجزء 3 : 194 تعليق : 3 ، وما سلف في تفسير : "شطر" في هذا الجزء 3 : 175 .
(26) انظر معنى"غافل" فيما سلف من هذا الجزء 3 : 174 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .