At-Tabari
· Al-A'raafOuvrir dans le lecteurوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ ﴿١٧٢﴾
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
القول في تأويل قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم , فقررهم بتوحيده , وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك , وإقرارهم به . كما : 11915 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي , قال : ثنا الحسين بن محمد , قال : ثنا جرير بن حازم , عن كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان " يعني عرفة " فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها , فنثرهم بين يديه كالذر , ثم كلمهم فتلا فقال : ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا الآية - إلى { ما فعل المبطلون } " . 11916 - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , قال : ثنا كلثوم بن جبر , قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : سألت عنها ابن عباس , فقال : مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا , وأشار بيده , فأخذ مواثيقهم , وأشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى } * حدثنا ابن وكيع ويعقوب قالا : ثنا ابن علية , قال : ثنا كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } قال : مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة , وأخذ ميثاقهم { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } اللفظ لحديث يعقوب . 11917 - وحدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية , قال ربيعة بن كلثوم , عن أبيه في هذا الحديث : { قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } * حدثنا عمرو , قال : ثنا عمران بن عيينة , قال : أخبرنا عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : أول ما أهبط الله آدم , أهبطه بدجني , أرض بالهند , فمسح الله ظهره , فأخرج منه كل نسمة هو بارئها إلى أن تقوم الساعة , ثم أخذ عليهم الميثاق : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمران بن عيينة , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : أهبط آدم حين أهبط , فمسح الله ظهره , فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , ثم قال { ألست بربكم قالوا بلى } , ثم تلا : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } فجف القلم من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة . 11918 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن عيسى , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : لما خلق الله آدم , أخذ ذريته من ظهره مثل الذر , فقبض قبضتين , فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام , وقال للآخرين : ادخلوا النار ولا أبالي . 11919 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الأعمش , عن حبيب , عن ابن عباس , قال : مسح الله ظهر آدم , فأخرج كل طيب في يمينه , وأخرج كل خبيث في الأخرى . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن علية , عن شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : مسح الله ظهر آدم , فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عمرو بن أبي قيس , عن عطاء , عن سعيد , عن ابن عباس : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : لما خلق الله آدم مسح ظهره بدجني , وأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , فقال : { ألست بربكم قالوا بلى } قال : فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن المسعودي , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه , فمسح ظهره , فأخذ ذريته كهيئة الذر , فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم , وأشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى } * قال : ثنا يزيد بن هارون , عن المسعودي , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : لما خلق الله آدم , أخذ ميثاقه أنه ربه , وكتب أجله ومصائبه , واستخرج ذريته كالذر , وأخذ ميثاقهم , وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ربيعة بن كلثوم بن جبر , عن أبيه سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم } قال : مسح الله ظهر آدم عليه السلام وهو ببطن نعمان , واد إلى جنب عرفة , وأخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر , ثم أشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } 11920 - قال : ثنا أبي , عن أبي هلال , عن أبي حمزة الضبعي , عن ابن عباس , قال : أخرج الله ذرية آدم عليه السلام من ظهره كهيئة الذر , وهو في آذي من الماء . 11921 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا ضمرة بن ربيعة , قال : ثنا أبو مسعود , عن جويبر , قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام , قال : فقال : يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده , فأبرز وجهه , وحل عنه عقده , فإن ابني مجلس ومسئول ! ففعلت به الذي أمرني , فلما فرغت , قلت : يرحمك الله , عم يسأل ابنك ؟ قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم عليه السلام . قلت : يا أبا القاسم , وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟ قال : ثني ابن عباس أن الله مسح صلب آدم , فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , وأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه , ولا يشركوا به شيئا , فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ , فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول , ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به لم ينفعه الميثاق الأول , ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. 11922 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني السري بن يحيى , أن الحسن بن أبي الحسن , حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد , قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات , قال : فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة , فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاشتد عليه , ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ " فقال رجل : يا رسول الله , أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : " إن خياركم أولاد المشركين , ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة , فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها , فأبواها يهودانها أو ينصرانها " . قال الحسن : والله لقد قال الله ذلك في كتابه , قال : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } 11923 - حدثنا عبد الرحمن بن الوليد , قال : ثنا أحمد بن أبي طيبة , عن سفيان , عن سعيد , عن الأجلح , عن الضحاك , وعن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس , فقال لهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى , قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ". 11924 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو , في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخذهم كما يأخذ المشط من الرأس . * حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخذهم كما يأخذ المشط عن الرأس . قال ابن حميد : كما يؤخذ بالمشط . 11925 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري , قال : ثنا روح بن عبادة , وسعد بن عبد الحميد بن جعفر بن مالك بن أنس , عن زيد بن أبي أنيسة , عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب , عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } فقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية , فقال : خلقت هؤلاء للجنة , وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية , فقال : خلقت هؤلاء للنار , وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ قال : " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة ; وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار فيدخله النار " . * حدثنا إبراهيم , قال : ثنا محمد بن المصفى , عن بقية , عن عمرو بن جعثم القرشي , قال : ثني زيد بن أبي أنيسة , عن عبد الحميد بن عبد الرحمن , عن مسلم بن يسار , عن نعيم بن ربيعة , عن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه . 11926 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن عمارة , عن أبي محمد رجل من المدينة , قال : سألت عمر بن الخطاب عن قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه كما سألتني , فقال : " خلق الله آدم بيده , ونفخ فيه من روحه , ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى , فأخرج ذرءا , فقال : ذرء ذرأتهم للجنة , ثم مسح ظهره بيده الأخرى , وكلتا يديه يمين , فقال : ذرء ذرأتهم للنار , يعملون فيما شئت من عمل , ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار " . * حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : إن الله خلق آدم , ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر , فقال لهم : من ربكم ؟ قالوا : الله ربنا , ثم أعادهم في صلبه , حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة . 11927 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } إلى قوله : { قالوا بلى شهدنا } قال ابن عباس : إن الله لما خلق آدم مسح ظهره , وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر , فأنطقهم فتكلموا , وأشهدهم على أنفسهم , وجعل مع بعضهم النور , وإنه قال لآدم : هؤلاء ذريتك آخذ عليهم الميثاق , أنا ربهم , لئلا يشركوا بي شيئا , وعلي رزقهم . قال آدم : فمن هذا الذي معه النور ؟ قال : هو داود . قال : يا رب كم كتبت له من الأجل ؟ قال : ستين سنة . قال : كم كتبت لي ؟ قال : ألف سنة , وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمر وكم يلبث . قال : يا رب زده ! قال : هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك . قال : نعم. وقد جف القلم عن أجل سائر بني آدم , فكتب له من أجل آدم أربعين سنة , فصار أجله مائة سنة . فلما عمر تسعمائة سنة وستين جاءه ملك الموت ; فلما رآه آدم , قال : ما لك ؟ قال له : قد استوفيت أجلك . قال له آدم : إنما عمرت تسعمائة وستين سنة , وبقي أربعون سنة. قال : فلما قال ذلك للملك , قال الملك : قد أخبرني بها ربي . قال : فارجع إلى ربك فاسأله ! فرجع الملك إلى ربه , فقال : ما لك ؟ قال : يا رب رجعت إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه . قال الله : ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة ! 11928 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن الزبير بن موسى , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : إن الله تبارك وتعالى ضرب منكبه الأيمن , فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية , فقال : هؤلاء أهل الجنة . ثم ضرب منكبه الأيسر , فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء , فقال : هؤلاء أهل النار . ثم أخذ عهودهم على الإيمان والمعرفة له ولأمره , والتصديق به وبأمره بني آدم كلهم , فأشهدهم على أنفسهم , فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا. وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل . قال ابن جريج عن مجاهد , قال : إن الله لما أخرجهم قال : يا عباد الله أجيبوا الله - والإجابة : الطاعة - فقالوا : أطعنا , اللهم أطعنا , اللهم أطعنا , اللهم لبيك ! قال : فأعطاها إبراهيم عليه السلام في المناسك : لبيك اللهم لبيك . قال : ضرب متن آدم حين خلقه . قال : وقال ابن عباس : خلق آدم , ثم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر , فكلمهم , ثم أعادهم في صلبه , فليس أحد إلا وقد تكلم فقال : ربي الله . فقال : وكل خلق خلق فهو كائن إلى يوم القيامة وهي الفطرة التي فطر الناس عليها . قال ابن جريج , قال سعيد بن حبير : أخذ الميثاق عليهم بنعمان - ونعمان من وراء عرفة - أن يقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هذا غافلين } عن الميثاق الذي أخذ عليهم . 11929 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن أبي جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية , عن أبي بن كعب , قال : جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة , ثم استنطقهم , وأخذ عليهم الميثاق { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ؟ قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع , وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا , اعلموا أنه لا إله غيري , ولا رب غيري , ولا تشركوا بي شيئا , وسأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي , وسأنزل عليكم كتبي ! قالوا : شهدنا أنك ربنا وإلهنا , لا رب لنا غيرك , ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة , ورفع عليهم أباهم آدم , فنظر إليهم , فرأى منهم الغني والفقير , وحسن الصورة , ودون ذلك , فقال : رب لولا ساويت بينهم ! قال : فإني أحب أن أشكر . قال : وفيهم الأنبياء عليهم السلام يومئذ مثل السرج. وخص الأنبياء بميثاق آخر , قال الله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } 33 7 وهو الذي يقول تعالى ذكره : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } 30 30 وفي ذلك قال : { هذا نذير من النذر الأولى } 53 56 يقول : أخذنا ميثاقه مع النذر الأولى , ومن ذلك قوله : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } 7 102 { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } 10 74 قال : كان في علمه يوم أقروا به من يصدق ومن يكذب . 11930 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } قال : أخرجهم من ظهر آدم , وجعل لآدم عمر ألف سنة , قال : فعرضوا على آدم , فرأى رجلا من ذريته له نور فأعجبه , فسأل عنه , فقال : هو داود , قد جعل عمره ستين سنة , فجعل له من عمره أربعين سنة ; فلما احتضر آدم , جعل يخاصمهم في الأربعين سنة , فقيل له : إنك أعطيتها داود , قال : فجعل يخاصمهم . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد , في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر , فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم , قال : فعرض عليه روح داود في نور ساطع , فقال : من هذا ؟ قال : هذا من ذريتك نبي خليفة , قال : كم عمره ؟ قال : ستون سنة , قال : زيدوه من عمري أربعين سنة ! قال : والأقلام رطبة تجري . فأثبت لداود الأربعون , وكان عمر آدم عليه السلام ألف سنة ; فلما استكملها إلا الأربعين سنة , بعث إليه ملك الموت , فقال : يا آدم أمرت أن أقبضك , قال : ألم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : فرجع ملك الموت إلى ربه , فقال : إن آدم يدعي من عمره أربعين سنة , قال : أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة ! فأثبتت لداود . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو داود , عن يعقوب , عن جعفر , عن سعيد بنحوه. 11931 - قال : ثنا ابن فضيل وابن نمير , عن عبد الملك , عن عطاء : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق , ثم ردهم في صلبه . 11932 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن نضر بن عربي : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق , ثم ردهم في صلبه. 11933 - قال : ثنا محمد بن عبيد , عن أبي بسطام , عن الضحاك , قال : حيث ذرأ الله خلقه لآدم , قال : خلقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى. * حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : قال ابن عباس : خلق الله آدم , ثم أخرج ذريته من ظهره , فكلمهم الله وأنطقهم , فقال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى , ثم أعادهم في صلبه , فليس أحد من الخلق إلا قد تكلم فقال ربي الله , وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان يومئذ أشهد على نفسه. 11934 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمر بن طلحة , عن أسباط , عن السدي : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } وذلك حين يقول تعالى ذكره : { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } 3 83 وذلك حين يقول : { فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } 6 149 يعني : يوم أخذ منهم الميثاق , ثم عرضهم على آدم عليه السلام. 11935 - قال : ثنا عمر , عن أسباط , عن السدي , قال : أخرج الله آدم من الجنة , ولم يهبط من السماء , ثم مسح صفحة ظهره اليمنى , فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر , فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي ! ومسح صفحة ظهره اليسرى , فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر , فقال : ادخلوا النار ولا أبالي ! فذلك حين يقول : " وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال " ثم أخذ منهم الميثاق , فقال : { ألست بربكم قالوا بلى } , فأطاعه طائفة طائعين , وطائفة كارهين على وجه التقية . 11936 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمر , قال : ثنا أسباط , عن السدي بنحوه , وزاد فيه بعد قوله : وطائفة على وجه التقية , فقال هو والملائكة : شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم . فلذلك ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله , ولا مشرك إلا وهو يقول لابنه : { إنا وجدنا آباءنا على أمة } والأمة : الدين { وإنا على آثارهم مقتدون } 43 23 وذلك حين يقول الله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } وذلك حين يقول : { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } 3 83 وذلك حين يقول : { فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } 6 149 يعني يوم أخذ منهم الميثاق. 11937 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن الكلبي : { من ظهورهم ذرياتهم } قال : مسح الله على صلب آدم , فأخرج من صلبه من ذريته ما يكون إلى يوم القيامة , وأخذ ميثاقهم أنه ربهم , فأعطوه ذلك , ولا يسأل أحد كافر ولا غيره : من ربك ؟ إلا قال : الله. وقال الحسن مثل ذلك أيضا . 11938 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص بن غياث , عن جعفر , عن أبيه , عن علي بن حسين أنه كان يعزل , ويتأول هذه الآية : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } 11939 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي في قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها . 11940 - حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي , قال : ثنا بقية بن الوليد , قال : ثني الزبيدي , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة النضري , عن أبيه , عن هشام بن حكيم : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : يا رسول الله , أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم , ثم أشهدهم على أنفسهم , ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار , فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة , وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " . * حدثني محمد بن عوف الطائي , قال : ثنا حيوة ويزيد , قالا : ثنا بقية , عن الزبيدي , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة النضري , عن أبيه , عن هشام بن حكيم , عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . * حدثني أحمد بن شبوية , قال : ثنا إسحاق بن إبراهيم , قال : ثنا عمرو بن الحارث , قال : ثنا عبد الله بن مسلم , عن الزبيدي , قال : ثنا راشد بن سعد أن عبد الرحمن بن قتادة , حدثه أن أباه حدثه أن هشام بن حكيم حدثه أنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فذكر مثله . * حدثنا محمد بن عوف , قال : ثني أبو صالح , قال : ثنا معاوية , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة , عن هشام بن حكيم , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه . واختلف في قوله : { شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } فقال السدي : هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنه جل ثناؤه قال هو وملائكته إذ أقر بنو آدم بربوبيته حين قال لهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . فتأويل الكلام على هذا التأويل : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم , وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى. فقال الله وملائكته : شهدنا عليكم بإقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فيما مضى والخبر الآخر الذي روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك . وقال آخرون : ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض , حين أشهد الله بعضهم على بعض . وقالوا : معنى قوله : { وأشهدهم على أنفسهم } وأشهدهم بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك , وقد ذكرت الرواية بذلك أيضا عمن قاله قبل . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب , ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان صحيحا , ولا أعلمه صحيحا ; لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم وإتقانهم حدثوا بهذا الحديث عن الثوري , فوقفوه على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه , ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طيبة عنه. وإن لم يكن ذلك عنه صحيحا , فالظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بني آدم بعضهم لبعض , لأنه جل ثناؤه قال : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } فكأنه قيل : فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا , فقالوا : بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿١٧٣﴾
القول في تأويل قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم, كيلا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ , إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه = أو تقولوا: (إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)، اتبعنا منهاجهم =(أفتهلكنا)، بإشراك من أشرك من أبائنا, واتباعنا منهاجَهم على جهل منا بالحق؟ ويعني بقوله: (بما فعل المبطلون)، بما فعل الذين أبطلوا في دَعواهم إلهًا غير الله.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأ بعض المكيين والبصريين: " أَنْ يَقُولُوا " بالياء, بمعنى: شهدنا لئلا يقولوا، على وجه الخبر عن الغَيَب.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (أَنْ تَقُولُوا)، بالتاء على وجه الخطابِ من الشهود للمشهود عليهم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متَّفقتَا التأويل، وإن اختلفت ألفاظهما, لأن العرب تفعل ذلك في الحكاية, كما قال الله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ و (لَيُبَيِّنُنَّهُ) [سورة آل عمران: 187] , وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (74)
-----------------
الهوامش :
(74) انظر ما سلف في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما .
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿١٧٤﴾
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما فصلنا يا محمد لقومك آيات هذه السورة, وبيّنا فيها ما فعلنا بالأمم السالفة قبلَ قومك, (75) وأحللنا بهم من المَثُلات بكفرهم وإشراكهم في عبادتي غيري, كذلك نفصل الآيات غيرِها ونبيّنها لقومك, لينـزجروا ويرتدعوا, فينيبوا إلى طاعتي ويتوبوا من شركهم وكفرهم, فيرجعوا إلى الإيمان والإقرار بتوحيدي وإفراد الطاعة لي وترك عبادة ما سواي.
----------------
الهوامش :
(75) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 106 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك = وتفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي) .
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾
القول في تأويل قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " واتل "، يا محمد، على قومك = " نبأ الذي آتيناه آياتنا ", يعني خبره وقصته. (76)
* * *
وكانت آيات الله للذي آتاه الله إياها فيما يقال: اسم الله الأعظم = وقيل: النبوّة.
* * *
واختلف أهل التأويل فيه.
فقال بعضهم: هو رجل من بني إسرائيل. (77)
* ذكر من قال ذلك:
15381 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله في هذه الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بَلْعَم.
15382 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله, مثله.
15383 - .... قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله قال: هو بلعم بن أَبَر.
15384 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر.
15385 - حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبي عدي، قالوا: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية, فذكر مثله =ولم يقل: " بن أبر ".
15386 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أَبَر.
15387 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عمران بن الحارث, عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعر.
15388 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) إلى (فكان من الغاوين)، هو بلعم بن أبَر.
15389 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري, عن الأعمش, عن منصور عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, مثله =إلا أنه قال ابن أَبُر, بضم " الباء ".
15390 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
15391 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فانسلخ منها) قال: بلعام بن باعر, من بني إسرائيل.
15392 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول, فذكر مثله.
15393 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير, أنه سمع مجاهدًا يقول, فذكر مثله.
15394 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن وابن أبي عدي, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال في الذي (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بلعام.
15395 - وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.
15396 - .... قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.
15397 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر قال: حدثنا شعبة, عن حصين قال: سمعت عكرمة يقول: هو بلعام.
15398 - حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن حصين, عن مجاهد قال: هو بلعم.
15399 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: هو بلعم. =
وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. (78)
* * *
وقال آخرون: كان بلعم هذا من أهل اليمن.
* ذكر من قال ذلك:
15400 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل يدعى بلعم، من أهل اليمن.
* * *
وقال آخرون: كان من الكنعانيين.
* ذكر من قال ذلك:
15401 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
* * *
وقال آخرون: هو أمية بن أبي الصلت.
* ذكر من قال ذلك:
15402 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سعيد بن السائب, عن غطيف بن أبي سفيان, عن يعقوب ونافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت. (79)
15403 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبُكم أمية بن أبي الصلت. (80)
15404 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير قالا حدثنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو، بمثله.
15405 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن رجل, عن عبد الله بن عمرو: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ قال: هو أمية بن أبي الصلت.
15406 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو صاحبكم = يعني أمية بن أبي الصلت.
15407 - .... قال: حدثنا أبي, عن سفيان عن حبيب, عن رجل، عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية بن أبي الصلت.
15408 - .... قال: حدثنا يزيد, عن شريك, عن عبد الملك, عن فضالة =أو ابن فضالة= عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية.
15409 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية: (فانسلخ منها)، فقال بعضهم: نـزلت في بلعم بن باعوراء, وقال بعضهم: نـزلت في الراهب. (81) = فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص, فقالوا: فيمن نـزلت هذه؟ قال: نـزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.
15410 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت, وقال قتادةُ: يشكّ فيه, يقول بعضهم: بلعم, ويقول بعضهم: أمية بن أبي الصلت.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في الآيات التي كان أوتيها، التي قال جل ثناؤه: (آتيناه آياتنا) .
فقال بعضهم: كانت اسمَ الله الأعظم.
* ذكر من قال ذلك:
15411 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: إن الله لما انقضت الأربعون سنة = يعني التي قال الله فيها: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، [سورة المائدة: 26] بعث يوشع بن نون نبيًّا, فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبَّارين, فبايعوه وصدَّقوه. وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: " بلعم " وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم, فكفر، وأتى الجبارين, فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل, فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون ! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا, غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ, (82) فكان ينكح أتانًا له, (83) وهو الذي يقول الله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، : أي تبصَّر، (84) فانسلخ منها, إلى قوله: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ . (85)
15412 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: هو رجل يقال له: " بلعم ", وكان يعلم اسم الله الأعظم.
15413 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: كان لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.
* * *
وقال آخرون: بل الآيات التي كان أوتيها كتابٌ من كتب الله.
* ذكر من قال ذلك:
15414 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد، وعكرمة, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابًا. (86) وقال آخرون: بل كان أوتي النبوّة.
* ذكر من قال ذلك:
15415 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد, عن غيره = قال: الحارث: قال عبد العزيز: يعني: عن غير نفسه=، عن مجاهد قال: هو نبي في بني إسرائيل, يعني بلعم, أوتي النبوّة, فرشاه قومه على أن يسكت, ففعل وتركهم على ما هُمْ عليه.
15416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, أنه سُئل عن الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، فحدّث عن سَيَّار أنه كان رجلا يقال له " بلعام ", وكان قد أوتي النبوّة, وكان مجابَ الدعوة. (87)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه خبرَ رجلٍ كان الله آتاه حُجَجه وأدلته, وهي " الآيات ".
وقد دللنا على أن معنى " الآيات ": الأدلة والأعلام، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (88) =
وجائز أن يكونَ الذي كان الله آتاه ذلك " بلعم " =وجائز أن يكون أمية. وكذلك " الآيات " إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنـزلها على بعض أنبيائه, فتعلمها الذي ذكره الله في هذه الآية, وعناه بها; فجائز أن يكون الذي كان أوتيها " بلعم " =وجائز أن يكون " أمية ", لأن " أمية " كان، فيما يقال، قد قرأ من كتب أهل الكتاب.
وإن كانت بمعنى كتاب أنـزله الله على مَنْ أمر نبيَّ الله عليه الصلاة والسلام أن يتلوَ على قومه نبأه =أو بمعنى اسم الله الأعظم= أو بمعنى النبوّة =, فغير جائز أن يكون معنيًّا به " أمية "; لأن " أمية " لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ ، يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أيِّ ذلك المعنيُّ به من أيٍّ. (89) فالصواب أن يقال فيه ما قال الله, ونُقِرّ بظاهر التنـزيل على ما جاء به الوحي من الله.
* * *
وأما قوله: (فانسلخ منها)، فإنه يعني: خرج من الآيات التي كان الله آتاها إياه, فتبرَّأ منها.
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15417 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما نـزل موسى عليه السلام .... (90) =يعني بالجبارين= ومن معه، أتاه =يعني بلعم= أتاه بنُو عمّه وقومُه، (91) فقالوا: إن موسى رجلٌ حديد, ومعه جنودٌ كثيرة, وإنه إنْ يظهر علينا يهلكنا. فادع الله أن يردَّ عنَّا موسى ومن معه. قال: إني إنْ دعوت الله أن يردَّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي! فلم يزالوا به حتى دعا عليهم, فسلخه الله مما كان عليه, فذلك قوله: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) .
15418 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: كان الله آتاه آياته فتركها.
15419 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فانسلخ منها) قال: نـزع منه العلم.
* * *
وقوله: (فأتبعه الشيطان)، يقول: فصيَّره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله, ويخالف أمر ربِّه في معصية الشيطان وطاعةِ الرحمن.
* * *
وقوله: (فكان من الغاوين)، يقول: فكان من الهالكين، لضلاله وخلافه أمر ربه، وطاعة الشيطان. (92)
------------------
الهوامش :
(76) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف : 12 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك = وتفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 7 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(77) انظر خبر (( بلعم بن باعور )) في تاريخ الطبري 1 : 226 - 228 .
(78) هذه الجملة ، (( وقالت ثقيف ... )) ، حذفت من المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة ، ولا أدري أهي من كلام أبي جعفر ، أم كلام ابن عباس ، أو من كلام بعض رواة خبر ابن عباس . والأرجح أنها من قول بعض رواة الخبر .
(79) (2) الأثر : : 15402 - (( سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي )) ، (( سعيد بن أبي حفص )) ثقة ، كان بعضهم يعده من الأبدال ، وكانت لا تجف له دمعة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 439 ، وابن أبي حاتم 2/1/30 . و (( غطيف بن أبي سفيان الطائفي )) أو (( غضيف )) ، تابعى ثقة . مترجم في التهذيب 0 ( غضيف ) ، والكبير 4/1/106 ( غطيف ) ، وابن أبي حاتم 3/2/55 ، (غضيف ) . وكان في المطبوعة : (( غضيف )) ، وأثبت ما في المخطوطة . و (( نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي )) ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 84 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 454 .
(80) الأثر : 15403 - (( يعلى بن عطاء العامري الطائفي )) ، مضى برقم : 2858 ، 11527 ، 11529 . (( نافع بن عاصم الثقفي )) ، مضى في الأثر السالف ، ولذلك قال له عبد الله بن عمرو : (( هو صاحبكم )) ، لأنه ثقفي مثله .
(81) (( الراهب )) ، هو (( أبو عامر الراهب ، عبد عمرو بن صيفي من مالك بن النعمان )) ، كان يسمى في الجاهلية (( الراهب )) ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أبا عامر الفاسق )) ، وخبره مشهور في السير .
(82) في المطبوعة : (( النساء يعظمهن )) ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد . وإنما عنى عظم نساء الجبارين ، وقد وصفوا بأجسام لا يعرف قدرها إلا الله .
(83) (( الأتان )) أنثى الحمار .
(84) في المطبوعة : (( أي تنصل )) ، وأثبت ما في المخطوطة . أما في التاريخ : (( فبصر )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(85) الأثر : 15411 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 227 ، 228 ، وسيأتي بتمامه برقم : 15423 .
(86) الأثر : 15414 - سيأتي مطولا برقم : 15432.
(87) الأثر : 15416 - سيأتي بطوله برقم 15420 .
(88) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .
(89) ( 1) السياق : (( ولا خبر بأي ذلك المراد ، وأي الرجلين المعنى ... ولا في العقل دلالة على أي ذلك المعنى به من أي )) . وانظر تفسير (( أي ذلك من أي )) فيما سلف ص : 182 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( على أن ذلك المعنى به من أي )) ، والصواب ما أثبت .
(90) في المخطوطة ، بياض بعد (( عليه السلام )) ، وبالهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ .
(91) في المطبوعة ، حذف (( أتاه )) الثانية .
(92) انظر تفسير (( غوى )) فيما سلف 5 : 416 / 12 : 333 / 13 : 114 .
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٧٦﴾
القول في تأويل قوله : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه =(ولكنه أخلد إلى الأرض) يقول: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها, وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة= " واتبع هواه ", ورفض طاعة الله وخالَف أمرَه.
* * *
وكانت قصة هذا الذي وصف الله خبرَه في هذه الآية, على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره, ما:-
15420 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه: أنه سئل عن الآية: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ، فحدّث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام, وكان قد أوتي النبوّة, وكان مجاب الدعوة (93) قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام =أو قال الشأم= قال: فرُعب الناس منه رعْبًا شديدًا. قال: فأتوا بلعام, (94) فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه ! قال: حتى أُوَامر ربّي =أو حتى أؤامر (95) = قال: فوامر في الدعاء عليهم, (96) فقيل له: لا تدع عليهم، فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم! قال: فقال لقومه: إني قد وَامَرْتُ ربي في الدعاء عليهم, (97) وإني قد نهيت. قال: فأهدوا إليه هدية فقبلها. ثم راجعوه، فقالوا: ادع عليهم! فقال: حتى أوامر! فوامر، فلم يَحُر إليه شيء. (98) قال: فقال: قد وامرت فلم يَحُرْ إليَّ شيء! (99) فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرةَ الأولى. (100) قال: فأخذ يدعو عليهم, فإذا دعا عليهم جَرَى على لسانه الدُّعاء على قومه; وإذا أراد أن يدعو أن يُفْتَح لقومه, دعا أن يفتَح لموسى وجيشه =أو نحوا من ذلك إن شاء الله. فقال: فقالوا ما نراك تدعو إلا علينا! قال: ما يجري على لساني إلا هكذا, ولو دعوت عليه ما استجيب لي, ولكن سأدلّكم على أمرٍ عَسَى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله يُبْغِض الزنا, وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا, ورجوت أن يهلكهم الله, فأخرجوا النساء فليستقبلنهم، (101) وإنهم قوم مسافرون, فعسى أن يزنُوا فيهلكوا. قال: ففعلوا، وأخرجوا النساء يستقبلنهم. (102) قال: وكان للملك ابنة, فذكر من عِظَمها ما الله أعلم به! قال: فقال أبوها، أو بلعام: لا تُمْكِني نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا. قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل, فأرادها على نفسه قال: فقالت: ما أنا بممكنةِ نفسِي إلا من موسى! قال: فقال: إنّ من منـزلتي كذا وكذا, وإن من حالي كذا وكذا! قال: فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه. (103) قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما قال: وأيَّده الله بقوة فانتظمهما جميعًا, ورفعهما على رمحه. (104) قال: فرآهما الناس =أو كما حدَّث. قال: وسلط الله عليهم الطاعون. قال: فمات منهم سبعون ألفا. قال: فقال أبو المعتمر: فحدثني سَيّار أن بلعامًا ركب حمارةً له, حتى إذا أتى الفُلول =أو قال: طريقًا بين الفُلول (105) = جعل يضربها ولا تُقْدِم. (106) قال: وقامت عليه, فقالت: علامَ تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك! قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنـزل فسجد له، قال الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ قال: فحدثني بهذا سيّار, ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره. (107)
15421 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: وبلغني حديث رجلٍ من أهل الكتاب يحدّث: (108) أن موسى سأل الله أن يطبَعه، وأن يجعله من أهل النار. قال: ففعل الله. قال: أنبئت أن موسى قَتَله بعدُ.
15422 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن سالم أبي النضر, أنه حدَّث: أن موسى لما نـزل في أرض بني كنعان من أرض الشأم =[ وكان بلعم ببالعة، قرية من قرى البلقاء. فلمَّا نـزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنـزل ] (109) أتى قومَ بلعم إلى بلعم, فقالوا له: يا بلعم، إن هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل, قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويُحِلُّها بني إسرائيل ويُسْكنها, وإنّا قومك, وليس لنا منـزلٌ, وأنت رجل مجاب الدعوة, فاخرج فادعُ الله عليهم! (110) فقال: ويلكم! نبيُّ الله معه الملائكة والمؤمنون, كيف أذْهبُ أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم!! قالوا: ما لنا من منـزل! فلم يزالوا به يرقِّقُونه، ويتضَرَّعون إليه، (111) حتى فتنوه فافتُتِن. فركب حمارةً له متوجِّهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل. وهو جبل حُسْبَان . (112) فلما سار عليها غير كثير ربضت به, (113) فنـزل عنها, فضربها, حتى إذا أذْلَقها قامت فركبها (114) فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. ففعل بها مثل ذلك, فقامت فركبها فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها, فكلمته حُجَّةً عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا ؟ (115) أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينـزع عنها يضربها، (116) فخلَّى الله سبيلها حين فعل بها ذلك. قال: فانطلقت حتى أشرفت به على رأس جبل حُسْبان (117) على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيءٍ إلا صرف به لسانه إلى قومه، (118) ولا يدعو لقومه بخير إلا صُرِف لسانه إلى بني إسرائيل. قال: فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا ! قال: فهذا ما لا أملك, هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. قال: واندلع لسانه فوقع على صدره, (119) فقال لهم: قد ذهبت الآنَ منّي الدنيا والآخرة, فلم يبق إلا المكر والحيلة, فسأمكر لكم وأحتالُ, جمِّلوا النساء وأعطوهنّ السِّلع, ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنَها فيه, ومُرُوهنَّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرادها, فإنهم إن زنى منهم واحدٌ كُفِيتُمُوهم ! ففعلوا; فلما دخل النساءُ العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها " كسبَى ابنة صور "، رأس أمته، برجل من عظماء بني إسرائيل, (120) وهو زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم, فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها, ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه السلام، فقال: إني أظنك ستقولُ هذه حرام عليك؟ فقال: أجل هي حرام عليك لا تقربْها ! قال: فوالله لا نُطِيعك في هذا, (121) فدخل بها قُبَّته فوقع عليها. وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل, وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحبَ أمر موسى, وكان رجلا قد أعطي بَسطَةً في الخلق وقوة في البطش, وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع. فجاء والطَّاعون يحوس في بني إسرائيل, (122) فأخبر الخبرَ, فأخذ حَرْبته. وكانت من حديد كلها, ثم دخل عليه القبة وهما متضاجعان, (123) فانتظمهما بحربته, ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء, والحربة قد أخذها بذراعه, واعتمد بمرفقه على خاصِرته, وأسند الحرية إلى لَحْيَيه, (124) =وكان بكر العيزار=, وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ! ورُفع الطاعون, فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون, فيما بين أنْ أصاب زِمري المرأة إلى أن قتله فنحاص, فوُجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا, =والمقلّل يقول: عشرون ألفاً= في ساعة من النهار. فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحةٍ ذبحُوها القِبَةَ والذراع واللَّحْي, (125) لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إيّاها إلى لحييه (126) =والبكرَ من كل أموالهم وأنفسُهم, لأنه كان بكر العيزار. ففي بلعم بن باعور، أنـزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ، يعني بلعم, فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ، .. إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (127)
15423 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: انطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم, فأتى الجبارين فقال: لا ترهبوا من بني إسرائيل, فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم فيهلكون (128) فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس. وخرج بلعم مع الجبّارين على أتانه وهو يريد أن يلعَنَ بني إسرائيل, فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل، دعا على الجبارين, فقال الجبارون: إنك إنّما تدعو علينا ! فيقول: إنما أردت بني إسرائيل. فلما بلغ باب المدينة، أخذ ملك بذنب الأتان, فأمسكها، فجعل يحرِّكها فلا تتحرك, فلما أكثر ضَرْبها، تكلمت فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار؟ ويلي منك ! ولو أنِّي أطقتُ الخروج لخرجتُ, ولكن هذا المَلَك يحبسني. وفي بلعم يقول الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (129) .. الآية.
15424 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثني رجل سمع عكرمة, يقول: قالت امرأة منهم: أروني موسى, فأنا أفتنه ! قال: فتطيَّبت, فمرت على رجلٍ يشبه موسى, فواقعها, فأُتي ابنُ هارون فأُخبر, فأخذ سيفا, فطعن به في إحليله حتى أخرجه وأخرجه من قُبُلها (130) ثم رفعهما حتى رآهما الناس, فعلم أنه ليس موسى, ففضل آلُ هارون في الْقُرْبان على آل موسى بالكتد والعضُد والفَخِذ (131) قال: فهو الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, يعني بلعم.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها).
فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها.
*ذكر من قال ذلك.
15425 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (ولو شئنا لرفعناه بها ) ، لرفعه الله تعالى بعلمه.
* * *
وقال آخرون: معناه لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا.
* ذكر من قال ذلك:
15426 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، : لدفعناه عنه. (132)
15427 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ولو شئنا لرفعناه بها)، : لدفعناه عنه. (133)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عمّ الخبر بقوله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، أنه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يَعمُّ معاني كثيرة, منها الرفع في المنـزلة عنده, ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها. ومنها الرفع في الذكر الجميلِ والثّناء الرفيع. وجائزٌ أن يكون الله عنى كلَّ ذلك: أنه لو شاء لرفعه, فأعطاه كل ذلك، بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا, فالصواب من القول فيه أن لا يخصَّ منه شيء, إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبرٍ ولا عقلٍ. وأما قوله: (بها)، فإن ابن زيد قال في ذلك كالذي قلنا.
15428 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، بتلك الآيات. وأما قوله: (ولكنه أخلد إلى الأرض)، فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا فيه.
* ذكر من قال ذلك:
15429 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جبير: (ولكنه أخلد إلى الأرض)، يعني: ركن إلى الأرض.
15430 - .... قال: حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: (ولكنه أخلد إلى الأرض) قال: نـزع إلى الأرض.
15431 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أخلد ": سكن.
15432 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا, فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتِها وأموالها, لم ينتفع بما جاء به الكتاب. (134)
15433 - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)، أما( أخلد إلى الأرض ) : فاتبع الدنيا, وركن إليها. قال أبو جعفر: وأصل " الإخلاد " في كلام العرب: الإبطاء والإقامة, يقال منه: " أخلد فلان بالمكان "، إذا أقام به وأخلد نفسه إلى المكان " إذا أتاه من مكان آخر, (135) ومنه قول زهير:
لِمَــنْ الدِّيَــارُ غَشِــيتُهَا بِـالْفَدْفَدِ
كَـالْوَحْيِ فِـي حَجَـرِ الْمَسِـيلِ المُخْلِدِ (136)
يعني المقيم, ومنه قول مالك بن نويرة:
بِأَبْنَــاء حَــيٍّ مِـنْ قَبَـائِلِ مَـالِكٍ
وَعْمْـرِو بـن يَرْبُـوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا (137)
وكان بعض البصريين يقول (138) معنى قوله: " أخلد ": لزم وتقاعسَ وأبطأ, و " المخلد " أيضًا: هو الذي يبطئ شيبُه من الرجال =وهو من الدواب، الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رَباعيتاه. (139)
* * *
وأما قوله: (واتبع هواه)، فإن ابن زيد قال في تأويله، (140) ما:
15434- حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واتبع هواه) قال: كان هَواهُ مع القوم.
* * *
القول في تأويل قوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمثل هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, مثلُ الكلب الذي يلهث, طردْته أو تركته.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله جَعَل الله مثَله كمثل الكلب.
فقال بعضهم: مثَّله به في اللهث، لتركه العمل بكتابِ الله وآياته التي آتاها إياه، وإعراضِه عن مواعظ الله التي فيها إعراض من لم يؤته الله شيئًا من ذلك. فقال جل ثناؤه فيه: إذْ كان سواء أمرُه، وُعِظَ بآيات الله التي آتاها إياه, أو لم يوعظ، في أنه لا يتَّعظ بها, ولا يترك الكفر به, فمثله مثل الكلب الذي سواءٌ أمره في لهثه, طرد أو لم يطرد, إذ كان لا يتركُ اللهث بحال.
* ذكر من قال ذلك:
15435 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث) قال: تطرده, هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعملُ به.
15436 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث) قال: تطرده بدابتك ورجلك = " يلهث "، قال: مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه = قال ابن جريج: الكلب منقطِع الفؤاد, (141) لا فؤاد له, إن حملت عليه يلهث, أو تتركه يلهث. قال: مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له, إنما فؤاده منقطع.
15437 - حدثني ابن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن بعضهم: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، فذلك هو الكافر, هو ضالٌّ إن وعظته وإن لم تعظه. (142)
15438 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( فمثله كمثل الكلب ) إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها, وإن ترك لم يهتد لخير, كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لَهَث.
15439 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: آتاه الله آياته فتركها, &; فجعل الله مثله كمثل الكلب: " إن تحمل عليه يلهث, أو تتركه يلهث ".
15440 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ، الآية, هذا مثلٌ ضربه الله لمن عُرِض عليه الهدى, فأبى أن يقبله وتركه = قال: وكان الحسن يقول: هو المنافق = " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " قال: هذا مثل الكافر ميتُ الفؤاد.
* * *
وقال آخرون: إنما مثّله جل ثناؤه بالكلب، لأنه كان يلهث كما يلهثُ الكلب.
* ذكر من قال ذلك:
15441 - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، وكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب. وأما " تحمل عليه ": فتشدُّ عليه.
* * *
قال: أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويلُ من قال: إنما هو مثلٌ لتركه العمل بآيات الله التي آتاها إياه, وأنّ معناه: سواء وعظ أو لم يوعظ، في أنه لا يترك ما هو عليه من خلافه أمر ربّه, كما سواءٌ حمل على الكلب وطُرِد أو ترك فلم يطرد، في أنه لا يدَع اللهث في كلتا حالتيه.
وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بالصواب، لدلالة قوله تعالى: ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، فجعل ذلك مثلَ المكذِّبين بآياته. وقد علمنا أن اللُّهَاث ليس في خِلقة كل مكذّب كُتب عليه ترك الإنابة من تكذيبه بآيات الله, (143) وأن ذلك إنما هو مثل ضربه الله لهم, فكان معلوما بذلك أنه للذي وصف الله صفته في هذه الآية, كما هو لسائر المكذبين بآيات الله، مثلٌ. (144)
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا المثل الذي ضربتُه لهذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, مثلُ القوم الذين كذبوا بحُججنا وأعلامنا وأدلَّتنا, فسلكوا في ذلك سبيل هذا المنسلِخ من آياتنا الذي آتيناها إياه، في تركه العمل بما آتيناه من ذلك.
* * *
وأما قوله: (فاقصص القصص)، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاقصص، يا محمد، هذا القصص, الذي اقتصصته عليك (145) = من نبأ الذي آتيناه آياتنا, وأخبارَ الأمم التي أخبرتك أخبارهم في هذه السورة، واقتصَصْت عليك نبأهم ونبأ أشباههم, (146) وما حلّ بهم من عقوبتنا، ونـزل بهم حين كذبوا رسلَنا من نقمتنا= (147) على قومك من قريش، ومَنْ قِبَلَك من يهود بني إسرائيل, ليتفكروا في ذلك، فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا, لئلا يحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من النّقم والمثلات, ويتدبَّره اليهود من بني إسرائيل، فيعلموا حقيقةَ أمرك وصحَّة نبوّتك, إذ كان نبأ " الذي آتيناه آياتنا " من خفيّ علومهم، ومكنون أخبارهم، لا يعلمه إلا أحبارُهم، ومن قرأ الكُتب ودرسها منهم. وفي علمك بذلك =وأنت أميٌّ لا تكتب، ولا تقرأ، ولا تدرس الكتب، ولم تجالس أهل العلم= الحُجَّة البينة لك عليهم بأنك لله رسول, وأنك لم تعلم ما علِمت من ذلك, وحالُك الحال التي أنت بها، إلا بوحي من السماء. (148)
* * *
وبنحو ذلك كان أبو النضر يقول.
15442 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن محمد, عن سالم أبي النضر: (فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون)، يعني: بني إسرائيل, إذ قد جئتهم بخبر ما كان فيهم ممّا يخفُون عليك =" لعلهم يتفكرون ", فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماء.
-----------------------
الهوامش :
(93) انظر الأثر السالف رقم : 15416 .
(94) في المطبوعة : (( بلعاماً )) بصرف الاسم الأعجمى .
(95) الثانية (( أؤامر)) بالهمز ، وهي اللغة الفصحى . والأولى : (( أوامر )) بالواو ، بطرح الهمز ، وليست بفصيحة ، ولكن جرى بها هذا الخبر . وانظر التعليق التالي .
(96) في المطبوعة : (( فآمر عليهم )) ، وأثبت ما في المخطوطة . (( وامر )) ، مثل (( آمر )) ، ولكنها لغة غير مستجادة . وانظر التعليق السالف .
(97) في المطبوعة : (( إني آمرت )) ، حذف ( ( قد )) ، وجعل (( وامرت )) (( آمرت )) ، وتابعت المخطوطة ، كما أسلفت في التعليقات السالفة وفي الآتية أيضاً .
(98) عبث الناشر بهذه الجملة بالزيادة والتحريف والحذف ، فجعلها هكذا : (( فقال : حتى أوامر ربى ، فآمر ، فلم يأمره بشيء )). وأثبت الصواب من المخطوطة (( أوامر )) و (( وامر )) كل ذلك كما جرى عليه ما سلف ، بالواو . وأما قوله : (( فلم يحر إليه شيء )) ، أي : لم يرجع إليه شيء . (( حار إليه يحور حوراً )) ، رجع إليه ، ومنه حاوره محاورة حواراً )) في الكلام . وقولهم (( أحار عليه جوابه )) ، و (( أحرت له جواباً )) ، و (( ما أحار بكلمة )) .
(99) جعلها في المطبوعة أيضاً : (( قد وامرت فلم يأمرني بشيء )) ، وانظر التعليق السالف .
(100) في المطبوعة : (( في المرة الأولى )) ، زاد (( في )) ، والذي في المخطوطة أعلى .
(101) في المطبوعة : (( لتستقبلهم )) ، حذف الفاء والنون .
(102) في المطبوعة (( تستقبلهم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(103) في المطبوعة : (( مكنيه )) ، غير ما في المخطوطة .
(104) في المخطوطة ، أسقط (( ورفعهما )) ، والصواب ما في المطبوعة ، وابن كثير .
(105) في المطبوعة ، وتفسير ابن كثير : (( ... أتى المعلولى = أو قال : طريقاً من المعلولى )) ، وهو لا معنى له . وفي المخطوطة : (( العلول )) و (( بين العلول )) ، وصححت قراءتها كما أثبتها ، لأن جيش موسى لما نزل به العذاب ، فهلك منه سبعون ألفاً ، صار من بقى منه فلولا . هذا ما رجحته .
(106) في المطبوعة : (( ولا تتقدم )) ، كما في ابن كثير ، وأثبت ما في المخطوطة .
(107) الأثر : 15420 - (( المعتمر )) هو (( المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي )) ، الإمام المشهور ، مضى مرارًا . وأبوه ، هو (( سليمان بن طرخان التيمي )) ، ويعرف بالتيمي ، وكنيته (( أبو المعتمر )) ، مضى مرارًا . و (( سيار )) الذي روى عنه هو : (( سيار بن سلامة )) ، أبو المنهال الرياحي ، الثقة المعروف ، مضى برقم : 5478 . وهذا الخبر ، رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 595 ، 596 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 147 ، مختصراً .
(108) في المطبوعة : (( فبلغنى )) ، وأثبت ما في المخطوطة.
(109) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري .
(110) في المطبوعة : (( وادع )) بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(111) في المطبوعة : (( يرفعونه )) ، وفي التاريخ : (( يرفقونه )) ، والصواب ما أثبت ، من (( الرقة )) ، وهي الرحمة والشفقة ، يعنى ما زالوا به لكى يرق لهم قلبه .
(112) في المطبوعة : (( جبل حسان )) ، وفي المخطوطة : (( حسان )) غير منقوطة ، وأثبت ما وافق رسمها في التاريخ ، يضبطه هناك ، ولم أجد له ذكراً في معاجم البلدان .
(113) في التاريخ : (( فما سار عليها غير قليل حتى ربضت به )) .
(114) (( الإذلاق )) : أن يبلغ منه الجهد ، حتى يقلق ويتضور ، وفي حديث ماعز : (( أنه صلى الله عليه وسلم أمر برجمه ، فلما أذلقته الحجارة جمز وفر )) ، أي بلغت منه الجهد حتى قلق .
(115) في ى المطبوعة : (( أما ترى الملائكة تردني )) ، وفي المخطوطة : (( ألا ترى الملائكة ألا تردني عن وجهي )) ، وأثبت ما في التاريخ .
(116) في المطبوعة (( فضربها )) ، والصواب من المخطوطة والتاريخ .
(117) في المطبوعة : (( فأنطلقت به حتى إذا أشرفت على رأس ... )) ، وفي المخطوطة أسقط ( به )) من الجملة كلها وأثبت ما في التاريخ ، وإن كان هناك (( على جبل حسبان )) ، بغير (( رأس )) . وانظر (( حسبان )) في التعليق : 1 ، فقد كان في المطبوعة هنا ، كمثله هناك .
(118) في المطبوعة : (( ولا يدعو ... بشر )) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(119) (( اندلع لسانه )) : خرج من الفم ، واسترخى ، وسقط على العنفقة كلسان الكلب . وفي أثر آخر عن بلعم : (( إن الله لعنه ، فأدلع لسانه ، فسقطت أسلته على صدره ، فبقيت كذلك )) .
(120) في التاريخ: (( رأس أمته وبنى أبيه ، من كان منهم في مدين ، هو كان كبيرهم ، برجل ... )) .
(121) في المطبوعة : (( لا أطيعك)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(122) في المخطوطة ، والتاريخ : (( يحوس )) بالحاء المهملة . من قولهم : (( تركت فلاناً يحوس بنى فلان ويجوسهم )) ( بالجيم أيضاً ) يتخللهم ، ويطلب فيهم ، ويدوسهم . و (( الذئب يحوس الغنم )) ، يتخللها ويفرقها . وفي المطبوعة : (( يجوس )) بالجيم .
(123) في التاريخ : (( عليهما القبة )9 .
(124) في التاريخ والمخطوطة : (0 لحيته )) ، والصواب ما في المطبوعة ، كما سيأتي دليل ذلك من إعطاء بنى إسرائيل (( اللحى )) بنى فنخاص .
(125) في المطبوعة : (( الفشة )) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ و(( القبة )) ( بكسر القاف وفتح الباء مخففة ) وهي من الكرش ، (( الحفث )) ( بفتح فكسر ) ذات الطرائق من الكرش ، و(( القبة )) الأخرى إلى جنبه ، وليس فيها طرائق .
(126) قوله : (( والبكر )) معطوف على قوله : (( تعطى بنى إسرائيل ... القبة ... )) .
(127) الأثر: 15422 - رواه ابن جرير في تاريخه 1 : 226 ، 227 .
(128) (( فيهلكون )) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، وهي ثابتة في الأثر السالف 15411 ، وفي التاريخ .
(129) الأثر : 15423 - مضى برقم : 15411 ، وهو في التاريخ 1 : 227 ، 228 .
(130) في المطبوعة ، أسقط (( وأخرجه )) من الكلام ، وهي في المخطوطة .ومع ذلك فأنا في شك من العبارة كلها . ولو قال : (( من دبرها )) ، لاستقام الكلام بعض الشيء ، ولظهرت الصورة بعض الظهور .
(131) في المطبوعة (( باكتف والعضد )) ، وفي المخطوطة : (( بالكتاب )) ، ولعل صوابها ما قرأت (( الكتد )) ، هو مجتمع الكتفين . والله أعلم أي ذلك هو الصواب .
(132) في المطبوعة : (( لرفعنا عنه بها )) ، لا أدرى من أين جاء بذلك ، وأثبت ما في المخطوطة . و (( لدفعنا )) بالدال .
(133) في المطبوعة : (( لرفعنا عنه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(134) الأثر : 15432 - مضى مختصراً برقم : 15414 .
(135) هذا التفسير الأخير ، لا تجده في شيء من معاجم اللغة ، فقيده .
(136) ديوانه : 268 ، واللسان ( خلد ) ، مطلع قصيدته في سنان بن أبي حارثة المرى ، وكان في المطبوعة : (( غشيتها بالغرقد )) ، والصواب ما في المخطوطة والديوان ، وإنما تابع ناشر المطبوعة ، ما كان في اللسان ، فأخطأ بخطئه . و (( الفدفد )) الموضع فيه غلظ وارتفاع ، أو هي الأرض المستويه . ، و (( الوحى )) الكتابة . وقوله : (( حجر المسيل )) ، لأنه أصلب الحجارة ، فالكتابة فيه أبقى ، ويضربه السيل لخلوده فيأخذ منه ، فتخفي الكتابة . فشبه آثار الديار ، بباقى الكتابة على صخرة ينتابها السيل ، فيمحو جدة ما كتب فيها .
(137) الأصمعيات : 323 ، من قصيدته قالها في يوم مخطط ، وقبله ، وهو أول الشعر : إلا أكُـــنْ لاقَيْــتُ يــومَ مخـطط
فقــد خــبر الرُّكْبَـانُ مـا أتَـوَدَّدُ
أتـاني بنفـر الخـير مـا قـد لقيتـه
رزيــن ، وركـب حولـه متعضـدُ
يهلــون عمـارًا ، إذا مـا تغـوروا
ولاقــوا قريشًـا خبروهـا فـأنجدُوا
(138)
(139) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 233 / ثم معاني القرآن للفراء 1 : 399 .
(140) في المطبوعة (( كان أبن زيد قال ... )) ، وهو سيء جداً ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
(141) سقطت (( منقطع )) من المخطوطة ، وهي في سائر المراجع كما في المطبوعة .
(142) الأثر : 15437 - (( ابن عبد الأعلى )) ، هو (( محمد بن عبد الأعلى )) . و (( ابن ثور )) ، هو (( محمد بن ثور )) وكان في المطبوعة والمخطوطة (( ابن توبة )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، بل هذا ، اختصار الإسناد الذي سلف مرارًا ، وآخره رقم : 15410 ، وكأنه يعنى بقوله : (( عن بعضهم )) : الكلبى ، ولذلك فكره .
(143) في المطبوعة والمخطوطة : (( من تكذيب )) ، والذي أثبت أرجح عندي في سياقه .
(144) السياق "أنه للذي وصف الله صفته ... مثل: خبر "أن" .
(145) في المطبوعة : (( الذي قصصته ) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(146) في المطبوعة : (( وقصصت نبأئهم )) ، غير ما في المخطوطة ، كالتعليق السالف .
(147) السياق : (( فاقصص يا محمد هذا القصص الذي اقتصصته عليك ... ))على قومك من قريش )) .
(148) انظر تفسير (( القصص )) فيما سلف ص : 7 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿١٧٧﴾
القول في تأويل قوله : سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ساءَ مثلا القوم الذين كذبوا بحجج الله وأدلته فجحدوها, وأنفسَهم كانوا ينقصُون حظوظَها, ويبخسونها منافعها، بتكذيبهم بها لا غيرَها.
* * *
وقيل: " ساء مثلا " من السوء، (149) بمعنى: بئس مثلا (150) =[مَثَل القوم] (151) = وأقيم " القوم " مقام " المثل ", وحذف " المثل ", إذ كان الكلام مفهومًا معناه, كما قال جل ثناؤه: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، [سورة البقرة: 177] فإن معناه: ولكن البرَّ، برُّ من آمن بالله =وقد بينا نظائر ذلك في مواضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته. (152)
-------------------
الهوامش :
(149) في المطبوعة : (( من الشر )) ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت .
(150) الكلام . انظر تفسير (( ساء )) فيما سلف 8 : 138 ، 358 / 9 : 101 ، 205 / 10 : 465 = والنحاة يعدون (( ساء )) فعلا جامدا يجرى مجرى (( نعم )) و (( بئس )) .
(151) ما بين القوسين زيادة لا يتم الكلام إلا بها ، ولكن الناسخ خلط في هذه الجملة خلطاً شديداً ، فحذف من قوله بعد : (( ولكن البر بر من آمن )) ، كلمة (( بر )) ، ففسد الكلام .
(152) انظر التعليق السالف رقم : 2 ، ثم 3 : 338 ، 339 / 10 : 313 ، وما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها ، في باب الحذوف .
مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿١٧٨﴾
القول في تأويل قوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، و " المهتدي" =وهو السالك سبيل الحق، الراكبُ قصدَ المحجّة= في دينه، مَن هداه الله لذلك, فوفَّقه لإصابته. والضالُّ من خذله الله فلم يوفقه لطاعته, ومن فعل الله ذلك به فهو " الخاسر ": يعني الهالك.
* * *
وقد بيّنا معنى " الخسارة " و " الهداية "، و " الضلالة " في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (153)
------------------------
الهوامش:
(153) انظر تفسير هذه الألفاظ في فهارس اللغة ( هدى ) ، ( خسر ) ، ( ضلل ) .
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿١٧٩﴾
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.
* * *
يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15443 - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك بن فضالة, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) قال: مما خلقنا. (2)
15444 - .... حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة, عن مبارك, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: خلقنا.
15445 - .... قال: حدثنا زكريا, عن عتاب بن بشير, عن علي بن بذيمة, عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.
15446 - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول, عن مروان بن معاوية, عن الحسن بن عمرو, عن معاوية بن إسحاق, عن جليس له بالطائف, عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ, كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم ". (3)
15447 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولقد ذرأنا لجهنم)، يقول: خلقنا.
15448 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن و الإنس.
15449 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (ولقد ذرأنا لجهنم)، خلقنا.
* * *
قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس )، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.
* * *
وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله, ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته, ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله, (4) فيعلموا توحيد ربِّهم, ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: " لا يفقهون بها "، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، (5) وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته, فيتأملوها ويتفكروا فيها, فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم, وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها. (6)
وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها, ولكنهم يعرضون عنها, ويقولون: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، [سورة فصلت: 26]. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ، [سورة البقرة: 171] .والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له, ومنه قول مسكين الدارمي:
أَعْمَــى إِذَا مَــا جَـارَتِي خَرَجَـتْ
حَــتَّى يُــوَارِيَ جَــارَتِي السِّـتْرُ (7)
وَأَصَــمُّ عَمَّـا كَـــانَ بَيْنَهُمَــا
سَــمْعِي وَمَـا بِالسَّـمْعِ مِـنْ وَقْــرِ
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: (8) وَعَــوْرَاءُ اللِّئَــامِ صَمَمْـتُ عَنْهَـا
وَإِنِّــي لَــوْ أَشَــاءُ بِهَـا سَـمِيعُ (9)
وَبَـادِرَةٍ وَزَعْـــتُ النَّفْـسَ عَنْهَـا
وَقَـدْ تَثِقَـتْ مِـنَ الْغَضَـبِ الضُّلُـوعُ (10)
وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
15450 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة =(ولهم أعين لا يبصرون بها)، الهدى=(ولهم آذان لا يسمعون بها) الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً, ثم جعلهم شرًّا من الأنعام, (11) فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، ثم أخبر أنهم هم الغافلون.
* * *
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام, وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، (12) ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، (13) ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز بينهما. فشبههم الله بها, إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه, ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: (بل هم أضل)، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، (14) لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز, وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية, مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ, تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها, فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه.
وقوله: (أولئك هم الغافلون)، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم, القومُ الذين غفلوا =يعني: سهوًا (15) عن آياتي وحُججي, وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها, لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له.
----------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير (( ذرأ )) فيما سلف 12 : 130 ، 131 ، وهناك زيادة في مصادره .
(2) ( 1) الأثر : 15443 - (( على بن الحسن الأزدي )) ، وفي المطبوعة والمخطوطة : (( على بن الحسين )) ، وتبعت ما مضى برقم 10258 ، لموافقته لما في تاريخ الطبري . وقد ذكرت هناك أنى لم أجد له ترجمة ، وبينت مواضع روايته عنه في التاريخ . ووقع هناك خطأ ، فإن الذي في الإسناد (( على بن الحسن )) ، وكتبت أنا في الهامش والتعليق : (( على بن الحسين )) ، وكذلك فعلت في الفهارس ، فليصحح ذلك . ووقع خطأ آخر في الفهارس ، كتبت رقم : ( 10285 ) ، وصوابه ( 10258 ) .
(3) الأثر : 15446 - (( زكريا بن عدى بن زريق التيمى )) ، شيخ أبي كريب ، وهو راوى الخبر ، ثقة جليل ، مضى برقم : 1566 .
(( عثمان الأحول )) ، شيخ أبي كريب ، هو (( عثمان بن سعيد القرشي )) ، الزيات الأحول الطيب الصائغ . مضى برقم : 137 ، 11547 .
و (( مروان بن معاوية الفزارى )) ، الحافظ الثقة ، مضى برقم : 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685 . و (( الحسن بن عمرو الفقيمى التميمى )) ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه ، مضى برقم : 3765 . و (( معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى )) ، تابعى ثقة ، مضى برقم : 3226 . وهذا إسناد ضعيف ، لجهالة من روى عنه (( معاوية بن إسحق )) ، وهو(( جليس له بالطائف )) . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ وابن مردويه .
(4) انظر تفسير (( الفقه )) فيما سلف 11 : 572 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) في المطبوعة والمخطوطة : (( صحة الرشد )) ، ولا معنى لها ، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره ، وزدت ] نبوة [ بين القوسين ، لتطلب الكلام لها .
(6) في المطبوعة : (( بأنهم لا يبصرون )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(7) أمالي المرتضى 1: 43 : 44 ثم 474 ، من قصيدة رواها وشرحها ، وخزانة الأدب 1 : 468 ، وصواب رواية البيت الأول : (( جارتى الخدر )) ، لأن قبله : مــا ضــر جــارى إذ أجـاوره
أن لا يكـــون لبيتـــه ســـتر
ورواية الشطر الثاني : (( سمعى ، وما بى غيره وقر )) ، بغير إقواء .
(8) هو عبد الله بن مرة العجلي .
(9) حماسة البحترى : 172 ، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة . والذي في حماسة البحترى : (( وعوراء الكلام )) ، وكانت في المخطوطة : و (( عوراء اللام )) ، وكأن الصواب ما في الحماسة .
و (( العوراء )) ، الكلمة القبيحة ، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد . ومن أجود ما قيل في ذلك ، قول حاتم الطائي ، أو الأعور الشني :وعَـوْرَاءُ جَـاءَتْ مِــنْ أخٍ فَرَدَدْتُهـا
بسَــالِمَةِ العَيْنيــن طَالِبــة عُـذْرَا
ولــو أنَّنـى إذ قَالهـا قلـتُ مثلَهـا
ولـم أعْـفُ عنهـا، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا
فـأعْرَضْتُ عَنْــهُ وانتظـرتُ به غَدا
لعــلَّ غــدًا يُبْـدِي لمنتظـرٍ أمْـرَا
وقلــتُ لـه: عـد بـالأخوة بينَنـا!
ولـم أتَّخِـذ مـا كـان من جَهْلِه قمرَا
لأنــزع ضبًّـا كامنًـا فـي فــؤادِه
وأُقَلِّـمُ أظفـارًا أطَـالَ بهــا الحـفرَا
(10) في المطبوعة : (( ولو بنيت من العصب )) ، وهو كلام فاسد ، غير ما في المخطوطة ، وكان فيها (( وقد نتقت من العصب )) ، غير منقوطة ، فلم يفهمها ، فأتى بما لا يعقل . وفي حماسة البحترى : (( إذا تيقت )) ، ووضع كسرة تحت التاء ، وفتح القاف . ولا معنى له .
و (( البادرة )) ، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد ، من فعل أو قول .
و ( وزع النفس عن الشيء )) ، كفها وحبسها . و (( تئق الرجل )) ، امتلأ غضباً وغيظاً . و (( التأق )) ، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد .
(11) في المخطوطة : (( ثم جعلهم كالأنعام ، ثم جعلهم سواء شراً من الأنعام )) ، فحذف ناشر المطبوعة كلمة (( سواء )) ، ولكنى أثبتها في حاق مكانها .
(12) انظر تفسير (( الأنعام )) فيما سلف 12 : 139 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(13) في المطبوعة : (( مما يصلح ، ومما لا يصلح )) ، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد .
(14) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .
(15) انظر تفسير (( غفل )) فيما سلف ص : 115 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٨٠﴾
القول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (ولله الأسماء الحسنى)، , وهي كما قال ابن عباس: -
15451 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي, قال حدثني عمي ، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ومن أسمائه: " العزيز الجبار ", وكل أسمائه حسن.
15452 - حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية, عن هشام بن حسّان, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا, مائة إلا واحدًا, من أحصاها كُلَّها دخل الجنة ". (16)
* * *
وأما قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، فإنه يعني به المشركين. (17)
* * *
وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه, فسموا بها آلهتهم وأوثانهم, وزادوا فيها ونقصوا منها, فسموا بعضها " اللات " اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو " الله ", وسموا بعضها " العُزَّى " اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو " العزيز ".
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15453 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا " اللات " في أسماء الله.
15454 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: اشتقوا " العزى " من " العزيز ", واشتقوا " اللات " من " الله ".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (يلحدون).
فقال بعضهم: يكذّبون.
* ذكر من قال ذلك:
15455 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن ابن عباس, قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: الإلحاد: التكذيب.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون.
* ذكر من قال ذلك.
15456- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو ثور, عن معمر, عن قتادة: (يلحدون) قال: يشركون. (18)
* * *
وأصل " الإلحاد " في كلام العرب: العدول عن القصد, والجورُ عنه, والإعراض. ثم يستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم, ولذلك قيل للحْد القبر: " لحد ", لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه. يقال منه: " ألحد فلانٌ يُلْحِد إلحادًا ", و " لَحد يلْحَد لَحْدًا ولُحُودًا ". (19) وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بين " الإلحاد " و " اللحٍْد ", فيقول في " الإلحاد ": إنه العدول عن القصد, وفي " اللحد " إنه الركون إلى الشيء. وكان يقرأ جميع ما في القرآن: (يُلْحِدُونَ) بضم الياء وكسر الحاء, إلا التي في النحل, فإنه كان يقرؤها: " يَلْحَدُون " بفتح الياء والحاء, (20) ويزعم أنه بمعنى الركون.
وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب، فيرون أن معناهما واحدٌ, وأنهما لغتان جاءتا في حرفٍ واحدٍ بمعنى واحد.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين: (يُلْحِدُون)، بضم الياء وكسر الحاء من " ألحد يُلْحِد " في جميع القرآن.
* * *
وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: " يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء من " لَحَد يَلْحَدُ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. غير أنِّي أختار القراءة بضمِّ الياء على لغة من قال: " ألحد ", لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.
* * *
وكان ابن زيد يقول في قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، إنه منسوخٌ.
15457 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه) قال: هؤلاء أهل الكفر, وقد نُسِخ, نَسَخه القتال.
* * *
= ولا معنى لما قال ابن زيد في ذلك من أنه منسوخ, لأن قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، ليس بأمر من الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بترك المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يأذن له في قِتالهم, وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم, كما قال في موضع آخر: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة الحجر: 3] الآية, وكقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة العنكبوت: 66] وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد, ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه, (21) فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، (22) جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله.
--------------
الهوامش :
(16) الأثر : 15452 - (( هشام بن حسان القردوسي )) ، ثقة . روى له الجماعة ، مضى برقم : 2827 ، 7287 ، 9837 ، 10258 . وهذا إسناد صحيح . رواه البخاري من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ( الفتح 5 : 262 / 11 : 180 - 194) ، شرحه ابن حجر مستقصى غاية الاستقصاء .
ورواه مسلم في صحيحه ، من مثل طريق البخاري ، ثم من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ( مسلم 17 : 4 ، 5 ) .
ورواه أحمد في مسنده من طرق ، رقم : 7493 ، 7612 ، 8131 ، 9509 ، 10486 ، 10539 ، 10696 . وانظر تخريجه هناك .
وفي بعض طرقه زيادة : (( وإن الله وتر يحب الوتر )) أو (( إنه وتر يحب الوتر )) .
(17) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر ) .
(18) الأثر : 10456 - (( ابن ثور )) هو ((محمد بن ثور الصنعانى )) ، مضى في الإسناد مرارًا ، آخره رقم : 15437 ، حيث صححت خطأ آخر هناك . ثم ما سيأتي: 15459 . وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا (( حدثنا أبو ثور )) ، وهو خطأ محض .
(19) ( 2 ) المصدر الثاني (( اللحود )) ، قلما نجده في معاجم اللغة ، فقيده .
(20) آية سورة النحل : 103 على قراءة الكسائى : "لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ " . وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة / كما قال بن جرير بعد في تفسيره 14 : 120 ( بولاق ) ، ولم يفرد الكسائي بالذكر هناك ، لأنه خالفهم في قراءة الحرف في غير هذا الموضع .
(21) في المطبوعة : (( أن تمهل )) لم يحسن قراءة المخطوطة .
(22) في المطبوعة : (( الذي أجله إليهم )) ، غير الضمائر ، فأفسد الكلام إفساداً
وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴿١٨١﴾
القول في تأويل قوله : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الخلق الذين خلقنا " أمة ", يعني جماعة (23) = " يهدون ", يقول: يهتدون بالحق (24) =(وبه يعدلون)، يقول: وبالحق يقضُون ويُنصفون الناس, (25) كما قال ابن جريج: -
15458 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قوله: (أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: هذه أمتي! قال: بالحق يأخُذون ويعطون ويَقْضُون.
15459 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)... (26)
15460 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها: هذه لكم, وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلَها: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، [سورة الأعراف: 159] .
--------------------
الهوامش :
(23) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 208 . تعليق : 2 . والمراجع هناك
(24) انظر تفسير (( هدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(25) انظر تفسير (( عدل )) فيما سلف ص : 172 ، تعليق . 3 ، والمراجع هناك
(26) وضعت هذه النقط ، لأن الخبر لم يتم ، فإما أن يكون سقط من الناسخ ، وإما أن يكون إسناداً آخر للخبر الذي يليه .
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بأدلتنا وأعلامِنا, فجحدوها ولم يتذكروا بها, سنمهله بغِرَّته ونـزين له سوء عمله, (27) حتى يحسب أنه فيما هو عليه من تكذيبه بآيات الله إلى نفسه محسن, وحتى يبلغ الغايةَ التي كُتِبَتْ له من المَهَل, ثم يأخذه بأعماله السيئة, فيجازيه بها من العقوبة ما قد أعدَّ له. وذلك استدراج الله إياه.
* * *
وأصل " الاستدراج " اغترارُ المستدرَج بلطف من [استدرجه]، (28) حيث يرى المستدرَج أن المستدرِج إليه محسنٌ، حتى يورِّطه مكروهًا.
* * *
وقد بينا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (29)
----------------
الهوامش :
(27) فاجأنا أبو جعفر بطرح ضمير الجمع منصرفاً إلى ضمير المفرد ، وهو غريب جداً . ولكن هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة . وتركته على حاله ، لأني أظن أن أبا جعفر كان أحياناً يستغرقه ما يريد أن يكتب ، فربما مال به الفكر من شق الكلام إلى شق غيره . وقد مضى مثل ذلك في بعض المواضع ، حيث أشرت إليها . وهذا مفيد في معرفة تأليف المؤلفين ، وما الذي يعتريهم وهم يكتبون . ولذلك لم أغيره ، احتفاظاً بخصائص ما كتب أبو جعفر . وأنا أستبعد أن يكون ذلك من الناسخ ، لأن الجملة أطول من يسهو الناسخ في نفلها كل هذا السهو ، ويدخل في جميع ضمائرها كل هذا التغيير . ثم انظر ما سيأتي ص : 338 ، تعليق : 2 .
(28) ما بين القوسين ، ساقط من المخطوطة والمطبوعة ، والسياق يقتضيها كما ترى .
(29) غاب عني موضعه فلم أجده .