At-Tabari
· Al-A'raafOuvrir dans le lecteurوَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾
القول في تأويل قوله : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولما سكت عن موسى الغضب ". ولما كفّ عنه وسكن. (31)
* * *
وكذلك كل كافٍّ عن شيء: " ساكت عنه "، وإنما قيل للساكت عن الكلام " ساكت "، لكفه عنه. (32)
وقد ذكر عن يونس الجرمي أنه قال (33) يقال: " سكت عنه الحزن "، وكلُّ شيء، فيما زعم، ومنه قول أبي النجم:
وَهَمَّــتِ الأفْعَــى بِــأَنْ تَسِـيحَا
وَسَـــكَتَ المُكَّــاءُ أَنْ يَصِيحَــا (34)
* * *
= " أخذ الألواح "، يقول: أخذها بعد ما ألقاها, وقد ذهب منها ما ذهب = " وفي نسختها هدى ورحمة "، يقول: وفيما نسخ فيها، أي كتب فيها (35) = " هدى " بيان للحق= " ورحمة للذين هم لربهم يرهبون "، يقول: للذين يخافون الله ويخشون عقابَه على معاصيه. (36)
* * *
واختلف أهل العربية في وجه دخول " اللام " في قوله: " لربهم يرهبون "، مع استقباح العرب أن يقال في الكلام: " رهبت لك ": بمعنى رهبتك= " وأكرمت لك "، بمعنى أكرمتك. فقال بعضهم: ذلك كما قال جل ثناؤه: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ، [سورة يوسف: 43]، أوصل الفعل باللام.
* * *
وقال بعضهم: من أجل ربِّهم يرهبون.
* * *
وقال بعضهم: إنَّما دخلت عَقِيب الإضافة: الذين هم راهبون لربهم، وراهبُو ربِّهم= ثم أدخلت " اللام " على هذا المعنى، لأنها عَقِيب الإضافة، لا على التكليف. (37)
* * *
وقال بعضهم: إنما فعل ذلك، لأن الاسم تقدم الفعل, فحسن إدخال " اللام ".
* * *
وقال آخرون: قد جاء مثله في تأخير الاسم في قوله: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [سورة النمل: 72]. (38)
* * *
وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال: سمعت الفرزدق يقول: " نقدت له مائة درهم "، يريد: نقدته مائة درهم. (39) قال: والكلام واسع.
-------------------
الهوامش :
(31) (2) في المطبوعة : (( ولما كف موسى عن الغضب )) ، وهو اجتهاد من ناشر المطبوعة الأولى ، ولم يصب . فإن المخطوطة أسقطت تفسير العبارة ، وجاء فيها هكذا : (( ولما سكت عن موسى الغضب ، وكذلك كل كاف ...... )) ، والتفسير الذي أثبته الناشر الأول تفسير ذكره الزجاج قال : (( معناه : ولما سكن . وقيل: معناه: ولما سكت موسى عن الغضب - على القلب ، كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأس ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . قال والقول الأول الذي معناه سكن ، هو قول أهل العربية )) . ولو أراد أبو جعفر ، لفسره كما فسره الزجاج ، فآثرت أن أضع تفسير أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 229 ، لأن الذي يليه هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن .
(32) (1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 229 .
(33) (2) انظر ما سلف ص : 129 ، تعليق : 3 .
(34) (3) لم أجد البيتين . وكان في المطبوعة : (( تسبحا )) و (( تضبحا )) ، وهو خطأ وفساد ، ولأبي النجم أبيات كثيرة من الرجز على هذا الوزن ، ولم أجد الرجز بتمامه . وصواب قراءة ما كان في المخطوطة هو ما أثبت .
(35) (4) انظر تفسير (( النسخة )) فيما سلف 2 : 472 . = وكان في المطبوعة هنا ، مكان قوله : (( أي : كتب فيها )) ، ما نصه : (( أي : منها )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأن الناسخ كتبها بخط دقيق في آخر السطر ، فوصل الكلام بعضه ببعض ، فساءت كتابته .
(36) (5) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(37) (1) في المطبوعة : لا على التعليق )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه يعني بقوله : (( التكليف )) معنى التعليق )) ، لأن (( التكليف )) هو (( التحميل )) ، ولم أجد تفسير هذه الكلمة في مكان آخر ، ولعلها من اصطلاح بعض قدماء النحاة .
(38) (2) انظر ما سلف 6 : 511 / 7 : 164 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 233 .
(39) (3) نقله الفراء في معاني القرآن 1 : 233 عن الكسائى ، قال : (( سمعت بعض العرب يقول : نقدت لها مئة درهم ، يريد : نقدتها مئة ، لامرأة تزوجها )) .
وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَـٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ ﴿١٥٥﴾
القول في تأويل قوله : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت والأجل الذي وعده الله أن يلقاه فيه بهم، (40) للتوبة مما كان من فعل سفهائهم في أمر العجل، كما: -
15152- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي، قال: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل, ووعدهم موعدًا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه, ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة, فإنك قد كلمته، فأرناه! فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رَبِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم, لو شئتَ أهلكتهم من قبل وإيّاي! (41)
15153- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخيِّر فالخيرَ, وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم, واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم, صوموا وتَطَهَّروا, وطهِّروا ثيابكم! فخرج بهم إلى طور سيْناء، لميقات وقَّته له ربه. وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال السبعون =فيما ذكر لي= حين صنعوا ما أمرهم به, وخرجوا معه للقاء ربِّه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربِّنا! فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل, وقع عليه عمودُ الغمام، حتى تغشى الجبلَ كله. ودنا موسى فدخل فيه, وقال للقوم: ادنوا! وكان موسى إذا كلمه الله وقَع على جبهته نور ساطع, لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه! فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقَعوا سجودًا, فسمعوه وهو يكلِّم موسى, يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل! فلما فرغ الله من أمره، انكشف عن موسى الغمام. أقبل إليهم, (42) فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة! فأخذتهم الرجفة= وهي الصاعقة= فَافْتُلِتَتْ أرواحهم، (43) فماتوا جميعًا, وقام موسى عليه السلام يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه, ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإياي! قد سفهوا! أفتهلك مَنْ ورائي من بني إسرائيل؟ (44)
15154- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: كان الله أمرَه أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرزَ بهم ليدعوا ربَّهم. فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطِنا ما لم تعط أحدًا بعدنا! فكره الله ذلك من دعائهم, فأخذتهم الرجفة. قال موسى: ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيَّاي!
15155- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان, عن جعفر, عن ميمون: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: لموعدهم الذي وعدهم.
15156 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: اختارهم لتمام الوعد.
* * *
وقال آخرون: إنما أخذتهم الرجفة من أجل دَعْواهم على موسى قتلَ هارون.
* ذكر من قال ذلك:
15157- حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أبو إسحاق, عن عمارة بن عبد السَّلولي, عن علي رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير, فانطلقوا إلى سفح جَبَلٍ, فنام هارون على سرير, فتوفاه الله. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله. قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خُلقه ولينه= أو كلمة نحوها= قال: فاختاروا من شئتم! قال: فاختاروا سبعين رجلا. قال: فذلك قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد, ولكنني توفّاني الله! قالوا: يا موسى لن تعصَي بعد اليوم! قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يمينًا وشمالا وقال: " يا رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء "، قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياءَ كلهم. (45)
15158- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن رجل من بني سلول, أنه سمع عليًّا رضي الله عنه يقول في هذه الآية: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، قال: كان هارون حسنَ الخلق محبَّبًا في بني إسرائيل. قال: فلما مات، دَفَنَه موسى. قال: فلما أتى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: مات! فقالوا: قتلته! قال: فاختار منهم سبعين رجلا. قال: فلما أتوا القبرَ قال موسى: أقُتِلت أو مِتّ! قال مت! فأُصعقوا, فقال موسى: ربِّ ما أقول لبني إسرائيل؟ إذا رجعت يقولون: أنت قتلتهم! قال: فأحيُوا وجُعِلوا أنبياء.
15159- حدثني عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبي قال، حدثنا الربيع بن حبيب قال: سمعت أبا سعيد =يعني الرقاشي= وقرأ هذه الآية: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين, وذلك أن ابن عشرين قد ذهب جهلُه وصباه, وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يفقد من عقله شيئًا. (46)
* * *
وقال آخرون: إنما أخذت القوم الرَّجفة، لتركهم فِراق عبدة العجل, لا لأنهم كانوا من عَبَدته.
* ذكر من قال ذلك:
15160- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، فقرأ حتى بلغ: السُّفَهَاءُ مِنَّا ، ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إنما تناولتهم الرجفة، لأنهم لم يزايلوا القوم حين نَصَبُوا العجل, وقد كرهوا أن يجامِعُوهم عليه.
15161- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قوله: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "، ممن لم يكن قال ذلك القول، على أنهم لم يجامعوهم عليه, فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومَهم حين اتخذوا العجل. قال: فلما خرجوا ودعوا, أماتهم الله ثم أحياهم. فلما أخذتهم الرجفة قال: " رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ".
15162- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، قال مجاهد: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا "= و " الميقات "، الموعد= فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاءَ فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصابَه قومهم= قال أبو سعد (47) فحدثني محمد بن كعب القرظي قال: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ويأمروهم بالمعروف. قال: فأخذتهم الرجفة، فماتوا ثم أحياهم الله.
15163- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عون , عن سعيد بن حيان, عن ابن عباس: أن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه, إنما أخذتهم الرجفة، أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجل.
15164- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عون قال، حدثنا سعيد بن حيان, عن ابن عباس, بنحوه.
* * *
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: " قومه سبعين رجلا لميقاتنا ". فقال بعض نحويي البصرة: معناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا = فلما نـزع " من " أعمل الفعل, كما قال الفرزدق:
وَمِنَّـا الَّـذِي اخْـتِيرَ الرِّجَـالَ سَمَاحَةً
وَجُـودًا, إِذَا هَـبَّ الرِّيَـاحُ الزَّعَـازِعُ (48)
وكما قال الآخر: (49)
أَمَـرْتُكَ الْخَـيْرَ, فَـافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ
فَقَــدْ تَــرَكْتُكَ ذَا مَـالٍ وَذَا نَشَـبٍ (50)
وقال الراعي:
اخْـتَرْتُكَ النَّـاسَ إِذْ غَثَّـتْ خَـلائِقُهُمْ
وَاعْتَـلَّ مَـنْ كَـانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ (51)
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما استُجيز وقوع الفعل عليهم إذا طرحت " من ", لأنه مأخوذ من قولك: " هؤلاء خير القوم " و " خير من القوم ", فلما جازت الإضافة مكان " من " ولم يتغير المعنى, (52) استجازُوا: أن يقولوا: " اخترتكم رجلا ", و " اخترت منكم رجلا "، وقد قال الشاعر: (53)
فَقُلْتُ لَهُ: اخْتَرْهَا قَلُوصًا سَمِينَةً (54)
وقال الراجز: (55)
* تَحْتَ الَّتِي اخْتَارَ لَهُ اللهُ الشَّجَرْ * (56)
بمعنى: اختارَها له الله من الشجر. (57)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أولى عندي في ذلك بالصواب، لدلالة " الاختيار " على طلب " من " التي بمعنى التبعيض, ومن شأن العرب أن تحذف الشيء من حَشْو الكلام إذا عُرِف موضعه, وكان فيما أظهرت دلالةٌ على ما حذفت. فهذا من ذلك إن شاء الله.
* * *
وقد بينا معنى " الرجفة " فيما مضى بشواهدها, وأنّها: ما رجف بالقوم وزعزعهم وحرّكهم، (58) أهلكهم بعدُ فأماتهم، (59) أو أصعقهم, فسلب أفهامهم. (60)
* * *
وقد ذكرنا الرواية في غير هذا الموضع وقول من قال: إنها كانت صاعقة أماتتهم. (61)
15165- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فلما أخذتهم الرجفة "، ماتوا ثم أحياهم.
15166- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " سبعين رجلا لميقاتنا "، اختارهم موسى لتمام الموعد= " فلما أخذتهم الرجفة "، ماتوا ثم أحياهم الله.
15167- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فلما أخذتهم الرجفة "، قال: رُجف بهم.
* * *
القول في تأويل قوله : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بما فعل السفهاء منا، أي: بعبادة من عبد العجل؟ قالوا: وكان الله إنما أهلكهم لأنهم كانوا ممن يَعبد العجل. وقال موسى ما قال، ولا علم عنده بما كان منهم من ذلك. (62)
* ذكر من قال ذلك:
15168- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجلَ! فذلك حين يقول موسى: " إن هي إلا فتنتك تُضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ". (63)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم، هلاك لمن وراءهم من بني إسرائيل، إذا انصرفت إليهم وليسوا معي= و " السفهاء "، على هذا القول، كانوا المهلَكين الذين سألوا موسى أن يُرِيهم ربَّهم.
* ذكر من قال ذلك:
15169- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: لما أخذت الرجفة السبعين فماتوا جميعًا, قام موسى يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه، يقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ, قد اخترت منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر, أرجع إليهم وليس معى رجل واحد! فما الذي يصدِّقونني به، أو يأمنونني عليه بعد هذا؟ (64)
* * *
وقال آخرون في ذلك بما: -
15170- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، أتؤاخذنا وليس منا رجلٌ واحد تَرَك عبادتك، ولا استبدل بك غيرك؟
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية, قولُ من قال: إن موسى إنما حزن على هلاك السبعين بقوله: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "، وأنّه إنما عنى ب " السفهاء " عبدةَ العجل. وذلك أنه محالٌ أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تخيَّر من قومه لمسألة ربِّه ما أراه أن يسألَ لهم إلا الأفضل فالأفضل منهم, ومحالٌ أن يكون الأفضل كان عنده مَنْ أشرك في عبادة العجل واتخذَه دون الله إلهًا.
* * *
قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى عليه السلام كان معتقدًا أن الله سبحانه يعاقب قومًا بذنوب غيرهم, فيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل, ونحن من ذلك برآء؟ قيل: جائز أن يكون معنى " الإهلاك " قبض الأرواح على غير وجه العقوبة, كما قال جل ثناؤه: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ، [سورة النساء: 176]= يعني: مات= فيقول: أتميتنا بما فعل السُّفهاء منَّا؟ (65)
* * *
وأما قوله: " إن هي إلا فتنتك "، فإنه يقول جل ثناؤه: ما هذه الفعلة التي فعلَها قومي، من عبادتهم ما عبَدُوا دونك, إلا فتنة منك أصَابتهم= ويعني ب " الفتنة "، الابتلاء والاختبار (66) = يقول: ابتليتهم بها، ليتبين الذي يضلَّ عن الحق بعبادته إياه، والذي يهتدي بترك عبادته. وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى الله, إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سببٍ منه جل ثناؤه.
* * *
وبنحو ما قلنا في " الفتنة " قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15171- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (إن هي إلا فتنتك) ، قال: بليّتك.
15172- .... قال ) ، دثنا حبويه الرازي, عن يعقوب, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير: " إلا فتنتك "، : إلا بليتك. (67)
15173- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, (68) عن الربيع بن أنس: " إن هي إلا فتنتك "، قال: بليتك.
15174- .... قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء "، إن هو إلا عذابك تصيبُ به من تشاء, وتصرفه عمن تشاء. (69)
15175- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إن هي إلا فتنتك "، أنت فتنتهم.
* * *
وقوله: " أنت ولينا "، يقول: أنت ناصرنا. (70) = " فاغفر لنا "، يقول: فاستر علينا ذنوبَنا بتركك عقابَنا عليها= " وارحمنا "، تعطف علينا برحمتك= " وأنت خير الغافرين "، يقول: خير من صَفَح عن جُرم، وسَتر على ذنب. (71)
------------------------
الهوامش:
(40) (1) انظر تفسير (( الميقات )) فيما سلف 3 : 553 - 555 / 13 : 87 ، 90 .
(41) (2) الأثر : 15152 - مضى مطولا برقم 958 ، ومراجعه هناك .
(42) (1) في المطبوعة : (( وانكشف عن موسى ......... أقبل )) ، غير ما في المخطوطة . كما فعل آنفاً في رقم : 957 .
(43) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فالتقت أرواحهم )) ، ولا معنى لها ، صوابها ما أثبته . (( افتلتت نفسه )) ( بالبناء للمجهول ) : مات فلتة ، أي بغتة . وانظر ما سلف 2 : 87 ، تعليق : 1 .
(44) (3) الأثر : 15153 - مضى هذا الخبر برقم 957 ، ومراجعه هناك .
(45) الأثر : 15157 - ((عمارة بن عبد السلولي )) ، هو أخو (( سليم بن عبد السلولى )) و (( زيد بن عبد السلولي )) ، قال العجلي : (( هم ثلاثة إخوة : سليم بن عبد ، وعمارة بن عبد ، وزيد بن عبد ، ثقات ، سلوليون ، كوفيون )) . روى عن علي ، وحذيفة . لم يرو عنه غير أبي إسحق الهمداني .قال أحمد بن حنبل : (( عمارة بن عبد ، مستقيم الحديث ، لا يروى عنه غير أبي إسحق )) . وقال أبو حاتم : (( شيخ مجهول لا يحتج بحديثه )) . مترجم في ابن سعد 6 : 158 ، وابن أبي حاتم 3/1/367 ، وميزان الاعتدال 2 : 248 ، ومر ذكره في التعليق على رقم 8754 .
وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3: 561 ، 562 : (( وهذا أثر غريب جدا ، وعمارة بن عبد هذا ، لا أعرفه )) . فقد تبين مما ذكرت أنه معروف ، وأن ابن كثير لم يستوعب بحثه . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 128 ، ونسبه إلى عبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في كتاب : من عاش بعد الموت ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ولم أجده في كتاب (( من عاش بعد الموت )) المطبوع ، فدل هذا علي نقص النسخة المطبوعة منه .
(46) (1) الأثر : 15159 - (( عبد الله بن الحجاج بن المنهال )) لم أجد له ترجمة . وأبوه (( الحجاج بن المنهال الأنماطي )) ، مضى مرارا كثيرة .
و(( الربيع بن حبيب الحنفي )) ، (( أبو سعيد )) . روى عن الحسن ، وابن سيرين ، وأبي جعفر الباقر . روى عنه أبو داود الطيالسي ، ويحيى القطان ، وعبد الصمد بن عبد الوارث . وثقه أحمد ويحيى . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/253 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 457 . و (( أبو سعيد الرقاشي )) هو فيما أرجح (( قيس ، مولى أبي ساسان حضين بن المنذر الرقاشي )) . وكان أبو سعيد قليل الحديث . مترجم في ابن سعد 7/1/154 والكبير 4/1/151 ، وابن أبي حاتم 3/2/106 . وهناك أيضا (( أبو سعيد الرقاشي )) ، البصري وهو (( بيان بن جندب الرقاشى )) ، روى عن أنس . مترجم في الكبير 1/2/133 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 424 ، ولسان الميزان 2 : 69 . قال ابن حبان في الثقات : (( يخطئ )) .
(47) (1) في المخطوطة والمطبوعة : (( قال ابن سعد )) ، والصواب ما أثبت ، كما سلف في إسناد الخبر .
(48) (1) ديوانه : 516 ، النقائض : 696 ، سيبويه 1 : 18 ، الكامل 1 : 21 ، أملى الشجرى 1 : 186 ، الخزانة 3 : 669 ، 672 ، اللسان ( خير ) وغيرها كثير . وهو أول قصيدة ناقض بها جريراً ، وذكر فيها فضائل قومه بني تميم ومآثرهم ، وعنى بهذا البيت أباه غالبا ، وهو أحد أجواد بني تميم ، ثم قال بعده :ومِنَّـا الَّـذِي أَعْطَـى الرَّسُـولُ عَطِيَّةً
أُسَــارَى تَمِيـمٍ ، والعُيُـونُ دَوَامِـعُ
يعني الأقرع بن حابس ، الذي كلم رسول الله في أصحاب الحجرات ، وهم بنو عمرو بن جندب ابن العنبر بن عمرو بن تميم ، فرد رسول الله سبيهم . ثم أفاض في ذكر مآثرهم .
(49) (2) هو أعشى طرود: (( إياس بن عامر بن سليم بن عامر )) . وروى هذا البيت أيضاً في شعر نسب إلى عمرو بن معد يكرب ، وإلى العباس بن مرداس ، وإلى زرعة بن السائب ، وإلى خفاف بن فدية ( الخزانة 1 : 166 ) .
(50) ديوان الأعشين : 284 ، سيبويه 1 : 17 ، والمؤتلف والمختلف : 17 ، الكامل 1 : 21 ، أمالي الشجري 1 : 265 / 2 : 240 ، الخزانة 1 : 164 - 167 ، وغيرها كثير . فمن نسبها إلى أعشى طرود قال من بعد أبيات يذكر وصية أبيه له: إِنِّـي حَـوَيْتُ عَـلَى الأَقْـوَامِ مَكْرُمَة
قِدْمًــا، وَحَـذَّرَنِي مَـا يَتَّقُـونَ أَبِـي
وَقَـالَ لِـي قَـوْلَ ذِي عِلْـمٍ وَتَجْرُبَـةٍ
بِسَــالِفَاتِ أُمُـورِ الدَّهْـرِ وَالحِـقَبِ
أَمَـرْتُكَ الرُّشْـدَ، فـافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ
فَقَــدْ تَــرَكْتُكَ ذَا مَـالٍ وَذَا نَشَـبِ
لا تَبْخَــلَنَّ بِمَــالٍ عَــنْ مَذَاهِبِـهِ
فِـي غَـيْرِ زَلَّـةِ إِسْـرَافٍ وَلا تَغَـبِ
فَــإنّ وُرَّاثَــهُ لَـنْ يَحْـمَدُوكَ بِـهِ
إِذَا أَجَــنُّوكَ بَيْـنَ اللِّبْـنِ وَالخَشَـبِ
(( التغب )) : الهلاك ، يعني إهلاك المال في غير حقه . ويروى : (( ذا مال وذا نسب )) بالسين ، وهو أجود ، لأن النشب هو المال نفسه . وقوله : (( بين النشب والخشب )) ، يعني : ما يسوى عليه في قبره من الطين والخشب .
أما الشعر المنسوب إلى عمرو بن معد يكرب أو غيره فهو : إِنِّـي حَـوَيْتُ عَـلَى الأقْـوَامِ مَكْرُمَـةً
قِدْمًــا، وَحَـذَّرَنِي مَـا يَتَّقُـونَ أَبِـي
فَقَــالَ لِـي قَـوْلَ ذِي رَأيٍ وَمَقْـدِرَةٍ
مُجَـرَّبٍ عَـاقِلٍ نَـزْهٍ عَـنْ الــرَّيَبِ
قَـدْ نِلْـتَ مَجْـدًا فَحَـاذِرْ أَنْ تُدَنِّسُـهُ
أبٌ كَــرِيمٌ، وجَــدٌّ غَـيْرُ مُؤْتَشَـبِ
أَمَـــرْتُكَ الخَــيْرَ................
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واتْـرُكْ خَـلائِقَ قَـوْمٍ لا خَـلاقَ لَهُمْ
وَاعْمِـدْ لأَخْــلاقِ أَهْلِ الفَضْلِ والأدَبِ
وَإِنْ دُعِيــتَ لِغَـدْرٍ أوْ أُمِـرْتَ بِـهِ
فَـاهْرُبْ بِنَفْسِـكَ عَنْـهُ آبِـدَ الْهَـرَبِ
(51) (1) لم أجد البيت في مكان . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( إذ عنت )) بالعين المهملة والنون . ولا معنى لها ، ورجحت أن الصواب (( غثت )) بالغين والثاء . يقال : (( غثثت في خلقك وحالك غثاثة وغثوثة )) ، ولذلك إذا ساء خلقه وحاله . و (( الغث )) الردئ من كل شيء . و (( اعتل )) ، طلب العلل لمنع العطاء .
(52) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فإذا جازت الإضافة )) ، وأثبت صواب سياقها من معاني القرآن للفراء ، فهو نص كلامه .
(53) (3) هو الراعي النميري .
(54) (4) طبقات فحول الشعراء ، لابن سلام : 450 ، وما قبلها ، وشرح الحماسة 4 : 37 ، وما قبله ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 395 ( وهذا روايته ) ، وغيرها . وهو من شعر قاله الراعى لما نزل به ضيف من بنى كلاب في سنة حصاء مجدبة ، وليس عنده قرى ، والكلابي على ناب له ( وهي الناقة المسنة ) ، فأمر الراعى ابن أخيه حبتراً ، فنحرها من حيث لا يعلم الكلابي ، فأطمعه لحمها ، فقال الراعي في قصيدته يذكر أنه نظر إلى ناقة الكلابي : فَأَبْصَرْتُهَــا كَوْمَــاءَ ذَاتَ عَـرِيَكَـةٍ
هِجَانًـا مِـنَ الَّلاتِـي تَمَتَّعْـنَ بِالصَّوَى
فَــأَوْمَضْتُ إيمَـاضًـا خَفَيًّـا لِحَـبْتَرٍ
وَللــهِ عَيْنًــا حَــبْتَرٍ! أَيَّمَـا فَتَـى
فَقُلْـتُ لَـهُ: أَلْصِـقْ بِـأَبْيَسِ سَـاقِهَا
فَـإنْ يُجْـبَرِ العُرْقُـوبُ لا يَرْقَـأُ النَّسَا
فَقَــامَ إِلَيْهَــا حَــبْتَرٌ بِسِــلاحِهِ،
مَضَـى غَـيْرَ مَنْكُودٍ، ومُنْصُلَهُ انْـتَضَى
كَــأَنِّي وَقَـدْ أشْـبَعْتُهُ مِـنْ سِـنَامِهَا
كَشَـفْتُ غِطَـاءً عَـنْ فُـؤَادِي فَـانْجَلَى
وهذا تصوير جميل جيد ، لهذه الحادثة الطريفة . ثم قال : فَقُلْـتُ لِـرَبِّ النَّـابِ : خُذْهَـا فَتِيَّـةً
وَنَـابٌ عَلَيْهَـا مِثْـلُ نَـابِكَ فِي الحَيَا
أي : خذ مكانها ناقة فتية ، وناقة أخرى مسنة مثل نابك المسنة ، يوم يأتي الخصب ، وتحيي أموالنا .
(55) (1) هو العجاج .
(56) (2) ديوانه : 15 ، معاني القرآن للفراء 1 : 395 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 229 ، اللسان ( خير ) ، ورواية الديوان ، ومعاني القرآن : (( تحت الذي )) . وهو من قصيدته في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، مضت منها أبيات كثيرة ، انظر ما سلف 10 : 172 ، تعليق : 2 ، وهذا البيت في ذكر نبى الله صلى اله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وبيعتهم تحت الشجرة. وهي بيعة الرضوان في عمرة الحديبية ، فذكر عهد رسول الله ، وعهد الصديق ، وعهد عمر ، وعهد المهاجرين ، وعهد الأنصار ، ثم ذكر بيعة الرضوان فقال : وَعُصْبَـةِ النَّبِـيِّ إِذْ خَـافُوا الحَـصَرْ
شَــدُّوا لَـهُ سُـلْطَانَهُ حَـتَّى اقْتَسَـرْ
بِــالْقَتْلِ أَقْوَامًــا وَأَقْوَامًــا أَسَـرْ
تَحْـتَ الَّـذِي اخْتَـارَ لَـهُ اللـهُ الشَّجَرْ
وفي المخطوطة : (( تحت التي اختارها له الله )) ، وهو خطأ ظاهر ، صوابه ما في المطبوعة .
(57) (3) انظر مجاز القرآن 1 : 229 ، ونصه : (( تحت الشجرة التي اختار له الله من الشجر )) .
(58) (1) في المطبوعة : (( ما رجف بالقوم وأرعبهم )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة لأنها غير منقوطة ، ولأنها سيئة الكتابة ، فاجتهد واخطأ . وقد مضى اللفظ على الصواب فيما سلف ، انظر التعليق التالي رقم : 3 ، في المراجع .
(59) (2) في المطبوعة ، زاد (( واو )) فكتب : (( وأهلكهم )) عطفاً على ما قبله ، فأفسد معنى أبي جعفر . و إنما أراد أبو جعفر أن الرجفة : إما أن تعقب الهلاك ، وتصعق من تنزل به فتسلبه فهمه من شدة الروع .
(60) (3) انظر تفسير (( الرجفة )) فيما سلف : 12 : 544 ، 545 ، 566 .
(61) (4) انظر ما سلف قديماً 2 : 84 - 90 ، ثم ما سلف حديثاً ص : 140 .
(62) (1) انظر تفسير (( السفهاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سفه ) = وتفسير (( الهلاك )) فيما سلف ( هلك ) .
(63) (2) الأثر : 15168 - مضى قديمًا برقم 958 بتمامه ، ومضى صدره قريبًا برقم : 15152
(64) الأثر: 15169 مضى قديما برقم 957 بتمامه ، ومضى قريبا بتمامه رقم: 15153 .
(65) انظر تفسير (( الهلاك )) فيما سلف 9 : 30 / 104 : 147 ، وفهارس اللغة ( هلك ) .
(66) (1) انظر تفسير (( الفتنة )) فيما سلف 12 : 373 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(67) (2) الأثر : 15172 - (( حبويه الرازي )) هو : (( إسحق بن إسماعيل الرازي )) (( أبو يزيد )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم 15015 ، والراوي عن حبويه هو (( ابن وكيع )) ، كما هو ظاهر ، ولذلك وضعت نقطاً مكان اسمه ، في هذا الموضع وما يشابهه من المواضع ، حيث يختصر أبو جعفر شيخه من الإسناد .
(68) (3) في المطبعة والمخطوطة : (( أخبرنا ابن جعفر )) ، وهو خطأ ظاهر جداً ، صوابه ما أثبت . وقد مضى هذا الإسناد وشبهه من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع ، انظر ما سلف قريباً : 15171 .
(69) (4) الأثر : 15174 - شيخ الطبري في هذا الإسناد ، هو (( المثنى )) المذكور في الأثر قبله . وسأضع هذه النقط ، حيث يختصر أبو جعفر شيخه ، ثم لا أنبه إليه ، ومعلوم أن المحذوف هو شيخه في الإسناد قبله .
(70) (1) انظر تفسير (( ولى )) فيما سلف 11 : 282 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(71) (2) انظر تفسير (( المغفرة )) ، و (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) و ( رحم ) .
۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾
القول في تأويل قوله : وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مخبرًا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه: " واكتب لنا "، أي: اجعلنا ممن كتَبت له= " في هذه الدنيا حسنَةً"، وهي الصالحات من الأعمال (1) = " وفي الآخرة "، ممن كتبتَ له المغفرة لذنوبه، كما : -
15176- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة "، قال: مغفرة.
* * *
وقوله: " إنا هُدنا إليك "، يقول: إنا تبنا إليك. (2)
* * *
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15177- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، وابن فضيل، وعمران بن عيينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير= وقال عمران: عن ابن عباس = " إنا هدنا إليك " قال: تبنا إليك.
15178- قال حدثنا زيد بن حباب, عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير، قال: تبنا إليك.
15179- .... قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس قال: تبنا إليك.
15180- .... قال، حدثنا عبد الله بن بكر, عن حاتم بن أبي صغيرة, عن سماك: أن ابن عباس قال في هذه الآية: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك. (3)
15181- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير= قال: أحسبه عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.
15182- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، يقول تبنا إليك.
15183- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير في قوله: " إنا هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.
15184- .... قال، حدثنا عبد الرحمن، ووكيع بن الجراح قالا حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني, عن سعيد بن جبير، بمثله.
15185- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن الأصبهاني, عن سعيد بن جبير, مثله.
15186- .... قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم قال: تبنا إليك.
15187- .... قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام عن إبراهيم التيمي قال: تبنا إليك.
15187م- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن العوام, عن إبراهيم التيمي، مثله.
15188- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إنا هدنا إليك "، أي: إنا تبنا إليك.
15189- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: " هدنا إليك "، قال: تبنا.
15190- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنا هدنا إليك "، يقول: تبنا إليك.
15191- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إنا هدنا إليك "، يقول: تبنا إليك.
15192- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
15193- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية، قال: " هدنا إليك "، قال: تبنا إليك.
15194- ... قال، حدثنا أبي, عن أبي حجير, عن الضحاك، قال: تبنا إليك. (4)
15195- .... قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: تبنا إليك.
15196- وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول, فذكر مثله.
15197- ... قال، حدثنا أبي، وعبيد الله, عن شريك, عن جابر, عن مجاهد قال: تبنا إليك.
15198- ... قال، حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, مثله. (5)
15199- ... قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن جابر, عن عبد الله بن يحيى, عن علي عليه السلام قال: إنما سميت " اليهود "، لأنهم قالوا: " هدنا إليك ". (6)
15200- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " إنا هدنا إليك "، يعني: تبنا إليك.
15201- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو قال، سمعت رجلا يسأل سعيدًا: " إنا هدنا إليك "، قال: إنا هدنا إليك.
* * *
وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (7)
* * *
القول في تأويل قوله : قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: هذا الذي أصبتُ به قومك من الرجفة، عذابي أصيب به من أشاء من خلقي, كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك (8) = " ورحمتي وسعت كل شيء "، يقول: ورحمتي عمَّت خلقي كلهم. (9)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: مخرجه عامٌّ، ومعناه خاص, والمراد به: ورحمتي وَسِعت المؤمنين بي من أمة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. واستشهد بالذي بعده من الكلام, وهو قوله: " فسأكتبها للذين يتقون "، الآية.
* ذكر من قال ذلك:
15202- حدثني المثني قال، حدثنا أبو سلمة المنقري قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أنه قرأ: " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ". قال: جعلها الله لهذه الأمة. (10)
15203- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، قال سفيان قال، أبو بكر الهذلي: فلما نـزلت: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قال إبليس: أنا من " الشيء "! فنـزعها الله من إبليس، قال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) ، فقال اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا! فنـزعها الله من اليهود فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، قال: نـزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لهذه الأمة. (11)
15204- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: لما نـزلت: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قال إبليس: أنا من " كل شيء!". قال الله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) ، الآية. فقالت اليهود: ونحن نتقي ونؤتي الزكاة! فأنـزل الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، قال: نـزعها الله عن إبليس، وعن اليهود, وجعلها لأمة محمدٍ: سأكتبها للذين يتّقون من قومك.
15205- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء "، فقال إبليس: أنا من ذلك " الشيء "! فأنـزل الله: " فسأكتبها للذين يتقون " معاصي الله= " والذين هم بآياتنا يؤمنون "، فتمنتها اليهود والنصارى، فأنـزل الله شرطًا وَثيقًا بَيِّنًا, فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ، فهو نبيّكم، كان أميًّا لا يكتُب صلى الله عليه وسلم.
15206- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا خالد الحذاء, عن أنيس بن أبي العريان, عن ابن عباس في قوله: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: فلم يعطها, فقال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون " إلى قوله: الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ . (12)
15207- حدثني ابن وكيعٍ قال، حدثنا ابن علية، وعبد الأعلى, عن خالد, عن أنيس أبي العُريان= قال عبد الأعلى، عن أنيس أبي العُرْيان= وقال: قال ابن عباس: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: فلم يعطها موسى، قال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها "، إلى آخر الآية.
15208- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كان الله كتب في الألواح ذكر محمد وذكرَ أمته، وما ذَخَر لهم عنده، وما يسَّر عليهم في دينهم، وما وَسَّع عليهم فيما أحلّ لهم, فقال: " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون " = يعني: الشركَ= الآية.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك على العموم في الدنيا، وعلى الخصوص في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك:
15209- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن وقتادة في قوله: " ورحمتي وسعت كل شيء "، قالا وسعت في الدنيا البَرَّ والفاجر, وهي يوم القيامة للذين اتَّقوا خاصَّةً.
* * *
وقال آخرون: هي على العموم, وهي التوبة.
* ذكر من قال ذلك:
15210- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قال: سأل موسى هذا, فقال الله: " عذابي أصيب به من أشاء "= العذاب الذي ذَكر= " ورحمتي"، التوبةُ =(وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)، قال: فرحمته التوبةُ التي سأل موسى عليه السلام، كتبها الله لنا.
* * *
وأما قوله: " فسأكتبها للذين يتقون "، فإنه يقول: فسأكتب رحمتي التي وسعت كل شيء= ومعنى " أكتب " في هذا الموضع: أكتب في اللوح الذي كُتِب فيه التوراة " للذين يتقون "، (13) يقول: للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه, فيؤدُّون فرائضه, ويجتنبون معاصيه. (14) وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنّهم يتقونه. فقال بعضهم: هو الشرك.
* ذكر من قال ذلك:
15211- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " فسأكتبها للذين يتقون "، يعني الشرك.
* * *
وقال آخرون: بل هو المعاصي كلها.
* ذكر من قال ذلك:
15212- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة " فسأكتبها للذين يتقون "، معاصي الله.
* * *
وأما " الزكاة وإيتاؤها "، فقد بيَّنا صفتها فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (15)
* * *
وقد ذكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما: -
15213- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويؤتون الزكاة "، قال: يطيعون الله ورسولَه.
* * *
فكأنّ ابن عباس تأوَّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكِّي النفسَ ويطهِّرها من صالحات الأعمال.
* * *
وأما قوله: " والذين هم بآياتنا يؤمنون "، فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدِّقون ويقرُّون. (16)
----------------
الهوامش :
(1) (3) انظر تفسير (( الحسنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
(2) (4) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف 12 : 198 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) (1) الأثر : 15180 - (( عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي )) ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، مضى برقم : 8284 ، 10885 ، 11232 . و(( حاتم بن أبي صغيرة )) ، هو (( حاتم بن مسلم )) (( أبو يونس )) القشيري ، وقيل : الباهلي ، و(( أبو صغيرة)) ، هو أبو أمه ، ثقة . روى له الجماعة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 71 ، وابن أبي حاتم 1/2/257 . وكان في المخطوطة والمطبوعة : (( حاتم بن أبي مغيرة )) ، بالميم في أوله ، وهو خطأ محض .
(4) (1) الأثر : 15194 - (( أبو حجير )) الذي يروى عن الضحاك ، ويروى عنه وكيع ، قال أحمد ابن حنبل : (( ما حدثني عنه إلا وكيع )) ، مترجم في لسان الميزان 6 : 363 . ولم أجد له ترجمة في غيره من كتب الرجال .
(5) (2) الأثر : 15198 - (( حبويه )) ، (( أبو يزيد )) ، مضى قريباً برقم 15172 .
(6) (3) الأثر : 15199- (( جابر بن عبد الله بن يحيى )) ، هكذا هو في المخطوطة ، وفي المطبوعة (( جابر ، عن عبد الله بن يحيى )) ، ولم أجد لشيء من ذلك ذكراً في الكتب . وهو محرف بلا شك عن شيء آخر . وانظر ما سلف رقم 1094 ، عن ابن جريج . بمعنى هذا الخبر .
(7) (4) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف ص : 152 ، تعليق . 4 ، والمراجع هناك .
(8) (1) انظر تفسير (( الإصابة ))فيما سلف من فهارس اللغة ( صوب ) .
(9) (2) انظر تفسير (( وسع )) فيما سلف 12 : 562 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(10) (3) الأثر : 15202 - (( أبو سلمة المنقري )) ، هو (( أبو سلمة التبوذكي )) : (( موسى بن إسماعيل المنقري )) ، مولاهم ، روى عنه البخاري ، وأبو داود ، وروى له الباقون من أصحاب الكتب الستة بالواسطة . ثقة إمام . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/280 ، وابن أبي حاتم 4/1/136 .
(11) (1) الأثر : 15203 - لا(( عبد الكريم )) ، هو (( عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان )) ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 892 . و(( إبراهيم بن بشار الرمادى )) ، ثقة . مضى برقم 892 ، 6321 . و (( سفيان )) هو : ابن عيينة . و (( أبو بكر الهذلى )) ضعيف مضى مرارًا ، آخرها رقم 14690 .
(12) (1) الأثران 15206 ، 15207 - (( أنيس أبو العريان المجاشعى )) ، بغير ( ابن ) بينهما ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 44 ، وابن أبي حاتم 1/1/333 ، ولم يشر واحد منها إلى انه : (( أنيس ابن أبي العريان )) . وفي المخطوطة في الخبر الأول : (( أنيس بن أبي العريان )) بإثبات ( ابن ) ، وفي الخبر الثاني في الموضعين كليهما (( أنيس بن العريان )) بغير ( ابن ) كما أثبتها ، وأما في المطبوعة ، فإنه جعله في المواضع كلها (( أنيس ابن أبي العريان )) ، وهو تصرف معيب لا شك في ذلك . والظاهر أنه اختلف على ابن علية رواية اسمه ، رواه مرة (( أنيس بن أبي العريان )) ، ثم رواه أخرى (( أنيس أبي العريان )) ، كما في الأثر الثاني منهما ، وذكر الطبري قول عبد الأعلى ، ليؤيد به هذه الرواية عن ابن علية . فإن صح هذا الاختلاف على ابن عيينة ، وإلا فإنه ينبغي أن يكون أحد أمرين:
إما أن يكون صواب الخبر الأول: (( أنيس أبي العريان )) .
والثاني (( أنيس أبي العريان )) في الأولى ، وعن عبد الأعلى (( أنيس ابن أبي العريان )) . أو : أن يكون الأول عن ابن عيينة : (( أنيس بن أبي العريان )) ، والثاني أيضاً : (( أنيس ابن أبي العريان )) ، وعن عبد الأعلى : (( أنيس بن أبي العريان )) . والله أعلم بالصواب في كل ذلك ، ولا مرجح عندي ..
(13) (1) في المطبوعة والمخطوطة : (( الذين يتقون )) بغير لام ، والصواب ما أثبت .
(14) (2) انظر تفسير (( التقوى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .
(15) (1) انظر تفسير (( إيتاء الزكاة )) فيما سلف 1 : 573 ، 574 ، وما بعده في فهارس اللغة ( زكا ) و( أتى) .
(16) (2) انظر تفسير (( الآيات )) و (( والإيمان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي) و ( أمن) .
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿١٥٧﴾
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ
قال أبو جعفر: وهذا القول إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أنّ الذين وَعَد موسى نبيَّه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفَها جل ثناؤه بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, لأنه لا يعلم لله رسولٌ وُصف بهذه الصفة = أعني " الأمي" = غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15214- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15215- .... قال، حدثنا زيد بن حباب, عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن ابن عباس قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15216- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد في قوله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فقال موسى عليه السلام: ليتني خلقت في أمّة محمدٍ!.
15217- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: الذين يتّبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم.
15218- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن شهر بن حوشب, عن نوف الحميري قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه، قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا, وأجعل السكينة معكم في بيوتكم, وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظَهْر قلوبكم, (17) يقرؤها الرجل منكم والمرأةُ، والحرُّ والعبدُ، والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم الأرض طهورًا ومسجدًا. قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس! قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلا أن تكون كما كانت، في التابوت! قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم, (18) ويقرؤها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظرًا! فقال الله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . (19)
15219- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن نوف البكالي قال: لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل، كلّمه الله فقال: إني قد بسطت لهم الأرض طهورًا ومساجدَ يصلُّون فيها حيث أدركتهم الصلاة، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمّام, وجعلت السكينة في قلوبهم, وجعلتهم يقرأون التوراةَ عن ظهر ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبني إسرائيل, فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا, فاجعلها لنا في تابوت, ولا نقرأ التوراة إلا نظرًا, ولا نصلي إلا في الكنيسة! فقال الله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، حتى بلغ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . قال: فقال موسى عليه السلام: يا ربّ، اجعلني نبيَّهم! قال: نبيُّهم منهم! قال: رب اجعلني منهم! قال: لن تدركهم! قال: يا ربّ، أتيتك بوفد بني إسرائيل, فجعلت وِفَادَتنا لغيرنا! فأنـزل الله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [سورة الأعراف: 159]. = قال نوف البكالي: فاحمدوا الله الذي حَفظ غيبتكم, وأخذ لكم بسهمكم, وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.
15220- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن يحيى بن أبي كثير, عن نوف البكالي بنحوه= إلا أنه قال: فإني أنـزل عليكم التوراة تقرأونها عن ظهر ألسنتكم, رجالكم ونساؤُكم وصبيانكم. قالوا: لا نُصلّي إلا في كنيسة, ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
15221- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (20)
15222- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، قال: هؤلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
15223- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: لما قيل: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ، تمنّتها اليهود والنصارى, فأنـزل الله شرطًا بيّنًا وثيقًا فقال: " الذين يتبعون الرَّسول النبيّ الأمي"، وهو نبيكم صلى الله عليه وسلم، كان أمِّيًّا لا يكتبُ. (21)
* * *
وقد بينا معنى " الأمي" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (22)
* * *
وأما قوله: " الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل "، فإن " الهاء " في قوله: " يجدونه "، عائدة على " الرسول ", وهو محمّد صلى الله عليه وسلم، كالذي: -
15224- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: " الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ"، هذا محمّد صلى الله عليه وسلم.
15225- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا فليح، عن هلال بن علي, عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو, فقلت: أخبرني عن صفة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفتِه في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأمِّيين, أنت عبدي ورسولي, سميتك المتوكّل, (23) ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق, ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح، ولن نقبضه حتى نقيم به الملةَ العوجاء, بأن يقولوا: " لا إله إلا الله "، فنفتح به قلوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا, وأعينًا عُمْيًا= قال عطاء: ثم لقيتُ كعبًا فسألته عن ذلك, فما اختلفا حرفًا, إلا أن كعبًا قال بلغته: قلوبًا غُلُوفيا، وآذانًا صمومِيَا, وأعينًا عُمْوميا. (24)
15226- حدثني أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا فليح بن سليمان, عن هلال بن علي قال، حدثني عطاء قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص, فذكر نحوه= إلا أنه قال في كلام كعب: أعينًا عمومَا, وآذانًا صموما, وقلوبًا غُلُوفَا.
15227- ... قال، حدثنا موسى قال، حدثنا عبد العزيز بن سلمة, عن هلال بن علي, عن عطاء بن يسار, عن عبد الله بنحوه= وليس فيه كلام كعب.
15228- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال الله: " الذي يجدونه مكتوبًا عندهم "، يقول: يجدون نعتَه وأمرَه ونبوّته مكتوبًا عندهم.
* * *
القول في تأويل قوله : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يأمر هذا النبيُّ الأميُّ أتباعَه بالمعروف= وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى, فذلك " المعروف " الذي يأمرهم به (25) = " وينهاهم عن المنكر " وهو الشرك بالله, والانتهاء عمّا نهاهم الله عنه. (26) وقوله: " ويحل لهم الطيبات "، وذلك ما كانت الجاهلية تحرِّمه من البحائر والسَّوائب والوصائل والحوامي (27) = " ويحرم عليهم الخَبَائث "، وذلك لحم الخنـزير والرِّبا وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله، (28) كما:-
15229- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويحرم عليهم الخبائث "، وهو لحم الخنـزير والربا, وما كانوا يستحلونه من المحرَّمات من المآكلِ التي حرمها الله.
* * *
وأما قوله: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: يعني بـ" الإصر "، العهدَ والميثاقَ الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.
* ذكر من قال ذلك:
15230- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: عهدهم.
15231- ... قال حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك، قال: عهدهم.
15232- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن علي قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله.
15233- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك, عن الحسن: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: العهود التي أعطوها من أنفسهم.
15234- .... قال، حدثنا ابن نمير, عن موسى بن قيس, عن مجاهد: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: عهدهم. (29)
15235- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقَهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل.
15236- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم. يقول: يضع ذلك عنهم.
* * *
وقال بعضهم: عني بذلك أنه يضع عمن اتّبع نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، التشديدَ الذي كان على بني إسرائيل في دينهم.
* ذكر من قال ذلك:
15237- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه.
15238- حدثني المثني قال حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: البولَ ونحوه، مما غُلِّظ على بني إسرائيل.
15239- .... قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: شدّة العمل.
15240- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " قال: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب, وُضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم.
15241- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن ابن سيرين قال: قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا في الدين من حَرَج أن نـزني ونسرق؟ قال: بلى! ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضِع عنكم.
15242- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ويضع عنهم إصرهم "، قال: إصرهم الذي جعله عليهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ " الإصر " هو العهد= وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (30) = وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهدَ الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل، من إقامة التوراة والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول, وتحريم الغنائم, ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً, فنسخها حُكْم القرآن.
* * *
وأما " الأغلال التي كانت عليهم ", فكان ابن زيد يقول بما: -
15243- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه في قوله: " والأغلال التي كانت عليهم "، قال: " الأغلال "، وقرأ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [سورة المائدة: 64]. قال: تلك الأغلال. قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبيّ فيضع ذلك عنهم.
* * *
القول في تأويل قوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي, وأقرُّوا بنبوّته (31) = " وعزَّروه "، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، (32) كما: -
15244- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " وعزروه "، يقول: حموه وقَّروه.
15245- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثني موسى بن قيس, عن مجاهد: " وعزروه ونصروه " : " عزَّروه "، سدَّدوا أمره, وأعانوا رَسُوله= " ونَصَرُوه ".
* * *
وقوله: " نصروه "، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم = " واتبعوا النور الذي أنـزل معه "، يعني القرآن والإسلام (33) = " أولئك هم المفلحون "، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك. (34)
15246- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: فما نقموا= يعني اليهود= إلا أن حسدوا نبيَّ الله, فقال الله: " الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه "، فأما نصره وتعزيره فقد سبقتم به, ولكن خياركم من آمن بالله واتَّبع النور الذي أنـزل معه.
* * *
يريد قتادة بقوله " فما نَقَموا إلا أن حسدوا نبي الله "، أن اليهودَ كان محمَّد صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتبعوه, لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم, فحملهم الحسد على الكفر به، وترك قبول التخفيف، لغلبة خِذْلانِ الله عليهم.
-----------------
الهوامش :
(17) (1) في المطبوعة : (( عن ظهور قلوبكم )) ، بجمع (( ظهور )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
(18) (2) في المطبوعة : (( عن ظهور )) ، وتنظر التعليق السالف .
(19) الأثر: 15218 "نوف الحميري" هو نوف البكالي المذكور في الأثريين التاليين: 515219 ، 15220 ، وهو "نوف بن فضالة الحميري البكالي الشامي" مضى برقم : 3965 ، 9446 ، 9456 .
(20) (1) الأثر : 15221 - (( إسحق بن إسماعيل )) هو (( حبويه )) ، (( أبو يزيد الرازي )) ، الذي مضى قريباً برقم : 15198 ، وصرح هنا أول مرة باسمه .
(21) (2) الأثر : 15223 - انظر الأثر السالف رقم : 15205
(22) (3) انظر تفسير (( الأمي )) فيما سلف 2 : 257 - 259 / 3 : 442 / 6 : 281 ، 282 ، 522/ ثم انظر رقم : 5827 ، 1774 ، 6775 .
(23) (1) في المطبوعة : (( سميتك )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(24) (2) الأثر : 15225 - (( عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي )) ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، روى له الجماعة ، سلف برقم : 5458 . و (( فليح )) ، هو (( فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزامي )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5090 . و (( هلال بن على بن أسامة المدني )) ، وينسب إلى جده فيقال : (( هلال بن أسامة )) ، ثقة ، مضى برقم : 1495. وانظر الآثار التالية .
(25) (1) انظر تفسير (( المعروف )) فيما سلف 9 : 201 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) (2) انظر تفسير (( المنكر )) فيما سلف 10 : 496 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(27) (3) انظر تفسير (( الطيبات )) فيما سلف 11 : 96 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(28) (4) انظر تفسير (( الخبائث )) فيما سلف 11 : 96 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(29) (1) الأثر : 15234 - (( موسى بن قيس الحضرمى )) ، مضى برقم : 6513 .
(30) (1) انظر تفسير (( الإصر )) فيما سلف 6 : 135 - 138 ، 560 .
(31) (2) انظر تفسير (( الإيمان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أمن ) .
(32) (3) انظر تفسير (( التعزير )) فيما سلف 10 : 119 - 121 .
(33) (1) انظر تفسير (( النور )) فيما سلف 11 : 526 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(34) (2) انظر تفسير (( الفلاح )) فيما سلف : 12 : 505 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٨﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد للناس كلهم= " إنّي رسول الله إليكم جميعًا "، لا إلى بعضكم دون بعض, كما كان من قبلي من الرُّسل, مرسلا إلى بعض الناس دون بعض. فمن كان منهم أرسل كذلك, فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم.
وقوله: " الذي"، من نعت اسم " الله " وإنما معنى الكلام: قل: يا أيها الناس إني رسول الله، الذي له ملك السموات والأرض، إليكم.
ويعني جل ثناؤه بقوله: " الذي له ملك السموات والأرض "، الذي له سلطان السَّموات والأرض وما فيهما, وتدبير ذلك وتصريفه (35) = " لا إله إلا هو "، يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعِبادة إلا له جل ثناؤه، دون سائر الأشياء غيره من الأنداد والأوثان, إلا لمن له سلطان كل شيء، والقادر على إنشاء خلق كل ما شاء وإحيائه، وإفنائه إذا شاء إماتته = " فآمنوا بالله ورسوله "، يقول جل ثناؤه: قل لهم: فصدِّقوا بآيات الله الذي هذه صفته, وأقِرُّوا بوحدانيته, وأنه الذي له الألوهة والعبادة, وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنَّه مبعوث إلى خلقه، داع إلى توحيده وطاعته.
* * *
القول في تأويل قوله : النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
قال أبو جعفر: أما قوله: " النبي الأمي"، فإنه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقد بينت معنى " النبي" فيما مضى بما أغنى عن إعادته= ومعنى قوله: " الأمي". (36)
* * *
= " الذي يؤمن بالله "، يقول: الذي يصدق بالله وكلماته.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وكلماته ". (37)
فقال بعضهم: معناه: وآياته.
* ذكر من قال ذلك:
15247- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، يقول: آياته.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك عيسى ابن مريم عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك:
15248- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، قال: عيسى ابن مريم.
15149- وحدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " الذي يؤمن بالله وكلماته "، فهو عيسى ابن مريم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنَّ الله تعالى ذكره أمرَ عباده أن يصدِّقوا بنبوِّة النبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبرَ جل ثناؤه عن إيمانه من " كلمات الله " ببعض دون بعضٍ, بل أخبرهم عن جميع " الكلمات ", فالحق في ذلك أن يعمَّ القول, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلمات الله كلِّها، على ما جاء به ظاهرُ كتابِ الله.
* * *
وأما قوله: " واتبعوه لعلكم تهتدون "، فاهتدوا به أيها الناس, واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله= " لعلكم تهتدون "، يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحقّ في اتّباعكم إيّاه.
----------------------
الهوامش :
(35) (1) انظر تفسير (( الملك )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ملك ) .
(36) (1) انظر تفسير (( النبي )) فيما سلف 2 : 140 - 142 / 6 : 284 ، 380 ، وغيرها من المواضع . = وتفسير (( الأمي )) ، فيما سلف قريباً ص : 163 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(37) (2) انظر تفسير (( الكلمة )) فيما سلف من الفهارس اللغة ( كلم ) .
وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴿١٥٩﴾
القول في تأويل قوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ومن قوم موسى "، يعني بني إسرائيل= " أمة "، يقول: جماعة (38) = " يهدون بالحق "، يقول: يهتدون بالحق، أي يستقيمون عليه ويعملون (39) " وبه يعدلون "، أي: وبالحق يعطُون ويأخذون, ويُنصفون من أنفسهم فلا يجورون. (40)
* * *
وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية، جماعةٌ أقوالا نحن ذاكرو ما حضَرنا منها.
15250- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن صدقة أبي الهذيل, عن السدي: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "، قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ. (41)
15251- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "، قال: بلغني أن بني إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءَهم، كفروا. وكانوا اثني عشر سبطًا, تبرّأ سبطٌ منهم مما صنعوا, واعتذروا, وسألوا الله أن يفرِّق بينهم وبينهم, ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرض, فساروا فيه حتى خرجُوا من وراء الصين, فهم هنالك، حُنَفاء مسلمُون يستقبلون قبلتنا= قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [سورة الإسراء: 104]. و وَعْدُ الآخِرَةِ ، عيسى ابن مريم، يخرجون معه= قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفًا. (42)
--------------------
الهوامش :
(38) (1) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف 12 : 415 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(39) (2) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(40) (3) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف 6 : 51 ، وفهارس اللغة ( عدل ) .
(41) (1) الأثر : : 15250 - (( صدقة أبي الهذيل )) ، ترجم له البخاري في الكبير 2/2/295 ، ولم يزد على أن قال : (( عن السدي ، روى عنه ابن عيينة )) ، ولم يذكر فيه جرحاً . وذكره في التهذيب وقال : (( صدقة أبو الهذيل ، تقدم ذكره في ترجمة : صدقة بن أبي عمران )) ، ولكن سقط من نسخة التهذيب ترجمة (( صدقة بن أبي عمران )) ، فلم يرد له ذكر في الكتاب . وأما ابن أبي حاتم ، فلم يذكره في كتابه ، لا في ترجمة خاصة ، ولا في ترجمة (( صدقة بن أبي عمران )) ، ولكن كلام ابن حجر في التهذيب قد يوهم أنهما شخص واحد ، ولكن الراجح أنهما رجلان ، لأن البخاري ترجم له ، ففرق بينهما . وقوله (( نهر من شهد )) يعنى : نهراً من عسل من أنهار الجنة التي قال الله تعالى في سورة محمد : 15 { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } وبهذا اللفظ ( شهد ) ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 573 . وفي الدر المنثور 1 : 136 : (( وبينهم نهر من سهل - يعني من رمل - يجري )) ، ثم جاء الألوسى في تفسير الآية ( 9 : 75 ) فنقل ذلك هكذا : (( وبينهم نهر من رمل يجري )) ثم قال : (( وضعف هذه الحكاية ابن الخازن ، وأنا لا أراها شيئا ، ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليه ولو ابتغيت نفقاً في الأرض أو سلماً إلى السماء )) . ونقل الألوسى نقل من المعنى الذي ذكره السيوطي (( سهل )) - يعني من رمل )) ، وهو فاسد جداً والصواب أن (( سهل )) ، محرف عن (( شهد )) ، وهو الصواب إن شاء الله . هذا تحرير نص الخبر وتأويله ، وأما صحته أو ضعفه فهما بمعزل من تصحيح نصه ، ومثل هذا الخبر والذي يليه ، لا يؤخذ به إلا بحجة قاطعة يجب التسليم لها . ولا حجة في رواية موقوفة على السدي .
(42) (1) الأثر : 15251 - هذا الخبر ، لم يروه أبو جعفر في تفسير آية سورة الإسراء ، وهذا ضرب من اختصاره لتفسيره ، وربما دل ذلك على ضعف الخبر عنده ، لأنه لو صح عنه لذكره في تفسير قوله تعالى : (( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَة)) ، أنه عيسى ابن مريم عليه السلام .
وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٠﴾
القول في تأويل قوله : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرقناهم= يعني قوم موسى من بني إسرائيل, فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى, اثنتي عشرة قبيلة.
* * *
وقد بينا معنى " الأسباط"، فيما مضى، ومن هم. (1)
* * *
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث " الاثنتي عشرة "، و " الأسباط" جمع مذكر. فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة, ثم أخبر أن الفرق " أسباط", ولم يجعل العدد على " أسباط".
* * *
وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول (2) لا يخرج العدد على غير التالي, (3) ولكن " الفرق " قبل " الاثنتي عشرة "، حتى تكون " الاثنتا عشرة " مؤنثة على ما قبلها, ويكون الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة أسباطًا= فيصحّ التأنيث لما تقدَّم.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قال " الاثنتي عشرة " بالتأنيث، و " السبط" مذكر, لأن الكلام ذهب إلى " الأمم "، فغُلّب التأنيث، وإن كان " السبط" ذكرًا, وهو مثل قول الشاعر: (4) وَإِنَّ كِلابًــا هَــذِهِ عَشْــرُ أَبْطُـنٍ
وَأَنْـتَ بَـرِيءٌ مِـنْ قَبَائِلِهَـا الْعَشْـرِ (5)
ذهب ب " البطن " إلى القبيلة والفصيلة, فلذلك جمع " البطن " بالتأنيث.
* * *
وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنّثت " الاثنتا عشرة "، و " السبط" ذكر, لذكر " الأمم ". (6)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنّ " الاثنتي عشرة " أنثت لتأنيث " القطعة "، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعًا اثنتي عشرة ثم ترجم عن " القِطَع " ب " الأسباط"، وغير جائز أن تكون " الأسباط" مفسرة عن " الاثنتي عشرة " وهي جمع, لأن التفسير فيما فوق " العشر " إلى " العشرين " بالتوحيد لا بالجمع, (7) و " الأسباط" جمع لا واحد, وذلك كقولهم: " عندي اثنتا عشرة امرأة ". ولا يقال: " عندي اثنتا عشرة نسوة "، فبيَّن ذلك أن " الأسباط" ليست بتفسير للاثنتي عشرة, (8) وأن القول في ذلك على ما قلنا.
* * *
وأما " الأمم "، فالجماعات= و " السبط" في بني إسرائيل نحو " القَرْن ". (9)
* * *
وقيل: إنما فرّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.
* * *
القول في تأويل قوله : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " وأوحينا إلى موسى "، إذ فرّقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة, وتيَّهناهم في التيه، فاستسقوا موسى من العَطش وغَوْر الماء= " أن اضرب بعصَاك الحجر ".
* * *
وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده. (10)
* * *
= " فانبجست "، فانصّبت وانفجرت من الحجر اثنتَا عشرة عينًا من الماء, " قد علم كل أناس "، يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة " مشربهم "، لا يدخل سبط على غيره في شربه= " وظللنا عليهم الغمام "، يكنُّهم من حرّ الشمس وأذاها.
* * *
وقد بينا معنى " الغمام " فيما مضى قبل, وكذلك: " المن والسلوى ". (11)
* * *
= " وأنـزلنا عليهم المن والسلوى "، طعامًا لهم= " كلوا من طيبات ما رزقناكم "، يقول: وقلنا لهم: كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس، وطيّبناه لكم= " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "، وفي الكلام محذوف، ترك ذكره استغناءً بما ظهَر عما ترك, وهو: " فأجِمُوا ذلك، (12) وقالوا: لن نصبر على طعام واحد, فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير "= " وما ظلمونا "، يقول: وما أدخلوا علينا نقصًا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا, وفعلهم ما فعلوا= " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "، أي: ينقصونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل بالأفضل.
-------------------
الهوامش :
(1) (2) انظر تفسير (( الأسباط )) فيما سلف 2 : 121 ، الخبر رقم 1047 / 3 : 109 - 113 ، 122 / 6 : 569 .
(2) (3) في المخطوطة : (( يستحكى هذا التأويل )) ، وفي المطبوعة : (( يستحكى على هذا التأويل )) ، زاد (( على )) ، لأن وجد الكلام لا معنى له . والصواب عندي ما أثبت (( يستخل )) من (( الخلل )) وهو الوهن و الفساد ، وقالوا : (( أمر مختل )) أي فاسد واهن . فاستخرج أبو جعفر أو غيره قياساً من (( الخلل )) (( استخل الشيء )) ، أي استوهنه واستضعفه ، ووجد فيه خللاً . وهو قياس جيد في العربية . وهو صواب المعنى فيه إن شاء الله.
(3) (1) في المخطوطة : (( على غير الثاني )) ، وغيرها في المطبوعة إلى : (( على عين الثاني )) ، وكلتاهما فاسدة المعنى ، والصواب ما أثبت . يعنى : ما يتلو العدد ، وهو (( أسباط )) ، وهو الظاهر في الكلام ، وتقديره : (( اثنى عشرة فرقة أسباطاً )) ثم حذف (( فرقة )) وإضمارها ، يوجب أن يجرى العدد على ما يتلوه ، فصح بهذا ما أثبت من قراءة النص .
(4) (2) النواح الكلابي، رجل من بنى كلاب .
(5) (3) سيبويه 2 : 174 ، معاني القرآن للفراء 1 : 126 ، الإنصاف : 323 ، العينى ( هامش الخزانة ) 4 : 484 ، واللسان ( بطن ) ، وغيرها . ولم أجد تتمة الشعر .
(6) (4) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 397 .
(7) (1) (( التفسير )) ، هو (( التمييز )) ، فقوله : (( مفسرة )) أي تمييزاً في الإعراب .
(8) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( ففي ذلك أن الأسباط )) ، وهو تركيب واه ضعيف ، ورجحت أن ما أثبت أشبه بالصواب .
(9) (3) انظر تفسير (( الأمة ) فيما سلف ص : 172 ، تعليق : 1 والمراجع هناك وتفسير السبط فيما سلف ص 174 تعليق 2 والمراجع هناك .
(10) (1) انظر ما سلف 2: 119 - 122 . = وتفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(11) (2) انظر تفسير (( تظليل الغمام )) فيما سلف 2 : 90 ، 91 . = وتفسير (( المن )) و (( والسلوى )) فيما سلف 2 : 91 - 101 . = وتفسير سائر الآية ، وهي نظيرتها فيما سلف 2 : 101 ، 102 .
(12) (3) في المطبوعة : (( فأجمعوا ذلك )) ، ظن ما في المخطوطة خطأ ، فأصلحه ، يعنى فأفسده ! ! يقال : (( أجم الطعام يأجمه أجما )) ، إذا كرهه ومله من طول المداومة عليه .
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٦١﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد، من خطأ فعل هؤلاء القوم، وخلافهِم على ربهم، وعصيانهم نبيَّهم موسى عليه السلام، وتبديلهم القولَ الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: " اسكنوا هذه القرية "، وهي قرية بيت المقدس (13) = " وكلوا منها " وكلوا : من ثمارها وحبوبها ونباتها= " حيث شئتم "، منها، يقول: أنّى شئتم منها= " وقولوا حطة "، يقول: وقولوا: هذه الفعلة " حِطّةٌ"، تحطُّ ذنوبنا (14) = " نغفر لكم "، يتغمد لكم ربكم= " ذنوبكم "، التي سلفت منكم, فيعفو لكم عنها, فلا يؤاخذكم بها. (15) = " سنـزيد المحسنين "، منكم, وهم المطيعون لله, (16) على ما وعدتكم من غفران الخطايا.
* * *
وقد ذكرنا الروايات في كل ذلك باختلاف المختلفين، والصحيح من القول لدينا فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (17)
------------------
الهوامش :
(13) (1) انظر تفسير (( القرية )) فيما سلف 2 : 102 ، 103 .
(14) (2) انظر تفسير (( الحطة )) فيما سلف 2 : 105 - 109 .
(15) (3) انظر تفسير (( المغفرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) .
(16) (4) انظر تفسير (( الإحسان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
(17) (5) انظر ما سلف في تفسير نظيرة هذه الآية 2 : 102 - 112 .
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٢﴾
القول في تأويل قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول, فقالوا= وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة=: " حنطة في شعيرة ". وقولهم ذلك كذلك، هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: " فأرسلنا عليهم رجزًا من السماءِ"، بَعثنا عليهم عذابًا، أهلكناهم بما كانوا يغيِّرون ما يؤمرون به, فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم الله بفعله. (18)
* * *
وقد بينا معنى الرجز فيما مضى. (19)
-------------------
الهوامش :
(18) (1) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 2 : 112 - 119 .
(19) (2) انظر تفسير ((الرجز )) فيما سلف 2 : 117 ، 118 / 12 : 521 / 13 : 72 .
وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾
القول في تأويل قوله : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك, عن أمر " القرية التي كانت حاضرة البحر ", يقول: كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه.
* * *
واختلف أهل التأويل فيها.
فقال بعضهم: هي " أيلة ".
* ذكر من قال ذلك:
15252- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن محمد بن إسحاق, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي قرية يقال لها " أيلة ", بين مَدْين والطور.
15253- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر " قال: سمعنا أنها أيلة.
15254- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج, عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي, فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداك؟ فقال: ويلك, وتعرِف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة! (20)
15255- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي أيلة.
15256- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: هي قرية على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: " أيلة ".
15257- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هم أهل أيلة, القرية التي كانت حاضرة البحر.
15258- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: أيلة.
* * *
وقال آخرون: معناه: ساحلُ مدين.
15259- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر " الآية, ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر، يقال لها أيلة.
* * *
وقال آخرون: هي مَقْنا.
* ذكر من قال ذلك:
15260- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر "، قال: هي قرية يقال لها " مقنا "، بين مدين وعَيْنُوني. (21)
* * *
وقال آخرون: هي مدين.
* ذكر من قال ذلك:
15261- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: هي قرية بين أيلة والطور، يقال لها " مَدْين ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر= وجائز أن تكون أيلة= وجائز أن تكون مدين= وجائز أن تكون مقنا= لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع العذر بأيِّ ذلك من أيٍّ, (22) والاختلاف فيه على ما وصفت. ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه, إلا بخبر يوجب العلم. ولا خبر كذلك في ذلك.
* * *
وقوله: " إذ يعدون في السبت "، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمرَ الله, ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم.
* * *
يقال منه: " عدا فلان أمري" و " اعتدى "، إذا تجاوزه. (23)
* * *
وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرَّم عليهم السبت, فكانوا يصطادون فيه السمك. (24)
* * *
= " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا "، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه العمل= " شرَّعًا ", يقول: شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، كالذي: -
15262- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك، عن ابن عباس: " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا "، يقول: ظاهرة على الماء. (25)
15263- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " شرعًا "، يقول: من كلّ مكان.
* * *
وقوله: " ويوم لا يسبتون "، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت, وذلك سائر الأيام غير يوم السبت= " لا تأتيهم "، الحيتان= " كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون "، يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده, وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده (26) = " كذلك نبلوهم "، ونختبرهم (27) = " بما كانوا يفسقون "، يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها. (28)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ويوم لا يسبتون ".
فقرئ بفتح " الياء " من (يَسْبِتُونَ) =من قول القائل: " سبت فلان يسبت سَبْتًا وسُبُوتًا "، إذا عظَّم " السبت ".
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (وَيَوْمَ لا يُسْبَتُونَ) بضم الياء. =من " أسبت القوم يسبتون "، إذا دخلوا في " السبت ", كما يقال: " أجمعنا "، مرّت بنا جمعة, و " أشهرنا " مرّ بنا شهر, و " أسبتنا "، مرّ بنا سبت.
* * *
ونصب " يوم " من قوله: " ويوم لا يسبتون "، بقوله: " لا تأتيهم "، لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون.
* * *
---------------------
الهوامش :
(20) (1) الأثر : 15254 - (( سلام بن سالم الخزاعى )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 252 ، 6529 . و (( يحيى بن سليم الطائفي )) ، مضى برقم : 4894 ، 7831 . وانظر هذا الخبر وتمامه فيما سيأتي رقم 15271 .
(21) (1) (( عينونى )) ، وتكتب أيضاً ( عينونا )) ، و (( عينون )) ، ذكرها ياقوت في معجمه في الباب ، وذكرها البكرى في معجم ما استعجم في (( حبرى )) ، ولم يفرد لها باباً . قال ياقوت : (( من قرى باب المقدس . وقيل : قرية من وراء البثنية من دون القلزم ، في طرف الشام ، ذكرها كثير : إِذْ هُـنَّ فِـي غَلَـسِ الظَّـلامِ قـوارِبٌ
أَعْــدَادَ عَيْــنٍ مـن عُيُـونِ أُثَـالِ
يَجْــتَزْنَ أَوْدِيَـةَ البُضَيْـعِ جَوَازِعًـا
أجْــوَازَ عَيْنُونَــا، فَنَعْــفَ قِبَـالِ
وقال يعقوب : سمعت من يقول : عين أنا ... وقال البكرى : هي قرية يطؤها طريق المصريين إذا حجوا . وأنا ، واد )) . وفي الخبر ( ابن سعد 1/2/21 ، 22 ) : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كتب لنعيم ابن أوس ، أخي تميم الدارى ، أن له (( حيرى )) ، و (( عينون )) بالشام ، قريتها كلها ، سهلها وجبلها وماءها وأنباطها وبقرها ، ولعقبة من بعده ، لا يحاقه فيها أحد ، ولا يلجه عليهم بظلم ، ومن ظلمهم وأخذ منهم شيئاً فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وكتب على )) . قال البكرى في معجم ما استعجم (420 ) : (( وكان سليمان بن عبد الملك إذا مر بها لم يعرج ويقول : أخاف أن تمسنى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
(22) (1) في المطبوعة : (( بأن ذلك من أي )) ، ظن أنه يصحح ما في المخطوطة ، فخلط خلطاً لا مخرج منه . وهذا تعبير مضى مرارًا ، وأشرت إليه 1 : 520 س : 16 / 2 : 517 س : 15 / 3 : 64 س : 7 / 6 : 291 س : 6 / 8 : 85 ، 86 تعليق : 1 ، فراجعه هناك ٍ ، فقد غيره الناشر في كل هذه المواضع .
(23) (2) انظر تفسير : (( عدا )) و (( اعتدى )) فيما سلف 12 : 36 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(24) (1) انظر معنى (( السبت )) واعتداؤهم فيه فيما سلف 2 : 166 - 182 / 9 : 361 ، 362 .
(25) (2) الأثر : 15262 - (( عثمان بن سعيد الزيات الأحول )) ، لا بأس به ، مضى برقم : 137 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( عثمان بن سعد )) ، وهو خطأ محض . و (( بشر بن عمارة الخثعمي )) ، ضعيف ، مضى أيضاً برقم : 137 . وهذا الخبر جزء من خبر طويل مضى قديماً برقم : 1138 ( 2 : 168 ) .
(26) (3) في المطبوعة والمخطوطة : (( وإخفائها )) ، والسياق يقتضى ما أثبت .
(27) (4) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) .
(28) (1) انظر تفسير ((الفسق ) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .