At-Tabari
· Al-An'aamOpen in readerفَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿٩٦﴾
القول في تأويل قوله : فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا
قال أبو جعفر: يعني بقوله: " فالق الإصباح "، شاقٌّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده. (2)
* * *
و " الإصباح " مصدر من قول القائل: " أصبحنا إصباحًا ".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13595 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الصبح.
13596 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي, نجيح, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الفجر.
13597- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13598 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصُّبح.
13599 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " فالق الإصباح "، يعني بالإصباح، ضوءَ الشمس بالنهار, وضوءَ القمر بالليل.
13600 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصبح.
13601- حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد, عن مجاهد فقال في قوله: " فالق الإصباح "، قال إضاءة الصبح.
13602 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فلق الإصباح عن الليل.
13603 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فالق الإصباح "، يقول: خالق النور, نور النهار.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار .
* ذكر من قال ذلك:
13604 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) ، (3) يقول: خلق الليل والنهار.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ: (فَالِقُ الأصْبَاحِ)، بفتح الألف، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع " صبح ", كأنه أراد صبح كل يوم, فجعله " أصباحًا ", ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها، بكسر الألف: (4) (فالِقُ الإصْبَاح) ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.
* * *
وأما قوله: " وجاعِلُ الليل سكنًا "، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (5) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفًا على " فالق ", وخفض " الليل " بإضافة " جاعل " إليه, ونصب " الشمس والقمر "، عطفًا على موضع " الليل "، لأن " الليل " وان كان مخفوضًا في اللفظ، فإنه في موضع النصب, لأنه مفعول " جاعل ". وحسن عطف ذلك على معنى " الليل " لا على لفظه, لدخول قوله: " سكنًا " بينه وبين " الليل "، قال الشاعر: (6)
قُعُـوداً لَـدَى الأبْـوَابِ طُـلابَ حاجَةٍ
عَـوَانٍ مِـنَ الْحَاجَـاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (7)
فنصب " الحاجة " الثانية، عطفًا بها على معنى " الحاجة " الأولى, لا على لفظها، لأن معناها النصب، وإن كانت في اللفظ خفضًا. وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه, وإن لم يكن بينهما حائل, كما قال بعضهم: (8)
بَيْنَـــا نَحْـــنُ نَنْظُــرْهُ أَتَانَــا
مُعلِّـــقَ شِـــكْوَةٍ وَزِنــادَ رَاعِ (9)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ) ، على " فَعَلَ"، بمعنى الفعل الماضي، ونصب " الليل ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, متفقتا المعنى، غير مختلفتيه, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.
* * *
وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا, لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه, فيستقر في مسكنه ومأواه.
* * *
القول في تأويل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك:
فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.
* ذكر من قال ذلك:
13605 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين .
13606 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.
13607 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والشمس والقمر حسبانًا "، يقول: بحساب.
13608 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: الشمس والقمر في حساب, فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر، وأول الفزع الأكبر =" ذلك تقدير العزيز العليم ".
13609- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يدوران في حساب.
13610 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال هو مثل قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة الأنبياء: 33] ، ومثل قوله: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [سورة الرحمن: 5].
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء.
* ذكر من قال ذلك:
13611- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والشمس والقمر حسبانًا "، أي ضياء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب، تأويل من تأوَّله: وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما, ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه، وعظم سلطانه, بفلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى, وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر. فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله: " فالق الإصباح "، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.
* * *
و " الحسبان " في كلام العرب جمع " حِساب ", كما " الشُّهبان " جمع شهاب. (10) وقد قيل إن " الحسبان "، في هذا الموضع مصدر من قول القائل: " حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا ". وحكي عن العرب: " على الله حُسْبان فلان وحِسْبته "، أي: حسابه.
* * *
وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء, ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف: 40]. قال: نارًا, فوجه تأويل قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.
* * *
وأما " الحِسبان " بكسر " الحاء "، فإنه جمع " الحِسبانة "، (11) وهي الوسادة الصغيرة, وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء. يقال: " حَسَّبته "، أجلستُه عليها.
* * *
ونصب قوله: " حسبانًا " بقوله: " وجعل ".
* * *
وكان بعض البصريين يقول: معناه: " والشمس والقمرَ حسبانًا "، أي: بحساب, فحذف " الباء "، كما حذفها من قوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام: 117] ، أي: أعلم بمن يضل عن سبيله. (12)
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله, وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا, تقدير الذي عزّ سلطانه, فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه =" العليم "، بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع, وإن أريدت بسوء لم تقدر على الامتناع منه ممن أرادها. (13) يقول جل ثناؤه: وأخلصوا، أيها الجهلة، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء, ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.
-------------------------
الهوامش :
(2) انظر تفسير"الفلق" فيما سلف قريبًا ص: 550.
(3) هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد ، وتركتها على قراءتهم في هذا الخبر.
(4) في المطبوعة: "لا نستجيز غيرها" ، يدل ما كان في المخطوطة وهو محض صواب.
(5) في المطبوعة: "عامة قراء الحجاز" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(6) هو الفرزدق.
(7) سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 2: 195 ، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201 وروي هناك: "قعود" بالرفع ، كما أشرت إليه ثم.
(8) لرجل من قيس عيلان ، ونسب أيضا لنصيب
(9) سيبويه 1 : 87 ، معاني القرآن للفراء 1: 346 ، الصاحبي: 118 ، شرح شواهد المغني: 270 ، والذي هنا رواية الفراء وابن فارس. ورواية سيبويه"بيننا نحن نطلبه" ، وفي شرحه"نرقبه" ، وروايته أيضًا"معلق وفضة". وكان في المطبوعة هنا: "فبيننا" بالفاء ، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة: "شلوه" وهو خطأ.
"ننظره": نرقبه وننتظره. و"الشكوة": وعاء كالدلو أو القرية الصغيرة ، يبرد فيه الماء ، ويحبس فيه اللبن. وأما "الوفضة" ، فهي خريطة كالجعبة ، يحمل فيها الراعي أدلته وزاده.
ولم أجد بقية الشعر.
(10) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201.
(11) هكذا قال أبو جعفر"بكسر الحاء" والذي أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء ، ولم يشيروا إلى كسر الحاء في هذه.
(12) قائل هذا هو الأخفش ، كما هو بين في لسان العرب (حسب) .
(13) انظر تفسير"العزيز" و"العليم" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٩٧﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي جعل لكم، أيها الناس، النجوم أدلةً في البر والبحر إذا ضللتم الطريق, أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلّون بها على المحجَّة, فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة، فتسلكونه وتنجون بها من ظلمات ذلك, كما قال جل ثناؤه: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النحل: 16] ، أي: من ضلال الطريق في البرّ والبحر = وعنى بالظلمات، ظلمة الليل, وظلمة الخطأ والضلال, وظلمة الأرض أو الماء.
* * *
وقوله: " قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون "، يقول: قد ميَّزنا الأدلة، وفرَّقنا الحجج فيكم وبيّناها، أيها الناس، (14) ليتدبّرها أولو العلم بالله منكم، ويفهمها أولو الحجا منكم, فينيبوا من جهلهم الذي هم مقيمون عليه, وينـزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون, ولا يتمادوا عنادًا لله = مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ = في غَيِّهم. (15)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13612 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر "، قال: يضلّ الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق.
-------------------------
الهوامش :
(14) انظر تفسير"فصل" فيما سلف ص: 394 - 396.
(15) في المطبوعة: "ولا يتمادوا في عناد الله" ، زاد"في" ، فأفسد الكلام غاية الإفساد ، وسياق العبارة"ولا يتمادوا عنادًا لله . . .في غيهم" ، وفصلت الجملة المعترضة بخطين.
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿٩٨﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإلهكم، أيها العادلون بالله غيره =" الذي أنشأكم " ، يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا (16) =" من نفس واحدة "، يعني: من آدم كما:-
13613 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " من نفس واحدة "، قال: آدم عليه السلام.
13614 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة "، من آدم عليه السلام.
* * *
وأما قوله: " فمستقر ومستودع "، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة, فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
13615 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم, عن عبد الله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ، [سورة هود: 6]. قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الأرحام = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، حيث تموت.
13616- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم, عن إسماعيل, عن إبراهيم, عن عبد الله أنه قال: " المستودع " حيث تموت, و " المستقر "، ما في الرحم .
13617- حدثت عن عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله بن مسعود قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، المكان الذي تموت فيه.
13618 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الأرحام = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، في الأرض، حيث تموت فيها.
13619 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مقسم قال: مُسْتَقَرَّهَا ، في الصلب حيث تأويل إليه = وَمُسْتَوْدَعَهَا ، حيث تموت.
* * *
وقال آخرون: " المستودع "، ما كان في أصلاب الآباء = و " المستقر "، ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها.
* ذكر من قال ذلك:
13620 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا كلثوم بن جبر, عن سعيد بن جبير في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: مستودعون، ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها, فقد استقرّوا.
13621- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية, عن كلثوم بن جبر, عن سعيد بن جبير: " فمستقر ومستودع "، قال: المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض، فقد استقروا.
13622- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن المغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ، [سورة هود : 6]. قال: " المستودع " في الصلب = و " المستقر "، ما كان على وجه الأرض أو في الأرض. (17)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.
* ذكر من قال ذلك:
13623 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن المغيرة, عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " المستقر " الأرض," والمستودع "، عند الرحمن. (18)
13624 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " المستقر "، الأرض, و " المستودع "، عند ربك.
13625 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن إبراهيم قال، قال عبد الله: مُسْتَقَرَّهَا ، في الدنيا, وَمُسْتَوْدَعَهَا ، في الآخرة = يعني=" فمستقر ومستودع ".
13626 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال: " المستودع "، في الصلب, و " المستقر "، في الآخرة وعلى وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
* ذكر من قال ذلك:
13627 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص, عن أبي الحارث, عن عكرمة, عن ابن عباس في قول الله: " فمستقر ومستودع "، قال: مستقر في الرحم, ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخلق. (19)
13628 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يحيى الجابر, عن عكرمة: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، الذي قد استقر في الرحم, و " المستودع "، الذي قد استودع في الصلب. (20)
13629 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي الجبر تميم, عن سعيد بن جبير, قال ابن عباس: سل! فقلت: " فمستقرّ ومستودع " ؟ قال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب. (21)
13630- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر " الرحم, و " المستودع "، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
13631- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [سورة هود: 6] ، قال: " المستقر "، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ، ومما قد مات = و " المستودع "، ما في الصلب.
13632- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس, وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي (22) أتزوّجت يا ابن جبير؟ قال: قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا! قال فقال: أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.
13633- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا ! قال: فضرب ظهري وقال: ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.
13634- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، في الأرحام, و " المستودع "، في الصلب، لم يخلق وهو خالقه.
13635- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في أصلاب الرجال والدوابّ.
13636 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: " المستقر "، ما استقرّ في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب.
13637- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي الجبر بن تميم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, بنحوه. (23)
13638 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد, عن عمار الدهني, عن رجل, عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك, فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو, أما بعد = قال، فقلت: تبدؤه تقول: السلام عليك؟ فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب " سلامٌ عليك, أما بعد، فحدثني عن: " مستقر ومستودع ". قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي, فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين ! فذهب بي إلى بيته, ففتح أسفاطًا له كبيرة, (24) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال قلت: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود! حتى أخرج سفر موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال: " المستقر "، الرحم، قال: ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ [سورة الحج: 5] ، وقرأ: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ ، [سورة البقرة :36] ، [سورة الأعراف:24]. قال: مستقرُّه فوق الأرض, ومستقرُّه في الرحم, ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار. (25)
13639 - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: " فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، ما استقر في أرحام النساء, و " المستودع "، ما استودع في أصلاب الرجال.
13640- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، في أصلاب الرجال.
13641- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة, عن ابن جريج, عن عطاء = وعن ابن أبي نجيح, عن مجاهد = قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، في الأصلاب.
13642- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثناعيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فمستقر "، ما استقر في أرحام النساء =" ومستودع "، ما كان في أصلاب الرجال .
13643- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .
13644- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: " المستقر "، ما استقر في الرحم, و " المستودع "، ما استودع في الصلب.
13645- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " المستقر "، الرحم," والمستودع "، الصلب .
13646 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاذ بن معاذ, عن ابن عون قال: أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأله أحدٌ عن شيء؟ قالوا: عبد الرحمن بن الأسود، عن " المستقر " و " المستودع "، فقال: " المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
13647- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن " المستقر " و " المستودع ", فقال: " المستقر "، في الرحم," والمستودع "، في الصلب.
13648- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون: أتينا منـزل إبراهيم, فسألنا عنه فقالوا: قد توفي. وسأله عبد الرحمن بن الأسود, فذكر نحوه.
13649- حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون: أنه بلغه: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك, فذكر نحوه.
13650- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منـزل إبراهيم حين قبض, فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟ قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن " مستقر ومستودع ", فقال: أما " المستقر "، فما استقر في أرحام النساء, و " المستودع "، ما في أصلاب الرجال. (26)
13651- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في" فمستقر ومستودع "، قال: " المستقر "، الرحم, و " المستودع "، الصلب.
13652 - حدثني يونس قال، حدثني سفيان, عن رجل حدَّثه، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟ ثم قال: أما إني أقول لك هذا، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع. (27)
13653- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: " المستقر " ، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
13654- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن ابن عباس: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الرحم, و " مستودع "، في الصلب.
13655 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الرحم, و " مستودع "، في الصلب.
13656 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك: " فمستقر ومستودع "، أما " مستقر "، فما استقر في الرحم = وأما " مستودع "، فما استودع في الصلب.
13657 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فمستقر ومستودع "، قال: " مستقر "، في الأرحام," ومستودع "، في الأصلاب.
13658- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير = وأبي حمزة, عن إبراهيم = قالا " مستقر ومستودع "," المستقر "، في الرحم, و " المستودع "، في الصلب.
* * *
وقال آخرون: " المستقر "، في القبر," والمستودع "، في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك:
13659 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: " مستقر "، في القبر," ومستودع " في الدنيا، وأوشك أن يلحق بصاحبه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: " فمستقر ومستودع "، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرًّا ومستودعًا, ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودعًا في الصلب, ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال, ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض. فكلٌّ" مستقر " أو " مستودع " بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله: " فمستقر ومستودع " ومراد به، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى، وخاص دون عام.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فمستقر ومستودع " .
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، بمعنى: فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه، فهو مستقَرٌّ = ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه، فهو مستودَع فيه.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (فَمُسْتَقِرٌّ)، بكسر " القاف " بمعنى: فمنهم من استقرّ في مقرّه، فهو مستقِرّ به.
* * *
وأولى القراءتين بالصواب عندي، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: (فَمُسْتَقَرٌّ) ، بمعنى: استقرّه الله في مستقَرِّه, ليأتلف المعنى فيه وفي" المستودَع "، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله, وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا، والمستودِع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: " ومستودَع " بفتح " الدال " على وجه ما لم يسمَّ فاعله, فإجراء الأوّل = أعني قوله: " فمستقر " = عليه، أشبه من عُدُوله عنه.
* * *
وأما قوله: " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، يقول تعالى: قد بيّنا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (28) =" لقوم يفقهون "، مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر, (29) فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور, علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه، كما:-
13660- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون "، يقول: قد بينا الآيات لقوم يفقهون.
* * *
--------------------
الهوامش :
(16) انظر تفسير"أنشأ" فيما سلف: 263 ، 264.
(17) الأثر: 13622 -"المغيرة بن النعمان النخعي" ، يروي عن سعيد بن جبير ، وروى عنه شعبة ، والثوري ، ومسعر ، وغيرهم. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/325 ، وابن أبي حاتم 4/1/231.
(18) الأثر: 13623 -"المغيرة" في هذ1 الإسناد ، هو"المغيرة بن مقسم الضبي" ، إمام مشهور ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 9292. و"أبو الجبر بن تميم بن حذلم" ، كان في المطبوعة هنا ، وفي رقم: 13629 ، 13637"أبو الخير تميم بن حذلم" ، وفي المخطوطة: "أبو الحر تميم بن حذلم" ، غير منقوطة وبإسقاط"بن" ، وهوخطأ. فإن"تميم بن حذلم الضبي" كنيته"أبو سلمة" ، أو "أبو حذلم" ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود ، وأدرك أبا بكر ، فهو تابعي قديم ، وليس يروى عنه"مغيرة" ، إنما يروى عنه من طريق ابنه هذا ، ومن طريق إبراهيم اللخعي. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/151 ، 152 ، وابن أبي حاتم 1/1/442. وأما ابنه"أبو الجبر بن تميم" ، فاسمه"عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبي" ، روى عنه أبو إسحق الهمداني ، ومغيرة. فلذلك صححت ما كان في المخطوطة ، والمطبوعة ، وزدت"بن" ، وكذلك أشار إليه البخاري في التاريخ وغيره في ترجمة أبيه ، الكبير 1/2/151 ، 152. و"أبو الجبر" بالجيم والباء ، وهو مذكور في أكثر الكتب"أبو الخير" ، وهو خطأ ، ضبطه عبد الغني في المؤتلف والمختلف ، وابن ماكولا ، والدولابي ، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الكنى (4/ 2/ 355) في حرف الجيم ، وهو مترجم أيضًا فيه 2/2/218. وانظر الأثرين التاليين رقم: 13629 ، 13637.
(19) في المطبوعة: "وسيخلق" بزيادة الواو ، ولا ضرورة لها.
(20) الأثر: 13628 -"يحيى الجابر" ، هو"يحيى بن المجبر" منسوبًا لجده ، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمي" ، مضى برقم: 10188 - 10190 ، وكان في المطبوعة هنا"يحيى الجابري" ، وهو خطأ صرف.
(21) الأثر: 13629 -"أبو الجبر بن تميم" ، انظر التعليق على رقم: 13623 ، وكان في المطبوعة: "أبو الخير تميم" ، وفي المخطوطة: "أبو الحبر تميم" غير منقوط ، وهما خطأ.
(22) قوله: "وذلك قبل أن يخرج وجهي" ، يعني: قبل أن تنبت لحيته ، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز ، فقيده.
(23) الأثر: 13637 -"أبو الجبر بن تميم" ، مضى برقم: 13623 ، 13629 ، تصحيحه ، وكان هنا أيضًا في المطبوعة: "أبو الخير تميم" ، وفي المخطوطة: "أبو الخير تميم" غير منقوط.
(24) "الأسفاط" جمع"سفط" (بفتحتين): وهو وعاء كالجوالق ، وبين الخبر هنا أنهم كانوا يستخدمونه في حفظ الكتب والأسفار.
(25) الأثر: 13638 -"كريب" هو"كريب بن أبي مسلم الهاشمي" مولى ابن عباس ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 1075.
(26) الأثر: 13650 -"عبيد الله بن محمد بن هرون الفريابي" ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 17 ، 9227.
و"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني" ، مضى برقم: 7134 ، 12868.
و"العلاء بن هرون الواسطي" ، سكن الرملة. روى عن ابن عون. ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/362.
وأخشى أن يكون هذا الخبر ، عن العلاء بن هرون ، عن ابن عون ، بل أرجح أن يكون كذلك.
(27) في المطبوعة: "ما كان فيه مستودعًا" ، غير ما في المخطوطة بلا طائل.
(28) انظر تفسير"فصل" فيما سلف ص: 561 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير"فقه" فيما سلف ص: 433 ، تعليق2 ، والمراجع هناك.
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٩٩﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه, (30) هو الإله الذي أنـزل من السماء ماء =" فأخرجنا به نبات كل شيء "، فأخرجنا بالماء الذي أنـزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون. وإنما معنى قوله: " فأخرجنا به نبات كل شيء "، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.
* * *
ولو قيل: معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون " كل شيء "، هو أصناف النبات = كان مذهبًا، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول. (31)
* * *
وقوله: " فأخرجنا منه خضرًا "، يقول: " فأخرجنا منه "، يعني: من الماء الذي أنـزلناه من السماء =" خَضِرًا "، رطبًا من الزرع.
* * *
" والخضر "، هو " الأخضر ", كقول العرب: " أرِنيهَا نَمِرة، أُرِكْها مَطِرَة ". (32) يقال: " خَضِرَت الأرض خَضَرًا. وخَضَارة ". (33) و " الخضر " رطب البقول, ويقال: " نخلة خضيرة "، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج. و " قد اختُضِر الرجل " و " اغْتُضِر "، إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقال: " هو لك خَضِرًا مَضِرًا "، أي هنيئًا مريئًا. (34)
* * *
قوله: " نخرج منه حبًّا متراكبًا "، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعني: ما في السنبل, سنبل الحنطة والشعير والأرز, (35) وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13661 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا "، فهذا السنبل.
* * *
القول في تأويل قوله : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، (36) = ولذلك رفعت " القِنوان ".
* * *
و " القنوان " جمع " قِنْو ", كما " الصنوان " جمع " صِنْو ", وهو العِذْق, (37) يقال للواحد هو " قِنْو "، و " قُنْو " و " قَنَا "، يثنى " قِنوانِ", ويجمع " قنوانٌ" و " قُنوانٌ". (38) قالوا في جمع قليله: " ثلاثة أقْناء ". و " القِنوان " من لغة الحجاز, و " القُنْوان "، من لغة قيس، وقال امرؤ القيس:
فَـــأَثَّتْ أَعَالِيــهِ, وَآدَتْ أُصُولُــهُ
وَمَـالَ بِقِنْـوانٍ مِـنَ البُسْـرِ أَحْـمَرَا (39)
و " قِنْيان "، جميعًا، وقال آخر: (40)
لَهَـا ذَنَـبٌ كَـالْقِنْوِ قَـدْ مَـذِلَتْ بِـهِ
وَأَسْــحَمَ لِلتَّخْطَــارِ بَعْـدَ التَّشَـذُّرِ (41)
وتميم تقول: " قُنْيان " بالياء.
* * *
ويعني بقوله: " دانية "، قريبة متهدّلة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13662 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " قنوان دانية "، يعني ب " القنوان الدانية "، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض.
13663 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " من طلعها قنوان دانية "، قال: عذوق متهدلة .
13664- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " قنوان دانية "، يقول: متهدلة.
13665 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: " قنوان دانية "، قال: قريبة.
13666- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي إسحاق, عن البراء بن عازب: " قنوان دانية "، قال: قريبة.
13667- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ومن النخل من طلعها قنوان دانية "، قال: الدانية، لتهدُّل العُذوق من الطلع.
13668 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " ومن النخل من طلعها قنوان دانية "، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض, و " القنوان " طلعه.
* * *
القول في تأويل قوله : وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب = يعني: بساتينَ من أعناب. (42)
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة القرأة: (وَجَنَّاتٍ) نصبًا, غير أن " التاء " كسرت، لأنها " تاء " جمع المؤنث, وهي تخفض في موضع النصب. (43)
* * *
وقد:-
13669- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام, عن الكسائي قال، أخبرنا حمزة, عن الأعمش أنه قرأ: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ).
* * *
= بالرفع، فرفع " جنات " على إتباعها " القنوان " في الإعراب, وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر:
وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى
مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (44)
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها، النصبُ: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ)، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها، ورفضهم ما عداها, وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.
* * *
وقوله: " والزيتون والرمان "، عطف ب " الزيتون " على " الجنات "، بمعنى: وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهًا وغير متشابه.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى " مشتبهًا وغير متشابه "، ما:-
13670 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه "، قال: مشتبهًا ورقه, مختلفًا ثمرُه .
* * *
وجائز أن يكون مرادًا به: مشتبهًا في الخلق، مختلفًا في الطعم. (45)
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان, فاكتفى من ذكر " الشجر " بذكر ثمره, كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، [سورة يوسف: 82] ، فاكتفى بذكر " القرية " من ذكر " أهلها ", لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
* * *
القول في تأويل قوله : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ)، بفتح " الثاء " و " الميم ".
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: (إلَى ثُمُرِهِ)، بضم " الثاء " و " الميم ".
* * *
= فكأنّ من فتح " الثاء " و " الميم " من ذلك، وجَّه معنى الكلام: انطروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ = وأن " الثمر " جمع " ثمرة ", كما " القصب "، جمع " قصبة ", و " الخشب " جمع " خشبة ".
* * *
= وكأنّ من ضم " الثاء " و " الميم ", وجَّه ذلك إلى أنه جمع " ثِمَار ", كما " الحُمُر " جمع " حمار ", و " الجُرُب " جمع " جراب "، وقد:-
13671 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد, عن ابن إدريس, عن الأعمش, عن يحيى بن وثاب: أنه كان يقرأ: (إلَى ثُمُرِهِ) ، يقول: هو أصناف المال.
13672 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا محمد بن عبيد الله, عن قيس بن سعد, عن مجاهد قال: " الثُّمُر "، هو المال = و " الثمر "، ثَمَر النخل. (46)
* * *
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأ: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) بضم " الثاء " و " الميم ", لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حبّ الزرع المتراكب, وقنوان النخل الدانية, والجنات من الأعناب والزيتون والرمان, فكان ذلك أنواعًا من الثمر, فجمعت " الثمرة "" ثمرًا "، ثم جمع " الثمر "" ثمارًا ", ثم جمع ذلك فقيل: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ), فكان ذلك جمع " الثمار " و " الثمار " جمع " الثمر " = و " إثماره "، عقدُ الثمر.
* * *
وأما قوله: " وَينْعه "، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.
* * *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في" يَنْعه " إذا فتحت ياؤه، هو جمع " يانع ", كما " التَّجْر " جمع " تاجر ", و " الصحب " جمع " صاحب ". (47)
* * *
وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم: " ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا "، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا: " يَنْع ", و " يُنْع ", و " يَنَع ", وكذلك في" النَّضْج "" النُّضج " و " النَّضَج ". (48)
* * *
وأما في قراءة من قرأ ذلك: (وَيَانِعِهِ)، فإنه يعني به: وناضجه، وبالغه.
* * *
وقد يجوز في مصدره " يُنُوعًا ", ومسموع من العرب: " أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا "، ومن لغة الذين قالوا: " ينع ", قول الشاعر: (49)
فِـــي قِبَــابٍ عِنْــدَ دَسْــكَرَةٍ
حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا (50)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13763 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وينعه "، يعني: إذا نضج.
13674- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، قال: " ينعه "، نضجه.
13675 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، أي نضجه.
13676- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وينعه "، قال: نضجه.
13677 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وينعه "، يقول: ونضجه.
13678- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وينعه "، قال: يعني نضجه.
13679- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وينعه "، قال: نضجه.
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره إن في إنـزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء, والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب, وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه =" لآيات "، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره, وعند ينعه وانتهائه, فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه, علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء, ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد, وكان فيه حجج وبرهان وبيان (51) =" لقوم يؤمنون "، يقول: لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء.
وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون, لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها, دون من قد طَبعَ الله على قلبه، فلا يعرف حقًّا من باطل، ولا يتبين هدًى من ضلالة.
--------------------
الهوامش :
(30) في المطبوعة: "لا شركة فيها لشيء سواء" ، غير ما في المخطوطة بسوء رأي!!
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 347.
(32) هذا مثل ، نسبه صاحب اللسان في (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلي ، ولم ينسبه في (خضر) ، ورواه الميداني في الأمثال 1: 258 ، وأبو هلال في جمهرة الأمثال: 14 ، ولم ينسباه إليه ، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها. وقوله: "نمرة" يعني ، سحابة ، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة ، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء ، وصحة الدلالة عليه. وذلك إذا رأيت دليل الشيء ، علمت ما يتبعه.
(33) "الخضارة" مصدر ، مثل"الغضارة" ، لم يذكر في مادته من كتب اللغة.
(34) ذكره صاحب اللسان في (خضر) ، ولم يذكره في (مضر). و"المضر" الغض الطري.
(35) انظر تفسير"الحب" فيما سلف ص: 550.
(36) في المطبوعة والمخطوطة: "ومن النخل من طلعها قنوان دانية" ، وهو نص الآية ، وهو بيان لا يستقيم ، وإنما الصواب ما أثبت ، استظهرته من معاني القرآن للفراء 1: 347.
(37) "العذق" (بكسر فسكون): كباسة النخل وعراجينها.
(38) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 202.
(39) ديوانه: 67 ، واللسان (قنا) ، وغيرها كثير. من قصيدته المستجادة ، وهو من أولها ، يصف ظعن الحي يشبهها بالنخل ، يقول قبله:
بِعَيْنــيَّ ظُعْـنُ الحَـيِّ لَمَّـا تَحَـمَّلُوا
لَـدَى جَـانِبِ الأَفْـلاجِ مِنْ جَنْبِ تَيْمرَا
فَشَــبَّهْتُهُمْ فِــي الآلِ لَمَّـا تَكَمَّشُـوا
حَــدَائِقَ دَوْمٍ، أوْ سَــفِينًا مُقَــيَّرَا
أَوِ المُكْرِعَـاتِ مـن نَخِـيلِ ابْنِ يَامِـنٍ
دُوَيْـنَ الصَّفَـا اللائِـي يَلِيـنَ المُشقّرا
سَــوَامِقَ جَبَّــارٍ أَثِيــثٍ فُرُوعُـهُ
وَعَـالَيْنَ قِنْوَانًـا مِـنَ البُسْـرِ أَحْـمَرَا
فهذه رواية أخرى غير التي رواها أبو جعفر وغيره. وقوله: "فأثت أعاليه": أي: عظمت والتفت من ثقل حملها. وقوله : "آدت" ، أي تثنت ومالت.
(40) لم أعرف قائله.
(41) رواه أبو زيد في نوادره: 182 ، بيتًا مفرادًا ، وقال في تفسيره: "التشذر" ، إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل ، فذاك التشذر. و"المذل" (بفتحتين): أن لا تحرك ذنبها. ولم أعرف لقوله"أسحم" في هذا البيت معنى ، ورواية أبي زيد: "وأسمح" ، وهو حق المعنى فيما أرجح. و"التخطار" ، مصدر"خطر الفحل بذنبه خطرًا وخطرانًا وخطيرًا" ، رفعه مرة بعد مرة ، وضرب به حاذيه ، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب. وهذا المصدر لم يذكر في شيء من معاجم اللغة. والمعنى: أنها أقرت ذنبها ، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى. هكذا ظننت معناه.
(42) انظر تفسير"الجنات" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن)
(43) في المطبوعة ، أسقط"في" من الكلام سهوًا.
(44) مضى البيت وتخريجه مرارًا 1: 140/6 : 423/ 10 : 408.
(45) انظر تفسير"متشابه" فيما سلف 1: 385 - 394/6 : 173.
(46) روي عن مجاهد أبين من هذا إذ قال: "هو الذهب والفضة" ، كما حكاه الفارسي عنه.
(47) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 202 ، وهو منسوب أيضًا إلى ابن كيسان ، كما جاء في لسان العرب (ينع).
(48) ذكر أبو جعفر في"ينع" و"نضج" مصدرًا ثالثًا غير الذي ذكره أصحاب المعاجم ، فإنهم اقتصروا في (ينع) على فتح الياء وسكون النون ، وضمها وسكون النون = واقتصروا في (نضج) على فتح النون وسكون الضاد ، وضمها وسكون الضاد. أما هذا المصدر الثالث الذي رواه أبو جعفر ولم يضبطه ، فلم أجده في شيء من المعاجم ، وهو مما يزاد عليها ، إلا أني استظهرت ضبطه في الحرفين بفتح الياء والنون في ينع" ، وبفتح النون والضاد في"نضج". وسيذكر أبو جعفر مصدرًا آخر بعد قليل وهو"ينوع".
(49) هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية ، ونسبه المبرد إلى الأحوص ، ونسبه الجاحظ إلى أبي دهبل ، وينسب إلى الأخطل خطأ.
(50) الحيوان 4: 10 ، الكامل 1: 226 ، أنساب الأشراف 4/2/2 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 202 ، تاريخ ابن كثير 8: 234 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 140 ، معجم ياقوت (الماطرون)؛ الخزانة 3: 279 ، العيني (هامش الخزانة 1: 149) ، واللسان (ينع) وغيرها. من شعر يقال إن يزيد قاله في نصرانية ترهبت في دير خرب عند الماطرون ، وهو موضع بالشأم. وهذا هو الشعر ، مع اختلاف الرواية فيه:
آبَ هَــــذَا الهَـــمُّ فَاكْتَنَعَـــا
وأتَــــرَّ النَّــــوْمَ فَاْمْتَنَعَـــا
رَاعِيًــــا للِنَّجْــــمِ أرْقُبُـــهُ
فَـــإِذَا مـــا كَــوْكَبٌ طَلَعَـــا
حَـــامَ، حَـــتَّى إنَّنِـــي لأرَى
أنَّـــهُ بِـــالْغَورِ قَـــدْ وَقَعَــا
وَلَهَـــــا بالمَـــــاطِرُونِ إذَا
أكَـــلَ النَّمْــلُ الَّــذِي جَمَعَـــا
خُرْفَـــةٌ، حَـــتَّى إذَا ارْتَبَعَــتْ
سَـــكَنَتْ مـــنْ جِــلَّقٍ بِيَعَــا
فِـــي قِبَــابٍ حَــوْلَ دَسْــكَرةٍ
حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا
عِنْــد غَــيْري، فَــالْتَمِسْ رَجُـلا
يــــأكُلُ التَّنُّـــوَم والسَّـــلَعَا
ذَاكَ شَــــيءٌ لَسْـــتُ آكُلُـــهُ
وَأرَاهُ مَــــــأْكَلا فَظِعَــــــا
"اكتنع الهم" ، دنا دنوًّا شديدا. و"أتر النوم" أبعده ، والرواية المشهورة و"أمر النوم" من المرارة. وقوله: "أكل النمل الذي جمعا" ، يعني زمن الشتاء. و"الخرفة" ما يجتنى من الفاكهة. و"ارتبعت" دخلت في الربيع. و"جلق" قرية من قرى دمشق. و"البيع" جمع"بيعة" (بكسر الباء) ، وهي كنيسة اليهود أو النصارى ، و"الدسكرة" بناء كالقصر ، كانت الأعاجم تتخذه للشرب والملاهي. و"التنوم" و"السلع" نباتان ، تأكلها جفاة أهل البادية. و"فظع" ، فظيع يستبشعه آكله.
ورواية البلاذري للبيت:
فِـــي جِنَـــانٍ ثَـــمَّ مُؤْنِقَــةٍ
حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا
(51) انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾
القول في تأويل قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهةَ والأندادَ لله شركاء، الجن، كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا [سورة الصافات: 158] .
* * *
وفي الجن وجهان من النصب.
أحدهما: أن يكون تفسيرًا للشركاء. (52) .
والآخر: أن يكون معنى الكلام: وجعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم .
* * *
واختلفوا في قراءة قوله: " وخلقهم ".
فقرأته قراء الأمصار: (وَخَلَقَهُمْ)، على معنى أن الله خلقهم، منفردًا بخلقه إياهم . (53) .
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر ما:-
13680 - حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج, عن هارون, عن واصل مولى أبي عيينة, عن يحيى بن عقيل, عن يحيى بن يعمر: أنه قال: " شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ".
بجزم " اللام " بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: (وَخَلَقَهُمْ)، لإجماع الحجة من القرأة عليها .
* * *
وأما قوله: (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم)، فإنه يعني بقوله: (خرقوا) اختلقوا.
* * *
يقال: " اختلق فلان على فلان كذبًا " و " اخترقه "، إذا افتعله وافتراه . (54)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13681 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وجعلوا لله شركاء الجن والله خلقهم=" وخرقوا له بنين وبنات "، يعني أنهم تخرَّصوا .
13682- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، قال: جعلوا له بنين وبنات بغير علم .
13683- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، قال: كذبوا .
13684 -حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13685- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وجعلوا لله شركاء الجن " كذبوا= سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ، عما يكذبون . أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان= وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرُون . (55)
13686- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " قال: خرصوا له بنين وبنات .
13687- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، يقول: قطعوا له بنين وبنات. (56) قالت العرب: الملائكة بنات الله= وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله .
13688- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم "، قال: " خرقوا "، كذبوا، لم يكن لله بنون ولا بنات= قالت النصارى: المسيح ابن الله= وقال المشركون: الملائكة بنات الله= فكلٌّ خرقوا الكذب،" وخرقوا "، اخترقوا .
13689- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " وجعلوا لله شركاء الجن "، قال: قول: الزنادقة=" وخرقوا له "، قال ابن جريج، قال مجاهد: " خرقوا "، كذبوا .
13690- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن جويبر, عن الضحاك: " وخرقوا له بنين وبنات "، قال: وصفوا له .
13691- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث, عن أبي عمرو: " وخرقوا له بنين وبنات "، قال: تفسيرها: وكذبوا .
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه, وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير=" وخرقوا له بنين وبنات "، يقول: وتخرَّصوا لله كذبًا, فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون, ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة, ولا أن يشركه في خلقه شريك .
* * *
القول في تأويل قوله : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: تنـزه الله، (57) وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه، في ادّعائهم له شركاء من الجن، واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته، لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد, والذين تضطرّهم لضعفهم الشهواتُ إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات, وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء, و لا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة .
* * *
وقوله: " تعالى "،" تفاعل " من " العلوّ"، والارتفاع . (58)
* * *
وروي عن قتادة في تأويل قوله: " عما يصفون "، أنه: يكذبون .
13692- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " سبحانه وتعالى عما يصفون "، عما يكذبون .
* * *
وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك, أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه به، من ادعائهم له بنين وبنات= لا أنه وجه تأويل " الوصف " إلى الكذب .
--------------------------
الهوامش :
(52) - (( التفسير )) ، هو البدل
(53) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 348 .
(54) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 348 ، ومجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 203 .
(55) اقرأ آية سورة الصافات : 158 .
(56) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : (( قطعوا )) بمعنى : اختلقوا وادعوا ونسبوا ، ولم أجد هذا المجاز في شيء من كتب اللغة ، فإن صح ، وهو عندي قريب الصحة ، فهو بالمعنى الذي ذكرت . إلا أن يكون محرفًا عن شيء لم أتبينه.
(57) انظر تفسير (( سبحان )) فيما سلف 11 : 237 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(58) انظر تفسير (( العلو )) فيما سلف 5 : 405 .
بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾
القول في تأويل قوله : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجنَّ شركاءَ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم=" بديع السماوات والأرض "، يعني: مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن ، (59) كما:-
13693- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " بديع السماوات والأرض "، قال: هو الذي ابتدع خلقهما جل جلاله، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله .
* * *
=" أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة "، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى, ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة، فيكون له ولد. وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء . يقول: فإذا كان لا شيء إلا اللهُ خلقه, فأنّى يكون لله ولد، ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد ؟
القول في تأويل قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله خلق كل شيء، ولا خالق سواه. وكلُّ ما تدَّعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه، خلقُه وعبيده, مِلكًا، كان الذي تدعونه ربًّا وتزعمون أنه له ولد، أو جنيًّا أو إنسيًّا=" وهو بكل شيء عليم "، يقول: والله الذي خلق كل شيء, لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه, ولا يعزب عنه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء, عالم بعددكم وأعمالكم، وأعمال من دعوتموه ربًّا أو لله ولدًا, وهو محصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي كلا بعمله . (60)
* * *
--------------
الهوامش :
(59) انظر تفسير (( بديع )) فيما سلف 2 : 540 .
(60) انظر تفسير (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( علم )
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٠٢﴾
القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم, هو الله ربكم، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان, والجاعلون له الجن شركاء, وآلهتكم التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا تفعل خيرًا ولا شرًا=" لا إله إلا هو ".
وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله. يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة، إلا الذي خلق كل شيء, وهو بكل شيء عليم, فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع من في السماوات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها, فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه, وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة=" فاعبدوه "، يقول: فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة, واخضعوا له بذلك . (1) =
" وهو على كل شيء وكيل "، يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته . (2)
----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير (( العبادة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عبد ) .
(2) انظر تفسير (( وكيل )) فيما سلف 11 : 434 تعليق : 1 ، راجع هناك .
لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ".
فقال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها .
* ذكر من قال ذلك:
13694- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، يقول: لا يحيط بصر أحدٍ بالملك .
13695- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار .
13696- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عرفجة, عن عطية العوفي في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [سورة القيامة: 22-23]، قال: هم ينظرون إلى الله, لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم, فذلك قوله: " لا تدركه الأبصار "، الآية . (3)
* * *
قال أبو جعفر: واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله قال: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ ، (4) [يونس: 90] قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون, ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه, ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا . قالوا: فمعنى قوله: " لا تدركه الأبصار " بمعنى: لا تراه، بعيد. لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه, كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، [سورة الشعراء: 61]، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يُدْرَكون، لقوله: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ، [61، طه: 77] .
قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه, فكان معلومًا بذلك أن قوله: " لا تدركه الأبصار "، من معنى: لا تراه الأبصار، بمعزل= وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة .
قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم، ولا تدركه أبصارهم, بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به .
قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه, (5) وكما قال جل ثناؤه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ [سورة البقرة: 255] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . قالوا: ومعنى " العلم " في هذا الموضع، المعلوم. قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه . قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به, كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له . قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا, كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم, إذ كان معنى " الرؤية " غير معنى " الإدراك ", ومعنى " الإدراك " غير معنى " الرؤية ", وأن معنى " الإدراك "، إنما هو الإحاطة, كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل .
قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله: " لا تدركه الأبصار "، لا تراه الأبصار؟
قلنا له: أنكرنا ذلك, لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة, (6) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب . (7) قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم: إن تأويل قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [سورة القيامة: 22-23]، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله, (8) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا, وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر, إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا: " كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام "، وغيره= (9) علم، أن معنى قوله: " لا تدركه الأبصار "، غير معنى قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها, تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنـزيله على ما جاء به في السورتين .
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار .
* ذكر من قال ذلك:
13697- حدثنا محمد بن الحسين قال, حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط , عن السدي: " لا تدركه الأبصار "، لا يراه شيء, وهو يرى الخلائق .
13698- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن مسروق, عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذب!" لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، [سورة الشورى: 51]، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين .
13699- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله, لقد قَفَّ شعري مما قلت ! ثم قرأت: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " . (10)
13700- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى وابن علية, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة بنحوه . (11)
13701- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن أحدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله! قال الله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " .
* * *
فقال قائلو هذه المقالة: معنى " الإدراك " في هذا الموضع، الرؤية= وأنكروا أن يكون الله يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة= وتأوّلوا قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابَه .
* * *
قال أبو جعفر: وتأول بعضهم في الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربَّهم يوم القيامة تأويلات، وأنكر بعضهم مجيئها, ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وردُّوا القول فيه إلى عقولهم, فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار، وأتوا في ذلك بضرُوب من التمويهات, وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات .
وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها, فإنها لا ترى ما لاصقها . قالوا: فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته, فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً . قالوا: فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم, فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا . قالوا: ومن وصفه بذلك, فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان .
قالوا: وأخرى, أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات, ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف . (12) قالوا: فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف, فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان . (13) قالوا: ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون, صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ .
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا, وأما في الآخرة فإنها تدركه . وقال أهل هذه المقالة: " الإدراك "، في هذا الموضع، الرؤية .
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: " الإدراك "، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية, فإن الرؤية من أحد معانيه. وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية . قالوا: فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له، دون ما لم يره . قالوا: وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة. قالوا، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً . قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض, وجب وصحّ أن قوله: " لا تدركه الأبصار "، على الخصوص لا على العموم, وأن معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة, إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
* * *
وقال آخرون من أهل هذه المقالة: الآية على الخصوص, إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية: لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة, وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله . قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة، وأما بالرؤية فَبَلَى . (14) قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة= وجائز أن يكون معناها: لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه= فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه, هو الذي أثبته لنفسه, إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه, وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء . قالوا: ولا شك في خصوص قوله: " لا تدركه الأبصار "، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم, غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية . واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة، بنحو علل الذين ذكرنا قبل .
* * *
وقال آخرون: الآية على العموم, ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة; ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس، فيرونه بها .
واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا: وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة . قالوا: فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض, (15) وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنـزيل . واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه و إن زيد في قواها، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت, لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني، فهي وإن ضعفت كل الضعف، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه، ما لم تُعْدم . قالوا: فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه, وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها و إن ضعف إدراكه إياه . قالوا: فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا, كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا . قالوا: فلما كان ذلك كذلك, وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه, علم أنها تراه بغير حاسة البصر, إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا .
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر "=" وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب "، (16) فالمؤمنون يرونه, والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [سورة المطففين: 15] .
فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار, لما كانت لا ترى إلا ما باينها, وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة, وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ, فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه= فإنه يقال لهم: (17) هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك، كُلِّفوا تبيينه, ولا سبيل إلى ذلك .
وإن قالوا: لا نعلم ذلك.
قيل لهم: أو ليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا, وهو موصوف بالتدبير والفعل, ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا، أن يكون مستحيلا العلم به، وهو موصوف بالتدبير والفعل, لا مماس ولا مباين؟
فإن قالوا: ذلك كذلك.
قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء, كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علمتْه عندكم لا كذلك؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا= وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار، لا مماسًّا لها ولا مباينًا، فرق؟
ثم يسألون الفرقَ بين ذلك, فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله .
وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك: أن من شأن الأبصار إدراك الألوان, كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات, ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف, فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان . (18)
فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ, وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ؟
فإن قالوا: " نعم "= لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون, فيكلفون بيان ذلك, ولا سبيل إليه. (19)
فيقال لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان, كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون. ثم يسألون الفرق بين ذلك, فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله .
ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها, إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم, بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان . ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا, ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده, وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنـزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة, فهم في الظلمات يخبطون, وفي العمياء يتردّدون, نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.
* * *
وأما قوله: " وهو اللطيف الخبير "، فإنه يقول: والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار, (20) والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها=" الخبير "، يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه، فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه, وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه، (21) كالذي:
13702- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله: " اللطيف الخبير "، قال: " اللطيف " باستخراجها=" الخبير "، بمكانها .
-------------------------
الهوامش :
(3) الأثر : 13696 - (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري )) ثقة ، روي عنه آنفًا برقم : 436 . وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( يونس بن عبد الله بن الحكم )) ، وهو خطأ ، والصواب ما سيأتي في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) ، حيث روى هذا الخبر نفسه ، بإسناده عن (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم )) .
و(( خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي )) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخوه (( سعد )) . قال أبو حاتم : (( شيخ ، ليس به بأس )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /341 . وأما (( أبو عرفجة )) ، فلم أعرف من يكون .
و (( عطية العوفي )) ، هو (( عطية بن سعد بن جنادة العوفي )) ، وهو ضعيف ، مضى مرارًا ، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم : 305 . وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : (( فلما أدركه الغرق )) ، وهو سهو ، فإن نص التلاوة ما أثبت .
(5) في المطبوعة : (( ولا يحاط به )) ، وصواب السياق ما أثبت .
(6) يعني آيتي سورة القيامة : 22 ، 23 .
(7) في المخطوطة ، أسقط (( البدر )) ، والصواب إثباتها .
(8) انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري ( الفتح 13 : 356 ، وما بعدها ) ، وصحيح مسلم 3 : 25 ، وما بعدها . والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان .
(9) قوله : (( علم )) جواب قوله آنفًا : (( فإذ كان الله قد أخبر في كتابه ... ))
(10) الأثران : 13698 ، 13699 - حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، رواه مسلم في صحيحه 3 : 10 ، مختصرًا .
(( قف شعري )) : إذا وقف من الفزع .
(11) الأثر : 13700 - حديث داود ، عن الشعبي ، رواه مسلم مطولا 3 : 8 - 10 ، وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم : 12280 - 12283 . فانظر تخريجه هناك .
(12) في المطبوعة : (( المتنشم )) بالشين ، وهو خطأ صرف ، والصواب بالسين كما في المخطوطة . يقال (( تنسيم النسيم )) ، إذا تشممه . و (( الأعراف )) جمع (( عرف )) ( بفتح فسكون ) : الرائحة ، طيبة كانت أو خبيثة . يقال : (( ما أطيب عرفها )) ، أي : رائحتها .
(13) في المخطوطة : (( انقضاء البصر )) ، والصواب ما في المطبوعة .
(14) (( بلى )) استعمالها مع غير الجحد ، قد سلف بيانه ودليله 2 : 280 ، 510 ، ثم 10 : 98 ، تعليق : 4 .
(15) في المطبوعة : (( لا تتباين )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قراءتها .
(16) انظر ص : 16 ، تعليق : 1 .
(17) في المطبوعة والمخطوطة : (( وإنه يقال لهم )) بالواو ، وصواب السياق ما أثبت .
(18) في المطبوعة : (( أن يقتضي السمع لغير )) ، و (( أن تقتضي الأبصار لغير )) ، وأما المخطوطة ، ففيها (( أن يقضي السمع ... )) ، و (( أن يقضي للأبصار )) ، والصواب ما أثبت .
(19) في المطبوعة : (( فيكلفوا بيان ذلك )) ، وفي المخطوطة : (( فدلقوا بيان ذلك )) ، وهي غير مقروءة ، ولعل الصواب ما أثبت .
(20) في المطبوعة : (( الميسر له )) ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها .
(21) انظر تفسير (( الخبير )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .
قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ﴿١٠٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)
قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه الآيات من قوله: (22) إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى إلى قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ على حججه عليهم, وعلى سائر خلقه معهم, (23) العادلين به الأوثان والأنداد, والمكذبين بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم من عند الله= قل لهم يا محمد: " قد جاءكم "، أيها العادلون بالله، والمكذبون رسوله=" بصائر من ربكم "، أي: ما تبصرون به الهدى من الضلال، والإيمان من الكفر .
* * *
= وهي جمع " بصيرة ", ومنه قول الشاعر: (24)
حَــمَلُوا بَصَـائِرَهُمْ عَـلَى أَكْتَـافِهِمْ
وَبَصِــيرَتِي يَعْـدُو بِهَـا عَتَـدٌ وَأَى (25)
يعني بالبصيرة: الحجة البينة الظاهرة ، (26) كما:-
13703- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " قد جاءكم بصائر من ربكم " قال: " البصائر " الهدى، بصائر في قلوبهم لدينهم, وليست ببصائر الرؤوس . وقرأ: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [سورة الحج: 46] وقال: إنما الدين بصره وسمعه في هذا القلب . (27)
13704- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " قد جاءكم بصائر من ربكم "، أي بينة .
وقوله: " فمن أبصر فلنفسه " يقول: فمن تبين حجج الله وعرَفها وأقرَّ بها، وآمن بما دلّته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به, فإنما أصاب حظ نفسه، ولنفسه عمل, وإياها بَغَى الخير=" ومن عمي فعليها "، يقول: ومن لم يستدلّ بها، ولم يصدق بما دلَّته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنـزيله, ولكنه عمي عن دلالتها التي تدل عليها, يقول: فنفسَه ضر، وإليها أساء لا إلى غيرها .
* * *
وأما قوله: " وما أنا عليكم بحفيظ "، يقول: وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم, وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم, والله الحفيظ عليكم، الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . (28)
----------------------
الهوامش :
(22) في المطبوعة والمخطوطة : (( لهذه الآيات )) باللام ، وصواب السياق يقتضي ما أثبت .
(23) في المطبوعة (( وعلى تبيين خلقه معهم )) ، وهو كلام لا معنى له ، وهو في المخطوطة سيئ الكتابة ، وصواب قراءته ما أثبت . قوله : (( وعلى سائر خلقه معهم )) ، معطوف على قوله : (( عليهم )) قبله .
وقوله : (( على حججه )) ، السياق : (( أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات ... على حججه عليهم )).
وقوله بعد: (( العادلين به الأوثان )) ، صفة لقوله آنفًا (( أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات .. . ))
(24) هو الأسعر الجعفي .
(25) الأصمعيات : 23 ( وطبعة المعارف : 157 ) ، والوحشيات رقم : 58 ، المخصص 1 : 160 ، اللسان ( بصر ) ( عتد ) ( وأي ) . وغيرها كثير . وهي من قصيدة عير فيها إخوته لأبيه ، وذلك أن أباه قتل وهو غلام ، فأخذ إخوته لأبيه الدية فأكلوها ، فلما شب الأسعر ، أدرك بثأر أبيه ، وقال قبله :
ولقـد عَلِمْـتُ ، عَـلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى
أَنَّ الحُـصُونَ الخَـيْلُ لا مَـدَرُ القُرَى
وفسر أصحاب اللغة (( البصيرة )) هنا بأنها الدم ما لم يسل ، يعني : دماءهم في أبدانهم ، يعير أخوته . وقال غيرهم : (( البصائر )) دم أبيهم ، يقول : تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به ، وطلبته أنا . و (( عتد )) ( بفتح العين ، وفتح التاء أو كسرها ) : الفرس الشديد التام الخلق ، السريع الوثبة ، المعد للجري ، ليس فيه اضطراب ولا رخاوة . و (( الوأي )) ، الفرس السريع الطويل المقتدر الخلق .
(26) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 203
(27) (( الدين )) ( بتشديد الياء وكسرها ) : المتدين ، صاحب الدين .
(28) انظر تفسير (( الحفيظ )) فيما سلف 8 : 562 .
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١٠٥﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما صرفت لكم، أيها الناس، الآيات والحجج في هذه السورة، وبينتها, فعرفتكموها، (29) في توحيدي وتصديق رسولي وكتابي ووقَّفتكم عليها, (30) فكذلك أبيِّن لكم آياتي وحججي في كل ما جهلتموه فلم تعرفوه من أمري ونهيي ، كما:-
13705- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وكذلك نصرف الآيات "، لهؤلاء العادلين بربهم, كما صرفتها في هذه السورة, ولئلا يقولوا: درسْتَ .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قَرَأة أهل المدينة والكوفة: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، يعني: قرأت، أنت، يا محمد، بغير " ألف " .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين، منهم ابن عباس، على اختلاف عنه فيه, وغيرُه وجماعة من التابعين, وهو قراءة بعض قَرَأة أهل البصرة: " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، بألف, بمعنى: قارأت وتعلمت من أهل الكتاب .
* * *
وروى عن قتادة: أنه كان يقرؤه: " دُرِسَتْ"، بمعنى: قرئت وتليت . (31)
* * *
وعن الحسن أنه كان يقرؤه: " دَرَسَتْ"، بمعنى: انمحت . (32)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، بتأويل: قرأتَ وتعلمت; لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [سورة النحل: 103]. فهذا خبرٌ من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره . فإذ كان ذلك كذلك, فقراءة: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، يا محمد, بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب, أشبهُ بالحق، وأولى بالصواب من قراءة من قرأه: " دارسْتَ"، بمعنى: قارأتهم وخاصمتهم, وغير ذلك من القراءات .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، على قدر اختلاف القرأة في قراءته . (33)
* ذكر من قرأ ذلك: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، من المتقدمين, وتأويله بمعنى: تعلمت وقرأت .
13706- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح قال، حدثنا علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وليقولوا درست)، قالوا: قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش .
13707- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد: (وليقولوا درست) قال: قرأت وتعلمت .
13708- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل وافقه, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: (وليقولوا درست)، قال: قرأت وتعلمت .
13709- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وليقولوا درست)، يقول: قرأت الكتب .
13710- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنى عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (درست)، يقول: تعلمت وقرأت .
13711- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن التميمي, قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: (درست)؟ قال: قرأت وتعلمت .
13712- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس, مثله .
* * *
* ذكر من قرأ ذلك (دَارَسْتَ)، وتأوله بمعنى: جادلت، من المتقدمين .
13713- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث, عن حميد, عن مجاهد, عن ابن عباس: " دارست "، يقول: قارأت .
13714- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, أنه كان يقرؤها: " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، أحسبه قال: قارأت أهل الكتاب .
13715- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت وتعلمت .
13716- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال، سمعت التميمي يقول: سألت ابن عباس عن قوله: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت وتعلَّمت .
13717- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية, عن أبي المعلى, عن سعيد بن جبير قال، كان ابن عباس يقرؤها: " دَارَسْتَ" .
13718- حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو المعلى قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: كان ابن عباس يقرأ: " دَارَسْتَ"، بالألف, بجزم السين، ونصب التاء .
13719- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار قال، أخبرني عمرو بن كيسان: أن ابن عباس كان يقرأ: " دَارَسْتَ"، تلوت, خاصمت, جادلت .
13720- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن كيسان, قال ابن عباس في: " دارست "، قال: تلوت, خاصمت, جادلت .
13721- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت .
13722- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير أنه قرأ: " دَارَسْتَ"، بالألف أيضًا، منتصبة التاء, وقال: قارأت .
13723- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا أبو عوانة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير أنه قرأ: " دَارَسْتَ"، أي: ناسخت .
13724- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " دارست "، قال: فاقهت، قرأت على يهود، وقرءوا عليك .
13725- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت, قرأت على يهود، وقرءوا عليك .
13726- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " دارست "، يعني، أهلَ الكتاب .
13727- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " دارست "، قال: قرأت على يهود, وقرءوا عليك .
13728- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " وليقولوا دارست "، قال: قالوا دارستَ أهل الكتاب, وقرأت الكتب وتعلَّمتها .
* * *
* ذكر من قرأ ذلك: " دُرِسَتْ" بمعنى: تُليت، وقُرِئت, (34) على وجه ما لم يسمَّ فاعله.
13729- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا الحسين المعلم وسعيد, عن قتادة: " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دُرِسَتْ"، أي: قرئت وتعلمت .
13730- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال قتادة: " دُرِست "، قرئت = وفي حرف ابن مسعود: " دَرَسَ" .
* * *
ذكر من قال ذلك: " دَرَسَتْ" بمعنى: انمحت وتقادمت، أي هذا الذي تتلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا، وتطاولت مدته. (35)
13731- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقرأ: " وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ"، أي: انمحت .
13732- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود: " دَرَسَتْ"، بغير ألف, بنصب السين، ووقف التاء . (36)
13733- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار قال، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانًا ههنا يقرؤون: " دَارَسْتَ" وإنما هي" دَرَسَتْ" .
13734- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمرقال: قال الحسن: " وليقولوا دَرَسَتْ": يقول: تقادمت وانمحت .
* * *
وقرأ ذلك آخرون: " دَرَسَ", من " درس الشيء "، تلاه .
13735- حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي قال، حدثنا أبو عبيدة قال، حدثنا حجاج, عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: " وَلِيَقُولُوا دَرَسَ"، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم، قرَأ .
* * *
وإنما جاز أن يقال مرة: " دَرَسْتَ", ومرة " دَرَسَ", فيخاطب مرة، ويخبر مرة, من أجل القول .
* * *
قال أبو جعفر: وقد بينا أولى هذه القراءات في ذلك الصواب عندنا, والدلالة على صحة ما اخترنا منها .
* * *
وأما تأويل قوله: " ولنبينه لقوم يعلمون "، يقول تعالى ذكره: كما صرفنا الآيات والعبر والحجج في هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد, كذلك نصرف لهم الآيات في غيرها, كيلا يقولوا لرسولنا الذي أرسلناه إليهم: " إنما تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب ", فينـزجروا عن تكذيبهم إياه، وتقوُّلهم عليه الإفك والزور, ولنبين بتصريفنا الآيات الحقَّ، لقوم يعلمون الحق إذا تبيَّن لهم فيتبعوه ويقبلوه, وليسوا كمن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يعقلوه، وازدادوا من الفهم به بعدًا . (37)
--------------------
الهوامش :
(29) انظر تفسير (( تصريف الآيات )) فيما سلف 11 : 433 : 1 ، والمراجع هناك .
(30) في المطبوعة : (( ووصيتكم عليها )) ، وهو لا معنى له ، صوابه في المخطوطة ، وإن كانت سيئة الكتابة .
(31) في المطبوعة : (( قرأت وتليت )) ، وهو خطأ ، والصواب ما في المخطوطة . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 ، وفسره بقوله : (( تقادمت ، أي : هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ، ومر بنا )) .
(33) انظر تفسير (( الدرس )) فيما سلف 6 : 544 - 546 .
(34) في المخطوطة والمطبوعة : (( نبئت )) ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت ، كما سلف ، ص : 26 س : 9 .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(36) (( الوقف )) في اصطلاحهم قديمًا ، هو (( السكون )) عند النحويين .
(37) في المطبوعة والمخطوطة : (( من الفهم به )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .