At-Tabari
· Al-An'aamOpen in readerوَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿٧٣﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد, الداعيك إلى عبادة الأوثان: " أمرنا لنسلم لرب العالمين، الذي خلق السماوات والأرض بالحق, لا من لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر ".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " بالحق ".
فقال بعضهم: معنى ذلك، وهو الذي خلق السماوات والأرض حقًّا وصوابًا, لا باطلا وخطأ, كما قال تعالى ذكره: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا [سورة ص: 27] . قالوا: وأدخلت فيه " الباء " و " الألف واللام ", كما تفعل العرب في نظائر ذلك فتقول: " فلان يقول بالحق ", بمعنى: أنه يقول الحق. قالوا: ولا شيء في" قوله بالحق " غير إصابته الصواب فيه = لا أنّ" الحق " معنى غير " القول " , وإنما هو صفةٌ للقول، إذا كان بها القول، كان القائل موصوفًا بالقول بالحق، وبقول الحق. قالوا: فكذلك خلق السماوات والأرض، حكمة من حكم الله, فالله موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه = لا أنّ ذلك حقٌّ سوى خَلْقِهما خَلَقَهما به. (36)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، [سورة فصلت: 11] . قالوا: فالحق، في هذا الموضع معنيّ به: كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله: " ويوم يقول كن فيكون قوله الحق "،" الحق " هو قوله وكلامه. (37) قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة. (38) قالوا: فإذْ كان ذلك كذلك, وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غيرَ مخلوق.
* * *
وأما قوله: " ويوم يقول كن فيكون "، فإن أهل العربية اختلفوا في العامل في" يوم يقول "، وفي معنى ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: " اليوم " مضاف إلى " يقول كن فيكون ". (39) قال: وهو نصب، وليس له خبر ظاهر, والله أعلم, وهو على ما فسرت لك = كأنه يعني بذلك أن نصبه على: واذكر يوم يقول كن فيكون. قال: وكذلك: " يوم ينفخ في الصور "، قال: وقال بعضهم: يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة. (40)
* * *
وقال بعضهم: " يقول كن فيكون " للصور خاصة (41) = فمعنى الكلام على تأويلهم: يوم يقول للصور كن فيكون، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة = فيكون " القول " حينئذ مرفوعًا ب " الحق " و " الحق " ب " القول " ، وقوله: " يوم يقول كن فيكون "، و " يوم ينفخ في الصور "، صلة " الحق ".
* * *
وقال آخرون: بل قوله: " كن فيكون "، معنيٌّ به كل ما كان الله مُعِيده في الآخرة بعد إفنائه، ومنشئه بعد إعدامه = فالكلام على مذهب هؤلاء، متناهٍ عند قوله: " كن فيكون "، وقوله: " قوله الحق "، خبر مبتدأ = وتأويله: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق, ويوم يقول للأشياء كن فيكون خلقهما بالحق بعد فنائهما. ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقَه أنه معيدهما بعد فنائهما عن أنه حق فقال: قوله هذا، الحقّ الذي لا شك فيه. وأخبر أن له الملك يوم ينفخ في الصور = ف يوم ينفخ في الصور "، يكون على هذا التأويل من صلة " الملك ".
وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله: " يوم ينفخ في الصور " من صلة " الحق ".
* * *
وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني: " كن "، فيكون قوله الحق, فجعل " القول " مرفوعًا بقوله " ويوم يقول كن فيكون "، وجعل قوله: " كن فيكون "، للقول محلا وقوله: " يوم ينفخ في الصور "، من صلة " الحق " = كأنه وجه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ في الصور. وإن جعل على هذا التأويل " يوم ينفخ في الصور " بيانًا عن اليوم الأول, كان وجهًا صحيحًا. ولو جعل قوله: " قوله الحق "، مرفوعًا بقوله: " يوم ينفخ في الصور "، وقوله: " يوم ينفخ في الصور "، محلا وقوله: " ويوم يقول كن فيكون " من صلته، كان جائزًا.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنه المنفرد بخلق السماوات والأرض دون كل ما سواه, معرِّفًا من أشرك به من خلقه جهلَه في عبادة الأوثان والأصنام، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع، ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه، ولا دفع ضر عنها = ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعثَ بعد الممات والثوابَ والعقاب، بقدرته على ابتداع ذلك ابتداءً, وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه, فقال: " وهو الذي خلق "، أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء =" السماوات والأرض بالحق ", حجة على خلقه, ليعرفوا بها صانعها، وليستدلُّوا بها على عظيم قدرته وسلطانه, فيخلصوا له العبادة =" ويوم يقول كن فيكون "، يقول: ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك: " كن فيكون ", كما شاء تعالى ذكره, فتكون الأرض غير الأرض = ويكون [الكلام] عند قوله: " كن فيكون " متناهيًا. (42)
وإذا كان كذلك معناه، وجب أن يكون في الكلام محذوفٌ يدلّ عليه الظاهر, ويكون معنى الكلام: ويوم يقول كذلك: " كن فيكون " تبدل [السماوات والأرض] غير السماوات والأرض. (43) ويدلّ على ذلك قوله: " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق "، ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: " قوله الحق "، بمعنى وعدُه هذا الذي وَعدَ تعالى ذكره، من تبديله السماوات والأرض غير الأرض والسماوات, الحقُّ الذي لا شك فيه =" وله الملك يوم ينفخ في الصور "، فيكون قوله: " يوم ينفخ في الصور "، من صلة " الملك " = ويكون معنى الكلام: ولله الملك يومئذ، لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السماوات والأرض غيرهما.
وجائز أن يكون " القول " أعنى: " قوله الحق "، = مرفوعًا بقوله: " ويوم يقول كن فيكون ", ويكون قوله: " كن فيكون " محلا للقول مرافعًا، فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق, ويوم يبدلها غير السماوات والأرض، فيقول لذلك: " كن فيكون "،" قوله الحق ".
* * *
وأما قوله: " وله الملك يوم ينفخ في الصور "، فإنه خُصّ بالخبر عن ملكه يومئذ, وإن كان الملك له خالصًا في كل وقت في الدنيا والآخرة، لأنه عنى تعالى ذكره أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدّعي له, وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة، فأذعن جميعهم يومئذ له به, وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل.
* * *
واختلف في معنى " الصور " في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض, والثانية لنشر كل مَيْتٍ. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر : 68] ، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: هو قرن يُنفخ فيه. (44)
* * *
وقال آخرون: " الصور " في هذا الموضع جمع " صورة "، ينفخ فيها روحها فتحيا, كقولهم: (45) " سور " لسور المدينة, وهو جمع " سورة ", كما قال جرير:
سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعَ (46)
* * *
والعرب تقول: " نفخ في الصور " و " نفخ الصور "، ومن قولهم: " نفخ الصور " (47)
قول الشاعر: (48)
لَـوْلا ابْـنُ جَـعْدَةَ لَـمْ تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ
وَلا خُرَاسَـانَ حَـتَّى يُنْفَـخَ الصُّـورُ (49)
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال: " إن إسرافيلَ قد التقم الصور وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ "، (50) وأنه قال: " الصور قرن ينفخ فيه ". (51)
* * *
وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة "، يعني: أن عالم الغيب والشهادة، هو الذي ينفخ في الصور.
13432 - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " عالم الغيب والشهادة "، يعني: أنّ عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور .
* * *
= فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله: " عالم الغيب والشهادة "، اسم الفاعل الذي لم يسمَّ في قوله: " يوم ينفخ في الصور "، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور، عالم الغيب والشهادة. كما تقول العرب: " أُكلَ طعامك، عبدُ الله ", فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله. وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع, فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: " عالم الغيب والشهادة "، مرفوعًا على أنه نعت ل " الذي"، في قوله: " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق " .
* * *
وروي عنه أيضًا أنه كان يقول: " الصور " في هذا الموضع، النفخة الأولى.
13433 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة "، يعني بالصور: النفخة الأولى, ألم تسمع أنه يقول: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى يعني الثانية فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر: 68].
* * *
ويعني بقوله: " عالم الغيب والشهادة " ، عالم ما تعاينون: أيها الناس, فتشاهدونه, (52) وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه (53) =" وهو الحكيم "، في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم, ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود, ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب (54) =" الخبير "، بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ, حافظ ذلك عليهم ليحازيهم على كل ذلك. (55) يقول تعالى ذكره: فاحذروا، أيها العادلون بربكم، عقابَه, فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون, وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون.
* * *
---------------
الهوامش :
(36) في المطبوعة: "سوى خلقهما به" ، أساء وحذف وبدل وأفسد الكلام ، ثم ضبط"سوى" فعلا بتشديد الواو ، وجعل"خلقهما به" مصدرًا منصوبًا بالفعل. وهو فساد وخطل.
والصواب ما في المخطوطة: "سوى" (بكسر السين) بمعنى"غير" و"خلقهما" الأولى مصدر مضاف مجرور ، و"خلقهما به" فعل ماض. وهذا حق المعنى وصوابه. وهذا من عبث الناشرين والمصححين ، يستعيذ المرء من مثله ، فإنه ناقض للأمانة أولا ، ولمعاني العقل والفقه بعد ذلك.
(37) هذه العبارة فيها في المخطوطة سقط وتكرار ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.
(38) كانت هذه العبارة في المطبوعة: "كما خلق به الأشياء غير المخلوقة" ، وهو كلام ساقط جدًا ، فاسد المعنى بل هو غاية في فساد المعنى. والذي في المخطوطة: "مما خلق به الأشياء بغير الأشياء المخلوقة" ، وهي محرفة ، صواب قراءتها ما أثبت ، يدل على ذلك الجملة الآتية. ويعني أن الذي خلق به الأشياء - هو غير الأشياء المخلوقة ، وإذا كان غيرها ، فهو غير مخلوق.
(39) في المخطوطة: "مضاف إلى كن فيكون" ، والصواب ما في المطبوعة.
(40) هذه الجملة الأخيرة لم أعرف لها هنا موقعًا ، ولكني تركتها على حالها. وهي منقطعة عما بعدها بلا شك ، فإن الذي يليها هو مقالة الفراء من الكوفيين. وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(41) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 340.
(42) في المطبوعة: "فتكون الأرض غير الأرض عند قوله: كن فيكون ، متناهيًا" ، وهي كلام سقيم ، أسقط من المخطوطة: "ويكون" ، هي ثابتة فيها ، ولكن أسقط الناسخ ما وضعته بين القوسين ، وبذلك استقامت العبارة. وهذا بين من السياق.
(43) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وفي المخطوطة: "تبدله" مكان"تبدل" والصواب ما في المطبوعة. والناسخ في هذا الموضع قد أسقط الكلام وأفسده.
(44) رواه أحمد في مسند عبد الله بن عمرو رقم: 6507 ، وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه.
ورواه أبو داود في سننه 4: 326 ، رقم: 326 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، والترمذي في باب"ما جاء في الصور" ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه الحاكم في المستدرك 4: 560 ، وقال: "حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي. و"القرن" ، البوق يتخذ من القرون ، ينفخ فيه.
(45) في المطبوعة والمخطوطة: "لقولهم" ، والصواب بالكاف كما أثبته.
(46) مضى تخريجه وتمامه فيما سلف 2: 17 ، 242.
(47) انظر تفسير"نفخ" فيما سلف 6: 426 ، 427.
(48) لم أعرف قائله.
(49) معاني القرآن للفراء 1: 340 ، نسب قريش: 345 ، المعرب للجواليقي: 267 اللسان (صور). و"ابن جعدة" ، هو: "عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي" ، وكان أبوه"جعدة بن هبيرة" على خراسان ، ولاه علي بن أبي طالب. و"القهندز" (بضم القاف والهاء وسكون النون ، وضم الدال). من لغة أهل خراسان ، يعنون بها: الحصن أو القلعة.
(50) رواه الترمذي في باب"ما جاء في الصور" ، وفي أول تفسير سورة الزمر وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 337 ، ثم قال: "رواه مسلم في صحيحه" ، ولم أستطع أن أعرف مكانه في صحيح مسلم.
(51) انظر التعليق السالف ص: 462 ، تعليق: 1
(52) انظر تفسير"الشهادة" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
(53) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ص: 402 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(54) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم).
(55) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).
۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ ﴿٧٤﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد = لحجاجك الذي تحاجّ به قومك، وخصومتك إياهم في آلهتهم، وما تراجعهم فيها, مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج (1) = (2) حِجَاج إبراهيم خليلي قومَه, ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان, وانقطاعه إلى الله والرضا به وليًّا وناصرًا دون الأصنام، (3) فاتخذه إمامًا واقتد به, واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا = إذ قال لأبيه مفارقًا لدينه، وعائبًا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر . (4)
* * *
ثم اختلف أهل العلم في المعنيّ ب "آزر ", وما هو، اسم هو أم صفة؟ (5) وإن كان اسمًا, فمن المسمى به؟ فقال بعضهم: هو اسم أبيه.
* ذكر من قال ذلك:
13434 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: اسم أبيه "آزر ".
13435 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: "آزر "، أبو إبراهيم. وكان، فيما ذكر لنا والله أعلم، رجلا من أهل كُوثَى, من قرية بالسواد, سواد الكوفة .
13436 - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال: هو "آزر ", وهو " تارح ", مثل " إسرائيل " و " يعقوب ".
* * *
وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيم.
* ذكر من قال ذلك:
13437 - حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: ليس "آزر "، أبا إبراهيم.
13437- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا الثوري قال، أخبرني رجل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: "آزر " لم يكن بأبيه، إنما هو صنم.
13439- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: "آزر " اسم، صنم.
13440 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: اسم أبيه، ويقال: لا بل اسمه " تارح ", واسم الصنم "آزر ". يقول: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة. (6)
* * *
وقال آخرون: هو سبٌّ وعيب بكلامهم, ومعناه: معوَجٌّ . كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق. (7)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ) بفتح "آزر " على اتباعه " الأب " في الخفض, ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه، وإن كان في موضع خفض.
* * *
وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك: (آزَرُ) بالرفع على النداء, بمعنى: يا آزر.
* * *
فأما الذي ذكر عن السديّ من حكايته أن "آزر " اسم صنم, وإنما نصبَه بمعنى: أتتخذ آزر أصنامًا آلهة = فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيدٌ. وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعلٍ بعد حرف الاستفهام, لا تقول: " أخاك أكلمت " ؟ وهي تريد: أكلمت أخاك.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي, قراءةُ من قرأ بفتح " الراء " من (آزَرَ)، على اتباعه إعراب " الأب ", وأنه في موضع خفض ففتح، إذ لم يكن جاريًا، لأنه اسم عجمي. وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك، (8) لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة، وكان غير جائز أن يكون منصوبًا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام, صحَّ لك فتحه من أحد وجهين:
إما أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله, فيكون في موضع خفض ردًّا على " الأب ", ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح، كما تفعل العرب في أسماء العجم. (9)
= أو يكون نعتًا له, فيكون أيضًا خفضًا بمعنى تكرير اللام عليه, (10) ولكنه لما خرج مخرج " أحمر " و " أسود " ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتتخذ أصنامًا آلهة. (11)
وإذ لم يكن له وِجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين, فأولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال: " هو اسم أبيه "، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ.
* * *
فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى " تارح ", فكيف يكون "آزر " اسمًا له، والمعروف به من الاسم " تارح "؟
قيل له: غير محال أن يكون له اسمان, كما لكثير من الناس في دهرنا هذا, وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم . وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به. (12)
* * *
القول في تأويل قوله : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال: " أتتخذ أصنامًا آلهة "، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك ؟
و " الأصنام ": جمع " صنم ", و " الصنم " التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان, وهو " الوثن ". وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان في الحائط وغيره: " صنم " و " وثن ".
* * *
=" إني أراك وقومَك في ضلال مبين " ، يقول: " إني أراك "، يا آزر،" وقومَك " الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة =" في ضلال "، يقول: في زوال عن محجّة الحق, وعدول عن سبيل الصواب =" مبين "، يقول: يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم, دون غيره من الآلهة والأوثان. (13)
--------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة: "وحقية ما أنت عليهم محتج" ، وفي المخطوطة: "وحقيقة أنعم عليهم محتج". فعل ناشر المطبوعة في"حقيقة" ما فعل في أشباهها ، كما سلف ص: 434 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك. وأما ما كان في المخطوطة: "ما أنعم عليهم محتج" ، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين في كلام واحد ، فكتب"ما أنت به" ، "ما أنعم".
(2) السياق: "واذكر ، يا محمد ، . . . حجاج إبراهيم".
(3) في المطبوعة والمخطوطة: "واليا وناصرًا" ، والصواب ما أثبت.
(4) السياق: "واذكر يا محمد ، . . . حجاج إبراهيم . . . إذ قال لأبيه . . . يا آزر"
(5) في المطبوعة: "اسم أم صفة" ، حذف"هو"!
(6) في المخطوطة: "أتتخذ أصنامًا آلهة" ، ليس فيها"آزر" ، وما في المطبوعة قريب من الصواب إن شاء الله ، لما سيأتي في نقد أبي جعفر مقالة السدي بعد قليل.
(7) انظر معاني القرآن للفراء 1: 340.
(8) في المطبوعة: "وإنما أجيزت قراءة ذلك" ، وهو كلام فاسد ، والصواب ما أثبت وهو في المخطوطة غير منقوط بتمامه.
(9) في المطبوعة: "كما فتح العرب" ، والصواب من المخطوطة.
(10) في المخطوطة: "تكرير الأمر عليه" ، والصواب ما في المطبوعة.
(11) في المطبوعة والمخطوطة: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة" ، وهو نص الآية ، لا تأويل لها على النعت. وأما تأويل النعت الذي ذكره آنفًا في أن"آزر" سب وعيب في كلامهم ومعناه"معوج" ، لزيغه واعوجاجه عن الحق = فهو الذي أثبت ، وهو الصواب إن شاء الله.
(12) في المطبوعة: "وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم" ، حذف"يلقب به" ، وهو وهو ثابت في المخطوطة ، وزاد ما ليس في المخطوطة.
(13) انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) (بين).
وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك " ، وكما أريناه البصيرة في دينه، والحقّ في خلافه ما كانوا عليه من الضلال, (14) نريه ملكوت السماوات والأرض = يعني ملكه. (15)
* * *
وزيدت فيه " التاء " كما زيدت في" الجبروت " من " الجبر " (16) وكما قيل: " رَهَبوتٌ خيرٌ من رَحَمُوت ", بمعنى: رهبة خير من رحمة. (17) وحكي عن العرب سماعًا: " له مَلَكوت اليمنِ والعراق "، بمعنى: له ملك ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " .
فقال بعضهم: معنى ذلك: نريه خلقَ السماوات والأرض.
* ذكر من قال ذلك:
13441- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أي: خلق السماوات والأرض .
13442 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أي: خلق السماوات والأرض =" وليكون من الموقنين ".
13443- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، يعني ب " ملكوت السماوات والأرض "، خلق السماوات والأرض.
* * *
وقال آخرون: معنى " الملكوت " الملك، بنحو التأويل الذي تأوّلناه. (18)
* ذكر من قال ذلك:
13444 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: سمعت عكرمة, وسأله رجل عن قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: هو الملك, غير أنه بكلام النبط: " ملكوتَا ". (19)
13445 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي زائدة, عن عكرمة قال: هي بالنبطية: " ملكوتَا ".
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: آيات السماوات والأرض.
* ذكر من قال ذلك:
13446- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: آيات السماوات والأرض.
13447- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: آيات .
13448 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: تفرجت لإبراهيم السماوات السبعُ حتى العرش, فنظر فيهنّ ، وتفرَّجت له الأرضون السبع, فنظر فيهنّ.
13449 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين "، قال: أقيم على صخرة وفتحت له السماوات, فنظر إلى ملك الله فيها، حتى نظر إلى مكانه في الجنة. وفتحت له الأرضون حتى نظَر إلى أسفل الأرض, فذلك قوله: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا [سورة العنكبوت : 27] ، يقول: آتيناه مكانه في الجنّة، ويقال: أَجْرَهُ الثناء الحسن.
13450- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: فرجت له السماوات فنظر إلى ما فيهنّ، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهنّ.
13451 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن سالم, عن سعيد بن جبير: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: كشف له عن أدِيم السماواتِ والأرض، حتى نظر إليهن على صخرة, والصخرةُ، على حوت, والحوت على خاتم ربّ العِزّة لا إله إلا الله. (20)
13452 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية, عن عاصم, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض, رأى عبدًا على فاحشة, فدعا عليه، فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة, فدعا عليه فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة, فدعا عليه فهلك. فقال: أنـزلوا عبدِي لا يُهْلِك عبادِي !
13453- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السماوات, أشرفَ فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه، فهلك. ثم رُفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه، فهلك. ثم رفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه, فنودي: على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجابٌ لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه, وإما أن أخرج منه ذرية طيبة, وإما أن يتمادى فيما هو فيه, فأنا من ورائه.
13454- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب, عن عوف, عن أسامة: أن إبراهيم خليل الرّحمن حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلق, وأن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض, فأبصر أعمالهم. فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهم دمِّر عليهم! فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك, اهبطْ، فلعلهم أن يتوبوا إليّ ويُراجِعوا. (21)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك، ما أخبر تعالى أنه أراه من النُّجوم والقمر والشمس.
* ذكر من قال ذلك:
13455 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: الشمس والقمر والنجوم .
13456 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: الشمس والقمر.
13457 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، يعني به: الشمس والقمر والنجوم. (22)
13458 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: خُبِّئ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من جبار من الجبابرة, فجُعِل له رزقه في أصابعه, فإذا مصّ أصبعًا من أصابعه وَجَد فيها رزقًا. فلما خرج، أراه الله ملكوت السماوات والأرض. فكان ملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم, وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار.
13459- حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، (23) حدثنا سعيد, عن قتادة: ذكر لنا أن نبيّ الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فُرَّ به من جبَّار مُتْرَف, (24) فجعل في سَرَبٍ, (25) وجعل رزقه في أطرافه, فجعل لا يمصُّ إصبعًا من أصابعه إلا وجد فيها رزقًا. فلما خرج من ذلك السَّرَب، أراه الله ملكوت السماوات, فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسحابًا وخلقًا عظيمًا، وأراه ملكوت الأرض, فأراه جبالا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا ومن كلّ الدواب وخلقًا عظيمًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, قولُ من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أنه أراه ملك السماوات والأرض, وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما, وجلَّى له بواطنَ الأمور وظواهرَها، لما ذكرنا قبل من معنى " الملكوت "، في كلام العرب، فيما مضى قبل. (26)
* * *
وأما قوله: " وليكون من الموقنين "، فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله, (27) ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه، (28) من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة، من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى. (29)
* * *
وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك, ما:-
13460 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وليكون من الموقنين "، أنه جلَّى له الأمر سرَّه وعلانيتَه, فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق. فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب, قال الله: إنك لا تستطيع هذا! فردَّه الله كما كان قبل ذلك.
* * *
فتأويل ذلك على هذا التأويل: أريناه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسًّا لا خبرًا.
13461 - حدثني العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، حدثنا ابن جابر قال، وحدثنا الأوزاعيُّ أيضًا = قال: حدثني خالد بن اللجلاج قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداةٍ, فقال له قائل: ما رأيتك أسفرَ وجهًا منك الغداة! (30) قال: ومالي، وقد تبدّى لي ربّي في أحسن صورة, (31) فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى، (32) يا محمد؟ قلت: أنت أعلم [يا رب] ! (33) فوضع يده بين كتفي فوجدت بردَها بين ثدييّ، (34) فعلمت ما في السماوات والأرض. (35) ثم تلا هذه الآية: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ". (36)
-------------------
الهوامش :
(14) في المطبوعة: "في خلاف ما كانوا عليه من الضلال". وفي المخطوطة: "في خلافه بما كانوا عليه من الضلال" ، وبينهما بياض ، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، وظني أن الناسخ أشكل عليه الكلام فترك البياض ، والكلام موصول صحيح المعنى.
(15) في المخطوطة: "يعني ملكوت وزيدت فيه" بينهما بياض أيضًا ، والذي في المطبوعة صحيح المعنى.
(16) في المخطوطة: "من الجبروة" ، والصواب ما في المطبوعة.
(17) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة1: 197 ، 198.
(18) في المخطوطة: "وبنحو الذي تأولناه" ، وفي الهامش"التأويل" ، وعليها علامة"صح" ، وفي الجهة الأخرى من السطر (كذا) بالحمرة ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب ، إلا أنه كتب"الذي أولناه" ، والصواب ما في المخطوطة.
(19) الأثر: 13444 ، 13445 -"عمر بن أبي زائدة الهمداني الوادعي" ، وهو"ابن أبي زائدة" في الإسناد الثاني ، هو أخو"زكريا بن أبي زائدة" ، وهو الأكبر. و"زكريا" أخوه أعلى منه بكثير. وهو ثقة ، ولكنه كان يرى القدر ، وهو في الحديث مستقيم. مترجم في التهذيب.
(20) قد مضى قولنا في هذا الضرب من الأخبار التي لا حجة فيها من الصادق صلى الله عليه وسلم.
(21) في المطبوعة: "ويرجعوا" ، والصواب الجيد من المخطوطة.
(22) في المطبوعة: "يعني به: نريه الشمس" ، وزاد"نريه" ، وليست في المخطوطة.
(23) في المطبوعة ، سقط"قال حدثنا يزيد".
(24) في المخطوطة: "قربه جبار مترف" ، وأما ما في المطبوعة ، فهو نص ما في الدر المنثور 3: 25.
(25) "السرب" (بفتحتين): حفير في الأرض ، كالسرداب.
(26) انظر ما سلف ص: 470 وما بعدها.
(27) في المطبوعة والمخطوطة: "ممن يتوحد بتوحيد الله" ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبت. وإنما هو خطأ من عجلة الناسخ ، واستظهرته من معنى"يوقن" فيما سلف 10: 394.
(28) في المطبوعة: "ويعلم حقية ما هداه له" ، فعل بها ما فعل بصواحباتها ، كما سلف قريبًا: ص: 465 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير"أيقن" فيما سلف 10: 394 ، 395.
(30) في المطبوعة والمخطوطة: "ما رأيت أسعد منك اليوم" ، وهو خطأ ، صوابه من منتخب ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري ، تاريخه 13: 59 ، حيث روى الخبر بتمامه هناك. وقوله: "أسفر وجهًا منك الغداة" ، يعني: أحسن إشراقًا وإضاءة ، يقال: "سفر وجهه حسنا ، وأسفر" ، إذا أشرق وأضاء ، ومنه في التنزيل العزيز: "وجوه يومئذ مسفرة".
(31) في المطبوعة: "ما لي قد أتاني ربي" ، وفي المخطوطة: "ومالي وقد ستاني ربي" غير منقوطة ، محرفة ، صوابها من ذيل المذيل لأبي جعفر.
(32) في المطبوعة: "ففيم يختصم" لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهو الموافق لما في ذيل المذيل.
(33) زيادة ما بين القوسين من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
(34) قوله: "فوجدت بردها بين ثديي"؛ أسقطه ناشر المطبوعة ، لأنه كان في المخطوطة هكذا: "فوضع يده بين كتفي ، ثديي" ، أسقط الناسخ ما بين الكلامين ، والصواب زيادته من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
(35) في ذيل المذيل: "ما في السماء والأرض".
(36) الأثر: 13461 - هذا خبر مشكل جدًّا ، كما سترى بعد ، وكان في المخطوطة والمطبوعة محرفًا أشد التحريف ، وكان إسناده أشد تحريفًا ، ولكني صححته بعون الله تعالى ذكره ، من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل (تاريخ الطبري 13: 59 ، 60).
"العباس بن الوليد بن مزيد العذري الآملي البيروتي" شيخ الطبري ، ثقة ، روى عنه كثيرًا مضى برقم: 891 ، 11014 ، 11821 . وأبوه: "الوليد بن مزيد العذري البيروتي" ، ثقة؛ مضى برقم: 11821. قال الأوزاعي شيخه: "كتبه صحيحة" ، وقال النسائي: "هو أحب إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم ، لا يخطئ ، ولا يدلس". و"ابن جابر" هو: "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عنه الأوزاعي ، والوليد بن مزيد البيروتي ، وغيرهما. ومضى برقم: 6655. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو جابر" ، وهو خطأ ، صوابه من ذيل المذيل وغيره.
و"خالد بن اللجلاج العامري" ، كان ذا سن وصلاح ، جريء اللسان على الملوك ، في الغلظة عليهم. قال البخاري: "سمع عمر بن الخطاب ، وأباه". وقال ابن أبي حاتم: "روي عن عمر ، مرسل ، وعن أبيه ، ولأبيه صحبة ، وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. مترجم في التهذيب ، والكبير2/1/156 ، وابن أبي حاتم 1/2/349. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "خالد الحلاج" ، وهو خطأ صرف. وأما "عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" ، فأمره وأمر صحبته مشكل من قديم ، وسيأتي ذكر ذلك. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الرحمن بن عياش" ، وحذف ناشر المطبوعة"الحضرمي" ، وهي ثابتة في المخطوطة. والصواب من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل. ولكن أعجب العجب أنه جاء كذلك في المسند 5: 243: "عبد الرحمن بن عياش الحضرمي" ، مع أني لم أجد أحدًا ذكر في ترجمته خلافًا في اسم أبيه"عائش" ، فمن عجيب الاتفاق ، وهو قليل مثله ، أن يأتي كذلك في مخطوطة الطبري والمسند جميعًا ، وهو اتفاق عجيب على الخطأ في كتابين متباينين. والذي في المسند خطأ لا شك فيه أيضًا ، لأني وجدت ابن كثير في تفسيره 7: 220 ، ونقل الخبر عن هذا الموضع من مسند أحمد ، وفيه"عبد الرحمن بن عائش" على الصواب. وتحريف"عائش" إلى"عياش" جائز قريب ، لشهرة"عياش" وكثرة من تسمى به ، ولخفاء"عائش" وندرة من تسمى به. و"عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" مترجم في التهذيب ، وفي ابن سعد 7/2/150 ، في الصحابة ، وفي ذيل المذيل للطبري (13: 59 ، 60) ، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: 399 ، وابن أبي حاتم 2/2/262 ، وأسد الغابة 3: 303 ، 304 ، وفي الإصابة ، وفي ميزان الاعتدال 2: 108. و"عبد الرحمن بن عائش" مختلف في صحبته ، فممن صرح بصحبته ، ابن سعد ، وابن جرير في ذيل المذيل ، وابن حبان أما ابن عبد البر في الاستيعاب ، وابن الأثير في أسد الغابة ، فذكر أنه لا تصح صحبته ، لأن حديثه مضطرب. وأما أبو حاتم فقال: "أخطأ من قال: له صحبة ، هو عندي تابعي". أما أبو زرعة فقال: "عبد الرحمن بن عائش ، ليس بمعروف". وعد الحافظ ابن حجر في الإصابة من عده في الصحابة فقال: "وذكره في الصحابة: محمد بن سعد ، والبخاري ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو الحسن بن سميع ، وأبو القاسم ، والبغوي ، وأبو زرعة الحراني ، وغيرهم". وقد استوفى الكلام في ترجمته في الإصابة وقال البخاري: "له حديث واحد ، إلا أنهم مضطربون فيه" ، يعني هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "قلت: وقد وجدت له حديثًا آخر مرفوعًا ، وحديثا آخر موقوفًا" وهذا الخبر رواه أبو جعفر في ذيل المذيل (تاريخه 13: 59 ، 60) بهذا الإسناد ، وأشار إليه الترمذي في تفسير"سورة ص" من سننه (12: 116 ، 117 شرح ابن عربي) ، بعد أن ذكر حديث معاذ بن جبل ، من طريق زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يحامر السكسكي ، عن معاذ بن جبل ، وذكر الحديث ="قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسمعيل (البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال ، حدثنا خالد بن اللجلاج ، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث ، وهذا غير محفوظ ، هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى بشر بن بكر ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد ، عن عبد الرحمن بن عائش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم = وهذا أصح ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم". وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة"عبد الرحمن بن عائش" وجوه الاختلاف والاضطراب في هذا الخبر ، وما قالوه في الكتب التي ذكرتها من أنه لم يقل في حديثه: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم" ، إلا الوليد بن مسلم. وقد ذكر أن الوليد بن مسلم لم ينفرد برواية ذلك ، بل رواه أيضًا ثقة ثبت عن الأوزاعي ، صحيح الحديث عنه ، هو"الوليد بن مزيد البيروتي" بمثل رواية"الوليد بن مسلم" ، وإذن فالاضطراب فيه لم يأت من طريق"الوليد بن مسلم". وذكر الحافظ سائر المتابعات التي تؤيد الوليد بن مسلم في روايته. وأما الخبر بغير هذا الإسناد ، فقد رواه أحمد في مسنده 5: 243 ، والترمذي ، كما أشرت إليه آنفًا. ثم رواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده رقم: 3484 ، بمثله. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 5: 319 - 321 من حديث جماعة من الصحابة ، من حديث ابن عباس ، ومعاذ بن جبل ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وأبي أمامة الباهلي ، وطارق بن شهاب ، وعدي بن حاتم ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وثوبان. وهذا قدر كاف في تخريج هذا الخبر المضطرب ، تراجع فيه سائر الكتب التي ذكرتها. وكتبه محمود محمد شاكر.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ﴿٧٦﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما واراه الليل وغيّبه. (37)
* * *
يقال منه: " جنَّ عليه الليل ", و " جنَّه الليل ", و " أجنه ", و " أجنّ عليه ". وإذا ألقيت " على "، كان الكلام بالألف أفصح منه بغير " الألف "," أجنه الليل "، أفصح من " أجن عليه " و " جنّ عليه الليل "، أفصح من " جنَّه ", وكل ذلك مقبول مسموع من العرب. (38) " جنّه الليل "، في أسد =" وأجنه وجنه " في تميم. (39) والمصدر من: " جن عليه "،" جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا ", = ومن " أجنّ"" إجنانًا ". ويقال: " أتى فلان في جِنّ الليل ". (40) و " الجن " من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بني آدم فلا يرون. وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: " قد جَنّ"، ومنه قول الهذلي: (41)
وَمَـــاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْـــلَ الكَــرَى
وَقَــدْ جَنَّــهُ السَّــدَفُ الأَدْهَــمْ (42)
وقال عبيد:
وَخَـرْقٍ تَصِيـحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى
مَخُـوفٍ إذَا مَـا جَنَّـهُ اللَّيْـلُ مَرْهُوبِ (43)
ومنه: " أجننت الميت "، إذا واريته في اللحد, و " جننته "، وهو نظير " جنون الليل "، في معنى غطيته. ومنه قيل للترس " مِجَنّ" لأنه يُجنّ من استجنَّ به فيغطّيه ويواريه .
* * *
وقوله: " رأى كوكبًا "، يقول: أبصر كوكبًا حين طلع =" قال هذا ربي"، فروي عن ابن عباس في ذلك, ما:-
13462 - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، يعني به الشمس والقمر والنجوم =" فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب, فلما غاب قال: لا أحب الآفلين = فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي ، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين = فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فعبدها حتى غابت، فلما غابت قال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ .
13463 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ "، علم أن ربّه دائم لا يزول. فقرأ حتى بلغ: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ، رأى خلقًا هو أكبرَ من الخلقين الأوّلين وأنور. (44)
وكان سبب قيل إبراهيم ذلك, ما:-
13464- حدثني به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق = فيما ذكر لنا، والله أعلم = أن آزر كان رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسوادِ، سواد الكوفة, وكان إذ ذاك ملك المشرق النمرود، (45) فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم [ عليه السلام، خليل الرحمن، حجة على قومه] ، (46) ورسولا إلى عباده, ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبيّ إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد, أتى أصحابُ النجوم نمرودَ فقالوا له: تَعَلَّمْ، أنّا نجد في عِلْمنا أن غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له " إبراهيم ", (47) يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا . فلما دخلت السنة التي وصف أصحابُ النجوم لنمرود, بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده = إلا ما كان من أمّ إبراهيم امرأة آزر, فإنه لم يعلم بحبَلها, وذلك أنها كانت امرأة حَدَثة، فيما يذكر، لم تعرف الحبَل في بطنها، (48) ولِمَا أرادَ الله أن يبلغ بولدها، (49) = يريدُ أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة، حذرًا على ملكه. فجعلَ لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة، إلا أمر به فذبح. فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلقَ خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها, فولدت فيها إبراهيم, وأصلحت من شأنه ما يُصْنع بالمولود, (50) ثم سَدّت عليه المغارة, ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة فتنظر ما فعل, فتجده حيًّا يمصّ إبهامه, يزعمون، والله أعلم، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصّه. وكان آزر، فيما يزعمون, سأل أمّ إبراهيم عن حمْلها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات! فصدّقها, فسكت عنها. وكان اليوم، فيما يذكرون، على إبراهيم في الشَّباب كالشهر، والشهر كالسنة. فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر! فأخرجته عِشاء فنظر، وتفكر في خلق السماوات والأرض, وقال: " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربّي, ما لي إله غيره "! ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال: " هذا ربي"، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب, فلما أفل قال: " لا أحب الآفلين "، ثم طلع القمر فرآه بازغًا، قال: هَذَا رَبِّي ، ثم اتّبعه ببصره حتى غاب, فلما أفل قال: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ! فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس, أعظَمَ الشمسَ, (51) ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبل ذلك, فقال: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ! فلما أفلت قال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربَّه، وبرئ من دين قومه, إلا أنه لم يبادئهم بذلك. وأخبر أنه ابنه, وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه, وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه, فسرَّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا. وكان آزر يصنع أصنام قومِه التي يعبدونها, ثم يعطيها إبراهيم يبيعها, فيذهب بها إبراهيم، فيما يذكرون, فيقول : " من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعه "، فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه, (52) ذهب بها إلى نهر فصوَّبَ فيه رؤوسها, (53) وقال: " اشربي"، استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومه وأهل قريته, من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. (54)
* * *
قال أبو جعفر: وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روي عنه، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر: " هذا ربي"، وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيٌّ ابتعثه بالرسالة، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغٌ إلا وهو لله موحدٌ، وبه عارف، ومن كل ما يعبد من دونه برئ. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر، لم يجز أن يختصه بالرسالة, لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله, وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة، فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه, فأثابه لاستحقاقه الثوابَ بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبرَ الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: " هذا ربي", لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربّه، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه, وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام, إذْ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضوأ وأحسنَ وأبهجَ من الأصنام, ولم تكن مع ذلك معبودة, وكانت آفلةً زائلة غير دائمة, والأصنام التي [هي] دونها في الحسن وأصغرَ منها في الجسم, أحقُّ أن لا تكون معبودة ولا آلهة. (55) قالوا: وإنما قال ذلك لهم، معارضةً, كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطل من القول، (56) على وجه مطالبته إياه بالفُرْقان بين القولين الفاسدين عنده، اللذين يصحِّح خصمه أحدَهما ويدعي فسادَ الآخر.
* * *
وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفولته، (57) وقبل قيام الحجة عليه. وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان.
* * *
وقال آخرون منهم: إنما معنى الكلام: أهذا ربي ؟ على وجه الإنكار والتوبيخ، أي: ليس هذا ربي. وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك, فتحذف " الألف " التي تدلّ على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر: (58)
رَفَـوْنِي وَقَـالُوا: يَـا خُوَيْلِدُ, لا تُرَعْ !
فَقُلْـتُ, وأَنْكَـرْتُ الوُجُـوهَ: هُـمُ هُمُ? (59)
يعني: أهم هم؟ قالوا: ومن ذلك قول أوس: (60)
لَعَمْـرُكَ مَـا أَدْرِي, وَإنْ كُـنْتُ دَارِيًا,
شُـعَيْثَ بـنَ سَـهْمٍ أم شُعَيْثَ بْنَ مِنْقَرِ (61)
بمعنى: أشعيث بن سهم؟ فحذف " الألف "، ونظائر ذلك. وأما تذكير " هذا " في قوله: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي ، فإنما هو على معنى: هذا الشيء الطالع ربِّي.
* * *
قال أبو جعفر: وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه. (62)
وأما قوله: " فلما أفل "، فإن معناه: فلما غاب وذهب، كما:-
13465 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، قال ابن إسحاق: " الأفول "، الذهاب.
يقال منه: " أفل النجم يأفُلُ ويأفِلُ أفولا وأفْلا "، إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة:
مَصَــابِيحُ لَيْسَـتْ بِـالَّلوَاتِي تَقُودُهَـا
نُجُــومٌ, وَلا بــالآفِلاتِ الــدَّوَالِكِ (63)
ويقال : " أين أفلت عنا " بمعنى: أين غبت عنا ؟ (64)
----------------------
الهوامش :
(37) في المطبوعة: "داراه الليل وجنه" ، والصواب من المخطوطة.
(38) هذا بيان لا تصيبه في كتب اللغة ، فقيده هناك ، وانظر معاني القرآن للفراء 1: 341.
(39) يعني أن الأولى أشهر في لغة بني أسد ، وأن الثانية أشهر في لغة بني تميم.
(40) "جن الليل" (بكسر الجيم): اختلاط ظلمته.
(41) هو البريق الهذلي ، واسمه: "عياض بن خويلد الخناعي" ، وروى الأصمعي أن قائل الشعر هو"عامر بن سدوس الخناعي".
(42) ديوان الهذليين 3: 56 ، وما بقي من أشعار الهذليين رقم: 31 ، واللسان (سدف) (جنن) ، من أبيات يمجد فيها نفسه ، وبعد البيت:
مَعِـي صَـاحِبٌ مِثْـلُ نَصْـل السِّنانِ
عَنِيــفٌ عَــلَى قِرْنِــهِ مِغْشَــمُ
ويروى: "وما وردت علي خيفة" ، ويروى"قبيل الصباح" ، وكله حسن. و"السدف": الظلمة من أول الليل أو آخره ، عند اختلاط الضوء. و"الأدهم": الضارب إلى السواد.
(43) ديوانه: 33 ، ذكر نفسه في هذا البيت ثم قال بعده:
قَطَعْــتُ بِصَهْبَــاءِ السَّـرَاةِ شِـمِلَّةٍ
تَـزِلُّ الوَلايَـا عَـنْ جَـوَانِبِ مَكْرُوبِ
وختمها بالبيت الحكيم:
تَـرَى المَـرْءَ يَصْبُـو لِلحَيَـاةِ وَطُولِهَا
وَفِـي طُـولِ عَيْش المَرْءِ أَبْرَحُ تَعْذِيبِ
وصدق غاية الصدق! وكان في المطبوعة: "الليل مرهب" ، والصواب من المخطوطة. و"الخرق" (بفتح فسكون): الفلاة الواسعة ، ورواية الديوان: "تصيح الهام" ، و"الهام" ذكر البوم ، ورواية أبي جعفر أجود ، لأن"الصدى" هو أيضًا ذكر البوم.
(44) في المطبوعة: "وأي خلق" ، وهو فاسد المعنى ، وفي المخطوطة: "وأي خلقا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(45) في المطبوعة: "لنمرود بن كنعان" ، وليس ذلك في المخطوطة ، ولا في تاريخ الطبري 1: 119 ، بل الذي هناك: "لنمرود الخاطئ ، وكان يقال له: الهاصر. وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها ، وكان ببابل . . ." ، فاختصر أبو جعفر الخبر كعادته. وهو خبر قسمه أبو جعفر في تاريخه ، فروى صدره هذا ، ثم فصل ، ثم عاد إلى حديث ابن إسحق.
(46) الزيادة بين القوسين من تاريخ أبي جعفر 1: 119.
(47) "تعلم" (بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة) فعل أمر بمعنى: اعلم ، يكثر ورودها في سيرة ابن إسحق ، ويخطئ كثير من الناس في ضبطها من قلة معرفتهم بالكلام.
(48) "امرأة حدثة" (بفتحات): حديثة السن صغيرة ، بينة الحداثة. والمذكر: "رجل حدث" ، أي شاب صغير. وكان في المطبوعة: "حدبة" بالباء ، وهو خطأ صرف ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في تاريخ الطبري.
(49) في المطبوعة: "ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل. . ." غير ما كان في المخطوطة ، لأنه لم يفهم سياق الكلام ، فوضع مكان"يريد" ، "أراد". وسياق الكلام: " . . . بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده . . . يريد أن يقتل كل غلام . . ." ، ووضعت العبارة الفاصلة في شأن ولدها بين خطين ، لذلك. وقوله"ولما أراد الله . . ." ، أي وللذي أراد الله. وهذه الجملة ليست في تاريخ أبي جعفر ، اختصر الكلام هناك كعادته.
(50) في المطبوعة: "ما يصنع مع المولود" ، أراد الناشر ترجمة كلام أبي جعفر إلى سقم عربيته!! ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(51) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "أعظم الشمس" ، كأنه يعني: استعظمها ، ووجدها عظيمة ، وهو صواب في المعنى ، وأما في التاريخ فهناك: "رأى عظم الشمس" ، وهو صواب أيضًا.
(52) هكذا في التاريخ ، وفي المخطوطة: "وإذا بات عليه" غير منقوطة ، فأثبت ما في التاريخ.
(53) في المطبوعة والمخطوطة: "فضرب فيه رؤوسها" ، والصواب من التاريخ. و"صوب رؤوسها" ، نكسها.
(54) الأثر: 13464 - هذا الأثر رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا 1: 119 ، 120.
(55) في المطبوعة والمخطوطة: "والأصنام التي دونها في الحسن" ، وفي المخطوطة: "فأحق" ، ورأيت السياق يقتضي ما أثبت ، مع زيادة [هي] بين القوسين.
(56) السياق: معارضا له . . . بباطل من القول.
(57) في المطبوعة: "طفوليته" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(58) هو أبو خراش الهذلي.
(59) ديوان الهذليين 2: 144 ، الخزانة 1: 211 واللسان ، (رفأ) (رفو) ، وغيرها كثير. هي مطلع شعر له في فرة فرها على رجليه ، فوصف ذلك وحسن فرته. وقوله: "رفوني" ، أي: سكنوني ، كأن قلبه قد طار شعاعًا ، فضموا بعضه إلى بعض. يقال: "رفوته من الرعب" و"رفأته".
(60) ينسب أيضًا للأسود بن يعفر النهشلي ، واللعين المنقري.
(61) سيبويه 1: 485 ، البيان والتبين 4: 40 ، 41 ، الكامل 1: 384 ، 2: 115 ، الخزانة 4: 450 ، شرح شواهد المغني: 51 ، وغيرها كثير. قال الجاحظ: "وذكروا أن حزن بنالحارث ، أحد بني العنبر ، ولد"محجنًا" ، فولد محجن: "شعيب بن سهم" ، فأغير على إبله ، فأتى أوس بن حجر يستنجده ، فقال له أوس: أو خير من ذلك ، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن"حزن بن الحارث" هو"حزن بن منقر" ، فقال أوس:
سَـائِلُ بِهَـا مَـوْلاَكَ قَيْسَ بـن عَاصِمٍ
فَمَـوْلاَكَ مَـوْلَى السَّـوْءِ إنْ لَـمْ يُغَيِّرِ
لَعَمْـرُكَ مَـا أدْرِي: أمِنْ حـزن مِحْجَنٍ
شُـعَيْثُ بـن سَـهْمٍ أمْ لِحَزْنِ بن مِنْقَرِ
فَمـا أنْـتَ بـالمَوْلَى المُضَيِّـعِ حَقَّـهُ
وَمَـا أنْـتَ بِالْجَـارِ الضَّعِيـفِ المُسَترِ
فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها". والبيت برواية الجاحظ لا شاهد فيه. وكان في المطبوعة في المواضع كلها: "شعيب" بالباء ، وهو خطأ. وفي المطبوعة: "أو شعيب" والصواب"أم" كما في المخطوطة وسائر الروايات.
(62) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 341.
(63) ديوانه: 425 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 199 ، الأزمنة 2: 49 ، كتاب القرطين 1: 261 ، اللسان (دلك) ، من قصيدة طويلة ، وصف بها الإبل ، وهذا البيت من صفة الإبل."مصابيح" جمع"مصباح" ، و"المصباح" التي تصبح في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار ، وهو مما يستحب من الإبل ، وذلك لقوتها وسمنها. يقول: ليست بنجوم آفلات ، ولكنها إبل.
(64) هذا مجاز لا تكاد تجده في كتاب آخر.
فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ﴿٧٧﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما طلع القمر فرآه إبراهيم طالعًا، وهو " بُزُوغه ".
* * *
يقال منه: " بزغت الشمس تَبْزُغُ بزُوغًا "، إذا طلعت, وكذلك القمر.
* * *
=" قال هذا ربي فلما أفل " ، يقول: فلما غاب =" قال "، إبراهيم،" لئن لم يهدني ربي"، ويوفقني لإصابة الحق في توحيده =" لأكونن من القوم الضالين "، أيْ: من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك, فلم يصيبوا الهدى, وعبدوا غير الله.
* * *
وقد بينا معنى " الضلال "، في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (65)
------------------
الهوامش :
(65) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة: (ضلل).
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله (66) " فلما رأى الشمس بازغة "، فلما رأى إبراهيم الشمس طالعةً, قال: هذا الطالعُ ربّي =" هذا أكبر "، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر = فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه = " فلما أفلت "، يقول: فلما غابت, (67) قال إبراهيم لقومه =" يا قوم إنّي بريء مما تشركون "، أي: من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلهًا مع الله تعالى ذكره. (68)
----------------------
الهوامش :
(66) "بقوله" ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، وهي حق سياقة الكلام.
(67) انظر تفسير"أفل" و"بزغ" فيما سلف قريبًا.
(68) انظر تفسير"برئ" فيما سلف ص: 293.
إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾
القول في تأويل قوله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه, شهد شهادةَ الحقّ, وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم, ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه, مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه, وقال لهم: " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم, (69) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض, الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.
ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد, لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف, ولكنه به مشرك, (70) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، (71) بل ضارّه ومهلكه =" وما أنا من المشركين "، ولست منكم ، أي : لست ممن يدين دينكم، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:
13465م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال: " إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض "، فقالوا: ما جئت بشيء! ونحن نعبده ونتوجّهه! فقال : لا حنيفًا!! قال: مخلصًا, لا أشركه كما تُشْركون.
-------------------
الهوامش :
(69) انظر تفسير"فطر" فيما سلف ص: 283 ، 284.
(70) انظر تفسير"الحنيف" فيما سلف 3: 104 - 108 ، 6 494 ، 9 : 250.
(71) في المطبوعة: "إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف" ، وفي المخطوطة: " . . . توجيه الوجه على التحنف" ، والصواب ما أثبت.
وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٨٠﴾
القول في تأويل قوله : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام، (72) وكان جدالهم إياه قولُهم: أن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه. قال إبراهيم: " أتحاجوني في الله "، يقول: أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة =" وقد هداني "، يقول: وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته, (73) وبصّرني طريق الحقّ حتى أيقنتُ أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه (74) =" ولا أخاف ما تشركون به "، يقول: ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دونه شيئًا ينالني به في نفسي من سوء ومكروه. (75) وذلك أنهم قالوا له: " إنا نخاف أن تمسَّك آلهتنا بسوء من برص أو خبل, لذكرك إياها بسوء "! فقال لهم إبراهيم: لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالَنِي بضر ولا مكروه, لأنها لا تنفع ولا تضر =" إلا أن يشاء ربي شيئًا "، يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض, فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو بقاءٍ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك، نالني به, لأنه القادر على ذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن جريج يقول:
13466 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني "، قال: دعا قومُه مع الله آلهةً, وخوّفوه بآلهتهم أن يصيبَه منها خَبَل, فقال إبراهيم: " أتحاجوني في الله وقد هداني "، قال: قد عرفت ربّي, لا أخاف ما تشركون به.
* * *
=" وسع ربي كل شيء علمًا "، يقول: وعلم ربي كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء, (76) لأنه خالق كل شيء, وليس كالآلهة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تفهم شيئًا, وإنما هي خشبة منحوتةٌ، وصورة ممثلة =" أفلا تتذكرون "، يقول: أفلا تعتبرون، أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون، (77) من عبادتكم صورةً مصوّرة وخشبة منحوتة, لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله = وترككم عبادةَ من خلقكم وخلق كلّ شيء, وبيده الخير، وله القدرة على كل شيء، والعالم لكل شيء .
-----------------
الهوامش :
(72) انظر تفسير"المحاجة" فيما سلف 3: 121 ، 5 : 429 ، 430 ، 6 : 280 ، 473 ، 492.
(73) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(74) في المطبوعة والمخطوطة: "حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه" ، وهو لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت.
(75) في المطبوعة: "ينالني في نفسي" بحذف"به" وهي ثابتة في المخطوطة ، ولكنه أساء كتابة"ينالني" ، فاجتهد الناشر ، فحذف.
(76) انظر تفسير"السعة" فيما سلف 10: 423 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(77) انظر تفسير"التذكر" فيما سلف ص: 442 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾
القول في تأويل قوله : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
قال أبو جعفر: وهذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسَّه، لذكره إياها بسوء في نفسه بمكروه, فقال لهم: وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم فعبدتموه من دونه، وهو لا يضر ولا ينفع ؟ ولو كانت تنفع أو تضر، لدفعت عن أنفسها كسرِى إياها وضربي لها بالفأس! وأنتم لا تخافون الله الذي خلقكم ورزقكم، وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه =" ما لم ينـزل به عليكم سلطانًا "، يعني: ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حُجّة, ولم يضع لكم عليه برهانًا, ولم يجعل لكم به عذرًا (78) =" فأي الفريقين أحقّ بالأمن "، (79) يقول: أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربّي مخلصًا له العبادة، حنيفًا له ديني، بريئًا من عبادة الأوثان والأصنام, أم أنتم الذين تعبدون من دون الله أصنامًا لم يجعل الله لكم بعبادتكم إياها برهانًا ولا حجة (80) =" إن كنتم تعلمون "، يقول: إن كنتم تعلمون صدق ما أقول، وحقيقة ما أحتجُّ به عليكم, فقولوا وأخبروني: أيُّ الفريقين أحق بالأمن؟
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك, كان محمد بن إسحاق يقول فيما:-
13467 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق في قوله: " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " ، يقول : كيف أخاف وثَنًا تعبدون من دون الله لا يضرُّ ولا ينفع, ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع, وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع ؟ =" فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون "، أي: بالأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، الذي يَعْبد الذي بيده الضرّ والنفع، أم الذي يعبد ما لا يضرّ ولا ينفع؟ يضرب لهم الأمثال, ويصرِّف لهم العبر, ليعلموا أنَّ الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبُدون من دونه.
13468 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: أفلج الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين خاصمهم, (81) فقال: " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينـزل به عليكم سلطانًا فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ؟ ثم قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ .
13469 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قول إبراهيم حين سألهم: " أيُّ الفريقين أحق بالأمن "، هي حجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
13470- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره، قال إبراهيم حين سألهم: " فأي الفريقين أحق بالأمن " ؟ قال: وهي حجة إبراهيم عليه السلام .
13471 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون "، أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا, أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ يقول قومه: الذين آمنوا برب واحد. (82)
13472 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون "، أمن خاف غير الله ولم يخفه، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟ فقال الله تعالى ذكره: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ، الآية.
* * *
------------------
(78) انظر تفسير"السلطان" فيما سلف 7: 279/9 : 336 ، 337 ، 360.
(79) انظر تفسير"الفريق" فيما سلف 8: 548 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.
(80) انظر تفسير"الأمن" فيما سلف 3: 29 ، 4: 87.
(81) "أفلجت فلانا على خصمه" ، إذا غلبته ، و"أفلجه الله عليه" ، آتاه الظفر والفوز والغلبة.
(82) الأثر: 13471 - انظر الأثر التالي رقم: 13475 ، وأن هذه مقالة قوم إبراهيم.
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي أخبر تعالى ذكره عنه أنه قال هذا القول = أعني: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، الآية.
فقال بعضهم: هذا فصلُ القضاء من الله بين إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم، وبين من حاجّه من قومه من أهل الشرك بالله, إذ قال لهم إبراهيم: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ فقال الله تعالى ذكره، فاصلا بينه وبينهم: الذين صدَّقوا الله وأخلصُوا له العبادة, ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم (1) = يعني: بشرك (2) = ولم يشركوا في عبادته شيئًا, ثم جعلوا عبادتهم لله خالصًا، أحقّ بالأمن من عقابه مكروهَ عبادته ربَّه، (3) من الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنامَ, فإنهم الخائفون من عقابه مكروه عبادتهم = أمَّا في عاجل الدنيا فإنهم وجِلون من حلول سخَط الله بهم, وأما في الآخرة، فإنهم الموقنون بأليم عذابِ الله.
* ذكر من قال ذلك:
13473 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، يقول الله تعالى ذكره: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، أي: الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم صلى الله عليه وسلم لعبادة الله وتوحيده =" ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، أي: بشرك =" أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "، الأمن من العذاب، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة. يقول الله تعالى ذكره: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .
13474 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، قال فقال الله وقضى بينهم: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. قال: " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "، فأما الذنوبُ فليس يبري منها أحدٌ.
* * *
وقال آخرون: هذا جوابٌ من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم، حين قال لهم: " أيُّ الفريقين أحق بالأمن " ؟ فقالوا له: الذين آمنوا بالله فوحّدوه أحق بالأمن، إذا لم يلبسوا إيمانهم بظلم.
* ذكر من قال ذلك:
13475 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، أمن يعبد ربًّا واحدًا أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ يقول قومه: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، بعبادة الأوثان, وهي حجة إبراهيم =" أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ". (4)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن أولى الفريقين بالأمن, وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه. وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله, لكانوا قد أقروا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد, ولكنه كما ذكرت من تأويله بَدِيًّا. (5)
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله تعالى بقوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " .
فقال بعضهم: بشرك.
* ذكر من قال ذلك:
13476- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله قال: لما نـزلت هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترونَ إلى قول لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، [سورة لقمان : 13] ؟ (6)
13477- قال أبو كريب قال " ابن إدريس، حدثنيه أوّلا أبي" ، عن أبان بن تغلب, عن الأعمش, ثم سمعتُه قيل له: مِنَ الأعمش؟ قال: نعم! (7)
13478- حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال، حدثني عمي يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله قال: لما نـزلت: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، شقَّ ذلك على المسلمين, فقالوا: يا رسول الله، ما منّا أحدٌ إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس بذلك, ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ (8)
13479- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله قال: لما نـزلت هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما تظنُّون, وإنما هو ما قال لقمان لابنه: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . (9)
13480- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله قال: لما نـزلت هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسُوا إيمانهم بظلم "، شق ذلك على الناس, فقالوا: يا رسول الله, وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: " إنه ليس كما تعنون, ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنما هو الشرك " . (10)
13481 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة في قوله: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك.
13482 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل, عن منصور, عن إبراهيم في قوله: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك .
13483- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله قال: لما نـزلت هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس بذلك, ألم تسمعوا قول لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟
13484 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وابن إدريس, عن الشيباني, عن أبي بكر بن أبي موسى, عن الأسود بن هلال, عن أبي بكر: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. (11)
13485- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبي إسحاق، عن أبي بكر: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. (12)
13486 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سعيد بن عبيد الطائي, عن أبي الأشعر العبدي, عن أبيه: أن زيد بن صوحان سأل سلمان فقال: يا أبا عبد الله، آيةٌ من كتاب الله قد بلغت منِّي كل مبلغ: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ! فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى ذكره. فقال زيد: ما يسرُّني بها أنّي لم أسمعها منك، وأنّ لي مثل كل شيء أمسيتُ أملكه. (13)
13487 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سعيد بن عبيد, عن أبي الأشعر, عن أبيه, عن سلمان قال: بشرك. (14)
13488 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا نسير بن ذعلوق, عن كردوس, عن حذيفة في قوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. (15)
13489- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن رجل, عن عيسى, عن حذيفة في قوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. (16)
13490 - حدثني المثنى قال، حدثنا عارم أبو النعمان قال، حدثنا حماد بن زيد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير وغيره: أن ابن عباس كان يقول: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك .
13491- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، يقول: بكفر.
13492- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه , عن ابن عباس: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، يقول: لم يلبسوا إيمانهم بالشرك. وقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . [سورة لقمان: 13]
13493 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثني أبي قال، حدثنا جرير بن حازم, عن علي بن زيد, عن المسيّب: أن عمر بن الخطاب قرأ : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، فلما قرأها فزع, فأتى أبيّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر، قرأتُ آية من كتاب الله، مَنْ يَسْلم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه = فأيُّنا لا يظلِمُ نفسه؟ فقال: غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. (17)
13494 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد بن جدعان, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس: أن عمر دخل منـزله فقرأ في المصحف، فمرّ بهذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، فأتى أبيًّا فأحبره, فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو الشرك. (18)
13495- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران، عن [ابن مهران]: أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه, فدخل ذات يوم فقرأ, فأتى على هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "، فانفتَل وأخذ رداءه, (19) ثم أتى أبيّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر = فتلا هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " = وقد ترى أنا نظلِم، ونفعل ونفعل! فقال: يا أمير المؤمنين, إن هذا ليس بذاك, يقول الله تعالى ذكره: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، إنما ذلك الشرك. (20)
13496 - حدثنا هناد قال، حدثنا بن فضيل, عن مطرف, عن أبي عثمان عمرو بن سالم قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، فقال عمر: قد أفلح من لم يلبس إيمانه بظلم! فقال أبيّ: يا أمير المؤمنين، ذاك الشرك!
13497- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أسباط, عن محمد بن مطرف, عن ابن سالم قال: قرأ عمر بن الخطاب، فذكر نحوه. (21)
13498 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة في قوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك .
13499- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة, مثله.
13500 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين، عن علي, عن زائدة, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك. (22)
13501 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، أي: بشرك.
13502- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد, عن أبيه, عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة, مثله .
13503 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بعبادة الأوثان.
13504- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13505 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك .
13506 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك.
13507- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الأعمش: أن ابن مسعود قال: لما نـزلت: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، كبُر ذلك على المسلمين, فقالوا: يا رسول الله, ما منا أحدٌ إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما سمعتم قول لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (23)
13508- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: عبادة الأوثان.
13509 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن مسعر, عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن، قال: بشرك. (24)
13510 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: بشرك.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك: فعلُ ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم , لأن الله لم يخصَّ به معنى من معاني الظلم.
* * *
قالوا: فإن قال لنا قائل: أفلا أمْن في الآخرة، إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة , وإلا لمن لقى الله ولا ذنبَ له؟
قلنا: إن الله عنى بهذه الآية خاصًّا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عنى بها وأراده بها، خليلَه إبراهيم صلى الله عليه وسلم, فأما غيره، فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئًا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرًا, فإن شاء لم يؤمنه من عذابه, وإن شاء تفضل عليه فعفا عنه.
قالوا: وذلك قول جماعة من السلف، وإن كانوا مختلفين في المعنيِّ بالآية.
فقال بعضهم: عُني بها إبراهيم.
* * *
وقال بعضهم: عني بها المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. (25)
* * *
* ذكر من قال: عنى بهذه الآية إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم.
13511 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن, عن قيس بن الربيع, عن زياد بن علاقة, عن زياد بن حرملة, عن علي قال: هذه الآية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم خاصة, ليس لهذه الأمة منها شيء. (26)
* * *
* ذكر من قال: عني بها المهاجرون خاصة.
13512 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن, عن قيس بن الربيع, عن سماك, عن عكرمة: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "، قال: هي لمن هاجر إلى المدينة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصحة في ذلك, ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال: الظلم الذي ذكره الله تعالى ذكره في هذا الموضع، هو الشرك. (27)
* * *
وأما قوله: " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "، فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك =" لهم الأمن " يوم القيامة من عذاب الله =" وهم مهتدون "، يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد، والسالكون طريق النجاة. (28)
-----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"لبس" فيما سلف ص: 419 ، تعليق: 1 والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).
(3) في المطبوعة ، أسقط قوله: "ربه".
(4) الأثر: 13475 - انظر الأثر السالف رقم: 13471.
(5) في المطبوعة: "بدءًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب ، أي: أولا.
(6) الأثر: 13476 - حديث عبد الله بن مسعود. من طريق الأعمش ، رواه أبو جعفر من طرق من رقم: 13476 - 13480 ، 13483 ، وانظر رقم: 13507. وحديث عبد الله ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 1: 81 ، 8 : 220) ، بنحوه ورواه مسلم في صحيحه 2: 143 ، 144 ، من طريق عبد الله بن إدريس ، وأبي معاوية ، ووكيع ، جميعًا عن الأعمش. ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش. ورواه أحمد من طرق في مسنده رقم: 3589 ، 4031 ، 4240 ، وسأشير إليه في تخريجها بعد.
(7) الأثر: 13477 - ذكره مسلم في صحيحه أيضًا 2: 144 ، من طريق أبي كريب ، بنحو قوله هذا.
"أبان بن تغلب الربعي" ، ثقة ، قال ابن عدي: "له نسخ عامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة ، وهو من أهل الصدق في الروايات ، وإن كان مذهبه الشيعة ، وهو في الرواية صالح لا بأس به".
[فائدة: قال الحافظ في التهذيب: "التشيع في عرف المتقدمين ، هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان ، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه ، وأن مخالفه مخطئ ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما. وربما اعتقد بعضهم أن عليًا أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان معتقدًا ذلك ، ورعًا دينًا صادقًا مجتهدًا ، فلا ترد روايته بهذا ، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخرين ، فهو الرفض المحض ، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة]. وعلة ذكر هذا الخبر الثاني ، في التعقيب على الخبر الأول أن عبد الله بن إدريس رواه قبل عن الأعمش مباشرة ، وكان رواه قبل عن أبيه ، عن أبان بن تغلب ، عن الأعمش ، لينبه على علو إسناده.
(8) الأثر: 13478 -"عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي الرملي" ، ثقة ، مضى برقم: 300 وعمه: "يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي الرملي" ، ثقة ، مضى برقم: 300 ، 6317 ، 9035.
(9) الأثر: 13489 - رواه أحمد في المسند رقم: 4240 ، من طريق وكيع أيضًا ، بمثله.
(10) الأثر: 13480 - رواه أحمد في المسند رقم: 3589 ، من طريق أبي معاوية أيضًا بمثله.
(11) الأثر: 13484 -"الشيباني" هو: "أبو إسحق الشيباني" ، "سليمان بن أبي سليمان" مضى مرارًا ، آخرها رقم: 8869. و"أبو بكر بن أبي موسى الأشعري" ، ثقة روى له الجماعة ، مترجم التهذيب. و"الأسود بن هلال المحارب" ، "أبو سلام" ، له إدراك ، هاجر زمن عمر ، لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1 ، 449 وابن أبي حاتم 1/1/ 292. ومضى برقم: 10331 ، 10333. وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 3: 27 ، ونسبة للفريابي ، وابن أبي شيبة ، والحكيم الترمذي في الأصول ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.
(12) الأثر: 13485 - أسقط في المطبوعة ذكر: "عن أبي إسحق" ، وهو خبر مرسل.
(13) الأثر: 13486 ، 13487 -"سعيد بن عبيد الطائي" ، "أبو الهذيل" ، وثقه أحمد وابن معين ، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه". مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/455 ، وابن أبي حاتم 2/1/46.
"أبو الأشعر العبدي" ، ذكره البخاري في الكنى: 8 ، وقال: روى عنه خليفة بن خلف. قال أبو نعيم ، عن إسمعيل بن عبيد ، عن أبي الأشعر العبدي ، سمع أباه عن سلمان: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ، قال: بشرك". وهكذا جاء"إسمعيل بن عبيد" ، وأخشى أن يكون صوابه"سعيد بن عبيد" كما في الطبري. ولما سيأتي في الأثر التالي: 13487. وأبو"أبي الأشعر العبدي" ، لم أعرف من هو. و"زيد بن صوحان بن حجر العبدي" ، وهو أخو"صعصعة بن صوحان" ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مذكور في الصحابة ، وكان شديد الحب لسلمان الفارسي. قتل يوم الجمل مع علي رضي الله عنهما. مترجم في ابن سعد 6: 84 ، وقال: ثقة قليل الحديث" ، وفي تعجيل المنفعة: 142 ، والكبير 2/1/363 ، وابن أبي حاتم 1/2/565.
* * *
وعند آخر الأثر رقم: 13486 ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: يتلوهُ: حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي ، عن سعيد بن عبيد
وصلى الله على محمد النبيّ وآله وسلم كثيرًا"
ويبدأ بعد بما نصه:
"بسم الله الرَّحمن الرحيم رَبِّ أَعِنْ يا كَريم"
(14) الأثر: 13487 - انظر التعليق السالف.
(15) الأثر: 13488 -"نسير بن ذعلوق الثوري" ، ثقة ، مضى برقم: 5491.
و"كردوس" هو"كردوس بن العباس الثعلبي" ، يروي عن حذيفة ، مضى برقم: 13255 - 13257. وكان في المطبوعة: "درسب" غير ما في المخطوطة ، وكان فيها هكذا: "ددوس" ، وهذا صواب قراءته إن شاء الله.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 27 ، ونسبه للفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي شيبة ، وأبي عبيد ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ. وسيأتي بإسناد آخر بعد هذا.
(16) الأثر: 13489 -"أبو إسحق الكوفي" ، هو: "عبد الله بن ميسرة الحارثي" ، مضى برقم: 9250.
(17) الأثر: 13493 - هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة: "عن المسيب" ، ولا أدري ما هو ، ولكني أرجح أن الصواب"عن سعيد بن المسيب" ، أو "عن ابن المسيب" ، فإن"علي بن زيد بن جدعان" يروي عنه ، ولأني لم أجد فيمن اسمه"المسيب" ، من روى عنه"علي بن زيد" وروى هو عن"عمر بن الخطاب".
(18) الأثر: 13494 -"يوسف بن مهران البصري" ، مضى برقم: 2858: 11373.
(19) في المطبوعة: "فاشتغل" ، وفي المخطوطة"فاسقل" ، وفي الدر المنثور 3: 27"فانتقل" وكان ذلك لا معنى له ، وكأن الصواب ما أثبت. يقال: "انفتل الرجل عن صلاته" ، إذا انصرف ، وهو من قولهم: "فتله عن وجهه فانفتل" ، أي: صرفه فانصرف.
(20) الأثر: 13495 - هكذا جاء في المخطوطة: "عن ابن مهران" ، وفي المطبوعة: "عن مهران" ، وهما خطأ صرف فيما أرجح ، وإنما هذا حديث ابن عباس ، فالصواب إن شاء الله: "عن ابن عباس" ، وهو نفس الأثر الذي قبله ، ولكني تركته كذلك كما هو في المخطوطة ، ووضعت ما شككت فيه بين القوسين.
(21) الأثر: 13496 ، 13497 -"أبو عثمان ، عمرو بن سالم الأنصاري" ، معروف بكنيته ، وقد مضى برقم: 8950. وقوله في الأثر الثاني"محمد بن مطرف" ، خطأ فيما أرجح ، وإنما هو"مطرف بن طريف" ، كما في الأثر السالف. ولذلك وضعت"محمد بن" بين قوسين.
(22) الأثر: 13500 -"الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي" ، روى عن إبراهيم النخعي ، وأبي الضحي ، والشعبي. سمع منه الثوري ، وزائدة ، وحفص بن غياث ، وغيرهم ، ثقة ، مضى في الإسناد رقم: 78. مترجم في التهذيب ، والكبير1/2/295 ، وابن أبي حاتم 1/2/23.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "الحسن بن عبد الله" ، وهو خطأ محض.
(23) الأثر: 13507 - مضى هذا الخبر موصولا من طريق الأعمش ، من طرق ، من رقم: 13476 - 13480 ، 13483 ، فراجعه هناك.
(24) الأثر: 13509 -"أبو حصين" هو: "عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 8962. و"أبو عبد الرحمن" هو"السلمي": "عبد الله بن حبيب بن ربيعة" ، مضى برقم: 82.
(25) في المطبوعة: "المهاجرين" ببناء"عني" للمفعول ، وأثبت ما في المخطوطة ، "عني" بالبناء للمجهول.
(26) الأثر: 13511 -"زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي" ، ثقة ، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/333 ، وابن أبي حاتم 1/2/540. وأما "زياد بن حرملة" ، فلم أجد له ذكرًا في شيء من الكتب ، ومع ذلك فقد جاء كذلك في المستدرك للحاكم. وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 316 ، بإسناده عن أبي حذيفة ، عن سفيان ، عن زياد بن علاقة ، عن زياد بن حرملة قال: سمعت علي بن أبي طالب. وذكر الخبر ، وفيه: "هذه في إبراهيم وأصحابه". ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وإنما اتفقا على حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أنهم قالوا: يا رسول الله ، وأينا لم يظلم نفسه ، الحديث بطوله ، بغير هذا التأويل". ولم يعقب عليه الذهبي بشيء ، وظني أنه ترك التعقيب عليه ، رجاء الظفر بخبر عن"زياد بن حرملة" هذا. والخبر ضعيف. لجهالة"زياد بن حرملة" حتى يعرف من هو؟
ونسبه السيوطي في الدر المنثور 3: 27 للفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والحاكم ، وابن مردويه ، وقصر في نسبته إلى ابن جرير.
(27) انظر الآثار السالفة رقم: 13476 - 13480 ، 13483.
(28) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدي).