At-Tabari
· An-NisaaOpen in readerوَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمنًا عامدًا قتله، مريدًا إتلاف نفسه=" فجزاؤه جهنم "، يقول: فثوابه من قتله إياه (44) =" جهنم "، يعني: عذاب جهنم=" خالدًا فيها "، يعني: باقيًا فيها (45) = و " الهاء " و " الألف " في قوله: " فيها " من ذكر " جهنم "=" وغضب الله عليه "، يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمدًا (46) =" ولعنه " يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه (47) =" وأعد له عذابًا عظيمًا "، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.
* * *
واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبُه أن يسمى متعمِّدًا، بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجلٌ رجلا بحدِّ حديد يجرح بحدِّه، أو يَبْضَع ويقطع، (48) فلم يقلع عنه ضربًا به حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصدٌ ضربَه: أنه عامدٌ قتلَه. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك. فقال بعضهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا.
*ذكر من قال ذلك:
10174- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: " العَمد "، السلاح= أو قال: الحديد= قال: وقال سعيد بن المسيب: هو السلاح.
10175- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وما كان بدون حديدة، فهو شبه العمد، لا قَوَد فيه.
10176- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وشبه العمد ما كان بَخَشبة. وشبه العمد لا يكون إلا في النفس. (49)
10178- حدثني أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: من قتل في عصبيّة، في رمي يكون منهم بحجارة، أو جلد بالسياط، أو ضرب بالعصى، فهو خطأ، ديته دية الخطأ. ومن قتل عمدًا فهو قَوَد يَدِه. (50)
10179- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، ومغيرة، عن الحارث وأصحابه، في الرجل يضرب الرجل فيكون مريضًا حتى يموت، قال: أسأل الشهودَ أنه ضربه، فلم يزل مريضًا من ضربته حتى ماتَ، فإن كان بسلاح فهو قَوَد، وإن كان بغير ذلك فهو شِبْه العمد.
* * *
وقال آخرون: كلّ ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل. (51)
*ذكر من قال ذلك:
10180- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، عن عبيد بن عمير أنه قال: وأي &; 9-59 &; عمد هو أعمد من أن يضرب رجلا بعصا، ثم لا يقلع عنه حتى يموت؟. (52)
10181- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم قال: إذا خنقه بحبل حتى يموت، أو ضربه بخشبة حتى يموت، فهو القَوَد.
* * *
وعلة من قال: " كل ما عدا الحديد خطأ "، ما:-
10182- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرْش؟ (53)
* * *
وعلة من قال: " حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء، حكم السيف، في أنّ من قتل به قتيلُ عمد "، ما:-
10183- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاحٍ لها بين حجرين، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بين حجرين. (54)
* * *
قالوا: فأقاد النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر، وذلك غير حديدٍ. قالوا: وكذلك حكم كل من قتل رجلا بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثلَ المقتول به، نظيرُ حكم اليهوديِّ القاتلِ الجارية بين الحجرين.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: كل من ضرب إنسانًا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسَه به: أنه قاتل عمدٍ، ما كان المضروب به من شيء (55) للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما قوله: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها "، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه. فقال بعضهم معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه.
*ذكر من قال ذلك:
10184- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.
10185- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله قال، حدثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: جزاؤه جهنم إن جازاه.
* * *
وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا. قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا مستحلا قتلَه، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها.
*ذكر من قال ذلك:
10186- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله= قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ (56) = وكان أيِّدًا (57) = فضرب به الأرض، &; 9-62 &; ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى:
ثَــأَرْتُ بِـهِ فِهْـرًا, وَحَـمَّلْتُ عَقْلَـهُ
سَـرَاةَ بَنِـي النَّجَّـارِ أَرْبَـابِ فَـارِعِ (58)
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح= قال ابن جريج: وفيه نـزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، الآية .
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب.
*ذكر من قال ذلك:
10187- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير= قال: سألت ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة &; 9-63 &; له = فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من نَدم.
* * *
وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيدَ لقاتل المؤمن متعمّدًا، كائنًا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا: فكل قاتل مؤمن عمدًا، فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا: نـزلت هذه الآية بعد التي في" سورة الفرقان ".
*ذكر من قال ذلك:
10188- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفَّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: " جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضبَ الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ". قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمِل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلتْه أمه! وأنَّى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه! رجل قتل رجلا متعمدًا جاء يوم القيامة آخذًا بيمينه أو بشماله، تَشْخَبُ أوداجه دمًا، في قُبُل عرش الرحمن، يَلزم قاتلَه بيده الأخرى يقول: سلْ هذا فيم قتلني؟ ووالذي نفس عبد الله بيده، لقد أنـزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قُبض نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وما نـزل بعدها من برهان. (59)
10189- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد: عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا "، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحًا! فقال: وأنَّى له التوبة! (60)
10190- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا همام، عن يحيى، عن رجل، عن سالم قال: كنت جالسًا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلا قتل مؤمنًا متعمدًا، أين منـزله؟ قال: " جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا ". قال: أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنَّى له الهدى، ثكلته أمه؟ والذي نفسي بيده لسمعته يقول= يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم= يجيء يوم القيامة مُعَلِّقًا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذًا صاحبه بيده الأخرى، تشخَبُ أوداجه حِيَال عرش الرحمن، يقول: يا رب، سلْ عبدك هذا عَلام قتلني؟ فما جاء نبيّ بعد نبيِّكم، ولا نـزل كتابٌ بعد كتابكم. (61)
10191- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا عمار بن رُزيق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: بنحوه= إلا أنه قال في حديثه: فوالله لقد أنـزلت على نبيكم، ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول: ويل لقاتل المؤمن، يجيء يوم القيامة آخذًا رأسه بيده= ثم ذكر الحديث نحوه. (62)
10192- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، فقال: لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [سورة الفرقان: 68]. قال: نـزلت في أهل الشرك.
10193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه. (63)
10194- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حُدّثت عن سعيد بن جبير: أن عبد الرحمن بن أبزى أمَره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في" النساء ": &; 9-66 &; " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " إلى آخر الآية= والتي في" الفرقان ": وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا إلى وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبة له. وأما التي في" الفرقان "، فإنها لما أنـزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدَلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام! قال فنـزلت: إِلا مَنْ تَابَ الآية (64)
10195- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: ما نسخها شيء.
10196- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي من آخر ما نـزلت، ما نسخها شيء.
10197- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت إلى ابن عباس فسألته فقال: لقد نـزلت في آخر ما أنـزل من القرآن، وما نسخها شيء. (65)
10198- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس معاوية بن قرّة قال، أخبرني شهر بن حوشب قال، سمعت ابن عباس يقول: نـزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " بعد قوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، بسنةٍ.
10199- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن ابن عباس قال: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " ، قال: نـزلت بعد إِلا مَنْ تَابَ ، بسنة.
10200- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قاتل المؤمن: نـزلت بعد ذلك بسنة. فقلت لأبي إياس: من أخبرك؟ فقال: شهر بن حَوْشب.
10201- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله.
10202- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " الآية، قال عطية: وسئل عنها ابن عباس، فزعم أنها نـزلت بعد الآية التي في" سورة الفرقان " بثمان سنين، وهو قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله: غَفُورًا رَحِيمًا .
10203- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن مطرف عن أبي السفر، عن ناجية، عن ابن عباس قال: هما المبهمتان: الشرك والقتل. (66)
10204- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله سبحانه يقول: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ".
10205- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه الكوفيين، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة.
10206- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثني هياج بن بسطام، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت قال: نـزلت " سورة النساء " بعد " سورة الفرقان " بستة أشهر. (67)
10207- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: يأتي المقتول يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه وأوداجه تشخَب دمًا، يقول: يا ربِّ، دمي عند فلان! فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضى بينهما. ثم نـزع بهذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها " الآية ، قال ابن عباس: والذي نفسي بيده، ما نسخها الله جل وعز منذ أنـزلها على نبيَّكم عليه السلام. (68)
10208- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، &; 9-69 &; عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال، سمعت أباك يقول: نـزلت الشديدةُ بعد الهيِّنة بستة أشهر، قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، إلى آخر الآية، بعد قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى آخر الآية، [سورة الفرقان، 68].
10209- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد قال: سمعت أباك في هذا المكان بمنَى يقول: نـزلت الشديدة بعد الهينة= قال: أراه: بستة أشهر، يعني: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " بعد: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [سورة النساء: 48 ، 116].
10210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: ما نسخها شيء منذ نـزلت، وليس له توبة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، (69) قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، (70) فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [سورة الزمر: 53].
* * *
فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكرُه قد أخبر &; 9-70 &; أنه غير غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [سورة النساء: 48 ، 116]، والقتل دون الشرك. (71)
---------------
الهوامش :
(44) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 / 6: 576.
(45) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف 6: 577 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(46) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189 / 2 : 138 ، 347 / 7 : 116.
(47) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 ، 329 / 3 : 254 ، 261 / 6: 577 / 8 : 439 ، 471.
(48) "بضع اللحم يبضعه": قطعه.
(49) سقط من الترقيم رقم: 10177.
(50) في المطبوعة: "قود يديه" ، وأثبت ما في المخطوطة. وقوله: "قود يده" ، أي قود بما جنت يده.
(51) في المطبوعة والمخطوطة: "إذا كان الذي ضرب الأغلب" ، والسياق يقتضي إثبات"به" حيث أثبتها.
(52) الأثر: 10180 -"حبان بن أبي جبلة القرشي ، مولاهم ، المصري. روى عن عمرو بن العاص ، والعبادلة إلا ابن الزبير ، مضت ترجمته برقم: 2195.
أما "عبد الرحمن بن يحيى" ، فلم أعرف من هو ، وأخشى أن يكون"صوابه" عبد الرحمن بن أنعم ، وهو: "عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن ذري بن يحمد الإفريقي" ، وسلفت ترجمته برقم 2195 ، وروايته أيضًا عن"حبان بن أبي جبلة".
(53) الحديث: 10182 - سفيان: هو الثوري.
جابر: هو ابن يزيد الجعفي. وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب ، كما بينا في: 2340. أبو عازب: رجل كوفي غير معروف. قيل: اسمه"مسلم بن عمرو" ، وقيل: "مسلم بن أراك". لم يرو عنه غير جابر الجعفي -هذا- و"الحارث بن زياد".
و"الحارث بن زياد" -هذا-: لا يعرف أحدًا ، فإنه هو مجهول. ترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 75. وروى عن أبيه أنه قال: "هو مجهول". ولم يترجم له البخاري.
وأما أبو عازب: فقد ترجم له البخاري في الكبير 4 / 1 / 268 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 190 - كلاهما في اسم"مسلم بن عمرو".
وهو -على الرغم من هذا- لا يزال مجهولا ، إذ لم يرو عنه ثقة معروف.
والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 272 (حلبي) ، عن وكيع ، بهذا الإسناد. ولكن بلفظ"لكل شيء خطأ" بزيادة اللام في"كل".
ثم رواه 4: 275 (حلبي) ، عن أحمد بن عبد الملك ، عن زهير ، عن جابر -وهو الجعفي- به ، بلفظ"كل شيء خطأ إلا السيف ، وفي كل خطأ أرش".
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 8 : 42 ، بثلاثة أسانيد ، من طريق جابر الجعفي ثم رواه بإسناد آخر ، من طريق قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم بن بنت النعمان بن بشير ، عن النعمان. ثم قال: "مدار هذا الحديث على جابر الجعفي ، وقيس بن الربيع ، ولا يحتج بهما".
وذكره الزيلعي في نصب الراية 4: 333 ، من رواية المسند. وأعله بما قاله صاحب التنقيح: "وعلى كل حال فأبو عازب ليس بمعروف". ثم نقل تعليله عن البيهقي في المعرفة بمثل ما أعله به في السنن الكبرى. ولم يعقب عليهما.
(54) الحديث: 10183 - هذا مختصر من حديث صحيح متفق عليه.
رواه البخاري 12: 174 -175 ، 187-188 ، ومسلم 2: 27 -كلاهما من طريق همام ، عن قتادة ، عن أنس.
ورواه البخاري أيضًا 12: 176 ، 180 ، ومسلم 2: 26-27 ، من أوجه أخر عن أنس.
وذكره المجد بن تيمية في المنتقى: 3915 ، وقال: "رواه الجماعة" - يعني الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة.
="الأوضاح" جمع وضح (بفتحتين) ، وهو الدرهم الصحيح. ثم اتخذ حلي من الدراهم الصحاح من الفضة ، فقيل لها"أوضاح".
(55) قوله: "ما كان المضروب به من شيء" يعني: أي شيء كان المضروب به.
(56) "مقيس الفهري" ، والأشهر"السهمي" ، وهو واحد ، لأنه من بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
(57) "الأيد" على وزن"سيد" الشديد القوي ، من"الأيد" (بفتح فسكون) وهو القوة.
(58) سيرة ابن هشام 3: 305 ، 306 ، تاريخ الطبري 3: 66 ، معجم البلدان (فارع) ، وهو آخر أبيات أربعة هي:
شَـفَى النَّفْسَ أَنْ قَـدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا
تُضَــرِّجُ ثَوْبَيْــهِ دِمَـاءُ الأَخَـادِعِ
وَكَـانَتْ هُمُـومُ النَّفْسِ مِـنْ قَبْـلِ قَتْلِهِ
تُلِـمُّ فَتَحْــمِينِي وِطَـاءَ الْمَضَـاجِعِ
حَـلَلْتُ بِـهِ وِتـرِي، وَأَدْرَكْـتُ ثُؤْرَتِي
وَكُــنْتُ إِلَـى الأَوْثَـانِ أَوَّلَ راجِـعِ
ثَــأَرْتُ بِــهِ فِهْــرًا.............
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "قتلت به فهرًا" ، وليس صوابًا ، إنما قتل قاتل أخيه هشام بن صبابة ، قالوا: اسمه"أوس" ، لا"فهر". أما "فهر" في قوله: "ثأرت به فهرًا" فإنه يعني أبناء فهر ، وهم رهطه ، أدرك ثأرهم بقتله الأنصاري. وفي مطبوعة تاريخ الطبري"قهرًا" بالقاف ، والصواب بالفاء. و"فارع" أطم بالمدينة لبني النجار ، كان لحسان بن ثابت رحمه الله ، ذكره في شعره.
(59) الأثر: 10188 -"يحيى الجابر" هو"يحيى بن المجبر" ، وهو: يحيى بن عبد الله بن الحارث المجبر التيمي وثقه أخي السيد أحمد في المسند.
ورواه أحمد في المسند رقم: 2142 بطوله ، وهو حديث صحيح ، من طريق محمد بن جعفر عن شعبة ، عن يحيى بن المجبر التيمي. ثم رواه برقم: 2683 ، ورواه مختصرًا برقم: 1941 ، 3445 وانظر ابن كثير 2: 537-539.
وقوله: "تشخب أوداجه دما" ، أي تسيل دمًا له صوت في خروجه ، و"الشخب" ، ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة ، ويكون لمخرجه صوت عند الحلب. و"الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين) ، وهي العروق التي تكتنف الحلقوم ، وما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح.
وقوله: "في قبل عرش الرحمن" ، "قبل" (بضم فسكون) ، أو (بفتحتين) أو (بضمتين) كل ذلك جائز ، وهو الوجه ، أو ما يستقبلك من شيء ، ويعني به ما بين يدي العرش حيث يستقبله الناظر.
(60) الأثر: 10189 -"أبو خالد" الأحمر ، هو سليمان بن حيان الأزدي ، مضى برقم: 3956 ، ورواية سفيان بن وكيع عنه برقم: 2472.
و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، وانظر رقم: 3956.
و"يحيى بن الحارث التيمي" هو"يحيى الجابر" ، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث" نسب إلى جده ، ومضى في الأثر السالف.
وهذا الأثر مختصر الذي قبله.
(61) الأثر: 10190 -"موسى بن داود الضبي الطرسوسي" ، من شيوخ أحمد وعلي بن المديني. ثقة صاحب حديث ، ولي قضاء طرسوس إلى أن مات بها.
و"همام" هو ابن يحيى بن دينار الأزدي ، روى عن عطاء وقتادة وابن سيرين. روى عن الثوري ، وهو من أقرانه. ثقة.
وهذا الأثر طريق آخر للأثر السالف بمعناه ، وجعل بين يحيى الجابر ، وسالم بن أبي الجعد"رجلا" ، ويحيى قد سمع سالمًا ، فلا يضر أن يكون سمعه أيضًا من رجل عن سالم.
(62) الأثر: 10191 -"عمار بن رزيق الضبي" ، أبو الأحوص. روى عن أبي إسحاق السبيعي والأعمش وعطاء بن السائب ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "عمان بن زريق" بالنون في"عمار" وبتقديم الزاي على الراء ، وهو خطأ.
(63) الأثر: 10192 ، 10193 - رواه مسلم (18 : 158) والبخاري (فتح 8 : 380) من طريق محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، كالإسناد الثاني.
(64) الأثر: 10194 - رواه البخاري (فتح 8: 379) ومسلم (18 : 159). رواه البخاري من طريق سعد بن حفص ، عن شيبان ، عن منصور. ورواه مسلم من طريق هارون بن عبد الله ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم الليثي ، عن أبي معاوية شيبان.
وأسقطت المخطوطة: "وأتينا الفواحش". وليس فيها كلمة"الآية" في آخر الأثر.
(65) الآثار 10195 - 10197 - هذه الآثار ، رواها البخاري في صحيحه (فتح 8 / 379) ومسلم (18 : 158). وقد استقصى الحافظ ابن حجر الكلام فيها في الفتح. وكان في المطبوعة: "لقد نزلت في آخر ما نزل" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(66) يعني بقوله: "المبهمتان" ، يعني: الآيتان اللتان لا مخرج منهما ، كأنها باب مبهم مصمت ، أي: مستغلق لا يفتح ، ولا مأتى له. وذلك أن الشرك والقتل ، جزاؤه التخليد في نار جهنم ، أعاذنا الله منها. ومثله في الحديث: "أربع مبهمات: النذر والنكاح والطلاق والعتاق" ، وفسرته رواية أخرى: "أربع مقفلات" ، أي: لا مخرج منها ، كأنها أبواب مبهمة عليها أقفال. وقد مضى تفسير"المبهم" فيما سلف 8: 143 ، تعليق: 2 ، بغير هذا المعنى ، فانظره.
(67) الأثر: 10206 -"هياج بن بسطام الهروي" ، مضت ترجمته برقم: 9603.
(68) الأثر: 10207 -"ابن البرقي" ، هو"أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي" سلف برقم : 22 وكان في المطبوعة"ابن الرقي" وهو خطأ.
و"ابن أبي مريم" ، هو"سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي" ، مضى برقم: 22 ، وغيره من المواضع.
وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.
(69) في المطبوعة: "وأولى القول في ذلك" ، والصواب من المخطوطة.
(70) في المطبوعة: "يعفو أو يتفضل" ، والصواب من المخطوطة.
(71) في المخطوطة: "ولا نقبل دون الشرك" ، وهو خطأ محض ، والصواب ما في المطبوعة.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٩٤﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم=" إذا ضربتم في سبيل الله "، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم (72) =" فتبينوا "، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، (73) ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله=" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلاَم "، (74) يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم (75) =" لست مؤمنًا "، فتقتلوه ابتغاء=" عرض الحياة الدنيا "، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، (76) فإن=" عند الله مغانم كثيرة "، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده=" كذلك كنتم من قبل "، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له (77) " لست مؤمنًا " فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم. وقد قيل إن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل " كنتم كفارًا مثلهم=" فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه. وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم (78) =" فتبينوا "، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. (79) =" إن الله كان بما تعملون خبيرًا "، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم=" خبيرًا "، يعني: ذا خبرة وعلم به، (80) يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته. (81)
* * *
وذكر أن هذه الآية نـزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال: " إنيّ مسلم " = أو بعد ما شهد شهادة الحق= أو بعد ما سلَّم عليهم= لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه.
ذكر الرواية والآثار في ذلك: (82)
10211- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال (83) بعث النبي صلى الله عليه وسلم محلِّم بن جثَّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية، (84) فرماه محلم بسهم، فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا! (85) فقال عيينة: لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي (86) فجاء محلِّم في بُرْدين، (87) فجلس بين يديْ رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك! فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْديه، فما مضت به سابعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم &; 9-73 &; فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم! ولكن الله جل وعز أراد أن يَعِظكم. ثم طرحوه بين صَدفَيْ جبل، (88) وألقوا عليه من الحجارة، ونـزلت: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية (89)
10212- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، (90) عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضَمٍ، (91) فخرجت في نَفَرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، ومحلِّم بن جَثَّامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيِّعٌ له، ووَطْبٌ من لبن. (92) فلما مر بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتَيِّعَه. فلما قدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، (93) نـزل فينا القرآن: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرِبتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمنًا "، الآية (94)
10213- حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا المحاربي عبد الرحمن &; 9-75 &; بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه. (95)
10214- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق ناسٌ من المسلمين رجلا في غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم! فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيْمة، فنـزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة. (96)
10215- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.
10216- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو،عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا ثم ذكر مثله. (97)
10217- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذَ منكم! فَعَمَدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " إلى آخر الآية .
10218- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. (98)
10219- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سريَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيّه= يعني قومه= ففرّوا، وأقام الرجل لا يخافُ المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولُ المؤمنون: " لست مؤمنًا "، وقد ألقى السلام فيقتلونه، فقال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، إلى " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، يعني: تقتلونه إرادةَ أن يحلَّ لكم ماله الذي وجدتم معه -وذلك عرضُ الحياة الدنيا- فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه " مِرْداس "، جَلا قومه هاربين من خيلٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني لَيْث اسمه " قُليب "، (99) ولم يجلُ معهم، (100) وإذْ لقيهم مرداس فسلم عليهم قتلوه، (101) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
10220- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية، قال: وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم " ، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، (102) فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، (103) وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنـزل الله جل وعز في شأنه: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا. (104)
10221- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا "، (105) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: " السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ". فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله "، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! (106) فأنـزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، فلما بلغ: " فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: " لا إله إلا الله "، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
10222- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين فَحَمَل عليه، فقال له المشرك: " إنّي مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله "، فقتله المسلم بعد أن قالها. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: أقتلته، وقد قال لا إله إلا الله؟ فقال، وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قالها متعوذًا، وليس كذلك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا شققت عن قلبه؟ ثم ماتَ قاتلُ الرجل فقُبر، فلفظته الأرض. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فُعل به ذلك ثلاث مرات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض أبتْ أن تقبَله، فألقوه في غارٍ من الغيران= قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تَقْبَل من هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عِبْرَة.
10223- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قومًا من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غُنَيْمة له، فقال: " السلام عليكم، إنِّي مؤمن "، فظنوا أنه يتعوّذ بذلك، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمته. قال: فأنـزل الله جل وعز: " ولا تقولوا لمن &; 9-80 &; ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة=" كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ".
10224- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، قال: خرج المقداد بن الأسود في سريّة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فمُّروا برجل في غُنَيْمة له، فقال: " إنّي مسلم "، فقتله المقداد. (107) فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، قال: الغنيمة. (108)
10225- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نـزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء=
= فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، (109) ثم قال في الخبر:
= ونـزل الفرقان: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، فقرأ حتى بلغ: " لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا =" فعند الله مغانم كثيرة "، خير من تلك الغنم، إلى قوله: " إن الله كان بما تعملون خبيرًا ".
10226- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه، (110) وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: " السلام عليكم، فإني مؤمن ".
10227- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: " لست مؤمنًا "، كما حرم عليهم الميْتَة، فهو آمن على ماله ودمه، لا تردّوا عليه قوله.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فَتَبَيَّنُوا ".
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين وبعضُ الكوفيين والبصريين: ( فَتَبَيَّنُوا ) بالياء والنون، من " التبين " بمعنى، التأني والنظر والكشف عنه حتى يتَّضح. (111)
وقرأ ذلك عُظْم قرأة الكوفيين: ( فَتَثَبَّتُوا )، بمعنى التثبُّت، الذي هو خلاف العَجَلة.
قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ. لأن " المتثبت " متبيّن، و " المتبيِّن " متثبِّت، فبأي القراءتين قرأ القارئ، فمصيبٌ صوابَ القراءة في ذلك.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ". (112)
فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين والكوفيين: ( السَّلَمَ ) بغير ألف، بمعنى الاستسلام.
* * *
وقرأ بعض الكوفيين والبصريين: ( السَّلامَ ) بألف، بمعنى التحية.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ( لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) ، بمعنى: من استسلم لكم، مذعنًا لله بالتوحيد، مقرًّا لكم بملَّتكم.
وإنما اخترنا ذلك، لاختلاف الرواية في ذلك: فمن راوٍ رَوى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال: " إنّي مسلم " = ومن راوٍ رَوى أنه قال: " السلام عليكم "، فحياهم تحية الإسلام= ومن راوٍ رَوى أنه كان مسلمًا بإسلامٍ قد تقدم منه قبل قتلهم إياه= وكل هذه المعاني يجمعه " السَّلَم "، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى " السَّلم " جامع جميع المعاني التي رُويت في أمر المقتول الذي نـزلت في شأنه هذه الآية وليس ذلك في" السلام "، (113) لأن " السلام " لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية. فلذلك وصفنا " السلم "، بالصواب.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " كذلك كنتم من قبل ".
فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم، فمنَّ الله عليكم.
*ذكر من قال ذلك:
10228- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن &; 9-83 &; جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: " كذلك كنتم من قبل "، تستخفون بإيمانكم، (114) كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.
10229- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " كذلك كنتم من قبل "، تكتمون إيمانكم في المشركين.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه، بعد ما ألقى إليكم السلم، (115) كافرًا، كنتم كفارًا، فهداه كما هداكم.
*ذكر من قال ذلك:
10230- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم "، كفارًا مثله=" فتبينوا ".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بين أظهر قومه من المشركين مستخفيًا بدينه منهم.
وإنما قلنا: " هذا التأويل أولى بالصواب "، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلم ولم يُقَدْ به قاتلوه، (116) للبْس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى &; 9-84 &; السلم إلى المؤمنين تعوّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركًا فيقال: " كما كان كافرًا كنتم كفارًا "، بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدًا من خلقه على قتل محارِبٍ لله ولرسوله من أهل الشرك، بعد إذنه له بقتلِه.
واختلف أيضًا أهل التأويل في تأويل قوله: " فمنّ الله عليكم ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك. (117)
*ذكر من قال ذلك:
10231- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " فمن الله عليكم "، فأظهر الإسلام.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم= أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلم (118) طلبَ عرض الحياة الدنيا= بالتوبة من قتلكم إياه.
*ذكر من قال ذلك:
10232- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فمن الله عليكم "، يقول: تاب الله عليكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدِّلالة على أن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل "، ما وصفنا قبل. فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك: " فمن الله عليكم "، فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك. (119)
* * *
---------------
(72) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ص: 17 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(73) في المخطوطة: "فلما تعلموا" ، وهو خطأ.
(74) كان في المطبوعة هنا ، "السلام" ، كقراءتنا اليوم في مصحفنا ، والسلام التحية ، وهي إحدى القراءتين ، ولكن تفسير أبي جعفر بعد ، هو تفسير"السلم" ، وهو الاستسلام والانقياد ، وهي القراءة الأخرى التي اختارها. فكتابتها هنا"السلام" خطأ. لا يصح به المعنى من تفسيره.
(75) انظر تفسير"السلم" فيما سلف ص: 23 ، 24 ، 29 ومادة"سلم" من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
(76) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف 8 : 316 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(77) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.
(78) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.
(79) انظر تفسير"من" فيما سلف 7: 369.
(80) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
(81) في المطبوعة: "جزاء المحسن بإحسانه.." ، وهو غير مستقيم ، والصواب من المخطوطة.
(82) في المطبوعة: "والآثار بذلك" ، والصواب من المخطوطة.
(83) في المطبوعة: "عن نافع أن ابن عمر" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(84) في المطبوعة: "إحنة في الجاهلية" ، وهو صواب ، و"الإحنة": الحقد في الصدر. من"أحن" وأما "حنة" كما أثبتها من المخطوطة ، فهي من"وحن" ، وهي أيضًا الحقد. وقد سلف التعليق على هذه اللفظة ، حيث وردت في الأثر رقم 2195 ، في الجزء الثالث: 152 ، 153 ، تعليق: 2. وقد ذكرت هناك إنكار الأصمعي"حنة" ، وزعم الأزهري أنها ليست من كلام العرب. وهذا دليل آخر على صواب هذه الكلمة ، وأن الذي قاله الأزهري ليس بشيء.
(85) في ابن كثير 2: 546 : "سر اليوم وغر غدا" وهو خطأ محض.
(86) في المخطوطة: "حتى تذوق بكاؤه" وهو تحريف من الناسخ ، والصواب من السياق ومن تفسير ابن كثير.
(87) في المخطوطة: "في برد" ، والصواب من ابن كثير ، وكما صححه في المطبوعة من سياق الخبر.
(88) "الصدف" (بفتحتين): جانب الجبل الذي يقابلك منه. والصدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل.
(89) الأثر: 10211 - في تفسير ابن كثير 2: 546 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 200 مختصرًا.
(90) في المطبوعة: "عن يزيد عن عبد الله بن قسيط" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسائر المراجع.
(91) "إضم": واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر ، من عند المدينة ، وهو واد لأشجع وجهينة.
(92) "القعود": هو البكر من الإبل ، حين يمكن ظهره من الركوب ، وذلك منذ تكون له سنتان حتى يدخل في السادسة. و"متيع" تصغير"متاع": وهو السلعة ، وأثاث البيت ، وما يستمتع به الإنسان من حوائجه أو ماله. و"الوطب": سقاء اللبن.
(93) في المطبوعة: "وأخبرناه" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.
(94) الأثر: 10212 - هذا الأثر رواه ابن إسحاق في سيرته ، سيرة ابن هشام 4: 275 ، ورواه أحمد في مسنده 6: 11 ، وابن سعد في الطبقات 4 / 2 / 22 و2 / 1 / 96 (بغير إسناد) ، والطبري في تاريخه 3: 106 ، وابن عبد البر في الاستيعاب: 285 ، وابن الأثير في أسد الغابة 3 : 77 ، وابن كثير في تفسيره 2: 545 ، والحافظ ابن حجر في ترجمة"عبد الله بن أبي حدرد" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 199 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، والطبراني ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي نعيم والبيهقي ، وكلاهما في الدلائل.
وفي إسناد هذا الأثر اضطراب شديد أرجو أن أبلغ في بيانه بعض ما أريد في هذا المكان.
1- وإسناد محمد بن إسحاق في سيرة ابن هشام: "حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
2- وإسناد أحمد في مسنده: "حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق (وفي المطبوعة: عن إسحاق ، خطأ صوابه من تفسير ابن كثير) ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
3- وإسناد الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد= وقال بعضهم: عن ابن القعقاع= عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد".
4- وإسناد ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمد بن عمر قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه".
والأسانيد الثلاثة الأولى ، وإسناد الطبري في التفسير ، جميعها من طريق محمد بن إسحاق ، وقد اتفق إسناد أحمد وإسناد ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
وأما إسنادا الطبري فقد خالف ما اتفق عليه أحمد وابن هشام في السيرة ، فجاء في التفسير هنا"عن أبي القعقاع" لا"عن القعقاع" ، ثم زاد الطبري الأمر إشكالا في التاريخ فقال"عن أبي القعقاع.. عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد" ، فزاد"عن أبيه" ، ولا ذكر لها في تفسيره ، ولا في سائر الأسانيد ، والظاهر أنه خطأ ، وأن صوابه كما في التفسير"عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".
وأما إسناد ابن سعد ، فقد خالف هذا كله فجعل مكان"القعقاع" ، أو "أبي القعقاع" ، "عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد" ، ولم أجد لعبد الرحمن هذا ذكرًا في كتب تراجم الرجال. وجاء ابن عبد البر في الاستيعاب 2: 452 ، بما هو أغرب من هذا ، فسماه"عبد ربه بن أبي حدرد الأسلمي" ، وليس له ذكر في كتاب. ولكني وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 228"عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي" ، سمع أبا هريرة. روى عنه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المديني. ولا أظنه هذا الذي في إسناد ابن سعد. (انظر أيضًا تهذيب التهذيب 6: 160).
وأما "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" فقد ترجم البخاري في الكبير 4 / 1 / 187 ، لصحابي هو"القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي" وامرأته"بقيرة" ، وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ، أخو"عبد الله بن أبي حدرد" ثم عقب البخاري على هذه الترجمة بقوله: "ويقال: القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، ولا يصح" ، يعني أنه هذا الأخير لا تصح له صحبة ، وأنه غير الأول. وكذلك فعل ابن أبي حاتم 3 / 2 / 136 ، كمثل ما في التاريخ الكبير.
أما الحافظ في تعجيل المنفعة: 344 ، فقد ترجم للقعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ووهم في نقله عن البخاري ، فظن البخاري قد ترجم له ، فذكر في ترجمته ما قال البخاري في ترجمة"القعقاع بن أبي حدرد" ، مع أنه صحح ذلك في ترجمة"القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" في القسم الثالث من الإصابة.
أما ما ذكره الطبري من أنه"أبو القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" أو "ابن القعقاع" ، فلم أجده في مكان آخر ، ولكني تركت ما كان في نص إسناده في التفسير"أبو القعقاع" ، مع أنه لا ذكر له في الكتب ولا ترجمة ، لأنه وافق ما في التاريخ ، ولأن ما رواه من قوله: "ويقال: ابن القعقاع" ، يستبعد معه كل تحريف أو زيادة من ناسخ أو غيره.
هذا ، وقد جاء في إسناد آخر في التاريخ 3: 125 عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق ، عن ابن شهاب الزهري ، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، "عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد". فلم يذكر اسمه ، كما ذكر في الإسناد السالف ، كما سيأتي في الإسناد التالي أيضًا: "عن ابن أبي حدرد ، عن أبيه".
وهذا اضطراب غريب في إسناده ، أردت أن أجمعه في هذا المكان ، لأني لم أجد أحدًا استوفى ما فيه ، وعسى أن يتوجه لباحث فيه رأي ، وكتبه محمود محمد شاكر .
(95) الأثر: 10213 - انظر التعليق على الأثر السالف."هارون بن إدريس الأصم" شيخ الطبري ، مضى برقم: 1455.
و"المحاربي""عبد الرحمن بن محمد بن زياد" مضى برقم: 221 ، 875 ، 1455.
(96) "الغنيمة" تصغير"غنم" ، وهو قطيع من الغنم. وإنما أدخلت التاء في"غنيمة" ، لأنه أريد بها القطعة من الغنم. وانظر ما قاله أبو جعفر في دخول هذه التاء فيما سلف 6 : 412 ، 413.
(97) الأثر: 10216 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.
و"سعيد بن الربيع الرازي" مضى برقم: 3791 ، 5312.
(98) الأثران: 10217 ، 10218 - رواه أحمد في مسنده من طريق يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، ويحيى بن آدم ، جميعًا عن إسرائيل. وأرقامه في المسند: 2023 ، 2462 ، 2988 ، وإسناده صحيح. وقال ابن كثير في تفسيره 2: 544: "ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى ، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن إسرائيل به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط (هكذا في الأصل). وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل ، منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا عن هذا الوجه= ومنها: أن عكرمة في روايته عندهم نظر= ومنها: أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه ، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة. وقال بعضهم: أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك. قلت [القائل ابن كثير]: وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه ، أحدها: أنه ثابت عن سماك ، حدث به غير واحد من الأئمة الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس.."
وهذا الذي نقله ابن كثير من بعض كتب أبي جعفر ، أرجح ، بل أقطع ، أنه في كتابه تهذيب الآثار ، وبيانه هذا الذي نقله ابن كثير ، مطابق لنهجه في تهذيب الآثار ، ونقلت هذا هنا للفائدة ، ولأنه أول نقل رأيته في تفسير ابن كثير عن تهذيب الآثار فيما أرجح.
(99) انظر الاختلاف في اسمه"قليب" بالقاف والباء ، أو فليت" بالفاء والتاء ، في الإصابة في موضعه.
(100) في المطبوعة والمخطوطة: "ولم يجامعهم" وظاهر أنه تحريف من الناسخ ، صوابه ما أثبت.
(101) في المطبوعة: "إذا لقيهم مرداس فسلم عليهم فقتلوه" وأثبت ما في المخطوطة إلا أني جعلت"وإذا""وإذ" ، لأن السياق يقتضيها.
(102) "صبحتهم الخيل (بفتحتين) وصبحتهم (بتشديد الباء)": أتتهم صباحًا ، وكانت أكثر غاراتهم في الصباح. و"الغدوة" (بضم فسكون): البكرة ، ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس.
(103) في المخطوطة: "فدعاه" وهو تحريف ، صواب ما أثبت. وفي المطبوعة: "فتلقوه" ، وهو رديء ، خير منه ما في الدر المنثور: "فتلقاه".
(104) الأثر: 10220 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 200 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(105) كان في المطبوعة: "... عرض الحياة الدنيا ، الآية ، قال: بعث..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان الناسخ قد غفل فأسقط من الآية في كتابته: "كذلك كنتم من قبل" .
(106) "البضعة" (بفتح فسكون): القطعة من اللحم.
(107) في المخطوطة: "فقتله الأسود" ، والصواب ما في المطبوعة ، أو أن تكون: "فقتله ابن الأسود".
(108) الأثر: 10224-"حبيب بن أبي عمرة" القصاب ، بياع القصب ، ويقال"اللحام" ، أبو عبد الله الحماني. روى عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأم الدرداء. روى عنه الثوري وجماعة. قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث". مترجم في التهذيب.
(109) انظر ما سلف رقم: 10221.
(110) في المخطوطة: "بعثه نفر من المؤمنين" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة.
(111) انظر تفسير"التبين" فيما سلف ص: 70.
(112) في المطبوعة: "... السلام" بالألف ، والصواب إثباتها كرسم المصحف هنا ، حتى يظهر سياق اختلاف القراءة.
(113) في المطبوعة: "وليس كذلك في الإسلام" ، والصواب الجيد من المخطوطة.
(114) في المخطوطة: "مستخفون بإيمانكم" ، وما في المطبوعة أجود.
(115) قوله"كافرًا" ليس في المخطوطة ، والسياق يقتضيها كما في المطبوعة ، وانظر اعتراض أبي جعفر بعد ، فهو يوجب إثبات هذه الكلمة في هذا الموضع.
(116) في المطبوعة في هذا الموضع وما يليه"السلام" مكان"السلم" ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، لأن تفسير أبي جعفر جار على"السلم" لا على"السلام". وقوله: "لم يقد" بالبناء للمجهول من"القود" (بفتح القاف والواو) وهو القصاص ، وقتل القاتل بدل القتيل ، يقال منه"أقدته به أقيده إقادة".
(117) في المطبوعة: "بعد ما كانوا يكتمونه" ، والجيد ما في المخطوطة."يكتتمون به" ، يستخفون به.
(118) في المخطوطة: "أيها القاتلو الذي ألقي إليكم السلم" ، وهو لا بأس به.
(119) في المطبوعة: "حذرًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء.
لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٩٥﴾
القول في تأويل قوله : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون "، لا يعتدل المتخلِّفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعةَ والخَفْض وَالقُعودَ في منازلهم على مُقاساة حُزُونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذَهَاب أبصارهم، وغير ذلك من العِلل التي لا سبيل لأهلها -للضَّرَر الذي بهم- إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله=" والمجاهدون في سبيل الله "، ومنهاج دينه، (1) لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقَتهم في قتال أعداءِ الله وأعداءِ دينهم= بأموالهم، إنفاقًا لها فيما أوهَن كيد أعداء أهل الإيمان بالله - وبأنفسهم، مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العالية، وكلمة الذين كفروا السافلة.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " غير أولي الضرر ".
* * *
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة ومكة والشأم ( غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ ) ، نصبًا، بمعنى: إلا أولي الضرر.
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة والبصرة: (2) ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) برفع " غير "، &; 9-86 &; على مذهب النّعت " للقاعدين ".
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ( غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ ) بنصب " غير "، لأن الأخبار متظاهرة بأن قوله: " غير أولي الضرر "، نـزل بعد قوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم "، استثناءً من قوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ".
* * *
ذكر بعض الأخبار الواردة بذلك:
10233- حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ائتوني بالكتف والَّلوح، فكتب (3) " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون "، وعمرو بن أم مكتوم خلف ظَهره، فقال: هل لي من رُخصة يا رسول الله؟ فنـزلت: " غير أولي الضرر ". (4)
10234- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي &; 9-87 &; إسحاق، عن البراء قال: لما نـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين "، جاء ابن أم مكتوم وكان أعمى، فقال: يا رسول الله، كيف وأنا أعمى؟ فما برح حتى نـزلت: " غير أولي الضرر ". (5)
10235- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في قوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر "، قال: لما نـزلت، جاء عمرو ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ضريرَ البصر، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني، فإني ضرير البصر؟ فأنـزل الله هذه الآية، فقال: ائتوني بالكتف والدواة، أو: اللوح والدواة. (6)
10236- حدثني إسماعيل بن إسرائيل الدلال الرَّملي قال، حدثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة قال، حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء: أنه لما نـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين "، كلمه ابن أم مكتوم، فأنـزلت: " غير أولي الضرر ". (7)
10237- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، أنه سمع البراء يقول في هذه الآية: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا فجاء بكتف فكتبها. قال: فشكا إليه ابن أم مكتوم ضَرَارته، فنـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ".
= قال شعبة، وأخبرني سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن رجل، عن زيد في هذه الآية: " لا يستوي القاعدون "، مثل حديث البراء. (8)
10238- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان الشيباني، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم قال: لما نـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، ما لي رخصة؟ قال: لا! قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير فرخِّص! فأنـزل الله: " غير أولي الضرر "، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتبها= يعني: الكاتب. (9)
10239- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سهل بن سعد قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا، فجئت حتى جلست إليه، فحدَّثنا عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنـزل عليه: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ! قال: فأنـزل عليه وفخذُه على فخذي، فثقلت، فظننتُ أن تُرَضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فقال: " غير أولي الضرر ". (10)
10240- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني أحبُّ الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزَّمَانة ما قد ترى، قد ذهب بصري! قال زيد: فثقلت فخِذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن يَرُضَّها، ثم قال: اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ". (11)
10241- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني عبد الكريم: أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث أخبره: أن ابن عباس أخبره قال: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين "، عن بدر، والخارجون إلى بدر. (12)
10242- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، أخبرني عبد الكريم: أنه سمع مقسمًا يحدث عن ابن عباس، أنه سمعه يقول: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين " عن بدر، والخارجون إلى بدر، لما نـزل غزو بدر. (13) قال عبد الله ابن أم مكتوم وأبو أحمد بن جحش بن قيس الأسدي: يا رسول الله، إنا أعميان، فهل لنا رخصة؟ فنـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ". (14)
10243- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم "، فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فأتى رسول &; 9-93 &; الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد أنـزل الله في الجهاد ما قد علمت، وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد، فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرت في شأنك بشيء، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة! فقال ابن أم مكتوم: اللهم إني أنشدك بصري! فأنـزل الله بعد ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله " إلى قوله: عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً .
10244- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد قال: نـزلت: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، فقال رجل أعمى: يا نبي الله، فأنا أحب الجهادَ ولا أستطيع أن أجاهد! فنـزلت: " غير أولي الضرر ".
10245- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد قال: لما نـزلت هذه الآية في الجهاد: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين "، قال عبد الله ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إنّي ضرير كما ترى! فنـزلت: " غير أولي الضرر ". (15)
10246- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر "، عذرَ الله أهل العذر من الناس فقال: " غير أولي الضرر "، كان منهم ابن أم مكتوم=" والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ".
10247- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله " إلى قوله: وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ، لما ذكر فضلَ الجهاد، قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إنّي أعمى ولا أطيق الجهاد! فأنـزل الله فيه: " غير أولي الضرر ".
10248- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن عبد الله النفيلي قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ادع لي زيدًا، وقل له يأتي= أو: يجيء= بالكتف والدواة= أو: اللوح والدواة= الشك من زهير= اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله "، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إن بعيني ضررًا! فنـزلت قبل أن يبرَح: " غير أولي الضرر ". (16)
10249- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بنحوه= إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي زيدًا، وليجئني معه بكتف ودواة= أو: لوح ودواة. (17)
10250- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن قال: لما نـزلت: " لا يستوي القاعدون "، قال عمرو ابن أم مكتوم: يا رب، ابتليتني فكيف أصنع؟ قال: فنـزلت: " غير أولي الضرر ". (18)
وكان ابن عباس يقول في معنى: " غير أولي الضرر " نحوًا مما قلنا.
10251- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " غير أولي الضرر "، قال: أهل الضرر.
* * *
القول في تأويل قوله : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة "، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، درجة واحدة= يعني: فضيلة واحدة (19) = وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان، كما:-
10252- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك: أنه سمع ابن جريج يقول في: " فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة "، قال: على أهل الضرر.
* * *
القول في تأويل قوله : وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " وكلاًّ وعد الله الحسنى "، وعد الله الكلَّ من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، (20) والقاعدين من أهل الضرر=" الحسنى "، ويعني جل ثناؤه: بـ " الحسنى "، الجنة، كما:-
10253- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وكلاًّ وعد الله الحسنى "، وهي الجنة، والله يؤتي كل ذي فضل فضلَه.
10254- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: " الحسنى "، الجنة.
وأما قوله: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا "، فإنه يعني: وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا، كما:-
10255- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جريج: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً ، قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
-----------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"في سبيل الله" فيما سلف ... ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة: "قرأة أهل العراق والكوفة والبصرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة"فكتب" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) الحديث: 10233 - هذا حديث البراء بن عازب ، في شأن نزول قوله تعالى (غير أولي الضرر) - وقد رواه الطبري هنا بسبعة أسانيد. خمسة منها في نسق: 10233 - 10237 ، ثم: 10248 ، 10249.
وأبو إسحاق -فيها كلها-: هو أبو إسحاق السبيعي.
فهذا الحديث أولها ، "عن نصر بن علي الجهضمي" - رواه الترمذي 3: 19 ، عن نصر بن علي ، بهذا الإسناد.
وكذلك رواه النسائي 2 : 54 ، عن نصر بن علي.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، رقم: 40 - بتحقيقنا- عن محمد بن عمر بن يوسف ، عن نصر بن علي.
وقوله: "فكتب: لا يستوي" - إلخ: يعني أمر بالكتابة. وهذا هو الثابت في المطبوعة"فكتب" بالفاء. وهو الموافق لما في الترمذي ، والنسائي ، وابن حبان ، وفي المخطوطة"وكتب" بالواو. فأثبتنا الموافق دون المخالف ، وإن كان المعنى واحدًا.
(5) الحديث: 10234 - هو تكرار للحديث قبله ، على ما في سفيان بن وكيع من ضعف. ولكنه سمع من أبي بكر بن عياش ، أبو بكر سمع من أبي إسحاق السبيعي.
والحديث في ذاته صحيح من هذا الوجه:
فقد رواه النسائي 2: 54 ، عن محمد بن عبيد ، عن أبي بكر بن عياش ، به.
(6) الحديث: 10235 - سفيان بن وكيع لم ينفرد بروايته عن أبيه عن سفيان الثوري: فقد رواه أحمد في المسند 4 : 290 ، 299 (حلبي) ، عن وكيع ، عن الثوري - بهذا الإسناد. وكذلك رواه الترمذي 4 : 90-91 ، عن محمود بن غيلان ، عن وكيع ، به. وقال: "هذا حديث حسن صحيح. ويقال: عمرو بن أم مكتوم. ويقال: عبد الله بن أم مكتوم. وهو عبد الله بن زائدة. وأم مكتوم: أمه".
(7) الحديث: 10236- إسماعيل بن إسرائيل الدلال الرملي ، أبو محمد: ثقة من شيوخ ابن أبي حاتم ، ترجمه في 1 / 1 / 158 ، وقال: "كتبنا عنه ، وهو صدوق". ولكن عنده"السلال" بدل"الدلال" - ولم نجد مرجحًا ، فأثبتنا ما ثبت هنا في المخطوطة والمطبوعة. ولكن فيه خطأ في المطبوعة: "محمد بن إسماعيل" بزياة"محمد بن" وليست في المخطوطة ، فحذفناها. ويؤيد ذلك أن الطبري نفسه روى عنه في التاريخ 2 : 273 ، بهذا الإسناد ، عن البراء في عدة أصحاب طالوت ، وسماه هناك"إسماعيل بن إسرائيل الرملي". وحديث البراء في عدة أصحاب طالوت ، مضى بأسانيد: 5724 - 5729 ، ولكن ليس فيها هذا الإسناد الذي في التاريخ.
عبد الله بن محمد بن المغيرة الكوفي ، سكن مصر: ترجمه ابن أبي حاتم 2 / 2 / 158 ، وروى عن أبيه ، قال: "ليس بالقوي". ولم يذكر أنه يروي عن مسعر ، ولكن روايته عنه ثابتة في تهذيب الكمال للحافظ المزي ، ص : 1322 (مخطوط مصور) ، في ترجمة مسعر ، في الرواة عنه ، وكذلك ثبت في ترجمته هو في لسان الميزان 3 : 332 - 333 أنه يروي عن مسعر. وفي ترجمته هذه ما يدل على جرحه جرحًا شديدًا ، يسقط روايته.
والحديث من رواية مسعر - ثابت صحيح ، من غير رواية عبد الله بن محمد بن المغيرة هذا. فرواه مسلم 2 : 101 ، عن أبي كريب ، عن ابن بشر ، وهو محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي الحافظ ، عن مسعر ، به.
(8) الحديث: 10237 - إبو إسحاق: هو السبيعي ، كما قلنا آنفًا. ووقع في المطبوعة"عن ابن إسحاق" ، وهو خطأ يقينًا. وثبت على الصواب في المخطوطة.
والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 282 (حلبي) ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، به. ورواه مسلم 2 : 100-101 ، عن محمد بن المثنى (شيخ الطبري هنا) ، وعن محمد بن بشار - كلاهما عن محمد بن جعفر ، به.
ورواه أبو داود الطيالسي: 705 ، عن شعبة ، به.
ورواه أحمد أيضا 4: 284 ، عن عفان و299-300 ، عن عبد الرحمن (وهو ابن مهدي) - كلاهما عن شعبة.
ورواه البخاري 6: 34 (فتح) ، والدارمي 2 : 209 - كلاهما عن أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، رقم: 41 (بتحقيقنا) ، عن أبي خليفة ، عن أبي الوليد الطيالسي ، به.
ورواه البخاري أيضًا 8: 196 (فتح) ، عن حفص بن عمر ، عن شعبة.
وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 9 : 23 ، بإسنادين ، من طريق حفص بن عمر. وهذا كله عن أصل الحديث ، حديث البراء. وأما الإسناد الآخر الملحق به هنا: "شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن رجل ، عن زيد" - وهو ابن ثابت: فإنه في الحقيقة حديث آخر بإسناد آخر ، فيه رجل مبهم. فيكون إسناده ضعيفًا. وحديث زيد بن ثابت -في نفسه- صحيح ، وسيأتي: 10239 ، 10240.
وأما من هذا الوجه الضعيف ، فقد رواه مسلم أيضًا ، تبعًا لحديث البراء هذا ، كمثل صنيع الطبري هنا. وبالضرورة ليس هذا الإسناد على شرط الصحيح عند مسلم. وإنما ساقه تمامًا للرواية عن شعبة ، كما سمعه.
ومن العجب أن لم يتحدث عنه النووي في شرحه 13 : 42 ، ولم يذكر علته.
ومن عجب أيضًا أن لم يذكره الحافظ المزي في باب (المبهمات) من تهذيب الكمال ، ولا ذكره أحد من فروعه - مع أنه في صحيح مسلم بروايتين: "عن سعد بن إبراهيم ، عن رجل ، عن زيد" ، و"عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن رجل ، عن زيد".
ثم لما نعرف هذا الرجل المبهم.
وسعد: هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وأبوه: من كبار التابعين ، فمن المحتمل جدًا أن يكون شيخه الرجل المبهم هنا صحابيًا. ولكنا لا نستطيع ترجيح ذلك.
(9) الحديث: 10238 - إسحاق بن سليمان الرازي العبدي: مضى توثيقه في: 6456 . أبو سنان الشيباني: هو الأصغر الكوفي ، واسمه"سعيد بن سنان البرجمي". وهو ثقة ، تكلم فيه من أجل بعض خطئه. وقد مضت ترجمته في: 175.
وقد وهم الحافظ في الفتح 8: 196 وهمًا شديدًا ، حين أشار إلى هذا الحديث من رواية الطبراني -كما سيأتي- فزعم أنه"ضرار بن مرة"! وهو أبو سنان الشيباني الأكبر. والذي يروي عن أبي إسحاق السبيعي ويروي عنه إسحاق بن سليمان الرازي - هو"أبو سنان الشيباني الأصغر ، سعيد بن سنان" ، كما هو بين من تهذيب الكمال وفروعه. فلم يذكر الحافظ المزي في ترجمتيهما إلا ما قلنا.
وأبو إسحاق: هو السبيعي ، كما ذكرنا آنفًا. ووقع في المطبوعة"عن ابن إسحاق". وهو خطأ ، صوابه ما أثبتنا عن المخطوطة. وهو الثابت في الرواية.
والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ج7 ص9 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله ثقات".
وأشار إليه الحافظ في الفتح 8 : 196 -كما قلنا آنفًا. وذكر أنه عند الطبراني ، وعلله بأن"المحفوظ: عن أبي إسحاق عن البراء. كذا اتفق الشيخان عليه من طريق شعبة ..." ، ثم أشار إلى كثير من الروايات التي ذكرها الطبري هنا وفيما يأتي.
ولسنا نرى هذا علة لذاك ، ولا ذاك علة لهذا ، فالقصة مشهورة وقد رواها أيضًا زيد بن ثابت ، كما سيأتي: 10239 ، 10240.
ورواها أيضًا الفلتان بن عاصم الجرمي الصحابي ، مطولة. ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد ج7 ص9. وقال: "رواه أبو يعلى ، والبزار بنحوه ، والطبراني بنحوه... ورجال أبي يعلى ثقات".
وذكره الحافظ في الإصابة 5: 213 في ترجمة الفلتان ، من رواية الحسن بن سفيان في مسنده ، ثم ذكر أنه رواه ابن أبي شيبة ، وأبو يعلى ، وابن حبان في صحيحه.
وذكره السيوطي 2 : 203-204 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
ورواها ابن عباس ، كما سيأتي: 10242.
(10) الحديث: 10239 - رواه النسائي 2 : 54 ، عن محمد بن عبد الله بن بزيع ، أحد شيخي الطبري هنا - بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في المسند 5: 184 (حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح ، عن الزهري ، به ، ولم يذكر لفظه كاملا ، أحاله على رواية قبيصة بن ذؤيب قبله. وهي الرواية التي ستأتي هنا عقب هذا.
ورواه البخاري 8: 195-196 (فتح) ، من طريق إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، به. ورواه الترمذي 4: 92 ، والنسائي 2 : 54 ، وابن الجارود ، ص: 460 - كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه.
ورواه البيهقي 9 : 23 ، من طريق إبراهيم بن سعد.
وذكره السيوطي 2 : 202-203 ، وزاد نسبته لابن سعد ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، وابن المنذر ، وأبي نعيم في الدلائل.
"رض الشيء يرضه رضا": كسره. و"سُري عنه" (بالبناء للمجهول): أي كشف عنه وتجلى ما كان يأخذه من الكرب عند نزول الوحي.
(11) الحديث: 10240 - هو في معنى الحديث السابق عن زيد بن ثابت ، ولكنه من رواية قبيصة بن ذؤيب عنه.
وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة: تابعي كبير ثقة ، كما مضى في: 5471 وهو مترجم في التهذيب وغيره ، وفي الإصابة 5: 271-272.
والحديث في تفسير عبد الرزاق ، ص: 48 (مخطوط مصور).
ورواه أحمد في المسند 5: 184 (حلبي) ، عن عبد الرزاق.
وذكره ابن كثير 2 : 549 ، من تفسير عبد الرزاق ، ثم قال: "رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير.
وأشار إليه الحافظ في الفتح 8: 195 ، ونسبه لأحمد فقط.
(12) الحديث: 10241 - هذا الحديث ليس في تفسير عبد الرزاق ، فلعله في المصنف. ولم يروه أحمد في المسند ، فيما وصل إليه تتبعي.
وقد رواه البخاري 8: 196-197 ، هكذا مختصرًا ، من طريق هشام ، عن ابن جريج ، ومن طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج.
وذكره ابن كثير 2: 549 ، وقال: "انفرد به البخاري دون مسلم".
وذكره السيوطي 2: 203 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم. وسيأتي عقيب هذا ، بأطول منه.
(13) في المطبوعة: "لما نزلت غزوة بدر" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(14) الحديث: 10242 - هذا هو السياق المطول للحديث السابق ، وفيه قصة ابن أم مكتوم ، التي مضت مرارًا من حديث البراء بن عازب ، ومن حديث زيد بن أرقم ، ومن حديث زيد بن ثابت - مع بعض زيادات أخر في القصة.
والحديث -من هذا الوجه- رواه الترمذي 4 : 91 ، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس".
وقد نقله الحافظ في الفتح 8 : 197 ، من رواية الترمذي ، وأشار إلى رواية الطبري هنا ، كما سيأتي.
ونقله ابن كثير أيضا 2 : 549-550 ، عن رواية الترمذي.
ونقله السيوطي 2: 203 ، وزاد نسبته للنسائي ، وابن المنذر ، والبيهقي في سننه.
ووقع في رواية الترمذي ومن نقل عنه: "وعبد الله بن جحش". بدل"وأبو أحمد بن جحش". وجزم الحافظ في الفتح بأن الصواب ما في رواية الطبري"وأبو أحمد بن جحش" ، قال: "فإن عبد الله أخوه. وأما هو فاسمه: "عبد" ، بغير إضافة. وهو مشهور بكنيته".
و"عبد الله بن جحش" لم يكن أعمى. وقد قتل شهيدًا في غزوة أحد.
وأخوه"أبو أحمد": مترجم في الإصابة 7: 3-4 ، وابن سعد 7 / 1 / 76-77. وجزم الحافظ في الإصابة بأن اسمه"عبد" بدون إضافة ، كما قال في الفتح. وفي ابن سعد أن اسمه"عبد الله". وأخشى أن يكون خطأ طابع أو ناسخ.
وقال الحافظ في الإصابة: "وكان أبو أحمد ضريرًا ، يطوف بمكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب ، وشهد بدرًا والمشاهد".
(15) الحديث: 10245 - حصين: هو ابن عبد الرحمن السلمي.
وهذا الحديث مرسل ، لأن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي: تابعي من كبار التابعين وثقاتهم. ولكنه لم يذكر عمن رواه. وإن كان أصل الحديث في ذاته صحيحًا ، بما ثبت في الروايات السابقة. والحديث ذكره السيوطي 2: 204 - هكذا مرسلا. ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد.
(16) الحديث: 10248 - هو والذي بعده من روايات حديث البراء ، الذي مضى بالأسانيد: 10233-10237 ، كما أشرنا إليهما هناك.
وهو من هذا الوجه -رواه أحمد في المسند 4: 301 (حلبي) ، عن هاشم بن القاسم ، عن زهير ، وهو ابن معاوية ، بهذا الإسناد.
(17) الحديث: 10249 - إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، راوية جده أبي إسحاق.
والحديث رواه البخاري 8 : 196 ، عن محمد بن يوسف ، عن إسرائيل.
ورواه البخاري أيضًا 9 : 19 (فتح) ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، رقم: 39 (بتحقيقنا) ، من طريق محمد بن عثمان العجلي ، عن عبيد الله بن موسى.
(18) الحديث: 10250 - زياد بن فياض الخزاعي الكوفي: مضت ترجمته وتوثيقه في: 1382.
وشيخه"أبو عبد الرحمن": لم أعرف من هو ، ولم أجد قرينة تعين شيخًا بعينه؟ و"أبو عبد الرحمن": كنيته واسعة فيها كثرة كثيرة.
وأيا ما كان فهو -على الأكثر- من التابعين ، لأن زياد بن فياض لا يرتفع في روايته فوق التابعين. فيكون الحديث مرسلا غير موصول.
وهكذا ذكره السيوطي 2 : 204 ، على هذا الوجه من الإرسال ، ونسبه لابن سعد ، وعبد بن حميد ، والطبري.
(19) انظر تفسير"الدرجة" فيما سلف 4 : 533-536 / 7: 368 .
(20) انظر ما قاله في"كل" فيما سلف 3: 195 / 5 : 509 / 6: 210.
دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٩٦﴾
القول في تأويل قوله : دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " درجات منه "، فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة. (21)
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الدرجات " التي قال جل ثناؤه: " درجات منه ".
فقال بعضهم بما:-
10256- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " درجات منه ومغفرة ورحمة "، كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد دَرَجة.
* * *
وقال آخرون بما:-
10257- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ ،" الدرجات " هي السبع التي ذكرها في" سورة براءة ": مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ فقرأ حتى بلغ: &; 9-98 &; أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة التوبة: 120-121]. قال: هذه السبع الدرجات. قال: وكان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مُجْملة، فكان الذي جاهد بماله له اسمٌ في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ: لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ، وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً ، قال: وهذه نفقة القاعد.
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك درجات الجنة.
ذكر من قال ذلك.
10258- حدثنا علي بن الحسن الأزدي قال، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن جبلة بن سحيم. عن ابن محيريز في قوله: " فضل الله المجاهدين على القاعدين "، إلى قوله: " درجات "، قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة. (22)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل قوله: " درجات منه "، أن يكون معنيًّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز. لأن قوله تعالى ذكره: " درجات منه ": ترجمة وبيان عن قوله: " أجرًا عظيمًا "، ومعلوم أن " الأجر "، إنما هو الثواب والجزاء. (23) &; 9-99 &; وإذْ كان ذلك كذلك، وكانت " الدرجات " و " المغفرة " و " الرحمة " ترجمة عنه، كان معلومًا أن لا وجه لقول من وجَّه معنى قوله: " درجات منه "، إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد، كما قال قتادة وابن زيد: وإذ كان ذلك كذلك، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا، فبيِّنٌ أن معنى الكلام: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلا وهو درجات أعطاهموها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله.
* * *
=" ومغفرة " يقول: وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها=
" ورحمة "، يقول: ورأفة بهم=" وكان الله غفورًا رحيمًا "، يقول: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها (24) =" رحيما " بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه. (25)
------------------
الهوامش :
(21) انظر تفسير"الدرجة" فيما سلف 4: 533 ، 536 / 7 : 368 ، وما مضى ص: 95 ، تعليق: 2
(22) الأثر: 10258 -"علي بن الحسين الأزدي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، وقد روى عنه في تاريخه في مواضع منها 1 : 44 ، 49 / 6: 73 ، 143.
و"الأشجعي" ، هو: "عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي" مضت ترجمته برقم: 8622 . و"سفيان" ، هو الثوري.
و"هشام بن حسان القردوسي" مضى برقم 2827 ، 7287.
و"جبلة بن سحيم" مضى برقم: 3003 .
و"ابن محيريز" ، هو عبد الله بن محيريز ، مضى برقم: 8720.
و"حضر الفرس" ارتفاعه في عدوه ، "أحضر الفرس يحضر إحضارًا" ، عدا عدوًا شديدًا.
و"الفرس المضمر" ، وهو الذي أعد إعدادًا للسباق والركض.
(23) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف 8 : 542 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(24) في المطبوعة: "فيصفح" بزيادة الفاء ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الجيد.
(25) انظر تفسير"المغفرة" ، و"الرحمة" ، و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إن الذين توفَّاهم الملائكة "، إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة (26) =" ظالمي أنفسهم "، يعني: مكسبي أنفسهم غضبَ الله وسخطه.
* * *
وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى قبل. (27)
* * *
=" قالوا فيم كنتم "، يقول: قالت الملائكة لهم: " فيم كنتم "، في أيِّ شيء كنتم من دينكم=" قالوا كنا مستضعفين في الأرض "، يعني: قال الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: " كنا مستضعفين في الأرض "، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، معذرةٌ ضعيفةٌ وحُجَّة واهية=" قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها "، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، (28) وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى الأرض التي &; 9-101 &; يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحِّدوا الله فيها وتعبدوه، وتتبعوا نبيَّه؟ = يقول الله جل ثناؤه: " فأولئك مأواهم جهنم "، أي: فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم= الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم=" مأواهم جهنم "، يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم (29) =" وساءت مصيرًا "، يعني: وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها (30) =" مصيرًا " ومسكنًا ومأوى. (31)
------------------
الهوامش :
(26) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف 6 : 455 / 8 : 73.
(27) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.
(28) انظر تفسير"الهجرة" فيما سلف 4 : 317 ، 318 / 7: 490.
(29) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف 7 : 279 ، 494.
(30) انظر تفسير"ساء" فيما سلف 8 : 138 ، 358.
(31) انظر تفسير"المصير" فيما سلف 3 : 56 / 6 : 128 ، 317 / 7 : 366.
إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾
ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون=" من الرجال والنساء والولدان "، وهم العجزة عن الهجرة= بالعُسْرة، وقلّة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق= من أرضهم أرضِ الشرك إلى أرض الإسلام، من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم: أن تكون جهنم مأواهم، للعذر الذي هم فيه، على ما بينه تعالى ذكره. (32)
* * *
ونصب " المستضعفين " على الاستثناء من " الهاء " و " الميم " اللتين في قوله: " فأولئك مأواهم جهنم ". (33)
--------------------
الهوامش :
(32) سياق هذه الجملة: "ثم استثنى الله المستضعفين ... وهم العجزة عن الهجرة ... من أرضهم ... ، من القوم ... أن تكون جهنم مأواهم" ، كثر فيها تعلق حروف الجر بما سلف ، فخشيت أن يتعب القارئ!!
(33) انظر معاني القرآن للفراء 1: 284. هذا ، وقد خالف أبو جعفر نهجه هذا ، وأخر الكلام في قوله: "إن الذين توفاهم الملائكة" إلى آخر تفسير الآية ص: ...