At-Tabari
· An-NisaaOpen in readerإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ = وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام.
* * *
وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله: " أن يشرك به "، في موضع نصب بوقوع " يغفر " عليها (44) = وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرًا. وذلك أن يوجَّه معناه إلى: إن الله لا يغفر أن يشرك به، على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبًا مع شرك، أو عن شرك. (45)
وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون " أن " في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. (46)
* * *
وذكر أن هذه الآية نـزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نـزلت: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [سورة الزمر: 53].
ذكر الخبر بذلك:
9730 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر: أنه قال: لما نـزلت: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الآية، قام رجل فقال: والشرك، يا نبيَّ الله. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ". (47)
9731 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، قال: أخبرني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نـزلت هذه الآية: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي، فقال: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".
9732 - حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا الهيثم بن جَمّاز قال، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نَشُك في قاتلِ النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرَّحم، حتى نـزلت هذه الآية: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، فأمسكنا عن الشهادة. (48)
وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله.
* * *
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ومن يشرك بالله " في عبادته غيره من خلقه =" فقد افترى إثما عظيما "، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا. (49) وإنما جعله الله تعالى ذكره " مفتريًا "، لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولدًا. فقائل ذلك مُفترٍ. وكذلك كل كاذب، فهو مفترٍ في كذبه مختلقٌ له.
------------------
الهوامش :
(44) "الوقوع" تعدى الفعل إلى مفعول ، كما سلف مرارًا كثيرة.
(45) في معاني القرآن للفراء 1: 272: "مع شرك ، ولا عن شرك" ، والصواب في التفسير.
(46) انظر معاني القرآن للفراء 1: 272 فهذه مقالته.
(47) الحديث: 9730 - ابن أبي جعفر: هو عبد الله بن أبي جعفر الرازي: مضت ترجمته وترجمة أبيه في: 7030.
الربيع: هو ابن أنس البكري. مضت ترجمته في: 5480.
مجبر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة المفتوحة ، بوزن"محمد"-: هو ابن أخي عبد الله بن عمر. و"مجبر" لقبه ، واسمه: "عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب". ذكره المصعب في نسب قريش ، ص: 356 ، وابن حزم في جمهرة الأنساب ، ص: 146 ، والمشتبه للذهبي ، ص: 462. مترجم في التعجيل ، ص: 392 - 393 ، وله ذكر فيه أيضًا في ترجمة ابنه"عبد الرحمن" ص: 256 - 257.
وله رواية في المسند: 1402 ، عن عثمان وطلحة. وأظنها رواية منقطعة ، فإن طبقته أصغر من أن يدركهما.
وله ذكر في الموطأ ص: 397: "مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر: أنه لقي رجلا من أهله يقال له المجبر ، قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر ، جهل ذلك ، فأمره عبد الله أن يرجع ، فيحلق أو يقصر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض".
ولم أجد له ترجمة غير ذلك. فهذا تابعي عرف شخصه ، ولم يذكر بجرح ، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا.
والحديث نقله ابن كثير 2: 481 ، عن هذا الموضع. ثم قال: "وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر".
وذكره السيوطي 1: 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم.
وسيأتي عقب هذا بإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ الطبري.
(48) الحديث: 9732 - آدم: هو ابن أبي إياس العسقلاني. مضت ترجمته في: 187 ، الهيثم بن جماز البكاء ، الحنفي البصري القاضي: ضعيف ، ضعفه أحمد ، وابن معين ، والنسائي ، وغيرهم. مترجم في لسان الميزان 6: 204 - 205 ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 216. وابن أبي حاتم 4 / 2 / 81 ، والضعفاء للنسائي ، ص: 30.
و"جماز": بفتح الجيم وتشديد الميم وآخره زاي. ووقع في المخطوطة والمطبوعة"حماد" ، وهو تصحيف. وكذلك وقع مصحفًا في التهذيب 11: 100 ، عند ذكره بترجمة"الهيثم بن أبي الهيثم".
بكر بن عبد الله المزني: تابعي ثقة معروف ، أخرج له الجماعة.
والحديث ذكره السيوطي 2: 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والبزار.
ومعناه ثابت عن ابن عمر من روايات أخر:
ففي الدر المنثور 2: 169"أخرج ابن الضريس ، وأبو يعلى ، وابن المنذر ، وابن عدي - بسند صحيح ، عن ابن عمر ، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: إني ادخرت دعوتي ، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ، ثم نطقنا بعد ورجونا". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 5 ، وقال: "رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح ، غير حرب بن سريج ، وهو ثقة".
وفي مجمع الزوائد 10: 210 - 211"عن ابن عمر ، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر ، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: أخرت شفاعتي لأهل الكبائر يوم القيامة. رواه البزار ، وإسناده جيد". وهو نحو الذي قبله.
وفيه أيضًا روايات بهذا المعنى عن ابن عمر 10: 193.
هذا ، وكان في المخطوطة: "لا نشك في المؤمن ، وآكل مال اليتيم": بينهما بياض وقبل"المؤمن" في أعلاه حرف"ط" ، وهذا دال على أن النسخة التي نقل عنها كانت غير واضحة فأثبتنا ما جاء في الروايات الأخر.
(49) انظر تفسير"افترى" فيما سلف 6: 292.
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿٤٩﴾
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر، يا محمد بقلبك، (50) الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرِّئونها من الذنوب ويطهرونها. (51)
* * *
واختلف أهل التأويل، في المعنى الذي كانت اليهود تُزَكي به أنفسها.
فقال بعضهم: كانت تزكيتهم أنفسَهم، قولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .
*ذكر من قال ذلك:
9733 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يُظلمون فتيلا "، وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . وقالوا: " لا ذنوب لنا ".
9734 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، قال: هم اليهود والنصارى، قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . وقالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى .
9735 - وحدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك قال: قالت يهود: " ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون! فإن كانت لهم ذنوب فإنّ لنا ذنوبًا! فإنما نحن مثلهم "! قال الله تعالى ذكره: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا
9736 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، قال: قال أهل الكتاب: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وقالوا: " نحن على الذي يحب الله ". فقال تبارك وتعالى: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء "، حين زعموا أنهم يدخلون الجنة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته.
9737 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل لله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا "، نـزلت في اليهود، قالوا: " إنا نعلم أبناءنا التوراة صغارًا، فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا، ما عملنا بالنهار كُفَّر عنا بالليل ".
* * *
وقال آخرون: بل كانت تزكيتهم أنفسَهم، تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في صلاتهم، زعمًا منهم أنهم لا ذنوب لهم.
*ذكر من قال ذلك:
9738 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يزكون أنفسهم "، قال: يهود، كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمُّونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.
9739 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9740 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في &; 8-454 &; الدعاء والصلاة يؤمُّونهم، ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك تزكية = قال ابن جريج: هم اليهود والنصارى.
9741 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، قال: نـزلت في اليهود، كانوا يقدمون صبيانهم يقولون: " ليست لهم ذنوب ".
9742 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة في قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، قال، كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحِنْث يصلُّون بهم، يقولون: " ليس لهم ذنوب "! فأنـزل الله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، الآية. (52)
* * *
وقال آخرون: بل تزكيتهم أنفسهم، كانت قولهم: " إن أبناءنا سيشفعون لنا ويزكوننا ".
*ذكر من قال ذلك:
9743 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم "، وذلك أن اليهود قالوا: " إن أبناءنا قد تُوُفُّوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون ويزكوننا "! فقال الله لمحمد: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " إلى وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا .
* * *
وقال آخرون: بل ذلك كان منهم، تزكية من بعضهم لبعض.
*ذكر من قال ذلك:
9744 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، &; 8-455 &; عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول: " والله إنك لذَيْتَ وذَيْتَ"، ولعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته بشيء، (53) وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " الآية. (54)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى " تزكية القوم "، الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم، وَصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحبّاء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه. لأن ذلك هو أظهر معانيه، لإخبار الله عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.
* * *
وأما الذين قالوا: معنى ذلك: " تقديمهم أطفالهم للصلاة "، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم.
* * *
وأما قوله جل ثناؤه: " بل الله يزكي من يشاء "، فإنه تكذيب من الله المزكِّين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرِّئيها من الذنوب. يقول الله لهم: ما الأمر كما &; 8-456 &; زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وأنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فِرْية وكذب على الله، وليس المزكَّي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه فيطهره ويبرِّئه من الذنوب، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه، إلى ما يرضاه من طاعته.
* * *
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لقوله جل ثناؤه: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ، وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد طهرهم من الذنوب.
* * *
القول في تأويل قوله : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (49)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه، فيبخسهم في تركه تزكيتهم، وتزكية من ترك تزكيته، وفي تزكية من زكى من خلقه = شيئًا من حقوقهم، ولا يضع شيئًا في غير موضعه، ولكنه يزكي من يشاء من خلقه، فيوفِّقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه. كل ذلك إليه وبيده، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدًا = ممن زكاه أو لم يزكه = فتيلا.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الفتيل ".
فقال بعضهم: هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ، إذا فتلتَ إحداهما بالأخرى.
*ذكر من قال ذلك:
9745 - حدثني سليمان بن عبد الجبار [ قال، حدثنا محمد بن الصلت] &; 8-457 &; قال، حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الفتيل ما خرج من بين إصبعيك. (55) 9746 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن التيمي قال: سألت ابن عباس عن قوله: " ولا يظلمون فتيلا "، قال: ما فتلت بين إصبعيك.
9747 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء قال، سمعت أبا العالية، عن ابن عباس: " ولا يظلمون فتيلا "، قال: الفتيل، هو الذي يخرج من بين إصبعي الرجل. (56)
9748 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ولا يظلمون فتيلا "، والفتيل، هو أن تدلُك إصبعيك، (57) فما خرج بينهما فهو ذلك.
9749 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، &; 8-458 &; عن أبي مالك في قوله: " ولا يظلمون فتيلا "، قال: الفتيل: الوَسخ الذي يخرج من بين الكفين.
9750 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: الفتيل، ما فتلت به يديك، فخرج وَسَخ.
9751 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: " ولا يظلمون فتيلا "، قال: ما تدلكه في يديك فيخرج بينهما.
* * *
وأناس يقولون: الذي يكون في بَطن النواة.
*ذكر من قال ذلك:
9752 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " فتيلا "، قال: الذي في بطن النواة.
9753 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: الفتيل، الذي في بطن النواة.
9754 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني طلحة بن عمرو: أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول، فذكر مثله.
9755 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الفتيل، الذي في شِقّ النواة.
9756 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: الفتيل، في النَّوى.
9757 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا &; 8-459 &; معمر، عن قتادة في قوله: " ولا يظلمون فتيلا "، قال: الفتيل الذي في شِقّ النواة.
9758 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: الفتيل، شق النواة.
9759 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الفتيل، الذي في بطن النواة.
9760 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: الفتيل، الذي يكون في شِقّ النواة.
9761 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا يظلمون فتيلا "، فتيل النواة.
9762 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن عطية قال: الفتيل، الذي في بطن النواة. (58)
* * *
قال أبو جعفر: وأصل " الفتيل "، المفتول، صرف من " مفعول " إلى " فعيل " كما قيل: " صريع " و " دهين " من " مصروع " و " مدهون ".
وإذ كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه إنما قصد بقوله: " ولا يظلمون فتيلا "، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ = وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة = فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى " الفتيل "، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنـزيل.
-----------------
الهوامش :
(50) انظر تفسير"ألم تر" فيما سلف قريبًا: 426 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.
(51) انظر تفسير"التزكية" فيما سلف: 369 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(52) الأثر: 9742 -"أبو مكين" هو: نوح بن ربيعة الأنصاري ، مولاهم. مترجم في التهذيب.
(53) في المطبوعة: "ويجعله أن يرجع" ، وهو خطأ لا شك فيه ، والصواب في المخطوطة. وقوله: "لم يحل من حاجة بشيء" ، أي لم يظفر منها بشيء ، ولم يصب شيئًا مما ابتغى ، وهو لا يستعمل إلا مع النفي والجحد بهذا المعنى.
وقوله: "ذيت وذيت" من ألفاظ الكنايات ، بمعنى: "كيت وكيت".
(54) الأثر: 9744 -"يحيى بن إبراهيم بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي" سلفت ترجمته برقم: 5379.
و"قيس بن مسلم الجدلي العدواني" روى عن طارق بن شهاب ، وروى عنه الأعمش ، وسفيان الثوري وآخرون. قال أحمد"ثقة في الحديث ، كان مرجئًا" وقال أحمد عن سفيان: "يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله".
و"طارق بن شهاب الأحمسي" ، روى عنه الأربعة. ورأى طارق النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وبلال ، وحذيفة ، وخالد بن الوليد.
(55) الأثر: 9745 -"سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط" مضى برقم: 5994 = وكذلك مضت ترجمة: "محمد بن الصلت" ، وترجمة"أبي كدينة: يحيى بن المهلب". هذا وقد كان الإسناد مخرومًا فيما رجحت ، سقط منه ذكر"محمد بن الصلت" كما مضى في 5994 ، 7964 ، وكما سيأتي الإسناد نفسه برقم: 9799 ، ولأن سليمان بن عبد الجبار ، لم يلحق"أبا كدينة".
و"قابوس" هو: قابوس بن أبي ظبيان الجنبي ، روى عن أبيه حصين بن جندب. وهو ضعيف ، لا يحتج به ، كما قال ابن سعد. قال ابن حبان: "كان رديء الحفظ ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له".
وأبوه: "حصين بن جندب الجنبي ، أبو ظبيان. روى عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
(56) الأثر: 9747 -"يزيد بن درهم ، أبي العلاء العجمي" ، أخو: محمد بن درهم ، روى عن أنس بن مالك ، والحسن ، وهذا هو يروي أيضًا عن أبي العالية ، ولم يذكروه. روى عنه وكيع ، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال الفلاس: "ثقة" ، وقال ابن معين: "ليس بشيء". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يخطئ كثيرًا". مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 2 / 260 ، ولسان الميزان 6: 286. وانظر الأثر التالي: 9811 ، والتعليق عليه.
هذا ، وكان في المطبوعة: "زيد بن درهم: ..." ، والصواب من المخطوطة.
(57) في المطبوعة"تدلك بين إصبعيك" ، زاد"بين" وليست في المخطوطة.
(58) الأثر: 9762 -"أبو عامر" هو أبو عامر العقدي ، عبد الملك بن عمرو ، مضت ترجمته برقم: 4143.
و"قرة" هو قرة بن خالد السدوسي ، روى عن أبي رجاء العطاردي ، وابن سيرين ، والحسن. وروى عنه شعبة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأبو داود الطيالسي ، وغيرهم. مترجم في التهذيب و"عطية" هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي. مترجم في رقم: 305.
ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًا مُّبِينًا ﴿٥٠﴾
القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: انظر، يا محمد، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب = القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم = الكذبَ والزور من القول، فيختلقونه على الله =" وكفى به "، يقول: وحسبهم بقيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على الله =" إثمًا مبينًا "، يعني أنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفَكَةٌ فجرة، (59) كما:-
9763 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، قال: هم اليهود والنصارى =" انظر كيف يفترون على الله الكذب " (60)
--------------------
الهوامش :
(59) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(60) انظر تفسير"ألم تر" ، فيما سلف قريبًا: 452 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك = وتفسير"النصيب" فيما سلف: 427 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ﴿٥١﴾
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر بقلبك، يا محمد، إلى الذين أُعطوا حظًّا من كتاب الله فعلموه =" يؤمنون بالجبت والطاغوت "، يعني: يصدِّقون بالجبت والطاغوت، ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر، والتصديقَ بهما شرك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الجبت " و " الطاغوت ".
فقال بعضهم: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله.
*ذكر من قال ذلك:
9764 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: " الجبت " و " الطاغوت "، صنمان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الأصنام، و " الطاغوت " تراجمة الأصنام. (61)
*ذكر من قال ذلك:
9765 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت "،" الجبت " الأصنام، و " الطاغوت "، الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذبَ ليضلوا الناس.
* * *
وزعم رجال أنّ" الجبت "، الكاهن، و " الطاغوت "، رجل من اليهود يدعى &; 8-462 &; كعب بن الأشرف، وكان سيِّد اليهود.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، السحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9766 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد قال: قال عمر رحمه الله : " الجبت " السحر، و " الطاغوت " الشيطان. (62)
9767 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر مثله. (63)
9768 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت " الشيطان.
9769 - حدثني يعقوب قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي قال: " الجبت "، السحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
9770 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت "، الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
9771 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت "، الشيطان والكاهن.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9772 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان أبي يقول: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
9773 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " الجبت والطاغوت "، قال: " الجبت " الساحر، بلسان الحبشة، و " الطاغوت " الكاهن.
9774 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رفيع قال: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الكاهن.
9775 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية أنه قال: " الطاغوت " الساحر، و " الجبت " الكاهن.
9776 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية، في قوله: " الجبت والطاغوت "، قال: أحدهما السحر، والآخر الشيطان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الشيطان، و " الطاغوت " الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
9777 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، كنا نحدَّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
9778 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.
9779 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: " الجبت " الشيطان، و " الطاغوت " الكاهن.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الكاهن، و " الطاغوت " الساحر. (64)
*ذكر من قال ذلك:
9780 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير قال: " الجبت " الكاهن، و " الطاغوت " الساحر.
9781 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال في الجبت والطاغوت، قال: " الجبت " الكاهن، والآخر الساحر.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " حيي بن أخطب، و " الطاغوت "، كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك:
9782 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "،" الطاغوت ": كعب بن الأشرف، و " الجبت ": حيي بن أخطب.
9783 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قال: " الجبت ": حيي بن أخطب، و " الطاغوت ": كعب بن الأشرف.
9784 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا &; 8-465 &; جويبر، عن الضحاك في قوله: " الجبت والطاغوت "، قال: " الجبت ": حيي بن أخطب، و " الطاغوت ": كعب بن الأشرف.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " كعب بن الأشرف، و " الطاغوت " الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9785 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: " الجبت ": كعب بن الأشرف، و " الطاغوت ": الشيطان، كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن " الجبت " و " الطاغوت ": اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله = فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.
* * *
وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت: " طاغوت "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (65)
* * *
القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا (51)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم = : " هؤلاء "، يعني بذلك: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر =" أهدى "، يعني: أقوم وأعدل =" من الذين آمنوا "، يعني: من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم =" سبيلا "، يعني: طريقًا.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما ذلك مَثَلٌ. ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود = بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة = في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: (66) إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك.
ذكر الآثار الواردة بما قلنا:
9786 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ (67) قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، (68) يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنـزلت: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [سورة الكوثر: 3]، وأنـزلت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا .
9787 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ثم ذكر نحوه.
9788 - وحدثني إسحاق بن شاهين قال، أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون: احكم بيننا، وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك! فقال كعب: أنتم والله خيرٌ منه! فأنـزل الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ، إلى آخر الآية. (69)
9789 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، (70) وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معكم نقاتله. فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم! فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، (71) ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده؟ قال: بل أنتم خير وأهدى! فنـزلت فيه: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
9790 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من بني النضير ما كان، (72) حين أتاهم يستعينهم في دية العامريَّين، فهمّوا به وبأصحابه، (73) فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرؤون الكتابَ وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم! فأخبرنا، ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه! قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم &; 8-469 &; أنه بُعِث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء! وما نعلم مُلْكًا أعظم من ملك النساء!! (74) فذلك حين يقول: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
9791 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: نـزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش، قال: كفار قريش أهدى من محمد!" عليه السلام " = قال ابن جريج: قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: ننشدك الله، نحن أهدى أم هو؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكُوم، ونسقي الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبَّت الريح؟ (75) قال: أنتم أهدى.
* * *
وقال آخرون: بل هذه الصفة، صفة جماعة من اليهود، منهم: حُيَيّ بن أخطب، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم.
ذكر الأخبار بذلك:
9792 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن قاله قال، أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، (76) والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، (77) &; 8-470 &; وأبو عمار، (78) ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس = فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، (79) فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير = فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنـزل الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، إلى قوله: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا . (80)
9793 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، الآية، قال: ذُكر لنا أن هذه الآية أنـزلت في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ورجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشًا بمَوْسم، (81) فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السِّدانة والسقاية، وأهل الحرم؟ فقالا لا بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حَسَد محمد وأصحابه.
* * *
وقال آخرون: بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده، وإياه عنى بقوله: " ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
*ذكر من قال ذلك:
9794 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى آخر الآية، قال: جاء حيي بن &; 8-471 &; أخطب إلى المشركين فقالوا: يا حيي، إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟ فقال: نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى قوله: " ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا ".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في ذلك، قولُ من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود. وجائز أن تكون كانت الجماعةَ الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد، = أو يكون حُيَيًّا وآخر معه، (82) إما كعبًا، وإما غيره.
* * *
---------------
الهوامش :
(61) يعني بقوله: "تراجمة الأصنام" ، الكهان ، تنطق على ألسنة الأصنام ، كأنها تقول للناس بلسانهم ، ما قالته تلك بألسنتها.
(62) الأثر: 9766 -"حسان بن فائد العبسي" ، مضى برقم: 5834 ، وكان في المطبوعة في هذا الأثر والذي يليه: "حسان بن قائد العنسي". ومضى هذا الإسناد برقم: 5835.
(63) الأثر: 9767 - مضى برقم: 5834.
(64) في المطبوعة والمخطوطة: "والطاغوت الشيطان" ، وصواب السياق ما أثبت.
(65) انظر ما سلف 5: 419 ، وسائر الآثار في"الطاغوت" من رقم: 5834 - 5845.
(66) في المخطوطة والمطبوعة: "وأنهم قالوا" بالواو ، والواو متصلة بالألف في المخطوطة ، والصواب ما أثبته ، وقوله: "بأنهم" متعلق بقوله: "إن الله وصف...".
(67) في المطبوعة: "خير أهل المدينة" ، وفي المخطوطة"حبر" ، وإن كانت غير منقوطة في كثير من المواضع. ووقع في لسان العرب مادة (صنبر): "خير" وفي مادة (بتر): "حبر" ، فأثبتها ورجحتها ، لأنهم إنما سألوه عن شأن الدين ، والحبر: العالم من أهل الكتاب ، فهو المسئول عن مثل ما سألوه عنه من أمر خير الدينين.
(68) "الصنبور": سفعات تنبت في جذع النخلة ، غير مستأرضة في الأرض. ثم قالوا للرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب ولا ناصر"صنبور". فأراد هؤلاء الكفار من قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي ، صنبور نبت في جذع نخلة ، فإذا قلع انقطع: فكذلك هو إذا مات ، فلا عقب له. وكذبوا ، ونصر الله رسوله وقطع دابر الكافرين.
و"المنبتر" و"الأبتر": المنقطع الذي لا عقب له.
(69) الأثر: 9788 -"إسحاق بن شاهين الواسطي" ، مضى برقم: 8211 ، ولم نجد له ترجمة . و "خالد الواسطي" ، هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي" مضى برقم: 7211.
(70) "استجاش القوم": طلب منهم أن يجيشوا جيشًا.
(71) "الكوماء": هي الناقة المشرقة السنام العاليته ، وهذه خير النوق وأسمنها وأعزها عليهم ، والجمع"كوم".
(72) في المطبوعة: "واليهود بني النضير" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(73) ذلك في سنة أربع من الهجرة ، فأرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وتمالأوا على أن يلقوا عليه حجرًا من فوق جدار البيت الذي كان رسول الله جالسًا إلى جنبه ، فأطلعه الله على ذلك من أمرهم ، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة ، ثم أمر بالتهيؤ لحرب بني النضير ، فحاصرهم ، وأجلاهم ، وفيهم نزلت"سورة الحشر" بأسرها. انظر سيرة ابن هشام 3 : 199 - 213.
(74) لم تزل هذه مقالة كل طاعن على رسول الله من المستشرقين وأذنابهم في كل أرض ، والكفر كله ملة واحدة ، والذي يلقى على ألسنتهم ، هو الذي ألقى على لسان هذا اليهودي الفاجر ، عدو الله وعدو رسوله.
(75) قوله: "نطعم ما هبت الريح" ، يراد به معنى الدوام. ولو أرادوا به زمن الشتاء في القحط ، لكان صوابًا.
(76) في المطبوعة: "وأبو رافع" بزيادة الواو ، وهو خطأ: "أبو رافع" كنية سلام ابن أبي الحقيق. والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(77) في المطبوعة: "والربيع بن أبي الحقيق" أسقط"بن الربيع" ، والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(78) "أبو عمار" في المطبوعة في الموضعين"أبو عامر" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(79) "أبو عمار" في المطبوعة في الموضعين"أبو عامر" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(80) الأثر: 9792 - سيرة ابن هشام 2: 210 ، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: 9724.
(81) الموسم: مجتمع الناس ، في سوق أو في حج أو غيرهما.
(82) في المطبوعة: "أن يكون" ، وهو خطأ لا ريب فيه ، صوابه ما أثبت.
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم " الذين لعنهم الله "، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته، بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وكفرهم بالله ورسوله عنادًا منهم لله ولرسوله، وبقولهم للذين كفروا: هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا =" ومن يلعن الله "، يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته =" فلن تجد له نصيرًا "، يقول: فلن تجد له، يا محمد، ناصرًا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به، فيدفع ذلك عنه، كما:-
9795 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن &; 8-472 &; قتادة قال: قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا = يعني من قولهما: هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا = وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنـزل الله: " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا ". (1)
------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف: 439 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك = وتفسير"النصير" فيما سلف: 430 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ﴿٥٣﴾
القول في تأويل قوله : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أم لهم نصيب من الملك "، أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك، (2) كما:-
9796 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أم لهم نصيب من الملك "، يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا.
9797 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: قال الله: " أم لهم نصيب من الملك "، قال: فليس لهم نصيب من الملك، [لم يؤتوا الناس نقيرًا] =" فإذا لا يؤتون الناس نقيرًا "، (3) ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى: " النقير ".
فقال بعضهم: هو النقطة التي في ظهر النواة.
*ذكر من قال ذلك:
9798 - حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " نقيرًا "، يقول: النقطة التي في ظهر النواة.
9799 - حدثني سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: النقير الذي في ظهر النواة. (4)
9800 - حدثني جعفر بن محمد الكوفي المروزي قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: النقير وَسط النواة. (5)
9801 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا "،" النقير " نقيرُ النواة: وَسطها.
9802 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا "، يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا = و " النقير "، النكتة التي في وَسَط النواة.
9803 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني طلحة بن عمرو: أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول: النقير الذي في ظَهر النواة.
9804 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: " النقير "، النقرة التي تكون في ظهر النواة.
9805 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك قال: " النقير "، الذي في ظهر النواة.
* * *
وقال آخرون: " النقير "، الحبة التي تكون في وَسَط النواة.
*ذكر من قال ذلك:
9806 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " نقيرًا "، قال: " النقير "، حبة النواة التي في وَسَطها.
9807 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا "، قال: النقير، حبة النواة التي في وسطها.
9808 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: " النقير "، في النوى.
9809 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: " النقير "، نقير النواة الذي في وسطها.
9810 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: " النقير "، نقير النواة الذي يكون في وَسط النواة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجل الشيء بَطَرف أصابعه.
*ذكر من قال ذلك:
9811 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء قال، سمعت أبا العالية: ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة، ثم رفعهما وقال: هذا النقير. (6)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال، إن الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى " النقير "، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر. ورفع قوله: " لا يؤتون الناس "، ولم ينصبْ بـ " إذَنْ"، ومن حكمها أن تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدئ الكلام بها، لأن معها " فاء ". ومن حكمها إذا دخل فيها بعضُ حروف العطف، أن توجه إلى الابتداء بها مرة، وإلى النقل عنها إلى غيرها أخرى. وهذا الموضع مما أريد بـ " الفاء " فيه، النقل عن " إذَنْ" إلى ما بعدها، وأن يكون معنى الكلام: أم لهم نصيب، فلا يؤتون الناس نقيرًا إذَنْ. (7)
-----------------
الهوامش :
(2) انظر تفسير"النصيب" فيما سلف: 460 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة حذف جملة"لم يؤتوا الناس نقيرًا" كلها ، وهي في الحقيقة جملة قلقة ، فأثبتها كما هي بين قوسين.
(4) الأثر: 9799 - انظر التعليق على الأثر رقم: 9745.
(5) الأثر: 9800 -"جعفر بن محمد الكوفي المروزي" ، لم أعرف من هو ، ولكني رأيت أبا جعفر روى عنه في التاريخ 5: 18 ، دون ذكر"المروزي" ، و"جعفر بن محمد" كثير ، ولكن لم أجد هذه النسب التي ذكرها الطبري. و"عبيد الله" لم أعرفه.
(6) الأثر: 9811 -"يزيد بن درهم ، أبي العلاء" مضى برقم: 9747 في مثل هذا الإسناد ، وقد علقت عليه هناك. وكان في المطبوعة هنا أيضًا"زيد بن درهم" ، وقد بينت خطأ ذلك هناك. أما المخطوطة هنا ، فكان فيها: "عن ابن در بن درهم" سيئة الكتابة ، متصلة الراءين ، غير منقوطة.
(7) القول في"إذن" استوفاه الفراء في معاني القرآن 1: 273 ، 274.
أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ﴿٥٤﴾
القول في تأويل قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أم يحسدون الناس "، أم يحسد هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود، كما:-
9812 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " أم يحسدون الناس "، قال: يهود.
9813 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9814 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.
* * *
وأما قوله: " الناس "، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عَنَى الله به.
فقال بعضهم: عنى الله بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم خاصةً.
*ذكر من قال ذلك:
9815 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال، أخبرنا هشيم، عن خالد، عن عكرمة في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، قال: " الناس " في هذا الموضع، النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصةً.
9816 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
9817 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.
9818 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، قال: " الناس "، محمدًا صلى الله عليه وسلم.
9819 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون: بل عنى الله به العرب.
*ذكر من قال ذلك:
9820 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، أولئك اليهود، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله عاتب اليهودَ الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلا على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذَبة = : أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله. (8)
* * *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: " هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا "، فإلحاق قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل = أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل " الفضل " الذي أخبر الله أنه آتى الذين ذكرهم في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ". (9) فقال بعضهم: ذلك " الفضل " هو النبوّة.
*ذكر من قال ذلك:
9821 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله. بعث الله منهم نبيًا، فحسدوهم على ذلك.
9822 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " على ما آتاهم الله من فضله "، قال: النبوة.
وقال آخرون: بل ذلك " الفضل " الذي ذكر الله أنه آتاهموه، هو إباحته ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء، ينكح منهن ما شاء بغير عدد. قالوا: وإنما يعني: بـ " الناس "، محمدًا صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرتُ قبل.
*ذكر من قال ذلك:
9823 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " الآية، وذلك أن أهل الكتاب قالوا: " زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، ليس همه إلا النكاح! فأيّ ملك أفضَلُ من هذا "! فقال الله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ".
9824 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، يعني: محمدًا، أن ينكح ما شَاء من النساء.
9825 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، وذلك أن اليهود قالوا: " ما شأن محمد أُعطي النبوّة كما يزعم، وهو جائع عارٍ، وليس له هم إلا نكاحُ النساء؟" فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحل الله لمحمد أن ينكح منهن ما شاء أن ينكح. (10)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل: أن معنى " الفضل " في هذا الموضع: النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم = لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمة الله عليهم، (11) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء = وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده = بتقريظ لهم ومدح.
* * *
القول في تأويل قوله : فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أم يحسد هؤلاء اليهود = الذين وصف صفتهم في هذه الآيات = الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، من أجل أنهم ليسوا منهم؟ فكيف لا يحسدون آل إبراهيم، فقد آتيناهم الكتاب = ويعني بقوله: " فقد آتينا آل إبراهيم "، فقد أعطينا آل إبراهيم، يعني: أهله وأتباعه على دينه (12) " الكتاب "، يعني كتاب الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزّبور، وسائر ما آتاهم من الكتب.
* * *
= وأما " الحكمة "، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابًا مقروءًا (13) " وآتيناهم ملكًا عظيمًا ".
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الملك العظيم " الذي عناه الله في هذه الآية. (14)
فقال بعضهم: هو النبوّة.
*ذكر من قال ذلك:
9826 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ، قال: يهود =" على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب "، وليسوا منهم =" والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، قال: النبوّة.
9827 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = إلا أنه قال: " ملكًا "، النبوّة.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك تحليلُ النساء. قالوا: وإنما عنى الله بذلك: أم يحسدون محمدًا على ما أحلّ الله له من النساء، فقد أحل الله مثل الذي أحله له منهن، لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، فكيف لم يحسدوهم على ذلك، وحسدوا محمدًا عليه السلام؟
*ذكر من قال ذلك:
9828 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فقد آتينا آل إبراهيم "، سليمان وداود =" الحكمة "، يعني: النبوة =" وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، في النساء، فما باله حَلّ لأولئك وهم أنبياء: أن ينكح داود تسعًا وتسعين امرأة، وينكح سليمان مئة، ولا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا؟
* * *
وقال آخرون: بل معنى قوله: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، الذي آتى سليمان بن داود.
*ذكر من قال ذلك:
9829 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا ". يعني ملكَ سليمان.
* * *
وقال آخرون: بل كانوا أُيِّدوا بالملائكة.
*ذكر من قال ذلك:
9830 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن همام بن الحارث: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، قال: أُيِّدوا بالملائكة والجنود.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية = وهي قوله: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " = القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: " يعني ملك سليمان ". لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن. (15) لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها.
------------------
الهوامش :
(8) في المطبوعة: "أم يحسدون" ، والصواب من المخطوطة.
(9) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف في فهارس اللغة.
(10) الأثر: 9825 - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت الضحاك يقول" ، أسقط من الإسناد ما أثبته. وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم: 9819.
وقد أسلفت أن مقالة اليهود هذه ، قد تلقفها من بعدهم أهل الضغن على محمد رسول الله ، ولا يزالون يبثونها في كتبهم ، وقد تعلق بها أشياعهم من أهل الضلالة المتعبدين لسادتهم من المستشرقين في زماننا هذا.
(11) في المطبوعة: "رضي الله عنهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد فعلت ذلك مرارًا دون أن أنبه عليه في بعض المواضع.
(12) انظر تفسير"آل" فيما سلف 2: 37 / 3: 222 ، تعليق: 1 / 6: 326.
(13) انظر تفسير"الحكمة" فيما سلف 7: 369 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(14) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 - 150 / 2: 488 / 5: 312 ، 314 ، 371 / 6: 299 ، 300.
(15) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 - 150 / 2: 488 / 5: 312 ، 314 ، 371 / 6: 299 ، 300.
فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴿٥٥﴾
القول في تأويل قوله عز وجل : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن الذين أوتوا الكتاب = من يهود بني إسرائيل، الذين قال لهم جل ثناؤه: آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا =" مَنْ آمن به "، يقول: من صدَّق بما أنـزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدّقًا لما معهم =" ومنهم من صدّ عنه "، ومنهم من أعرَض عن التصديق به، (16) كما:-
9831 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فمنهم من آمن به "، قال: بما أنـزل على محمد من يهود =" ومنهم من صدّ عنه ".
9832 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنـزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله: آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا في الدنيا، (17) وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنـزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فلما آمن بَعضُهم، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيرًا. (18)
* * *
ويعني بقوله: " وكفى بجهنم سعيرًا "، وحسبكم، أيها المكذبون بما أنـزلت على محمد نبيي ورسولي =" بجهنم سعيرًا "، يعني: بنار جهنم، تُسعَر عليكم = أي: تُوقدُ عليكم.
* * *
= وقيل: " سعيرًا "، أصله " مسعورًا "، من " سُعِرت تُسعَر فهي مسعورة "، كما قال الله: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [سورة التكوير: 12]، ولكنها صرفت إلى " فعيل "، كما قيل: " كف خضيب "، و " لحية دهين "، بمعنى: مخضوبة ومدهونة - و " السعير "، الوقود. (19)
--------------
الهوامش :
(16) انظر تفسير"الصد" فيما سلف 4: 300 / 7: 53.
(17) هي الآية السالفة من"سورة النساء" رقم: 47.
(18) انظر ما سلف ص: 445س : 4 وما بعده.
(19) انظر تفسير"السعير" فيما سلف: 30.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ
قال أبو جعفر: هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنـزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار، وبرسوله. يقول الله لهم: إن الذين جحدوا ما أنـزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، من آياتي = يعني: من آيات تنـزيله، ووَحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم = فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به =" سوف نصليهم نارًا "، يقول: سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها = أي يشوون فيها (20) =" كلما نضجت جلودهم "، يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت =" بدلناهم جلودًا غيرها "، يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت، كما:-
9833 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "، قال: إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا بيضًا أمثالَ القراطيس. (21)
9834 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم &; 8-485 &; بدلناهم جلودًا غيرَها "، يقول: كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرَها.
9835 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " كلما نضجت جلودهم "، قال: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول: جلدُ أحدهم أربعون ذراعًا، (22) وسِنُّه سبعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل وَسِعه. (23) فإذا أكلت النار جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها.
9836 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قال: بلغني عن الحسن: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها "، قال: ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة.
9837 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن الحسن قوله: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم غيرها "، قال: تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد. قال: وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعًا، والله أعلم بأيِّ ذراع! (24) .
* * *
قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وما معنى قوله جل ثناؤه: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلودًا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا، فيعذَّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندك، فأجز أن يُبدَّلوا أجسامًا وأرواحًا غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذّب! وإن أجزت ذلك، لزمك أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار، غيرُ الذين أوعدهم الله العقابَ على كفرهم به ومعصيتهم إياه، وأن يكون الكفار قد ارتفعَ عنهم العذاب!!
* * *
قيل: إن الناس اختلفوا في معنى ذلك.
فقال بعضهم: العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، (25) وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب. وأما الجلد واللحم، فلا يألمان. قالوا: فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيره، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة، وإنما الآلمةُ المعذبةُ: النفسُ التي تُحِس الألم، ويصل إليها الوجع. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألَمُ.
* * *
وقال آخرون: بل الجلودُ تألم، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بني آدم. وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده، وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا: ومعنى قوله: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ": بدلناهم جلودًا غير محترقة. وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقتْ، فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل: " غيرها "، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا، التي عصوا الله وهى لهم. قالوا: وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتمًا من خاتم مَصُوغ، (26) بتحويله عن صياغته التي هُو بها، إلى صياغة أخرى: " صُغْ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره "، فيكسره ويصوغ له منه خاتمًا غيره، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتمًا قيل: " هو غيره ". قالوا: فكذلك معنى قوله: " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها "، لما &; 8-487 &; احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، (27) قيل: " هي غيرها "، على ذلك المعنى.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " كلما نضجت جلودهم "، (28) سرابيلهم، بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها. فجعلت السرابيل [من] القطران لهم جلودًا، (29) كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: " هو جِلدة ما بين عينيه ووجهه "، لخصُوصه به. قالوا: فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [سورة إبراهيم: 50]، لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، جعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر. قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار، فإنها لا تحترق، (30) لأن في احتراقها = إلى حال إعادتها = فناءَها، (31) وفي فنائها رَاحتها. قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره عنها: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا: وجلود الكفار أحد أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها. وإذا جاز ذلك، وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء، ثم الإعادة والموت، ثم الإحياء، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون. قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون، دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحدُ تلك الأجزاء.
* * *
وأما معنى قوله: " ليذوقوا العذاب "، فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم، ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته، بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها.
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)
قال أبو جعفر: يقول: إن الله لم يزل (32) =" عزيزًا " في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أرادَه بضرّ، ولا الانتصار منه أحدٌ أحلّ به عقوبة =" حكيمًا " في تدبيره وقضائه. (33)
-------------------
الهوامش :
(20) انظر تفسير"الإصلاء" فيما سلف: 27 - 29 ، 231.
(21) الأثر: 9833 -"ثوير" ، هو: ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة الهاشمي. مضت ترجمته برقم: 3212 ، 5414. وفي المطبوعة: "نوير" ، وفي المخطوطة غير منقوط.
في المطبوعة: "جلودًا بيضاء" ، وهو خطأ ، والصواب في المخطوطة.
و"القراطيس" جمع"قرطاس": وهو الصحيفة البيضاء التي يكتب فيها.
(22) في المطبوعة: "أن جلده..." ، وأثبت ما في المخطوطة. وعنى بذلك غلظ الجلد ، كما سيأتي في رقم: 9837.
(23) في المطبوعة: "لوسعه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(24) الأثر: 9837 -"أبو عبيدة الحداد" ، هو: عبد الواحد بن واصل السدوسي. مضت ترجمته برقم: 8284.
و"هشام بن حسان القردوسي" مضى برقم: 2827.
(25) في المخطوطة: "الذي هو الجلد واللحم" ، وهو لا يستقيم ، وأصاب ناشر المطبوعة الأولى في زيادة"غير".
(26) "استصاغه خاتما": طلب إليه أن يصوغ له خاتمًا. وهذه صيغة لم تذكرها كتب اللغة ، وهي عربية معرقة ، وقياس صحيح.
(27) في المطبوعة: "الاحتراق" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(28) في المطبوعة والمخطوطة: "وقال آخرون: معنى ذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(29) الزيادة التي بين القوسين ، لا غنى عنها.
(30) في المطبوعة: "لا تحرق" والجيد ما في المخطوطة كما أثبته.
(31) يعني: أنها عندئذ تفنى حتى تعاد مرة أخرى ، وفناؤه يوجب فترة يخف فيها عنهم العذاب. وهذا باطل كما سترى في الحجج التالية.
(32) انظر تفسير"كان" بمعنى: لم يزل فيما سلف: 426 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(33) انظر تفسير"عزيز" و"حكيم" في فهارس اللغة.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (57)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات "، والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّقوا بما أنـزل الله على محمد مصدّقًا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم =" وعملوا الصالحات "، يقول: وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو " الصالح " من أعمالهم =" سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار "، يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة =" جنات "، يعني: بساتين (34) =" تجري من تحتها الأنهار "، يقول: تجري من تحت تلك الجنات الأنهار =" خالدين فيها أبدًا "، يقول: باقين فيها أبدًا بغير نهاية ولا انقطاع، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا =" لهم فيها أزواج "، يقول: لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها =" أزواج &; 8-489 &; مطهرة "، يعني: بريئات من الأدناس والرَّيْب والحيض والغائط والبول والحَبَل والبُصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا. وقد ذكرنا ما في ذلك من الآثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها. (35)
* * *
وأما قوله: " وندخلهم ظِلا ظليلا "، فإنه يقول: وندخلهم ظلا كَنينًا، كما قال جل ثناؤه: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [سورة الواقعة: 30]، وكما:-
9838 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر = قالا جميعًا، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا الضحاك يحدّث، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّ في الجنة لشجرةً يسيرُ الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد. (36)
------------------
الهوامش :
(34) انظر تفسير"جنة" فيما سلف: 7: 494 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(35) انظر ما سلف 1: 395 - 397 / 6: 261 ، 262.
(36) الحديث: 9838 - عبد الرحمن: هو ابن مهدي.
أبو الضحاك البصري: تابعي ، لم يعرف إلا بهذا الحديث ، ولم يرو عنه أحد غير شعبة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 395.
والحديث رواه أحمد في المسند: 9870 ، عن محمد بن جعفر وحجاج ، و: 9951 ، عن عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي - ثلاثتهم عن شعبة. (المسند 2: 455 ، 462 حلبي).
وذكر الحافظ في المزي في تهذيب الكمال (مخطوط مصور) أنه رواه ابن ماجه في التفسير.
ونقله ابن كثير 2: 490 ، عن هذا الموضع من الطبري.
وأصل الحديث ثابت عن أبي هريرة ، من أوجه كثيرة ، في المسند والصحيحين وغيرهما ، دون زيادة"شجرة الخلد". انظر المسند: 7490. وقد أشرنا لكثير من طرقه هناك.
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ﴿٥٨﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
* * *
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عني بها ولاة أمور المسلمين.
*ذكر من قال ذلك:
9839 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم قال: نـزلت هذه الآية: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، في ولاة الأمر. (37)
9840 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ليث، عن شهر قال: نـزلت في الأمراء خاصة " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ".
9841 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد قال، قال علي رضي الله عنه كلماتٍ أصاب فيهن: " حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنـزل الله، وأن يؤدِّيَ الأمانة، وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا ". (38)
9842 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن علي بنحوه.
9843 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا موسى بن عمير، عن مكحول في قول الله: وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، قال: هم أهلُ الآية التي قبلها: " إن الله يأمرُكم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها "، إلى آخر الآية.
9844 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن زيد قال، قال أبي: هم الوُلاة، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.
وقال آخرون: أمر السلطان بذلك: أن يعِظوا النساء. (39)
*ذكر من قال ذلك:
9845 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن الله يأمرُكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، قال: يعني السلطان، يعظون النساء. (40)
* * *
وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفتاح الكعبة، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة.
*ذكر من قال ذلك:
9846 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، قال: نـزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، (41) فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان &; 8-492 &; فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي! (42) ما سمعته يَتلوها قبل ذلك!
9847 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري قال: دفعه إليه وقال: أعينوه. (43)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: هو خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية (44) في: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، كما:-
9848 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) قال: قال أبي: هم السلاطين. وقرأ ابن زيد: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [سورة آل عمران: 26]، وإنما نقول: هم العلماء الذي يُطيفون على &; 8-493 &; السلطان، (45) ألا ترى أنه أمرهم فبدأ بهم، بالولاة فقال (46) " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "؟ و " الأمانات "، هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقَسْمه، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها =" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " الآية كلها. فأمر بهذا الولاة. ثم أقبل علينا نحن فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ .
* * *
وأما الذي قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نـزلت في عثمان بن طلحة، فإنه جائز أن تكون نـزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة، فدخلَ فيه ولاة أمور المسلمين، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا. ولذلك قال من قال: عُني به قضاءُ الدين، وردّ حقوق الناس، كالذي:-
9849 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، فإنه لم يرخص لموسِر ولا معسر أن يُمسكها.
9850 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، عن الحسن: أن &; 8-494 &; نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. (47)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = : إن الله يأمركم، يا معشر ولاة أمور المسلمين، أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيّتكم من فَيْئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم، على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها، ولا تستأثروا بشيء منها، ولا تضعوا شيئًا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصيرَ في أيديكم = ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكمُ الله الذي أنـزله في كتابه، وبيّنه على لسان رسوله، لا تعدُوا ذلك فتجورُوا عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين، إن الله نعم الشيء يَعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل (48)
* * *
=" إن الله كان سميعًا "، يقول: إن الله لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولما تُحاورونهم به (49) " بصيرًا " بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، (50) وما تقضون به بينهم من أحكامكم: بعدل تحكمون أو جَوْر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظٌ ذلك كلَّه، حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله.
------------------------
الهوامش :
(37) الأثر: 9839 -"أبو أسامة" هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشي ، مضى برقم: 5265. و"أبو مكين" هو: نوح بن ربيعة ، مضى برقم: 9742.
(38) الأثر: 9841 -"مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري". روى عن أبيه ، وعلي ، وطلحة ، وعكرمة ابن أبي جهل ، وغيرهم ، تابعي ثقة ، قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث". مترجم في التهذيب.
(39) في المطبوعة: "أن يعطوا الناس" ، غير ما في المخطوطة ، وهو الذي أثبته ، ولكنه كان في المخطوطة غير منقوط ، فلم يحسن قراءته ، فكتب ما لا معنى له. والمقصود بذلك أن على الأمراء أن يعظوا النساء في النشوز وغيره ، حتى يردوهن إلى أزواجهن. وهو القول المنسوب إلى ابن عباس في كتب التفسير.
(40) في المطبوعة: "يعظون الناس" ، وهو خطأ ، وانظر التعليق السالف.
(41) في المطبوعة: "مفاتيح الكعبة ، ودخل بها البيت" ، وكان في المخطوطة: "مفاتيح الكعبة ودخل به البيت" ، ورد اللفظ مفردًا"المفتاح" في هذا الأثر والذي يليه ، وكذلك نقله ابن كثير في تفسيره 2: 492"مفتاح الكعبة" بالإفراد ، فصححت نص المخطوطة ، كما في ابن كثير.
(42) في المطبوعة: "فداؤه أبي وأمي" ، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير.
(43) الأثر: 9847 -"الزنجي بن خالد" هو: مسلم بن خالد بن فروة ، أبو خالد الزنجي ، الفقيه المكي. وإنما سموه"الزنجي" قالوا: لأنه كان شديد السواد. وقالوا: لأنه كان أشقر كالبصلة. وقالوا: كان أبيض مشربًا بحمرة ، وإنما سمى"الزنجي" لمحبته التمر. قالت له جاريته: "ما أنت إلا زنجي" ، لأكل التمر ، فبقي عليه هذا اللقب.
ومن الزنجي تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكًا. ولكنهم تكلموا في حديثه ، فقال البخاري: "منكر الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به". وذكروا عللا في ضعف حديثه وهو صدوق. مترجم في التهذيب.
(44) في المطبوعة والمخطوطة: "فدل على ذلك ما وعظ به الرعية" ، وهو كلام فاسد جدًا ، أخل بحجة الطبري ، والصواب ما أثبت.
(45) حذف ناشر المطبوعة هذه الجملة إذ لم يفهمها ، وجعل سياق الكلام هكذا: "... ممن تشاء ، ألا ترى أنه أمر فقال: إن الله يأمركم" ، وهذا فساد شديد ، وهجر للأمانة ، وعبث بكلام أهل التاويل. وقائل هذا الكلام هو ابن زيد ، بعد أن ذكر تأويل أبيه زيد بن أسلم.
وقوله: "يطيفون على السلطان" هم الذين يقاربونه ويدنيهم في مجالسه ويستشيرهم. من قوله: "طاف بالشيء وطاف عليه= وأطاف به وأطاف عليه": دار حوله.
(46) في المطبوعة: "أنه أمر فقال..." كما ذكرت في التعليق السالف. وسياق عبارته أنه أمر العلماء بالولاة - فبدأ بهم ، أي: بالعلماء. والعلماء هم الذين يفتون الولاة في قسمة الفيء والصدقات ، لأنهم هم أهل العلم بها. فهذا خطاب للعلماء الذين ائتمنوا على الدين. ثم قال للولاة: "وإذا حكمتم بين الناس" ، كما ترى في سياق الأثر.
(47) الأثر: 9850 - قال ابن كثير في تفسيره 2: 490"وفي حديث الحسن ، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن".
(48) انظر تفسير"نعما" فيما سلف 5: 582.
(49) في المطبوعة: "ولم تجاوزوهم به" ، ولا معنى لها البتة ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكنه لم يفهم ما أراد ، فحرفه وغيره.