At-Tabari
· Aal-i-ImraanOpen in readerبَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٧٦﴾
القول في تأويل قوله : بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله عز وجل عمَّا لمنْ أدَّى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاءَ الله ومراقبتَه، عنده. (41) فقال جل ثناؤه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود، من أنه ليس عليهم في أموَال الأميين حرج ولا إثم، ثمّ قال: بلى، ولكن من أوفى بعهده واتقى - يعني: ولكن الذي أوفى بعهده، وذلك وصيته إياهم التي أوصاهم بها في التوراة، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به. (42)
* * *
و " الهاء " في قوله: " من أوفى بعهده "، عائدة على اسم " الله " في قوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ .
* * *
يقول: بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَدّق به وبما جاء به من الله، من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه =" واتقى "، يقول: واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به، وسائر معاصيه التي حرّمها عليه، فاجتنبَ ذلك مراقبةَ وعيد الله وخوفَ عقابه =" فإنّ الله يحبّ المتقين "، يعني: فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه، فيجتنبون ما نهاهم عنه وحرّمه عليهم، ويطيعونه فيما أمرهم به.
* * *
وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك.
7277 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " بلى من أوفى بعهده واتقى " يقول: اتقى الشرك =" فإنّ الله يحب المتقين "، يقول: الذين يتقون الشرك.
* * *
وقد بينا اختلافَ أهل التأويل في ذلك والصوابَ من القول فيه، بالأدلة الدّالة عليه، فيما مضى من كتابنا، بما فيه الكفاية عن إعادته. (43)
-----------------------------
الهوامش :
(41) في المطبوعة: "هذا إخبار من الله عز وجل عمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاء الله ومراقبته وعيده" ، والذي أثبت هو نص المخطوطة ، وهو الصواب المحض. والسياق: "وهذا إخبار من الله... عما لمن أدى أمانته... عنده". وقوله: "واتقاء الله ومراقبته" على النصب فيهما ، مفعول لأجله.
(42) انظر بيان معنى"أوفى" فيما سلف 1: 557-559 / 3: 348. وانظر تفسير"العهد" فيما سلف 1: 410-414 ، ثم 557-559 / 3: 20-24 ، 348 ، 349.
(43) انظر تفسير"اتقى" و"التقوى" فيما سلف 1: 232 ، 233 ، 364 / 2: 181 ، 457 / 4: 162 ، 244 ، 425 ، 426 / ثم 6: 261.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَـٰٓئِكَ لَا خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٧﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين يستبدلون - بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنـزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله - وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليها (44) =" ثمنًا "، يعني عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها (45) =" أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم. (46)
* * *
وقد بينا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في معنى " الخلاق "، ودللنا على &; 6-528 &; أولى أقوالهم في ذلك بالصواب، بما فيه الكفاية. (47)
* * *
وأما قوله: " ولا يكلمهم الله "، فإنه يعني: ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم =" ولا ينظر إليهم "، يقول: ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل لآخر: " انظُر إليّ نَظر الله إليك "، بمعنى: تعطف عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة = وكما يقال للرجل: " لا سمع الله لك دعاءَك "، يراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية، وكما قال الشاعر: (48)
دَعَــوْتُ اللــهَ حَـتى خِـفْتُ أَنْ لا
يَكْــونَ اللــهُ يَسْــمَعُ مَـا أَقُـولُ (49)
* * *
وقوله " ولا يُزكيهم "، يعني: ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم =" ولهم عذاب أليم "، يعني: ولهم عذابٌ موجع. (50)
* * *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنـزلت هذه الآية، ومن عني بها.
فقال بعضهم نـزلت في أحبار من أحبار اليهود.
ذكر من قال ذلك:
7278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: نـزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله &; 6-529 &; وأيمانهم ثمنًا قليلا "، في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في الأشعث بن قيس وخصم له.
ذكر من قال ذلك:
7279 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان = فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنـزل الله عز وجل: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. (51)
7280 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم، عن عدي بن عدي، عن رجاء بن حيوة والعُرس أنهما حدثاه، عن أبيه عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومةٌ، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: " بيِّنَتَك، وإلا فيمينه ". قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حقّ أخيه ، لقي الله وهو عليه غضبان. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها، وهو يعلم أنها حقّ؟ قال: الجنة. قال: فإني أشهدك أني قد تركتها = قال جرير: فكنت مع أيوب السختياني حين سمعنا هذا الحديث من عدي، فقال أيوب: إنّ عديًّا قال في حديث العُرْس بن عميرة: فنـزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " إلى آخر الآية = قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عدي. (52)
7281 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل، أخذها لتعزُّزه في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقم بينتك. قال الرجل: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث! قال: فلك يمينه. فقام الأشعث ليحلف، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية، فنكلَ الأشعَث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق. فرد إليه أرضَه، وزاده من أرض نفسه زيادةً كثيرةً، مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده. (53)
7282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنـزل الله تصديق ذلك: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. ثم إن الأشعث بن قيس خَرَج إلينا فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صَدَق، لفيَّ أنـزلت! كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شاهداك أو يمينه. فقلت: إذًا يحلف ولا يُبالي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان "، ثم أنـزل الله عز وجل تصديقَ ذلك: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، الآية. (54)
* * *
وقال آخرون بما:-
7283 - حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال، أخبرني داود بن أبي هند، عن عامر: أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنـزل الله عز وجل: " إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " .
7284 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رجل، عن مجاهد نحوه.
7285 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا) الآية، إلى: " ولهم عذاب أليم "، أنـزلهم الله بمنـزلة السَّحَرة.
7286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن عمران بن حصين كان يقول: من حَلفَ على يمين فاجرة يقتطع بها مالَ أخيه، فليتبوَّأ مقعده من النار. فقال له قائل: شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لتجدون ذلك. ثم قرأ هذه الآية: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. (55)
7287 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال، قال محمد، عن عمران بن حصين: من حلف على يمين مَصْبورَة فليتبوّأ بوجهه مقعده من النار. ثم قرأ هذه الآية كلها: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ". (56)
7288 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر. ثم تلا " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".
7289 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود كان يقول: كنا نَرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من الذنب الذي لا يُغفر: يمين الصَّبر، إذا فجر فيها صاحبها. (57)
* * *
------------------------
الهوامش :
(44) سياق الجملة: "إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله... وبأيمانهم الكاذبة... ثمنًا...
(45) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف 1: 311-315 ، 565 / 2: 316 ، 317 ثم 341 ، 342 ، ثم 452 / 3: 328.
وانظر تفسير"ثمنًا قليلا" فيما سلف 2: 565 / 3: 328.
(46) في المخطوطة والمطبوعة: "دون غيرها" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(47) انظر ما سلف 2: 452-454 / 4: 201-203.
(48) هو شمير بن الحارث الضبي ، ويقال"سمير" بالمهملة ، مصغرًا- وهو جاهلي.
(49) نوادر أبي زيد: 124 ، والخزانة 2: 363 ، واللسان (سمع) ، وبعده:
لِيَحْــمِلَني عَــلَى فَــرَسٍ, فَـإِنِّي
ضَعِيــفُ المَشْـيِ, لِلأَدْنَـى حَـمُولُ
و"يسمع ما أقول" ، يستجيب ، كقولنا: "سمع الله لمن حمده".
(50) انظر تفسير"التزكية" فيما سلف 1: 573 ، 574 / 3: 88 / 5: 29 = و"أليم" 1: 283 / 2 : 140 ، 377 ، 469 ، 540 / 3: 330 ، وغيرها ، فاطلبه في فهارس اللغة.
(51) الحديث: 7279- أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي.
وهذا الحديث في الحقيقة حديثان: أوله من حديث عبد الله بن مسعود ، وآخره في سبب نزول الآية من حديث الأشعث بن قيس.
والأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي ، صحابي معروف.
والحديث رواه أحمد: 3597 ، 4049 ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد.
ثم رواه بالإسناد نفسه ، في مسند"الأشعث بن قيس" ، ج 5 ص 211 (حلبي).
وكذلك رواه البخاري 5: 53 ، 206 (فتح الباري) ، من طريق أبي معاوية.
ورواه مسلم 1: 49-50 ، من طريق أبي معاوية ووكيع - كلاهما عن الأعمش.
ورواه أحمد مختصرًا ، عن ابن مسعود وحده ، من أوجه أخر: 3576 ، 3946 ، 4212.
ورواه أيضًا ، مختصرًا ومطولا ، في مسند الأشعث بن قيس ، من ثلاثة أوجه أخر ، ج 5 ص 211-212 (حلبي).
وكذلك رواه البخاري من أوجه ، مختصرًا ومطولا ، في مواضع غير الموضعين السابقين 5: 25 ، 207 ، 211 ، و 11: 473 ، 485-490 (وهنا شرحه الحافظ شرحًا وافيًا) ، و 13: 156 ، 364.
ورواه مسلم من وجهين أيضًا 1: 50.
وذكره ابن كثير 2: 172: 173 ، من رواية المسند عن أبي معاوية ، ثم ذكره من روايته الأخيرة في مسند الأشعث بن قيس.
وذكره السيوطي 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.
وسيأتي أيضًا: 7282 ، من رواية منصور ، عن شقيق ، وهو أبو وائل ، به ، نحوه.
(52) الحديث: 7280- عدي بن عدي بن عميرة الكندي: تابعي ثقة معروف ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 44: "سيد أهل الجزيرة". وهو يروي عن أبيه ، ولكنه روى عنه هنا بواسطة عمه العرس بن عميرة ورجاء بن حيوة.
رجاء بن حيوة - بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة: تابعي ثقة كثير العلم والحديث. وهو من رهط امرئ القيس بن عابس الكندي صاحب هذه الحادثة. جدهما الأعلى: "امرؤ القيس ابن عمرو بن معاوية الأكرمين الكندي".
العرس - بضم العين المهملة وسكون الراء وآخره سين مهملة: هو ابن عميرة الكندي ، وهو صحابي ، جزم البخاري بصحبته ، وروى له حديثًا في الكبير 4 / 1 / 87. وهو أخو عدي بن عميرة ، وعم عدي ابن عدي.
عدي بن عميرة بن فروة الكندي: صحابي معروف ، يكنى"أبا زرارة" ، له أحاديث في صحيح مسلم ، كما قال الحافظ في الإصابة.
و"عميرة": بفتح العين وكسر الميم ، كما نص عليه في المشتبه للذهبي وغيره. وضبط في طبقات ابن سعد 6: 36 بضمة فوق العين. وهو خطأ صرف ، فإن اسم"عميرة" بالضم - من أسماء النساء. وضبط في الطبقات على الصواب في ترجمة أخرى لعدي 7 / 2 / 176.
ووقع في المخطوطة هنا"عدي بن عمير" و"العرس بن عمير" - بدون هاء في آخره فيهما. وهو خطأ.
والحديث رواه أحمد في المسند 4: 191-192 (حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن جرير ابن حازم ، بهذا الإسناد ، نحوه.
ثم رواه ، ص: 192 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون ، "حدثنا جرير بن حازم" ، بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظ الحديث كله. ووقع في نسخة المسند المطبوعة في هذا الموضع سقط قول أحمد: "حدثنا يزيد" ، وهو خطأ واضح. وثبت على الصواب في مخطوطة المسند المرموز لها بحرف"م".
وذكره ابن كثير 2: 172 ، من رواية المسند الأولى ، ثم قال: "ورواه النسائي ، من حديث عدي بن عدي ، به" ، وهو يريد بذلك السنن الكبرى ، فإنه ليس في السنن الصغرى.
ولذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 178 ، وقال: "رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، ورجالهما ثقات".
وهو في الدر المنثور 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الشعب ، وابن عساكر.
(53) الحديث: 7281- هذا حديث مرسل ، لم يذكر ابن جريج من حدثه به. فهو ضعيف الإسناد.
وقول ابن جريج"قال آخرون" - هو ثابت في المخطوطة والمطبوعة. ولم يذكره السيوطي ، فلعله اختصره.
ومعناه أن ابن جريج كان يتحدث في شأن نزول الآية ، والظاهر أنه تحدث بخبر قبل هذا ، ثم قال: "وقال آخرون" - فذكر هذا الحديث. ولعله ذكر الآية الماضية: 7279- ، أو الآتية: 7282 ، أو نحو ذلك ، ثم أتى بروايته هذه المرسلة.
وهي ضعيفة الإسناد كما قلنا لإرسالها. ثم هي ضعيفة لما فيها من منافاة لتينك الروايتين الصحيحتين:
أن الخصومة كانت بين الأشعث ورجل يهودي ، وأن اليهودي كان المدعى عليه الذي عليه اليمين ، وأن الأشعث قال: "إذن يحلف". فهي ضعيفة الإسناد ، ضعيفة السياق.
وهذه الرواية ذكرها السيوطي 2: 44 ، ولم ينسبها لغير الطبري.
وقوله: "فقام الأشعث ليحلف" - هذا هو الثابت في المطبوعة ، وهو الصواب إن شاء الله. وفي المخطوطة: "فحلف" ، وهو خطأ ، يدل على غلطه قوله بعد"فنكل". والنكول إنما يكون عند عرض اليمين أو الهم بالحلف. أما بعد الحلف فلا يكون نكول ، بل رجوع إلى الحق ، أو إقرار به ، ولا يسمى نكولا. وفي الدر المنثور: "فقال الأشعث: نحلف" - والظاهر أنه تصحيف.
(54) الحديث: 7282- جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي. ومنصور: هو ابن المعتمر. وشقيق: هو أبو وائل.
وهذا الحديث هو الحديث السابق: 7279 ، بنحوه. ذاك من رواية الأعمش عن أبي وائل ، وهذا من رواية منصور عن أبي وائل. وقد بينا تخريجه هناك.
ونذكر هنا أن من روايات البخاري إياه ، روايته في 5: 207 (فتح) ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم 1: 50 ، عن إسحاق بن إبراهيم -وهو ابن راهويه- عن جرير ، به ، ولم يذكر لفظه.
ورواه أحمد في المسند 5: 211 (حلبي) ، عن زياد البكائي عن منصور.
ورواه البخاري 11: 473 ، من طريق شعبة ، عن سليمان - وهو الأعمش - ومنصور ، كلاهما عن أبي وائل.
ورواه أيضًا 13: 156 ، من طريق سفيان ، وهو الثوري عن منصور.
(55) الحديث: 7286- هذا إسناد مرسل ، قتادة -وهو ابن دعامة-: لم يدرك عمران ابن حصين ، مات عمران سنة 52 ، وولد قتادة سنة 61.
وسيأتي الحديث عقب هذا بإسناد آخر متصل.
(56) الحديث: 7287- موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، وحسين بن علي الجعفي: ترجمنا لهما فيما مضى: 174.
زائدة: هو ابن قدامة الثقفي ، مضى في: 4897.
هشام: هو ابن حسان.
محمد: هو ابن سيرين. ووقع هنا في المخطوطة والمطبوعة: "قال محمد بن عمران بن حصين"! وهو خطأ صرف ، حرفت كلمة"عن" إلى"بن". والصواب ما أثبتنا: "محمد ، عن عمران بن حصين". وهكذا مخرج الحديث ، كما سيأتي.
وهذا الحديث ظاهره هنا أنه موقوف. ولكنه في الحقيقة مرفوع ، حتى لو كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - على اليقين- مرفوع حكمًا ، لأن الوعيد الذي فيه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس ، ولا مما يدرك بالاستنباط من القرآن. ثم قد ثبت رفعه صريحًا ، من هذا الوجه:
فرواه أحمد في المسند 4: 436 ، 441 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون: "أخبرنا هشام ، عن محمد ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار". ولم يذكر فيه الاستشهاد بالآية.
وكذلك رواه أبو داود: 3242 ، عن محمد بن الصباح البزاز ، عن يزيد بن هارون به ، نحوه.
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 4: 294 ، من طريق يزيد بن هارون ، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 47 ، من رواية أبي داود والحاكم.
وذكره السيوطي 2: 46 ، بنحو رواية الطبري هنا: موقوفًا لفظًا مع الاستشهاد بالآية - ونسبه لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، وابن جرير ، والحاكم ، مع اختلاف السياق بين الروايتين ، كما هو ظاهر. وذلك منه دلالة على أنه لا فرق بين رفعه ووقفه لفظًا ، إذ كان مرفوعًا حكمًا ولا بد.
"اليمين المصبورة" و"يمين الصبر" - قال القاضي عياض في المشارق 2: 38"من الحبس والقهر" ، بمعنى"إلزامها والإجبار عليها".
وقال الخطابي في معالم السنن ، رقم: 3115 من تهذيب السنن: "اليمين المصبورة ، هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم ، فيصبر من أجلها ، أي يحبس. وهي يمين الصبر ، وأصل الصبر: الحبس. ومن هذا قولهم: قتل فلان صبرًا ، أي حبسًا على القتل وقهرًا عليه".
(57) الحديث: 7289- هذا إسناد مرسل. فإن قتادة لم يدرك ابن مسعود. ولد بعد موته بنحو 29 سنة.
والحديث لم أجده إلا عند السيوطي 2: 46 ونسبه لابن جرير فقط.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٨﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإنّ من أهل الكتاب = وهم اليهود الذين كانوا حَوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده، من بني إسرائيل.
* * *
و " الهاء والميم " في قوله: " منهم "، عائدة على أَهْلِ الْكِتَابِ الذين ذكرهم في قوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ .
وقوله =" لفريقًا "، يعني: جماعة (1) =" يلوون "، يعني: يحرِّفون =" ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب "، يعني: لتظنوا أن الذي يحرّفونه بكلامهم من كتاب الله وتنـزيله. (2) يقول الله عز وجل: وما ذلك الذي لوَوْا به ألسنتهم فحرّفوه وأحدثوه من كتاب الله، (3) ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله =" من عند الله "، يقول: مما أنـزله الله على أنبيائه =" وما هو من عند الله "، يقول: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم فأحدثوه، مما أنـزله الله إلى أحد من أنبيائه، ولكنه مما أحدثوه من قِبَل أنفسهم افتراء على الله.
= يقول عز وجل: " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "، يعني بذلك: أنهم يتعمدون قِيلَ الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب &; 6-536 &; الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا.
* * *
وبنحو ما قلنا في معنى " يلوون ألسنتهم بالكتاب "، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
7290 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب "، قال: يحرفونه.
7291- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7292 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب "، حتى بلغ: " وهم يعلمون "، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله.
7293 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7294 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب "، وهم اليهود، كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينـزل اللهُ.
7295 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وإن منهم لفريقًا يلوونَ ألسنتهم بالكتاب "، قال: فريقٌ من أهل الكتاب =" يلوون ألسنتهم "، وذلك تحريفهم إياه عن موضعه.
* * *
قال أبو جعفر: وأصل " الليّ"، الفَتْل والقلب. من قول القائل: " لوَى &; 6-537 &; فلانٌ يدَ فلان "، إذا فَتلها وقَلبها، ومنه قول الشاعر: (4)
لَوَى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ (5)
يقال منه: " لوى يدَه ولسانه يلوي ليًّا " =" وما لوى ظهر فلان أحد "، إذا لم يصرعه أحدٌ، ولم يَفتل ظهره إنسان =" وإنه لألوَى بعيدُ المستمر "، إذا كان شديد الخصومة، صابرًا عليها، لا يُغلب فيها، قال الشاعر: (6)
فَلَـوْ كَـانَ فِـي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ
لَلَــوَّيْتُ أَعْنَـاقَ الخُـصُومِ المَلاوِيَـا (7)
----------------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"فريق" فيما سلف 2: 244 ، 245 ، ثم 402 / 3: 549.
(2) في المطبوعة"لكلامهم" باللام ، ولم يحسن قراءة المخطوطة.
(3) قوله: "وما ذلك. . . من كتاب الله": ليس ذلك. . . من كتاب الله ، هذا هو السياق.
(4) هو فرعان بن الأعرف السعدي التميمي ، ويقال: فرعان بن أصبح بن الأعرف.
(5) كتاب العققة لأبي عبيدة (نوادر المخطوطات: 7) ص: 360 ، الحماسة 3: 10 ، معجم الشعراء: 317 ، العيني بهامش الخزانة 2: 398 ، واللسان (لوى) وسيأتي بتمامه في التفسير 15: 160 (بولاق) ، وغيرها ، أبيات يقولها فرعان بن الأعرف في ابنه منازل ، وكان عق أباه وضربه ، لأنه تزوج على أمه امرأة شابة ، فغضب لأمه ، ثم استاق مال أبيه واعتزل مع أمه ، فقال فيه:
جَـزَتْ رَحِـمٌ بَيْنـي وَبَيْــنَ مُنَـازِلٍ
جَـزَاءً, كَمَـا يَسْـتَنْزِلُ الـدَّيْنَ طـالِبُهْ
وَمَـا كُـنْتُ أَخْشَـى أنْ يَكُـونَ منازلٌ
عَـدُوّي, وَأَدْنَـى شَـانِئٍ أَنَـا رَاهِبُـهْ
حَـمَلْتُ عَـلَى ظَهْرِي, وفَدَّيْتُ صَاحِبي
صَغِـيرًا, إلَـى أَنْ أَمْكَـنَ الطَّرَّ شَارِبُهْ
وَأَطْعَمْتُـه, حَـتَّى إِذَا صَـارَ شَـيْظَمًا
يَكـادُ يُسَـاوِي غَـارِبَ الفَحْـلِ غَارِبُهْ
تَخَـوّنَ مـالِي ظَالِمًـا, وَلَـوَى يَدِي!
لَـوَى يَـدَه اللـهُ الَّـذِي هُـو غَالِبُـهْ
من أبيات كثيرة ، فيقال: إن منازلا ، أصبح وقد لوى الله يده. ثم ابتلاه الله بابن آخر عقه كما عق أباه ، واستاق ماله ، فقال فيه:
تَظَلَّمَنِــي مَــالِي خَــليجٌ وعَقَّنِـي
عَـلَى حِـينَ كَـانَتْ كـالحَنيِّ عظامي
في أبيات. وقد أتم البيت أبو جعفر في التفسير بعد ، وصدره هناك: "تظلمني مالي كذا ، ولوى يدي". وهي إحدى الروايات فيه.
(6) هو مجنون بني عامر.
(7) ليس في ديوانه ، وهو في الأغاني 2: 38 ، مع أبيات ، واللسان (شدا) ، (شذا) ، (لوى) ، وغيرها ، وقبله:
يَقُـولُ أُنَـاسٌ: عَـلَّ مَجْـنُونَ عَـامِرٍ
يَـرُومُ سُـلُوًّا! قُلْــتُ: إِنِّـي لِمَـا بِيَا
وَقَـدْ لاَمَنِـي فـي حُـبِّ لَيْلَى أَقَارِبِي
أَخِـي, وَابْـنُ عَمِّي, وَابنُ خَالِي, وَخَالِيَا
يَقُولُـونَ: لَيْـلَى أَهْـلُ بَيْـتِ عَدَاوة!!
بِنَفْسِــي لَيْـلَى مــن عَـدُوٍّ ومَالِيَـا
ورواية اللسان وغيره: "أعناق المطى" ، ورواية صاحب الأغاني"أعناق الخصوم" كما رواها أبو جعفر ، ولكن من سوء صنيع ناشري الأغاني أنهم خالفوا أصول الأغاني جميعًا ، لرواية أخرى ، مع صحة الرواية التي طرحوها ، وهي رواية أبي جعفر وأبي الفرج ، وقوله: "شدًا من خصومة" ، ويروى"شذًا من خصومة". والشذا: حد كل شيء. ومن معانيه أيضًا طرف من الشيء ، أو بقية منه. و"الملاوي" جمع"ملوى" مصدر ميمي من"لوى". يقول: لو خاصموني في ليلى خصومة حديدة ، لفتلت أعناقهم حتى أذهب بأرواحهم. وأما رواية"المطى" مكان"الخصوم" ، وهي رواية ابن الأعرابي ، فكأنه يقول: لو علمت في ليلى بعض ما يقولون من الخصومة والعداوة لأهلي وعشيرتي ، لأعرضت عنها إعراض من يأنف لعشيرته ويحمى لها غضبًا وحفيظة ، ولفارقتها.
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿٧٩﴾
القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر.
* * *
و " البشر " جمع بني آدم لا واحد له من لفظه مثل: " القوم " و " الخلق ". وقد يكون اسمًا لواحد =" أن يؤتيه الله الكتاب " يقول: أن ينـزل الله عليه كتابه =" والحكم " يعني: ويعلمه فصْل الحكمة =" والنبوة "، يقول: ويعطيه النبوّة =" ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله "، يعني: ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والحكم والنبوة. ولكن إذا آتاه الله ذلك، فإنما يدعوهم إلى العلم بالله، ويحدوهم على معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء في المعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمةً في طاعته وعبادته، بكونهم معلِّمي الناس الكتاب، وبكونهم دَارِسيه. (8)
* * *
وقيل: إنّ هذه الآية نـزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلى عبادتك؟ كما:-
7296 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي = (9) حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام = : أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: (10) أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال = فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني = أو كما قال. فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (11) " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة "، الآية إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
7297- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه. (12)
7298 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا &; 6-540 &; عبادًا لي من دون الله "، يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوةَ، يأمر عبادَه أن يتخذوه ربًّا من دون الله.
7299 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7300 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله عز وجل: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله "، ثم يأمر الناس بغير ما أنـزل الله في كتابه.
* * *
القول في تأويل قوله : وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: " ولكن " يقول لهم: " كونوا ربانيين "، فترك " القول "، استغناء بدلالة الكلام عليه.
* * *
وأما قوله: " كونوا ربانيين "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علماء.
ذكر من قال ذلك:
7301 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء علماء.
7302 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء علماء.
&; 6-541 &;
7303 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين مثله.
7304 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين: " ولكن كونوا ربانيين "، حكماء علماء.
7305 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: كونوا فقهاء علماء.
7306 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: فقهاء.
7307 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7308 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال أخبرني القاسم، عن مجاهد قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، قال: فقهاء.
7309 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، قال: كونوا فقهاء علماء.
7310 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن منصور بن المعتمر، عن أبي رزين في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: علماء حكماء = قال معمر: قال قتادة.
7311 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " كونوا ربانيين "، أما " الربانيون "، فالحكماء الفقهاء.
7312 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا سفيان، عن &; 6-542 &; ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " الربانيون "، الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار.
7313 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، يقول: كونوا حكماء فقهاء.
7314 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي حمزة الثمالي، عن يحيى بن عقيل في قوله: الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [سورة المائدة: 63]، قال: الفقهاء العلماء.
7315 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس مثله.
7316 - حدثني ابن سنان القزاز قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: كونوا حكماء فقهاء.
7317 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " كونوا ربانيين "، يقول: كونوا فقهاء علماء.
* * *
وقال آخرون: بل هم الحكماء الأتقياء.
ذكر من قال ذلك:
7318 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قوله: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء أتقياء.
* * *
&; 6-543 &;
وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم.
ذكر من قال ذلك:
7319 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: الربانيون: الذين يربُّون الناس، ولاة هذا الأمر، يرُبُّونهم: يلونهم. وقرأ: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [سورة المائدة: 63]، قال: الربانيون: الولاة، والأحبار العلماء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في" الربانيين " أنهم جمع " رباني"، وأن " الرباني" المنسوب إلى " الرَّبَّان "، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و " يربّها "، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:
وَكُـنْتُ امْـرَأً أَفْضَـتْ إلَيْـكَ رِبَابَتي
وَقَبْلَــكَ رَبَّتْنـي, فَضِعْـتُ, رُبُـوبُ (13)
يعني بقوله: " ربتني": ولي أمري والقيامَ به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعتُ.
يقال منه: " رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه ". (14) فإذا أريد به المبالغة في مدْحه قيل: " هو ربّان "، كما يقال: " هو نعسان " من قولهم: " نعَس يَنعُس ". وأكثر ما يجيء من الأسماء على " فَعْلان " ما كان من الأفعال ماضيه على " فَعِل " مثل قولهم: " هو سكران، وعطشان، وريان " من " سَكِر يسكَر، وعطِش يعطَش، ورَوي يرْوَى ". وقد يجيء مما كان ماضيه على " فَعَل يَفعُل "، نحو ما قلنا من " نَعَس يَنعُس " و " ربَّ يَرُبّ".
فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وكان " الربَّان " ما ذكرنا، &; 6-544 &; و " الربّاني" هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ = وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم = وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وَليه المقسطون من المصْلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاحُ عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم = كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] ممن دَخل في قوله عز وجل: " ولكن كونوا ربانيين " . (15)
ف " الربانيون " إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: " وهم فوق الأحبار "، لأن " الأحبارَ" هم العلماء، و " الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم. (16)
* * *
القول في تأويل قوله : بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز وبعض البصريين: ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) بفتح " التاء " وتخفيف " اللام "، يعني: بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم.
&; 6-545 &;
واعتلُّوا لاختيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب = كذلك، لو كان التشديد في" اللام " وضم " التاء " = لكان الصواب في: " تدرسون "، بضم " التاء " وتشديد " الراء ". (17)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ) بضم " التاء " من " تعلمون "، وتشديد " اللام "، بمعنى: بتعليمكم الناسَ الكتابَ ودراستكم إياه.
واعتلوا لاختيارهم ذلك، بأن مَنْ وصفهم بالتعليم، فقد وصفهم بالعلم، إذ لا يعلِّمون إلا بعد علمهم بما يعلِّمون. قالوا: ولا موصوف بأنه " يعلم "، إلا وهو موصوف بأنه " عالم ". قالوا: فأما الموصوف بأنه " عالم "، فغير موصوف بأنه معلِّم غيره. قالوا: فأولى القراءتين بالصواب أبلغهما في مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناسَ الكتابَ، كما:-
7320 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قرأ: " بما كنتم تَعلَمون الكتابَ وبما كنتم تَدْرسون "، مخففةً بنصب " التاء " = وقال ابن عيينة: ما علَّموه حتى علِموه!
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأه بضم " التاء " وتشديد " اللام ". لأن الله عز وجل وصف القوم بأنهم أهل عمادٍ للناس في دينهم ودنياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية.
يقول جل ثناؤه: " ولكن كونوا ربانيين "، على ما بينا قبل من معنى " الرباني"، &; 6-546 &; ثم أخبر تعالى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس وتربية لهم بتعليمهم إياهم كتابَ ربِّهم.
* * *
= و " دراستهم " إياه: تلاوته. (18)
* * *
وقد قيل: " دراستهم "، الفقه.
* * *
وأشبه التأويلين بالدراسة ما قلنا: من تلاوة الكتاب، لأنه عطف على قوله: " تعلمون الكتاب "،" والكتاب " هو القرآن، فلأنْ تكون الدراسة معنيًّا بها دراسة القرآن، أولى من أن تكون معنيًّا بها دراسة الفقه الذي لم يجرِ له ذكرٌ.
ذكر من قال ذلك: (19)
7321 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال يحيى بن آدم قال، أبو زكريا: كان عاصم يقرأها: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ )، قال: القرآن =( وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )، قال: الفقه.
* * *
فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا، أيها الناس، سادة الناس، وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربَّانيِّين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه.
------------------
الهوامش :
(8) انظر تفسير"آتي" و"الحكم" ، و"النبوة" فيما سلف من فهارس اللغة مادة (أتى) (حكم) (نبأ).
(9) أبو رافع القرظي ، هو سلام بن أبي الحقيق اليهودي.
(10) في المطبوعة: "الرئيس" ، وفي المخطوطة: "الريس" غير منقوطة ، وهو في سيرة ابن هشام المطبوعة الأوربية والمصرية: "الربيس" مثل"سكيت" (بكسر الراء وتشديد الباء المكسورة). وربيس السامرة: هو كبيرهم. وفي التعليقات على سيرة ابن هشام. الطبعة الأوروبية"الريس ، والرئيس" معًا ، وكأن الصواب هو ما جاء في نص ابن هشام الأول.
(11) في سيرة ابن هشام: "من قولهما" ، وهي أجود ، ولعل هذه من قلم الناسخ.
(12) الأثران: 7296 ، 7297- سيرة ابن هشام 2: 202 ، 203 ، وهما من تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7223 ، وفي الطبري اختلاف في قليل من اللفظ.
(13) سلف البيت وتخريجه وشرحه في 1: 142.
(14) انظر تفسير"رب" فيما سلف 1: 141 ، 142.
(15) في المطبوعة: "كانوا جميعًا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله..." ، وهي عبارة سقيمة غير المخطوطة كما شاء. وفي المخطوطة: "كانوا جميعًا مستحقون أن ممن دخل في قوله..." ، وظاهر أن الناسخ جعل"يستحقون" ، "مستحقون" ، وهو خطأ في الإعراب ، وسقط من عجلته قوله: "يكونوا" ، فزدتها بين القوسين ، فاستقام الكلام.
(16) هذا التفسير قل أن تجده في كتاب من كتب اللغة ، وهو من أجود ما قرأت في معنى"الرباني" ، وهو من أحسن التوجيه في فهم معاني العربية ، والبصر بمعاني كتاب الله. فرحم الله أبا جعفر رحمة ترفعه درجات عند ربه.
(17) في المطبوعة: "بأن الصواب لو كان التشديد في اللام..." ، حذف من المخطوطة"كذلك"بعد" بأن الصواب" ، وظاهر أن موضع الخطأ هو سقوط"الواو" قبل قوله: "لو كان التشديد". فأثبتها ، واستقام الكلام.
(18) في المخطوطة والمطبوعة: "ودراستهم إياه وتلاوته" ، بزيادة الواو قبل"تلاوته" والسياق بين في أنه يفسر معنى"الدراسة" ، وأنهما تأويلان ، كما سيأتي ، فحذفت الواو ، وفصلت بين الكلامين.
(19) أنا أرتاب في سياق هذا الموضع من التفسير ، وأخشى أن يكون سقط من النساخ شيء.
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿٨٠﴾
القول في تأويل قوله : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا يأمركم ".
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة: ( وَلا يَأْمُرُكُمْ )، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمركم، أيها الناس، أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها، وهي: ( " وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ " )، فاستدلوا بدخول " لن "، على انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف. قالوا: فلما صير مكان " لن " في قراءتنا " لا "، وجبت قراءَته بالرفع. (20)
* * *
وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: ( وَلا يَأْمُرَكُمْ )، بنصب " الراء " ، عطفًا على قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ . وكان تأويله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب، ثم يقولَ للناس، ولا أن يأمرَكم = بمعنى: ولا كان له أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك: " ولا يأمرَكم "، بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأويل: (21) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ، ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله = ولا أنْ يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. لأن الآية نـزلت في سبب القوم الذين قالوا لرسول &; 6-548 &; الله صلى الله عليه وسلم: (22) " أتريد أن نعبدك "؟ فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه ليس لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناسَ إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا. ولكن الذي له: أنْ يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين.
* * *
فأما الذي ادَّعى من قرأ ذلك رفعًا، (23) أنه في قراءة عبد الله: " ولن يأمركم " استشهادًا لصحة قراءته بالرفع، فذلك خبر غيرُ صحيح سَنَده، وإنما هو خبر رواه حجاج، عن هارون الأعور (24) أنّ ذلك في قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سنده، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجة. لأن ما كان على صحته من القراءة من الكتاب الذي جاءَ به المسلمون وراثةً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا يجوز تركه لتأويلٍ على قراءة أضيفت إلى بعض الصحابة، (25) بنقل من يجوز في نقله الخطأ والسهو.
* * *
&; 6-549 &;
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: وما كان للنبي أن يأمركم، أيها الناس، (26) " أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا " = يعني بذلك آلهة يعبدون من دون الله =، كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي من دون الله.
* * *
ثم قال جل ثناؤه = نافيًا عن نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأمرَ عباده بذلك =: " أيأمُركم بالكفر "، أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله =" بعد إذ أنتم مسلمون "، يعني: بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة = (27) أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا. وقد:-
7322 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: " ولا يأمركم " النبيُّ صلى الله عليه وسلم =" أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربايًا ".
----------------------
الهوامش :
(20) هذا وجه ذكره الفراء في معاني القرآن 1: 224 ، 225.
(21) في المطبوعة والمخطوطة: "بتأول" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(22) في المطبوعة: "في سب القوم.." ، وهو باطل المعنى ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، يعني بقوله: "في سب القوم..." ، من جراء القوم وبسبب قولهم ما قالوا.
(23) يعني الفراء كما أسلفنا في التعليق رقم: 1 ، ص: 547.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: ". . . عن هارون لا يجوز أن ذلك..." ، وهو كلام بلا معنى ، جعل الناشرين الأولين للتفسير يكتبون في وجوه تأويلها وتصويبها خلطًا لا معنى له أيضًا ، والصواب ما أثبت. وهذا من التصحيف الغريب في نسخ النساخ.
وحجاج ، هو: "حجاج بن محمد المصيصي الأعور" سكن بغداد ، ثم تحول إلى المصيصة قال أحمد: "ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف" ورفع أمره جدًا. كان ثقة صدوقًا ، ثم تحول من المصيصة فعاد إلى بغداد في حاجة له ، فمات بها سنة 206 ، وعند مرجعه هذا إلى بغداد كان قد تغير وخلط ، فرآه يحيى بن معين ، فقال لابنه: "لا تدخل عليه أحدًا" ، ولكن روى الحافظ في ترجمة سنيد ابن داود ما يدل على أن حجاجًا قد حدث في حال اختلاطه ، حتى ذكره أبو العرب القيرواني في الضعفاء ، لسبب الاختلاط. وأخشى أن يكون الطبري ، إنما أشار إلى هذا ، وإلى رواية سنيد عنه في حال اختلاطه ، فقال إن إسناده غير صحيح ، لأنه من رواية سنيد عنه.
وأما "هارون الأعور" فهو: "هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور العتكي" علامة صدوق نبيل ، له قراءة معروفة. وهو من الثقات. وكلاهما مترجم في التهذيب ، وفي الطبقات القراء لابن الجزري.
(25) في المطبوعة: "لتأويل نحو قراءة..." ، وهي عبارة مريضة ، وسبب ذلك أنه لم يحسن قراءة"على" لسوء حظ الناسخ ، فكتبها"نحو" ، فمرضت العبارة.
(26) في المخطوطة: "وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا..." ، وهي عبارة مستقيمة المعنى ، أما المخطوطة فقد كانت فيها عجيبة من عجائب التصحيف - وقد كثر تصحيف الناسخ في هذا الموضع كما ترى وذلك أنه كتب: "وما كان للنبي أن يأمر كما نهى الناس" ، وصل ألف"أيها" بالميم في"يأمركم" ، ثم قرأ"يها" من"أيها" ، "نهى" ، وكتبها كذلك. وكأن الناسخ كان قد تعب وكل ، فكل مع كلالة ذهنه. وجاء الناشر ، فلم يجد لذلك معنى فحذفه. كل هو أيضًا من كثرة تصحيف الناسخ!!
(27) في المطبوعة: "بالعبودية" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولم يدع الناشر كلمة"العبودة" إلا جعلها"العبودية" في كل ما سلف. انظر آخر تعليق على ذلك ص: 404 ، تعليق: 2.
وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿٨١﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا، يا أهل الكتاب،" إذ أخذ الله ميثاق النبيين "، يعني: حين أخذ الله ميثاق النبيين =" وميثاقهم "، ما وثقوا به على أنفسهم طاعةَ الله فيما أمرهم ونهاهم.
* * *
وقد بينا أصل " الميثاق " باختلاف أهل التأويل فيه، بما فيه الكفاية. (28)
* * *
=: " لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، (29) فاختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق ( لَمَا آتَيْتُكُمْ ) بفتح " اللام " من " لما "، إلا أنهم اختلفوا في قراءة: "آتيتكم ".
فقرأه بعضهم: "آتيتكم " على التوحيد.
وقرأه آخرون: (آتينَاكم) على الجمع.
* * *
ثم اختلف أهل العربية إذا قرئ ذلك كذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: " اللام " التي مع " ما " في أول الكلام " لام الابتداء "، نحو قول القائل: " لزيدٌ أفضل منك "، لأن " ما " اسم، والذي بعدها صلة لها، (30) " واللام " التي في: " لتؤمنن به ولتنصرنه "، لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمنن به = يؤكد في أول الكلام وفي آخره، كما يقال: " أما والله أن لو جئتني &; 6-551 &; لكان كذا وكذا "، وقد يستغنى عنها. فوكَّد في: " لتؤمنن به "، باللام في آخر الكلام. (31) وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر " ما آتيتكم من كتاب وحكمة "" لتؤمنن به ". مثل: " لعبد الله والله لتأتينَّه ". (32) قال: وإن شئت جعلت خبر " ما "" من كتاب "، يريد: لما آتيتكم، كتابٌ وحكمة = وتكون " من " زائدة.
* * *
وخطّأ بعضُ نحويي الكوفيين ذلك كله وقال: " اللام " التي تدخل في أوائل الجزاء، تجابُ بجوابات الأيمان، يقال: " لَمَن قام لآتينّه "،" ولَمَن قام ما أحسن "، (33) فإذا وقع في جوابها " ما " و " لا "، علم أن اللام ليست بتوكيد للأولى، لأنه يوضع موضعها " ما " و " لا "، فتكون كالأولى، (34) وهي جواب للأولى. قال: وأما قوله: " لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، بمعنى إسقاط" من "، غلطٌ. لأن " منْ" التي تدخل وتخرج، لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع في الخبر أيضًا، إنما تقع في الجحد والاستفهام والجزاء. (35)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية - على قراءة من قرأ ذلك بفتح " اللام " - بالصواب: أن يكون قوله: " لما " بمعنى " لمهما "، وأن تكون " ما " حرف جزاء أدخلت عليها " اللام "، وصيِّر الفعل معها على " فَعَل "، (36) ثم &; 6-552 &; أجيبت بما تجاب به الأيمان، فصارت " اللام " الأولى يمينًا، إذ تُلقِّيت بجواب اليمين.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( لِمَا آتَيْتكُمْ )" بكسر " اللام " من " لما "، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة.
* * *
ثم اختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.
فقال بعضهم: معناه إذا قرئ كذلك: وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم = فـ" ما " على هذه القراءة. بمعنى " الذي" عندهم. وكان تأويل الكلام: وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة = ثم " جاءكم رسول "، يعني: ثم إنْ جاءكم رسول، يعني: ذكر محمد في التوراة =" لتؤمنن به "، أي: ليكونن إيمانكم به، للذي عندكم في التوراة من ذكره.
* * *
وقال آخرون منهم: تأويل ذلك إذا قرئ بكسر " اللام " من " لما ": وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين، للذي آتاهم من الحكمة. ثم جعل قوله: " لتؤمنن به " من الأخذِ أخذِ الميثاق. كما يقال في الكلام: " أخذتُ ميثاقك لتفعلن ". لأن أخذ الميثاق بمنـزلة الاستحلاف. فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول: وإذ استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متى جاءهم رسولٌ مصدق لما معهم، ليؤمننّ به ولينصرنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءةُ من قرأ: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم "، بفتح " اللام ". لأن الله عز وجل أخذ ميثاقَ جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم، كان ممن آتاه كتابًا أو ممن لم يؤته كتابًا. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عز وجل ورسله، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذْ كان ذلك &; 6-553 &; كذلك، وكان معلومًا أن منهم من أنـزل عليه الكتابَ، وأنّ منهم من لم ينـزل عليه الكتاب = كان بينًا أن قراءة من قرأ ذلك: " لمِا آتيتكم "، بكسر " اللام "، بمعنى: من أجل الذي آتيتكم من كتاب، لا وجه له مفهومٌ إلا على تأويل بعيد، وانتزاع عميق.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رُسل الله مصدّقًا لما معه.
فقال بعضهم: إنما أخذ الله بذلك ميثاقَ أهل الكتاب دون أنبيائهم. واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله: " لتؤمنن به ولتنصرنه ". قالوا: فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرّسل من الأمم بالإيمان برسل الله ونُصْرتها على من خالفها. وأما الرسل، فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد، لأنها المحتاجةُ إلى المعونة على من خالفها من كفَرة بني آدم. فأما هي، فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها. قالوا: وإذا لم يكن غيرُها وغيرُ الأمم الكافرة، فمن الذي ينصر النبي، فيؤخذ ميثاقه بنصرته؟
ذكر من قال ذلك:
7323 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، قال: هي خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود: " وإذ أخذَ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ". (37)
&; 6-554 &;
7324 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7325 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين "، يقول: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وكذلك كان يقرؤها الربيع: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب "، إنما هي أهل الكتاب. (38) قال: وكذلك كان يقرأها أبي بن كعب. قال الربيع: ألا ترى أنه يقول: " ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه؟ يقول: لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولتنصرنه. قال: هم أهل الكتاب.
* * *
وقال آخرون: بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك، الأنبياءُ دون أممها.
ذكر من قال ذلك:
&; 6-555 &;
7326 - حدثني المثنى وأحمد بن حازم قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
7327 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين "، أن يصدّق بعضُهم بعضًا.
7328 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم " الآية، قال: أخذ الله ميثاق الأوَل من الأنبياء، ليصدقن وليؤمنن بما جَاء به الآخِرُ منهم.
7329 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عُمر، (39) عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب قال: لم يبعث الله عز وجل نبيًّا، آدمَ فمن بعدَه - إلا أخذ عليه العهدَ في محمد: لئن بعث وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرَنّه = ويأمرُه فيأخذ العهدَ على قومه، فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية.
7330 - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب "، الآية: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضُهم بعضًا، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم - فيما بلَّغتهم رُسلهم - أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدّقوه وينصروه.
&; 6-556 &;
7331 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية. قال: لم يبعث الله عز وجل نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء.
7332 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور قال، سألت الحسن عن قوله: " وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية كلها، قال: أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلِّغن آخرُكم أولكم، ولا تختلفوا.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه أخذ ميثاق النبيين وأممهم = فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر أممها، لأن في ذكر أخذ الميثاق على المتبوع، دلالةٌ على أخذه على التبَّاع، لأن الأمم هم تُبَّاعُ الأنبياء. (40)
ذكر من قال ذلك:
7333 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم - يعني على أهل الكتاب - وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه - يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم - إذا جاءَهم، وإقرارهم به على أنفسهم. فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة " إلى آخر الآية. (41)
7334 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد &; 6-557 &; بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: الخبرُ عن أخذ الله الميثاقَ من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا، وأخذ الأنبياء على أممها وتُبَّاعها الميثاقَ بنحو الذي أخذَ عليها ربُّها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها. ولم يدَّع أحدٌ ممن صدَّق المرسلين، أن نبيًّا أرسِل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل وحُجَجه في عباده بل كلها = وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله، بجحودها نبوّته = مقرّةٌ بأنّ من ثبتت صحّة نبوته، فعليها الدينونة بتصديقه. فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم.
* * *
ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء. لأن الله عز وجل قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواءٌ قال قائل: " لم يأخذ ذلك منها ربها " أو قال: " لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت "، وقد نصّ الله عز وجل أنه أمرها بتبليغه، لأنهما جميعًا خبرَان من الله عنها: أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرَها. فإن جاز الشك في أحدهما، جازَ في الآخر.
* * *
وأما ما استشهد به الربيع بن أنس، على أن المعنيَّ بذلك أهلُ الكتاب من قوله: " لتؤمنن به ولتنصرنه "، فإن ذلك غير شاهد على صحة ما قال. لأن الأنبياء قد أمر بعضُها بتصديق بعض، وتصديقُ بعضها بعضًا، نُصرةٌ من بعضها بعضًا.
* * *
تم اختلفوا في الذين عُنوا بقوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ".
فقال بعضهم: الذين عنوا بذلك، هم الأنبياء، أخذت مواثيقهم أن يصدّق &; 6-558 &; بعضهم بعضًا وأن ينصروه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله. (42)
* * *
وقال آخرون: هم أهل الكتاب، أمروا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله وبنصرته، وأخذ ميثاقهم في كتبهم بذلك. وقد ذكرنا الرواية بذلك أيضًا عمن قاله. (43)
* * *
وقال آخرون = ممن قال: الذين عُنوا بأخذ الله ميثاقهم منهم في هذه الآية هم الأنبياء = قوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم "، معنيٌّ به أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
7335 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، قال أخذَ الله ميثاق النبيين أن يصدّق بعضهم بعضًا، ثم قال: " ثم جاءكم رسولٌ مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه "، قال: فهذه الآية لأهل الكتاب، أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدِّقوه.
7336 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه قال، قال قتادة: أخذ الله على النبيين ميثاقهم: أن يصدق بعضهم بعضًا، وأن يبلغوا كتابَ الله ورسالتَه إلى عباده، فبلَّغت الأنبياء كتابَ الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذوا مواثيقَ أهل الكتاب - في كتابهم، فيما بلَّغتهم رسلهم -: أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدّقوه وينصروه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندنا في تأويل هذه الآية: أنّ جميع ذلك خبرٌ من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أممها &; 6-559 &; إليه، (44) والإقرار به. لأن ابتداء الآية خبرٌ من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم فقال: هو كذا وهو كذا.
وإنما قلنا إنّ ما أخبر الله أنه أخذ به مواثيق أنبيائه من ذلك، قد أخذت الأنبياءُ مواثيق أممها به، لأنها أرسلت لتدعو عبادَ الله إلى الدينونة بما أمرت بالدينونة به في أنفسها، من تصديق رسل الله، على ما قدمنا البيانَ قبل.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية: واذكرُوا يا معشرَ أهل الكتاب، إذ أخذَ الله ميثاق النبيين لَمَهْما آتيتكم، أيها النبيون، من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدق لما معكم، لتؤمنن به = يقول: لتصدقنه = ولتنصرنه.
* * *
وقد قال السديّ في ذلك بما:-
7337 - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " لما آتيتكم "، يقول لليهود: أخذت ميثاقَ النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم.
* * *
فتأويل ذلك على قول السدّي الذي ذكرناه: واذكروا، يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبيين بما آتيتكم، أيها اليهود، من كتاب وحكمة. (45)
وهذا الذي قاله السدي كان تأويلا له وجهٌ، (46) لو كان التنـزيل: " بما آتيتكم "، ولكن التنـزيل باللام " لما آتيتكم ". وغير جائز في لغة أحد من العرب أن يقال: " أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم "، بمعنى: بما آتيتكم.
* * *
&; 6-560 &;
القول في تأويل قوله : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: أأقررتم بالميثاق الذي واثقتموني عليه: (47) من أنكم مهما أتاكم رسولٌ من عندي مصدق لما معكم =" لتؤمنن به ولتنصرنه " =" وأخذتم على ذلك إصري"؟ يقول: وأخذتم = على ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي والقيام بنصرتهم =" إصري". يعني عهدي ووصيتي، وقبلتم في ذلك منّي ورضيتموه.
* * *
و " الأخذ ": هو القبول - في هذا الموضع - والرّضى، من قولهم: " أخذ الوالي عليه البيعة "، بمعنى: بايعه وقبل ولايته ورَضي بها.
* * *
وقد بينا معنى " الإصر " باختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (48)
* * *
وحذفت " الفاء " من قوله: " قال أأقررتم "، لأنه ابتداء كلام، على نحو ما قد بينا في نظائره فيما مضى. (49)
* * *
&; 6-561 &;
وأما قوله: " قالوا أقررنا "، فإنه يعني به: قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقرَرْنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم.
* * *
القول في تأويل قوله : قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله: فاشهدوا، أيها النبيون، بما أخذتُ به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونُصرتهم على أنفسكم وعلى أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك، كما:-
7338 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، قال، أخبرنا سيف بن عمر، (50) عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب في قوله: " قال فاشهدوا "، يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك =" وأنا معكم من الشاهدين "، عليكم وعليهم.
-----------------
الهوامش :
(28) انظر ما سلف 1: 414 / 2: 156 ، 157 ، 288.
(29) في المطبوعة: "اختلفت" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(30) في المخطوطة: "لأن لما اسم..." ، وهو جيدًا أيضًا وتركت ما في المطبوعة على حاله.
(31) في المطبوعة: "فيؤكد في لتومنن به" ، والصواب ما في المخطوطة. و"وكد" و"أكد" واحد.
(32) في المطبوعة: "لا يأتينه" ، والصواب ما في المخطوطة.
(33) في المطبوعة: "اللام التي تدخل في أوائل الجزاء لا تجاب بما ولا لا" ، فلا يقال: لمن قام لا تتبعه ، ولا: لمن قام ما أحسن" ، أحدثوا في نص المخطوطة تغييرًا تامًا. فاضطرب الكلام اضطرابًا شديدًا ، واختلفت معانيه.
(34) يعني"ما" و"لا" التي يتلقى بها القسم.
(35) انظر ذلك فيما سلف 2: 126 ، 127 ، 442 ، 470.
(36) قوله: "على فعل" ، يعني على الفعل الماضي ، لا المضارع.
(37) بمثل هذا الأثر ، يستدل من يستدل من جهله المستشرقين وأشياعهم ، على الخطأ والتحريف في كتاب الله المحفوظ. وهم لم يكونوا أول من قال به ، بل سبقهم إليه أسلافهم من غلاة الرافضة وأشباههم من الملحدة. ولم يقصر علماء أهل الإسلام في بيان ما قالوه ، وفي تعقب آرائهم وبيان فسادها ، ووهن حجتها. ومن أعظم ما قرأت في ذلك ، كتاب"الانتصار لنقل القرآن" ، للقاضي الباقلاني ، وهو كتاب مخطوط لا يزال ، وهي في ملك أخي السيد أحمد صقر ، وهو أمين على نشره. وقد عقد القاضي بابًا ، بل أبوابًا ، في تعلق القائلين بذلك ، بالشواذ من القراءات ، والزيادات المروية عن السلف رواية الآحاد ، وكشف عن فساد تعلقهم بذلك فيما راموه من الطعن في نقل المصحف. وقد أطال في ذلك واستوعب ، وذكرها مفصلة ، وذكر الروايات التي رويت في ذلك. ومما قال في باب منه: "وأما نحن ، وإن كنا نوثق جميع من ذكرنا من السلف وأتباعهم ، فإنا لا نعتقد تصديق جميع ما يروى عنهم ، بل نعتقد أن فيه كذبًا كثيرًا قد قامت الدلالة على أنه موضوع عليهم ، وأن فيه ما يمكن أن يكون حقًا عنهم ، وما يمكن أن يكون باطلا ، ولا يثبت عليهم من طريق العلم البتات ، بأخبار الآحاد. وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت هذه القراءات والكلمات المروية عن جماعة منهم ، المخالفة لما في مصحفنا ، مما لا نعلم صحتها وثبوتها ، وكنا مع ذلك نعلم اجتماعهم على تسليم مصحف عثمان ، وقراءتهم وإقراءهم ما فيه ، والعمل به دون غيره = لم يجب أن نحفل بشيء من هذه الروايات عنهم ، لأجل ما ذكرنا".
قلت: والقول الذي ذكره مجاهد ، أنه: "خطأ من الكاتب" ، إنما عنى به أن قراءة ابن مسعود هي القراءة التي كانت في العرضة الأخيرة ، وأن الكاتب كتب القراءة التي كانت قبل العرضة الأخيرة ، وأنه كان عليه أن يكتب ما كان في العرضة الأخيرة ، فأخطأ وكتب القراءة الأولى. ولم يرد بقوله: "خطأ من الكاتب" ، أنه وضع ذلك من عند نفسه. كيف؟ والقرآن متلقى بالرواية والوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا بما هو مكتوب في الصحف!! هذا بيان قد تعجلته ، ولتفصيل هذا موضع غير الذي نحن فيه.
(38) في المخطوطة والمطبوعة: "إنما هي أهل الكتاب" ، ولها وجه ضعيف ، والصواب ما أثبت.
(39) في المطبوعة: "سيف بن عمرو" ، والصواب ما أثبت من المخطوطة: "سيف بن عمر التميمي" صاحب كتاب الردة والفتوح. أكثر الطبري الرواية عنه في تاريخه ، قال ابن عدي: "بعض أحاديثه مشهورة ، وعامتها منكرة لم يتابع عليها". وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات ، وقالوا: إنه كان يضع الحديث. اتهم بالزندقة". وقال الحاكم: "اتهم بالزندقة ، وهو في الرواية ساقط".
(40) في المطبوعة: "هم تباع الأنبياء" ، زاد"هم" بلا ضرورة. والصواب ما في المخطوطة.
(41) الأثران: 7333 ، 7334- سيرة ابن هشام 2: 203 ، وهما تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7296 ، 7297.
(42) انظر ما سلف من رقم: 7326-7332.
(43) انظر ما سلف من رقم: 7323-7325.
(44) في المطبوعة: "دعاء أممهم" ، وفي المخطوطة"أممها" كما أثبته ، والمخالفة بين الضمائر في هذا الموضع سياق صحيح ، فرددتها إلى أصل المخطوطة.
(45) في المخطوطة والمطبوعة: "لما آتيتكم" باللام ، والسياق دال على خلافه ، وعلى صواب ما أثبت.
(46) في المطبوعة: "كان تأويلا لا وجه غيره" ، وهو تصويب لما جاء في المخطوطة: "كان تأويلا لا وجه له" ، وهي عبارة لا تستقيم. ورأيت أن الناسخ عجل فكتب"لا وجه له" مكان"له وجه" ، فرددتها إلى هذا ، وخالفت المطبوعة.
(47) في المخطوطة والمطبوعة: "أقررتم..." بحذف ألف الاستفهام ، وهو فساد.
(48) انظر ما سلف في هذا الجزء: 6: 135-138.
(49) انظر ما سلف 2: 183.
(50) في المطبوعة هنا أيضًا"سيف بن عمرو" ، مخالفًا لما في المخطوطة وهو الصواب. وقد سلف تصويب ذلك في الأثر رقم: 7329. وسيأتي خطأ فيما يلي ، في مواضع كثيرة ، سوف أصححه دون إشارة إليه.
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٨٢﴾
القول في تأويل قوله : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهدَه وميثاقه =" بعد ذلك "، يعني بعد العهد والميثاق الذي أخذَه الله عليه =" فأولئك هم الفاسقون "، يعني بذلك: أن المتولين عن الإيمان بالرسل الذين وصف أمرَهم، ونُصرتهم بعد العهد والميثاق اللذين أخذَا عليهم بذلك =" هم الفاسقون "، يعني بذلك: الخارجون من دين الله وطاعة ربهم، (51)
كما:-
7339 - حدثنا المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب: فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم =" فأولئك هم الفاسقون "، هم العاصون في الكفر.
7340 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه = قال أبو جعفر: يعني الرازي = (52) " فمن تولى بعد ذلك " يقول: بعد العهد والميثاق الذي أخذَ عليهم =" فأولئك هم الفاسقون ".
&; 6-563 &;
7341 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، [عن أبيه]، عن الربيع مثله. (53)
* * *
قال أبو جعفر: وهاتان الآيتان، وإن كان مَخرَج الخبر فيهما من الله عز وجل بما أخبر أنه أشهدَ وأخذَ به ميثاقَ منْ أخذَ ميثاقه به، عن أنبيائه ورسله، (54) فإنه مقصودٌ به إخبارُ من كان حوالَي مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم، عَمَّا لله عليهم من العهد في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم = (55) ومعنيٌّ [به] تذكيرُهم ما كان الله آخذًا على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود، وما كانت أنبياءُ الله عرَّفتهم وتقدّمت إليهم في تصديقه واتباعه ونُصرته على من خالفه وكذبه = وتعريفهم ما في كتب الله، التي أنـزلها إلى أنبيائه التي ابتعثها إليهم، من صفته وعلامته.
-----------
الهوامش :
(51) انظر تفسير"تولى" و"الفاسقون" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) و (فسق).
(52) قوله: "قال أبو جعفر" فيما بين الخطين ، هو أبو جعفر الطبري صاحب هذا التفسير. وقوله"يعني الرازي" ، يعني"أبا جعفر الرازي" الذي قال في الإسناد"حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه". وبيان الطبري في هذا الموضع عن"أبي جعفر الرازي" بعد أن مضى مئات من المرات في هذا الإسناد وغيره من الأسانيد ، دليل على أن أبا جعفر الطبري ، قد كتب تفسيره هذا على فترات متباعدة = أو لعل أحدًا سأله وهو يملي تفسيره ، فبين له ، وأثبته الذين سمعوه منه كما قاله في مجلسه ذاك. وقد مضى"ذكر أبي جعفر الرازي" في التعليق على الأثر رقم: 164.
(53) الأثر: 7341- هذا إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم: 7234 ، أسقط منه الناسخ"عن أبيه" ، فوضعتها بين القوسين في مكانها.
(54) السياق: وإن كان مخرج الخبر... عن أنبيائه ورسله ، فإن مقصود به...
(55) في المطبوعة والمخطوطة: "ومعنى تذكيرهم..." ، والصواب الراجح زيادة ما زدت بين القوسين. وسياق هذه الجملة وما بعدها: فإنه مقصود به إخبار من كان حوالي مهاجر رسول الله... ومعنى به تذكيرهم... وتعريفهم ما في كتب الله... من صفته وعلامته". فصلتها لتسهل قراءتها وتتبعها.
أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾
القول في تأويل قوله : أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأته عامة قرأة الحجاز من مكة والمدينة، وقرأةُ الكوفة: ( " أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ " ) ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) على وجه الخطاب.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) بالياء كلتيهما، على وجه الخبر عن الغائب.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )، على وجه الخبر عن الغائب، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، بالتاء على وجه المخاطبة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ: " أفغير دين الله تبغون " على وجه الخطاب " وإليه تُرجعون " بالتاء. لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطاب نظيرَه، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره. وإن كان الوجه الآخر جائزًا، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، وأحيانًا بعضُه على الخطاب، وبعضُه على الغيبة، فقوله: " تبغون " و " إليه ترجعون " في هذه الآية، من ذلك. (56)
* * *
وتأويل الكلام: يا معشرَ أهل الكتاب =" أفغيرَ دين الله تبغون "، يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون، (57) =" وله أسلم من في السماوات والأرض "، يقول: وله خَشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودة، (58) وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (59) =" طوْعًا وكرهًا "، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين، &; 6-565 &; فإنهم أسلموا لله طائعين =" وكرهًا "، من كان منهم كارهًا. (60)
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى إسلام الكاره الإسلام وصفته.
فقال بعضهم: إسلامه، إقراره بأنّ الله خالقه وربُّه، وإن أشرك معه في العبادة غيرَه.
ذكر من قال ذلك:
7342 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " وله أسلم من في السموات والأرض "، قال: هو كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزمر: 38].
7343 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.
7344 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعون "، قال: كل آدميّ قد أقرّ على نفسه بأن الله ربّي وأنا عبده. فمن أشرَكَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا، ومن أخلص له العبودة، (61) فهو الذي أسلم طوعًا.
* * *
وقال آخرون: بل إسلام الكاره منهم، كان حين أخذَ منه الميثاق فأقرَّ به.
ذكر من قال ذلك:
7345 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: حين أخذَ الميثاق.
* * *
وقال آخرون؛ عنى بإسلام الكاره منهم، سُجودَ ظله.
ذكر من قال ذلك:
7346 - حدثنا سوَّار بن عبد الله قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: الطائع المؤمن = و " كرهًا "، ظلّ الكافر.
7347 - حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " طوعًا وكرهًا "، قال: سجود المؤمن طائعًا، وسجود الكافر وهو كاره.
7348 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كَرْهًا "، قال: سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كاره.
7349 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: سجود وجهه طائعًا، وظله كارهًا. (62)
* * *
وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه في مشيئة الله، واستقادته لأمره وإن أنكر ألوهته بلسانه.
ذكر من قال ذلك:
7350 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر: " وله أسلم من في السموات والأرض "، قال: استقاد كلهم له. (63)
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك إسلام من أسلم من الناس كرْهًا، حَذَر السيف على نفسه.
ذكر من قال ذلك:
7351 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا " الآية كلها، فقال: أكره أقوامٌ على الإسلام، وجاء أقوامٌ طائعين.
7352 - حدثني الحسن بن قزعة الباهلي قال، حدثنا روح بن عطاء، عن مطر الورّاق في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون "، قال: الملائكة طوعًا، والأنصار طوعًا، وبنو سُلَيمُ وعبد القيس طوعًا، والناس كلهم كرهًا.
* * *
وقال آخرون معنى ذلك: أنّ أهل الإيمان أسلموا طوعًا، وأنّ الكافر أسلم في حال المعاينة، حينَ لا ينفعه إسلامٌ، كرهًا.
ذكر من قال ذلك:
7353 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أفغير دين الله تبغون "، الآية، فأما المؤمن فأسلم طائعًا فنفعه ذلك، وقُبِل منه، وأما الكافر فأسلم كارهًا حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه.
7354 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: أما المؤمن فأسلم طائعًا، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأسَ الله، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سورة غافر: 85].
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أيْ: عبادةُ الخلق لله عز وجل. (64)
ذكر من قال ذلك:
7355 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " أفغير دين الله تبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: عبادتهم لي أجمعين طوعًا وكرهًا، وهو قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [سورة الرعد: 15].
* * *
وأما قوله: " وإليه تُرجعون "، فإنه يعني: " وإليه "، يا معشر من يبتغي غيرَ الإسلام دينًا من اليهود والنصارى وسائر الناس =" ترجعون "، يقول: إليه تصيرون بعد مماتكم، فمجازيكم بأعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءَته.
* * *
وهذا من الله عز وجل تحذيرٌ خلقَه أن يرجع إليه أحدٌ منهم فيصيرُ إليه بعد وفاته على غير ملة الإسلام.
* * *
------------------------
الهوامش :
(56) انظر ما سلف: 464 والتعليق رقم: 2 ، والمراجع هناك. وانظر فهرس مباحث العربية.
(57) انظر تفسير"الدين" فيما سلف 1: 115 ، 221 / 3: 571 / ثم 6: 273 ، 274 = ثم معنى"يبغي" فيما سلف 3: 508 / 4: 163 / ثم 6: 196 ، تعليق: 3.
(58) في المطبوعة: "العبودية" ، وأثبت ما في المخطوطة ، كما سلف مرارًا. انظر قريبًا: ص: 549 تعلق 2 ، والمراجع هناك.
(59) انظر تفسير"أسلم" فيما سلف ص: 489 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(60) انظر تفسير"الكره" فيما سلف 4: 297 ، 298.
(61) في المطبوعة: "العبودية" ، وانظر التعليق السالف رقم ص: 564 ، رقم: 3.
(62) في المخطوطة والمطبوعة: "سجود وجهه وظله طائعًا" ، وهو لا يستقيم ، واستظهرت من أخبار مجاهد السالفة ، أن هذا هو حق المعنى ، وأنه أولى بالصواب.
(63) الأثر: 7350-"جابر" هو: "جابر بن يزيد الجعفي". روى عن أبي الطفيل وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وطاوس. روى عنه شعبة والثوري وإسرائيل وجماعة. و"عامر" ، هو الشعبي. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "جابر بن عامر" ، وليس في الرواة أحد بهذا الاسم.
(64) في المطبوعة: "في عبادة الخلق" ، وفي المخطوطة"أن عبادة الخلق" ، وصوابه قراءتها ما أثبت.
قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ﴿٨٤﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " أفغير دين الله تبغون "، يا معشر اليهود،" وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون " = فإن ابتغوا غيرَ دين الله، يا محمد، فقل لهم: "آمَنَّا بِاللَّهِ"، فترك ذكر قوله: " فإن قالوا: نعم "، أو ذكر قوله: (1) " فإن ابتغوا غير دين الله "، لدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
وقوله: " قل آمنا بالله "، يعني به: قل لهم، يا محمد، : صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحدًا سواه =" وما أنزل علينا "، يقول: وقل: وصدَّقنا أيضًا بما أنـزل علينا من وَحيه وتنـزيله، فأقررنا به =" وما أنزل على إبراهيم "، يقول: وصدقنا أيضًا بما أنـزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب = وبما أنـزل على " الأسباط"، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماءَهم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2) =" وما أوتي موسى وعيسى "، يقول: وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنـزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي، وبما أنـزل على النبيين من عنده.
والذي آتى الله موسى وعيسى = مما أمرَ الله عز وجل محمدًا بتصديقهما فيه، والإيمان به = التوراة التي آتاها موسى، والإنجيل الذي أتاه عيسى.
=" لا نفرق بين أحد منهم "، يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، &; 6-570 &; ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم =" ونحن له مسلمون ". يعني: ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره.
ويعني بقوله: " ونحن له مسلمون ". ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، (3) مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره. وقد ذكرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضى، وكرهنا إعادته. (4)
--------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة: "وذكر قوله" ، جعل الواو مكان "أو" ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) انظر ما سلف 2: 120 ، 121 / 3: 111-113.
(3) في المطبوعة: "بالعبودية" كما فعل في سابقتها ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف قريبًا ص: 565 ، تعليق: 2.
(4) يعني ما سلف 3: 109-111 ، وهي نظيرة هذه الآية ، وانظر فهارس اللغة"سلم".
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿٨٥﴾
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه (5) =" وهو في الآخرة من الخاسرين "، يقول: من الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل. (6)
* * *
وذُكر أنّ أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم المسلمون، لما نـزلت هذه الآية، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين، لأن من سُنة الإسلام الحج، فامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم.
ذكر الخبر بذلك:
7356 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال، زعم عكرمة: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا "، فقالت الملل: نحن المسلمون! فأنـزل الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [سورة آل عمران: 97]، فحجَّ المسلمون، وقعدَ الكفار.
7357 - حدثني المثنى قال، حدثنا القعنبي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه "، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنـزلَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحُجُّهم أنْ: ( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ). (7)
7358 - حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نـزلت: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا " إلى آخر الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون! قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم إنْ: ( لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ ) من أهل الملل فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .
* * *
وقال آخرون: في هذه الآية بما:-
7359 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني &; 6-572 &; معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ إلى قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة البقرة: 62]، فأنـزل الله عز وجل بعد هذا: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ".
--------------------
الهوامش :
(5) انظر معنى"يبتغي" فيما سلف ص: 564 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(6) انظر تفسير"الخاسرين" فيما سلف 1: 417 / 2: 166 ، 572.
(7) الأثر: 7357-"القعنبي" ، هو: "عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي" ، روى عنه الأئمة. قال ابن سعد: "كان عابدًا فاضلا ، قرأ عن مالك كتبه". وقال العجلي: "قرأ عليه مالك نصف الموطأ ، وقرأ هو على مالك النصف الباقي" ، وسئل ابن المديني عنه فقال: "لا أقدم من رواة الموطأ أحدًا على القعنبي".
كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٨٦﴾
القول في تأويل قوله : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نـزلت.
فقال بعضهم: نـزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلمًا فارتدّ بعد إسلامه.
ذكر من قال ذلك:
7360 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ قال: فنـزلت: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " إلى قوله: " وجاءَهم البيناتُ والله لا يهدي القوم الظالمين ... إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم "، فأرسل إليه قومه فأسلم.
7361 - حدثني ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة بنحوه، ولم يرفعه إلى ابن عباس = إلا أنه قال: فكتب إليه قومه، فقال: ما كذَبني قومي! فرجع.
7362 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حكيم بن جُميع، عن علي بن مُسْهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار، فذكر نحوه. (8)
7363 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال، أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنـزل الله عز وجل فيه القرآن: " كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم " إلى " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ"، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدقُ منك، وإنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه.
7364 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدُوا أنّ الرسول حق "، قال: أنـزلت في الحارث بن سُوَيد الأنصاري، كفر بعد إيمانه، فأنـزل الله عز وجل فيه هذه الآيات، إلى: " أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "، &; 6-574 &; ثم تاب وأسلم، فنسخها الله عنه، فقال: " إلا الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ".
7365 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءَهم البينات "، قال: رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه.
7366 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7367 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه = قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: " أرسلوا، هل لي من توبة؟" قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع = قال ابن جريج، قال عكرمة، نـزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت = في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنـزلت: " إلا الذين تابوا من بعد ذلك "، الآيات.
* * *
وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نـزلت.
ذكر من قال ذلك:
7368 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم "، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به.
7369 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " الآية كلها، قال: اليهود والنصارى.
7370 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم " الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقٌّ، فلما بُعث من غيرهم حَسدوا العربَ على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم، حسدًا للعرب، حين بُعثَ من غيرهم.
7371 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم "، قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنـزيل ما قال الحسن: منْ أنّ هذه الآية معنيٌّ بها أهل الكتاب على ما قال، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم، بتأويل القرآن. (9) وجائز أن يكون الله عز وجل أنـزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات. ثم عرّف عباده سُنته فيهم، فيكون داخلا في ذلك كلّ من كان مؤمنًا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أنُ يبعث، ثم كفر به بعد أن بُعث، وكلّ من كان كافرًا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وهو حيٌّ عن &; 6-576 &; إسلامه. فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين وغيرُهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله.
* * *
فتأويل الآية إذًا: " كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم "، يعني: كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم =" بعد إيمانهم "، أي: بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه =" وَشهدوا أن الرسول حقّ"، يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا =" وجاءهم البينات "، يعني: وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك؟ =" والله لا يهدي القوم الظالمين "، يقول: والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة، وهم الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختارُوا الكفر على الإيمان.
* * *
وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى " الظلم "، وأنه وضعُ الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته. (10)
_________________________
الهوامش :
(8) الأثر: 7362-"حكيم بن جميع الكوفي" ، مترجم في الكبير 2 / 1 / 18 ، والجرح 1 / 2 / 202.
(9) هذا حكم جيد فاصل في هذه الآية ، وفي غيرها مما اختلف في معانيه المختلفون.
(10) انظر ما سلف 1: 523 ، 524 / ثم باقي المواضع في فهرس اللغة"ظلم" ، وانظر أيضًا فهارس اللغة في سائر ألفاظ الآية.
أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٨٧﴾
=" أولئك جزاؤهم "، يعني: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حَقّ -" جزاؤهم "، ثوابهم من عملهم الذي عملوه (11) =" أنّ عليهم لعنة الله "، يعني: أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، (12) ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب (13) =" أجمعين "، يعني: من جميعهم، لا من &; 6-577 &; بعض من سمَّاه جل ثناؤه من الملائكة والناس، ولكن من جميعهم. وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرًا.
* * *
وقد بينا صفة " لعنة الناس " الكافرَ في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. (14)
-------------------
الهوامش :
(11) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 ، وغيره في فهارس اللغة"جزى".
(12) في المخطوطة والمطبوعة: "أن حل بهم" ، فعل ماض ، والسياق يقتضي المضارع.
(13) في المخطوطة والمطبوعة: "ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم..." ، وهو كلام غير مستقيم ، وهو تصحيف لما كتبت ، كان في الأصل"الدعاما يسوءهم" بغير همزة"الدعاء" ، وبغير نقط"بما" ، فاشتبهت الحروف على الناسخ ، فحرفها إلى ما ترى.
(14) انظر ما سلف 2: 328 ، 329 / ثم 3: 254-258 ، 261-263 ، وفيها نظير ما في هذه الآية.
خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٨٨﴾
=" خالدين فيها " يعني: ماكثين فيها، يعني في عقوبة الله (15)
=" لا يخفَّف عنهم العذاب "، لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه (16) =" ولا هم ينظرون "، يعني: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون. (17) وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة. (18)
----------------
الهوامش :
(15) انظر تفسير"خالدين" فيما سلف 1: 397 ، 398 / 2: 287 / 4: 317 ، وفهارس اللغة.
(16) انظر تفسير"يخفف" فيما سلف 2: 316 ، 317 ، والتنفيس: والترفيه والتفريج هنا.
(17) انظر تفسير"ينظرون" في نظيرة هذه الآية فيما سلف 3: 264 ، 265 ، وقبله 2: 467 ، 468.
(18) في المخطوطة والمطبوعة: "وذلك كله أعني الخلود في العقوبة في الآخرة" ، وهي جملة فاسدة البناء والمعنى ، أخطأ الناسخ فهم مراد أبي جعفر ، فكتب ما كتب ، والصواب هو ما أثبت. فإن أبا جعفر قد لجأ إلى الاختصار في مواضع كثيرة من تفسيره ، منها هذا الموضع ، فلم يبين إعراب قوله تعالى: "لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون" ، وأهل الإعراب يعربونها حالا متداخلة - أي حالا من حال - لأن"خالدين" حال من الضمير في"عليهم". وأما أبو جعفر ، فهو يعدها جملة مستأنفة ، وهي بذلك بيان عن الخلود في النار. والدليل على صحة ذلك ، وعلى صحة ما أثبت من الصواب في نص أبي جعفر هنا ، أنه قال في تفسير نظيرة هذه الآية من"سورة البقرة: 162" في الجزء 3: 264 ما نصه.
"وأما قوله: " لا يخفف عنهم العذاب" ، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف". فهذا نص قاطع في أن إعراب الطبري لهذا الموضع من الآية هو ما ذهبت إليه ، وفي أنه يرى أن معنى هذه الجملة من الآية ، هو معنى"الخلود" بعينه. والحمد لله أولا وآخرًا.
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٨٩﴾
ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا، من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم فقال تعالى ذكره: " إلا الذين تَابوا من بعد ذلك وأصلحوا "، يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم =" وأصلحوا "، يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال =" فإنّ الله غفور رحيم "، يعني: فإن الله لمن فعل ذلك بعد كفره =" غفور "، يعني: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الرّدّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غيرُ مؤاخذه به إذا مَات على التوبة منه =" رحيم "، متعطِّف عليه بالرحمة.