At-Tabari
· Aal-i-ImraanOpen in readerإِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿١٢٠﴾
القول في تأويل قوله : هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش (32) = " وتؤمنون بالكتاب كله ".
* * *
ومعنى " الكتاب " في هذا الموضع معنى الجمع، كما يقال: " كثر الدرهم في أيدي الناس "، بمعنى الدراهم.
فكذلك قوله: " وتؤمنون بالكتاب كله "، إنما معناه: بالكتب كلها، كتابكم الذي أنـزل الله إليكم، وكتابهم الذي أنـزله إليهم، وغير ذلك من الكتب التي أنـزلها الله على عباده.
يقول تعالى ذكره: فأنتم = إذ كنتم، أيها المؤمنون، تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه = (33) أولى بعداوتكم إياهم وبغضائهم وغشهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم،مع جحودهم بعضَ الكتب وتكذيبهم ببعضها. كما:-
7695- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " تؤمنون بالكتاب كله "، أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقّ بالبغضاء لهم، منهم لكم. (34)
* * *
قال أبو جعفر: وقال: " ها أنتم أولاء " ولم يقل: " هؤلاء أنتم "، (35) ففرق بين " ها " و " أولاء " بكناية اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل في" هذا " إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلى تمام الخبر، (36) وذلك مثل &; 7-150 &; أن يقال لبعضهم: " أين أنت "، فيجيب المقول ذلك له." ها أنا ذا " = (37) فتفرق بين التنبيه و " ذا " بمكنيّ اسم نفسه، (38) ولا يكادون يقولون: " هذا أنا "، ثم يثني ويجمع على ذلك. وربما أعادوا حرف التنبيه مع: " ذا " فقالوا: " ها أنا هذا ". ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، (39) فأما إذا كان على غير التقريب والنقصان قالوا: " هذا هو "" وهذا أنت ". وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة، يقولون: " هذا عمرو قائمًا "، إن كان " هذا " تقريبًا. (40) وإنما فعلوا ذلك في المكني مع التقريب، (41) تفرقة بين " هذا " إذا كان بمعنى الناقص الذي يحتاج إلى تمام، وبينه إذا كان بمعنى الاسم الصحيح. (42)
* * *
وقوله: " تحبونهم " خَبَرٌ للتقريب. (43)
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين - أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما:-
7696- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله "، فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه. ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه. (44)
7697- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه. ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه.
* * *
وكان مجاهد يقول: نـزلت هذه الآية في المنافقين.
7698- حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
* * *
القول في تأويل قوله : وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم، إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم: " قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم "، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، (45) عضوا - على ما يرون من ائتلاف &; 7-152 &; المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة. (46)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
7699- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، إذا لقوا المؤمنين قالوا: "آمنا "، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك =" وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، (47) فهم كما نعت الله عز وجل.
7700- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه = ولم يقل: " لو يجدون ريحًا "، وما بعده.
7701- حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا مسلم قال: حدثني يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال، حدثنا أبي قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: " وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، قال: هم الإباضية. (48)
* * *
و " الأنامل " جمع " أنملة " ويقال " أنملة "، (49) وربما جمعت " أنملا "، (50) قال الشاعر: (51)
أوَدُّكُمــا، مَـا بَـلَّ حَـلْقِيَ رِيقَتِـي
وَمـا حَـمَلَتْ كَفَّـايَ أَنْمُـلِيَ العَشْـرَا (52)
وهي أطراف الأصابع; كما:-
7702- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " الأنامل "، أطراف الأصابع.
7702 م - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.
7703- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل "، الأصابع.
7704- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي &; 7-154 &; الأحوص، عن عبد الله، قوله: " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، قال: عضوا على أصابعهم. (53)
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
قال أب جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل "، يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ =: " موتوا بغيظكم " الذي بكم على المؤمنين لاجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم.
وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم =" إن الله عليم بذات الصدور "، &; 7-155 &; يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا: "آمنا "، وما ينطوون لهم عليه من الغل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظٌ على جميعهم ما هو عليه منطوٍ من خير وشر، حتى يجازي جميعهم على ما قدَّم من خير وشر، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة، أو غِلّ وغِمْر. (54)
---------------------
الهوامش :
(32) في المطبوعة: "بل سطروه" ، وفي المخطوطة: "بل ينتظرون" غير منقوطة ، وصوابها ما أثبت كما استظهره طابع الأميرية.
(33) سياق هذه العبارة: فأنتم ... أولى بعداوتكم إياهم.
(34) الأثر: 7695- سيرة ابن هشام 2: 207 ، وهو من تمام الآثار السالفة التي آخرها: 7680.
(35) في المخطوطة: "ولم يقل: هذا أنتم" ، والصواب ما في المطبوعة ، فهو حق السياق.
(36) التقريب" من اصطلاح الكوفيين ، وقد فسره السيوطي في همع الهوامع 1: 113 ، فقال [ذهب الكوفيون إلى أن"هذا" و"هذه" ، إذا أريد بها التقريب كانا من أخوات"كان" ، في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب ، نحو: "كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادمًا؟" ، "وكيف أخاف البرد ، وهذه الشمس طالعة؟" ، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود ، نحو: "هذا ابن صياد أسقى الناس" ، فيعربون"هذا" تقريبًا ، والمرفوع اسم التقريب ، والمنصوب خبر التقريب. لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم ، وعن الشمس بالطلوع ، وأتى باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضًا ، فالخليفة والشمس معلومان ، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما. وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب ، لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى ، كما لو أسقطت"كان" من: "كان زيد قائما"].
(37) في المطبوعة: "فيفرق" ، والصواب بالتاء ، لأنه يريد"العرب". وسياق الكلام: "لأن العرب كذلك تفعل ... فتفرق ...".
(38) في المخطوطة: "بين التنبيه وأولاء". والذي في المطبوعة أجود وأمضى على السياق ، وهو تغيير مستحسن. والظاهر أن الخطأ قديم في نسخ الطبري ، بل لعله من فعل أبي جعفر نفسه ، وكأنه لما نقل هذا الكلام ، وهو كلام الفراء ، اختصر أوله فقال: "لأن العرب كذلك تفعل في هذا" ، واقتصر عليها ، مع أن الفراء ذكر"هذا ، وهذان ، وهؤلاء". هذا مع اشتغال ذهنه بنص الآية نفسها ، فدخل عليه السهو فيما كتب. هذا ما أرجحه والله ولي التوفيق.
(39) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: 149 تعليق: 4.
(40) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كان ..." بالواو ، وإثباتها فساد في الكلام شديد لأنه يعني أنهم ينصبون: "قائما" ، إن كان"هذا" بمعنى التقريب. والجملة الآتية مؤيدة لذلك.
(41) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: 149 تعليق: 4.
(42) في المطبوعة: "وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح" ، زاد من زاد"وبين ما" ظنا منه أن ذلك أقوم في الدلالة على المعنى من عبارة أبي جعفر التي ثبتها من المخطوطة. وقد أساه غاية الإساءة!
(43) يعني بقوله: "خبر للتقريب" ، أي هو في موضع نصب خبرًا للتقريب ، كما أسلفت بيان ذلك من كلام السيوطي في ص 149 ، تعليق: 4.
(44) أوى له وأوى إليه: رثى له وأشفق عليه ورحمه. ويقال: "أباد خضراءهم" ، أي سوادهم ومعظمهم ، واستأصلهم. وذلك أن الكثرة المجتمعة ، ترى من بعيد سوداء ، والعرب تسمى الأخضر ، أسود.
(45) انظر تفسير"خلا" فيما سلف 1: 298 ، 299.
(46) الظهر: الأعوان والأنصار ، كأنهم لمن ينصرونه ظهر.
(47) الريح: القوة والغلبة ، ومنه قول تأبط شرًا أو السليك بن السلكة:
أَتَنْظُــرَانِ قَلِيــلا رَيْــثَ غَفْلَتِهـمْ
أَوْ تَعْــدُوَان، فَـإِنَّ الـرِّيحَ للعَـادِي
(48) الأثر: 7701-"عباس بن محمد بن حاتم" الدوري ، روى عنه الأربعة. مترجم في التهذيب. و"مسلم" هو"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي" ، مضت ترجمته برقم: 2861. و"يحيى بن عمرو بن مالك النكري". روى عن أبيه ، وهو منكر الحديث. و"النكرى" بضم النون وتسكين الكاف ، نسبة إلى بني نكرة بن لكيز من عبد قيس. وأبوه"عمرو بن مالك النكري" ، ثقة وتكلم فيه البخاري وضعفه. روى عن أبيه وعن أبي الجوزاء. و"أبو الجوزاء" هو"أوس بن عبد الله الربعي من الأزد" ، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس. كان عابدًا فاضلا. واستضعف البخاري إسناده إلى عائشة وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. مترجم في التهذيب.
و"الإباضية" ، فرقة من الحرورية ، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي ، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ، ومناكحتهم جائزة ، وموارثتهم حلال ، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال ، وما سواه حرام ، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد ، لا مؤمن.
(49) يعني بفتح الهمزة وضم الميم ، وضم الهمزة والميم جميعا.
(50) "أنمل" هذا جمع لم تورده كتب اللغة ، وإنما ذكروا"أنملات" ، وقالوا إنه أحد ما كسر وسلم بالتاء ، قال ابن سيدهْ: "إنما قلت هذا ، لأنهم قد يستغنون بالتكسير عن جمع السلامة ، وبجمع السلامة بالتكسير ، وربما جمع الشيء بالوجهين جميعًا".
(51) لم أعرف قائله.
(52) قوله: "أود كما" أي: لا أود كما ، حذفت"لا" مع القسم. والريقة: الريق. وقوله: "ما بل حلقي ريقي ..." إلى آخر البيت بمعنى التأييد ، أي. لا أود كما أبدًا ما حييت.
(53) عند هذا آخر قسم من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة هنا ما نصه: "يتلوه القولُ في تأويل قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيظكم إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدُور وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرًا"
ثم يتلوه بعد:
"بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في بيان هذا الإسناد الجديد للنسخة ، في 6: 495 ، 496 تعليق: 5 / ثم 7: 23 ، تعليق 1.
(54) الغمر (بكسر الغين وسكون الميم) ، والغمر (بفتحتين) ، الحقد والغل ، الذي يغمر القلب غمرًا.
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٢١﴾
القول في تأويل قوله : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم "، إن تنالوا، أيها المؤمنون، سرورًا بظهوركم على عدوكم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وتصديق نبيكم ومعاونتكم على أعدائكم = يسؤهم. (55) وإن تنلكم مساءة بإخفاق سرية لكم، أو بإصابة عدوٍّ لكم منكم، أو اختلاف يكون بين جماعتكم = يفرحوا بها. كما:-
7705- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها "، فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم &; 7-156 &; ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة.
7706- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها "، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم. وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله عز وجل: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط".
7707- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم "، قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافًا فرحوا.
* * *
وأما قوله: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا "، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم =" وتتقوا " ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجبَ عليكم من حقه وحق رسوله =" لا يضركم كيدهم شيئًا "، أي: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم.
* * *
ويعني بـ " كيدهم "، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله: " لا يضركم ".
فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين: ( لا يَضُرُّكُمْ ) مخففة بكسر " الضاد "، من قول القائل: " ضارني فلان فهو يضيرني ضيرًا ". وقد حكي سماعًا من العرب: " ما ينفعني ولا يضورني"، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا )، ولكني لا أعلم أحدًا قرأ به . (56)
* * *
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة: ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) بضم " الضاد " وتشديد " الراء "، من قول القائل: " ضرّني فلان فهو يضرني ضرًا ".
* * *
وأما الرفع في قوله: " لا يضركم "، فمن وجْهين.
أحدهما: على إتباع " الراء " في حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها = أقربَ حركات الحروف التي قبلها. وذلك حركة " الضاد " وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: " مُدُّ يا هذا ".
والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون " لا " بمعنى " ليس "، وتكون " الفاء " التي هي جواب الجزاء، متروكة لعلم السامع بموضعها.
وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا، فليس يضرُّكم كيدهم شيئًا - ثم تركت " الفاء " من قوله: " لا يضركم كيدهم "، ووجهت " لا " إلى معنى " ليس "، كما قال الشاعر: (57)
فَـإنْ كَـانَ لا يُـرْضِيكَ حَـتَّى تَرُدَّنِي
إلَــى قَطَــرِيٍّ، لا إخَـالُكَ رَاضِيَـا (58)
ولو كانت " الراء " محركة إلى النصب والخفض، كان جائزًا، كما قيل: " مُدَّ يا هذا، ومُدِّ". (59)
* * *
وقوله: " إنّ الله بما يعملون محيطٌ"، يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه، وغير ذلك من معاصي الله =" محيط" بجميعه، حافظ له، لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله، ويذيقهم عقوبته عليه. (60)
----------------------
الهوامش :
(55) انظر تفسير"المس" فيما سلف 5: 118.
(56) انظر معاني القرآن للفراء 1: 232.
(57) هو سوار بن المضرب السعدي التميمي.
(58) نوادر أبي زيد: 45 ، الكامل 1: 300 ، حماسة ابن الشجري: 54 ، 55 ، معاني القرآن للفراء 1: 232 ، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفي ، لما كتب على بني تميم البعث إلى قتال الخوارج ، فهرب سوار وقال:
أَقَــاتِلِىَ الحَجَّــاجُ أَنْ لَـمْ أَزُرْ لَـهُ
دَرَابَ، وَأَتْــرُكْ عِنْـدَ هِنْـدٍ فُؤَادِيَـا?
فَـإن كُـنْتَ لا يُـرْضِيكَ حَتَّـى تَرُدَّنِي
إلَــى قَطَـرِيٍّ، لا إِخـالُكَ رَاضِيَـا!!
إذَا جَـاوَزَتْ دَرْبَ المُجِـيزِينَ نَـاقَتي
فَبِأسْــتِ أبي الحَجَّـاجِ لَمَّـا ثَنَانِيَـا
أَيَرْجُـو بَنُـو مَرْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي،
وَدُونِــي تَمِيـمٌ، والفَـلاةُ وَرَائِيَـا!!
وقوله: "دراب" يعني: دراب جرد ، وهي بلدة في بلاد فارس ، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها الخوارج ورأسهم قطرى بن الفجاءة. ثم يقول له في البيت الثاني: إن كان لا يرضبيك إلا ردي إلى قتال قطري ، فلا أظنك تبلغ رضاك ، فإنك غير مدركي ، ولن تنالني يدك. يسخر بسطوة الحجاج. وقوله: "درب المجيزين" هم المقيمون على أبواب المدن والثغور. يمنعون الخارج والداخل ، إلا من كان بيده جواز معطى من أميره. يقول: إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالني وتثنيني عن وجهتي! والشاهد عند الطبري هو في قوله: "لا إخالك راضيًا" ، أي: فلست إخالك راضيًا.
(59) الذي سلف هو مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 232.
(60) انظر تفسير"الإحاطة" فيما سلف 2: 284 / 5 : 396.
إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿١٢٢﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين "، وإن تصبروا وتتقوا لا يضرُّكم، أيها المؤمنون، كيد هؤلاء الكفار من اليهود شيئًا، ولكن الله ينصرُكم عليهم إن صبرتم على طاعتي واتباع أمر رسولي، كما نصرتكم ببدر وأنتم أذلة. وإن أنتم خالفتم، أيها المؤمنون، أمري ولم تصبروا على ما كلفتكم من فرائضي، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه وخالفتم أمري وأمر رسولي، فإنه نازل بكم ما نـزل بكم بأحُد، واذكروا ذلك اليوم، إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين.
=فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم إن صبروا على أمره واتقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حلّ بهم من البلاء بأحُد، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنازعوا الرأي بينهم.
=وأخرج الخطاب في قوله: " وإذ غدوت من أهلك "، على وجه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بمعناه: الذين نهاهم أن يتخذوا الكفار من اليهود بطانة من دون المؤمنين. فقد بيَّن إذًا أن قوله: " وإذ "، إنما جرَّها في معنى الكلام على ما قد بينت وأوضحت.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في اليوم الذي عنى الله عز وجل بقوله: " وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال ".
فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحُد.
*ذكر من قال ذلك:
7708- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال "، قال: مشى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين.
7709- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال "، ذلك يوم أحد، غدا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحُد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال.
7710- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال "، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال.
7711- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال "، فهو يوم أحد.
7712- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين "، قال: هذا يوم أحد.
7713- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: مما نـزل في يوم أحد: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين ". (61)
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك يوم الأحزاب.
*ذكر من قال ذلك:
7714- حدثني محمد بن سنان القزاز قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، &; 7-161 &; حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " وإذ غدوتَ من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال "، قال: يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، غدا يبوئ المؤمنين مقاعدَ للقتال يوم الأحزاب.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب قول من قال: " عنى بذلك يوم أحد ". لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عُنى بالطائفتين: بنو سلمة وبنو حارثة، (62) ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنّ الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد، دون يوم الأحزاب.
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رَاح إلى أحُد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس، كالذي حدثكم:-
7715- ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلَّى الجمعة إلى أحُد، دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج عليهم وقال: " ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل "؟. (63)
* * *
قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رَواحًا، (64) فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدَهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوّه. وذلك أنّ المشركين نـزلوا منـزلهم من أحُد -فيما بلغنا- يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويومَ الخميس ويومَ الجمعة، حتى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم الجمعة، بعد ما صَلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال.
7716- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. (65)
* * *
فإن قال: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعدَ للقتال غُدُوًّا قبل خروجه، وقد علمت أن " التبوئة "، اتخاذ الموضع.
قيل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضة عدوه، عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم، بيوم أو يومين، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بنـزول المشركين من قريش وأتباعها أحُدًا قال = فيما:-
7717- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي = لأصحابه: " أشيروا عليَّ ما أصنع؟" فقالوا: يا رسول الله، اخرج إلى هذه الأكلُب! فقالت الأنصار: يا رسول الله، ما غلبنا عدوٌّ لنا أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا!! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب! &; 7-163 &; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة، فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة! فقال له: بم؟ قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأني لا أفرُّ من الزحف! قال: " صدقت ". فقُتل يومئذ. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه وقد لبس السلاح، ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه!! فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. (66)
7718- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالمشركين قد نـزلوا منـزلهم من أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّي قد رأيتُ بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذباب سيفي ثَلْمًا، (67) ورأيت أنّي أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نـزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها ". وكان رأيُ عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: أن لا يخرج إليهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد، وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضروه: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبُنَّا عنهم وضعُفنا! فقال عبد الله بن أبى ابن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله &; 7-164 &; ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا قط إلا أصبنا منه، فدعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رَجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته. (68) .
* * *
فكانت تبوئة رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين مقاعدَ للقتال، ما ذكرنا من مشورته على أصحابه بالرأي الذي ذكرنا، على ما وصفه الذين حكينا قولهم.
* * *
يقال منه: " بوَّأت القوم منـزلا وبوّأته لهم، فأنا أبوِّئهم المنـزل تبوئة، وأبوئ لهم منـزلا تبوئة ".
وقد ذكر أن في قراءة عبد الله بن مسعود: ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِِ )، وذلك جائز، كما يقال: " رَدِفَك ورَدِفَ لك "، و " نقدت لها صَداقها ونقدتها "، كما قال الشاعر:
أَسْـتغِفرُ اللـهَ ذَنْبًـا لَسْـتُ مُحْصِيَـهُ
رَبَّ العِبَــادِ إِلَيْـهِ الوَجْـهُ وَالعَمَـلُ (69)
والكلام: أستغفر الله لذنب. (70) وقد حكي عن العرب سماعًا: " أبأت القوم منـزلا فأنا أبيئهم إباءة "، ويقال منه: " أبأت الإبل ". إذا رددتها إلى المباءة. و " المباءة "، المُرَاح الذي تبيت فيه.
* * *
" والمقاعد " جمع " مقعد "، وهو المجلس.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: واذكر إذ غدوت، يا محمد، من أهلك تتخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوهم.
* * *
وقوله: " والله سميع عليم "، يعني بذلك تعالى ذكره: " والله سميع "، لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه، من موضع لقائك ولقائهم عدوّك وعدوّهم، من قول من قال: " اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة "، وقول من قال لك: " لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا "، على ما قد بينا قبل - ولما تشير به عليهم أنت يا محمد = (71) " عليم " بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبما تخفيه صدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوك، وصدور المشيرين عليك بالمقام في المدينة، وغير ذلك من أمرك وأمورهم، كما:-
7719- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: " والله سميع عليم "، أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون. (72)
* * *
---------------
الهوامش :
(61) الأثر: 7713- مختصر من سيرة ابن هشام 3: 112.
(62) بنو سلمة (بفتح السين وكسر اللام) ، وليس في العرب"سلمة" بكسر اللام غيرها ، وسائرها بفتح اللام. وهم بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.
(63) الأثر: 7715- إسناده في سيرة ابن هشام 3: 64 ، ثم اختصر أبو جعفر خبر ابن إسحاق الذي رواه ابن هشام في السيرة 3: 67 ، 68. واللأمة: هي الدرع الحصينة ، وسائر أداة الحرب من السلاح كالسيف والرمح. هذا وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم". وهذا غير جيد ، وكأنه عجلة من الناسخ ، وأثبت نص ابن هشام.
(64) الرواح: هو وقت العشى آخر النهار.
(65) الأثر: 7716- جمعه أبو جعفر من مواضع متفرقة من خبر ابن إسحاق في يوم أحد.
(66) الأثر: 7717- هو في تاريخ الطبري 3: 11 ، 12.
(67) ذباب السيف: طرفه المتطرف الذي يضرب به. والثلم: هو الكسر في حرفه.
(68) الأثر: 7718- سيرة ابن هشام 3: 66 ، 67 ، وهو السابق مباشرة للأثر السالف رقم : 7751 ، وهو من تمامه.
(69) مضى تخريجه فيما سلف 1: 169 ، وهو في معاني القرآن للفراء 1: 233.
(70) هذه الفقرة من معاني القرآن للفراء 1: 233.
(71) في المخطوطة والمطبوعة: " ومما تشير به. . ." ، والصواب الذي يقتضيه السياق ، هو ما أثبت.
(72) الأثر: 7719- سيرة ابن هشام 3: 112 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7713.
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢٣﴾
القول في تأويل قوله : إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله سميع عليم، حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.
والطائفتان اللتان همتا بالفشل، ذكر لنا أنهم بنو سَلِمة وبنو حارثة. (1)
*ذكر من قال ذلك:
7720- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق.
* * *
قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى، بما فيه الكفاية عن إعادته. (2)
* * *
7721- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، الآية، وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك = قال قتادة: وقد ذكر لنا أنه لما أنـزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا.
7722- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إذ همت طائفتان منكم " الآية، وذلك يوم أحد، فالطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار. فذكر مثل قول قتادة.
7723- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا. فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا = وقال [الله عز وجل]: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، وهم بنو سلمة وبنو حارثة = هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم &; 7-167 &; الله، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمئة. (3)
7724- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: نـزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
7725- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، فهو بنو حارثة وبنو سلمة.
7726- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، والطائفتان: بنو سلمة من جشم بن الخزرج، وبنو حارثة من النبيت من الأوس، وهما الجناحان. (4)
7727- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " الآية، قال: هما طائفتان من الأنصار هَّما أن يفشلا فعصمهم الله، وهزَم عدوهم.
7728- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "،قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحبُّ أن لو لم نكن هممنا لقول الله عز وجلّ: " والله وليهما ". (5) .
7729- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول، فذكر نحوه.
7730- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، قال: هذا يوم أحد.
* * *
وأما قوله: " أن تفشلا "، فإنه يعني: همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما.
* * *
=يقال منه: " فشل فلان عن لقاء عدوه ويفشل فشلا "، كما:-
7731- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " الفشل "، الجبن.
* * *
قال أبو جعفر: وكان همُّهما الذي همَّا به من الفشل، الانصرافَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه، جبنًا منهم، من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق، فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه وليُّهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار، (6) كما:
7732- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله وليُهما "، أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما. (7) وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما صلى الله عليه وسلم. يقول: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون "، أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن، &; 7-169 &; فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته. (8)
* * *
قال أبو جعفر: وذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ: (وَاللهُ وَليُّهُمْ)، وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن " الطائفتين " وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنـزلة " الخصمين " و " الحزبين ". (9)
-------------------------
الهوامش :
(1) انظر ضبط"سلمة" ص: 161 تعليق: 1.
(2) انظر ما سلف ص : 161 وما قبلها.
(3) الأثر: 7723- في تاريخ الطبري 3: 12 ، وهو تمام الأثر السالف رقم: 7177 ، والزيادة بين القوسين من التاريخ.
(4) الأثر: 7726- سيرة ابن هشام 3: 112 ، وهو من تتمة الأثر السالف رقم: 7791.
(5) الأثر: 7728- رواه البخاري في صحيحه (الفتح 7: 275 / 8: 169) من طريق علي بن عبد الله ، عن سفيان بن عيينة ، بغير هذا اللفظ. وكان في المطبوعة: "وما نحب أن لو لم تكن همتا" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة ، ولكن الناشر لم يحسن قراءتها.
(6) انظر تفسير"الولي" فيما سلف 6: 497 تعليق: 1. والمراجع هناك.
(7) في المطبوعة: "الدافع عنهما" ، وأثبت ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام. وفي المطبوعة والمخطوطة"ما هما به" ، وهو صواب ، ولكني أثبت نص ابن هشام ، فهو أقوم على السياق ، والتصحيف في مثل هذا قريب ، ولست أظنه من أصل الطبري.
(8) الأثر: 7732- سيرة ابن هشام 3: 112 ، 113 ، وهو من سياق الأثر السالف رقم: 7726.
(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 133.
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿١٢٤﴾
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا، وينصركم ربكم، =" ولقد نصركم الله ببدر " على أعدائكم وأنتم يومئذ =" أذلة " يعني: قليلون، في غير منعة من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، وأنتم اليوم أكثر عددًا منكم حينئذ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم، =" فاتقوا الله "، يقول تعالى ذكره: فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه =" لعلكم تشكرون "، يقول: لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضلّ عنه مخالفوكم، كما:-
7733- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة "، يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة =" فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي. (10)
* * *
واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر " بدرًا ".
فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى " بدرًا "، فسمي باسم صاحبه.
*ذكر من قال ذلك:
7734- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا، عن الشعبي قال: كانت " بدر " لرجل يقال له " بدر "، فسميت به.
* * *
7735- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي أنه قال: " ولقد نصركم الله ببدر "، قال: كانت " بدر " بئرًا لرجل يقال له " بدر "، فسميت به.
وأنكر ذلك آخرون وقالوا: ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها.
*ذكر من قال ذلك:
7736- حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا ابن سعد قال، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال، حدثنا منصور، عن أبي الأسود، عن زكريا، عن الشعبي قال: إنما سمي" بدرًا "، لأنه كان ماء لرجل من جهينة يقال له " بدر " = وقال الحارث، قال ابن سعد، قال الواقدي: فذكرت ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا فلأيّ شيء سميت " الصفراء "؟ ولأي شيء سميت &; 7-171 &; " الحمراء "؟ ولأيّ شيء سمي" رابغ "؟ هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع = قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاريّ فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنـزلنا، وما ملكه أحدٌ قط يقال له " بدر "، وما هو من بلاد جهينة، إنما هي بلاد غِفار = قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا.
7737- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " بدر "، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة.
* * *
وأما قوله: " أذلة "، فإنه جمع " ذليل "، كما " الأعزة " جمع " عزيز "،" والألِبَّة " جمع " لبيب ".
* * *
قال أبو جعفر: وإنما سماهم الله عز وجل " أذلة "، لقلة عددهم، لأنهم كانوا ثلثمئة نفس وبضعة عشر، وعدوهم ما بين التسعمئة إلى الألف -على ما قد بينا فيما مضى- فجعلهم لقلة عددهم " أذلة ".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
7738- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله صلى الله عليه وسلم = وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: " أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت ": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك. (11)
7739- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن في قوله: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، قال: يقول: " وأنتم أذلة "، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة.
7740- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحو قول قتادة.
7741- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة "، أقل عددًا وأضعف قوة. (12)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله: " فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، فإن تأويله، كالذي قد بيَّنت، كما:-
7742- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فاتقوا الله لعلكم تشكرون "، أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي. (13)
----------------
الهوامش :
(10) الأثر: 7733- سيرة ابن هشام 3: 113 ، هو بقية الآثار التي آخرها رقم: 7732 ، وسياق أبي جعفر في روايته ، أقوم من سياق ابن هشام.
(11) الأثر: 7738- مضى بعضه برقم: 5730 ، وانظر عدة أهل بدر فيما سلف من 5724 - 5732. وقوله: "راهقوا ذلك" أي: قاربوا ذلك.
(12) الأثر: 7741- سيرة ابن هشام 3: 113 ، وهو بعض الأثر السالف قريبًا رقم: 7733.
(13) الأثر: 7742- سيرة ابن هشام 3: 113 ، وهو أيضًا بعض الأثر: 7733. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"نعمى" ، وأثبت ما مضى في المخطوطة والمطبوعة في الأثر السالف ، وهو مطابق نص ابن هشام.
بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴿١٢٥﴾
القول في تأويل قوله : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربَكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين؟ وذلك يوم بدر.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حرَبهم، في أيّ يوم وُعدوا ذلك؟
فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. (14)
*ذكر من قال ذلك:
7743- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال، حُدِّث المسلمون أن كُرز بن جابر المحاربي يُمِدُّ المشركين، قال: فشق ذلك على المسلمين، فقيل لهم: " ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومِّين "، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فرجع، ولم يمدّهم بالخمسة.
7744- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: " ويأتوكم من فورهم هذا " -يعني كرزا وأصحابه-" يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، قال: فبلغ كرزًا وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم، ولم تنـزل الخمسة، وأمِدّوا بعد ذلك بألف، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.
7745- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد عن الحسن في قوله: " إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة "، الآية كلها، قال: هذا يوم بدر.
7746- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنـزل الله عز وجلّ: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم " إلى قوله: " من الملائكة مسومِّين "، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة.
* * *
وقال آخرون: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم.
*ذكر من قال ذلك:
7747- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن &; 7-175 &; ومعي بَصَري، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشُك ولا أتمارى.
7748- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق، وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا: أنه قال بعد إذ ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارَى. (15)
7749- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. (16) قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. (17) قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، (18) وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. (19)
7750- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس قال: لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون. (20)
7751- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، &; 7-176 &; حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. (21)
7752- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. (22) قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، (23) فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، &; 7-177 &; مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. (24) قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! (25)
7753- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، (26) وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، (27) وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: " كيف أسرت العباس أبا اليسر؟! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا " (28) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أعانك عليه ملك كريم ". (29)
7754- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين "، أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف =" بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، &; 7-178 &; وذلك يوم بدر، أمدَّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة.
7755- حدثت عن عمار، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
7756- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، (30) عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين "، فإنهم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم مسوِّمين.
7757- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
* * *
وقال آخرون: إن الله عز وجلّ: إنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة.
*ذكر من قال ذلك:
7758- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فهو يغسل رأسه، (31) إذ جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة، فلفَّ بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا &; 7-179 &; كالِّين مُعْيِينَ لا نعبأ بالسير شيئًا، (32) حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة، وفتح اللهُ لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل. (33)
* * *
وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد.
* ذكر من قال ذلك:
7759- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، سمعه يقول: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: يوم بدر. قال: فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومئذ.
7760- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا يوم أحُد ولا بملك واحد = أو قال: إلا بملك واحد، أبو جعفر يشك.
7761- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف " إلى " خمسة آلاف من الملائكة مسوّمين "، كان هذا موعدًا من الله يوم أحُد عرضه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين؛ ففرّ المسلمون يوم أحد وولَّوا مدبرين، فلم يمدهم الله.
7762- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " الآية كلها. قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ينظرون المشركين: يا رسول الله، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين "، وإنما أمدكم يوم بدر بألف؟ ال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا، قال: بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآية كلها.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم.
وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم = وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك. ولا خبر &; 7-181 &; عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [سورة الأنفال: 9] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم. فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره.
* * *
وقد بينا معنى " الإمداد " فيما مضى،" والمدد "، ومعنى " الصبر " و " التقوى." (34)
* * *
وأما قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، فإنّ أهل التأويل اختلفوا فيه.
فقال بعضهم: معنى قوله: " من فورهم هذا "، من وجههم هذا.
* ذكر من قال ذلك:
7763- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة قال: " ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: من وجههم هذا.
7764- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " من فورهم هذا "، يقول: من وجههم هذا.
7765- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
7766- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، من وجههم هذا.
7767- حدثت عن عمار بن الحسن، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من وجههم هذا.
7768- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا " يقول: من وجههم هذا.
7779- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من سفرهم هذا = ويقال -يعني عن غير ابن عباس- بل هو من غضبهم هذا.
7770- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " من فورهم هذا "، من وجههم هذا.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.
* ذكر من قال ذلك:
7771- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة "، قال: " فورهم ذلك "، كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
7772- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول: " من فورهم هذا "، يقول: من غضبهم هذا.
7773- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، قال: غضَبٌ لهم، يعني الكفار، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة، وذلك يوم أحد.
7774- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: " من فورهم هذا "، قال: من غضبهم هذا.
&; 7-183 &;
7775- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك، في قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، يقول: من وجههم وغضبهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأصل " الفوْر "، ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثم يوصل بآخر، (35) يقال منه: " فارت القدرُ فهي تفور فورًا وفورانًا " إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل. و " مضيت إلى فلان من فوْري ذلك "، يراد به: من وجهي الذي ابتدأت فيه.
* * *
= فالذي قال في هذه الآية: معنى قوله: " من فورهم هذا "، من " وجههم هذا "= قصد إلى أن تأويله: ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.
* * *
=وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا =فإنما عنوا أن تأويل ذلك: ويأتيكم كفار قريش وتُبَّاعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها، يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
* * *
ولذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله: " ويأتوكم من فورهم هذا "، (36) اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحُد بملائكته.
فقال بعضهم: لم يمدوا بهم، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ولم يتقوا الله عز وجل، بترك من ترك من الرماة طاعةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه، ولكنهم أخلُّوا به &; 7-184 &; طلبَ الغنائم، (37) فقتل من قتل المسلمين ونال المشركون منهم ما نالوا، (38) وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم إمدادَهم بهم إن صبروا واتقوا الله.
---------------------
الهوامش :
(14) في المخطوطة: "ولم يعدوا" ، وهو خطأ صرف. هذا والمخطوطة في هذا الموضع كثيرة الخطأ فيما هو واضح كهذا الحرف الذي أثبته ، ولذلك أغفلت كثيرًا من أشباهه ، ونبهت عليه.
(15) الأثران: 7747 ، 7748 - سيرة ابن هشام 2: 286 ، وانظره بإسناد آخر يأتي برقم: 7777 مع اختلاف في لفظه ، ومع نسبته إلى يوم أحد ، لا يوم بدر. وانظر التعليق عليه هناك.
(16) الدبرة (بفتح الدال وسكون الباء ، وبفتحتين أيضًا) والدابرة: الهزيمة في القتال ، وهي اسم من"الإدبار". يقال: على من الدبرة؟ أي الهزيمة. ثم يقال: لمن الدبرة؟ أي لمن الدولة والظفر.
(17) قوله: "أقدم" هي كلمة زجر تزجر بها الخيل ، وأمر لها بالتقدم. وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل عليه السلام. هذا وفي المخطوطة: "إذ ذهب منا سحابة" وهو تصحيف.
(18) قناع القلب: غشاؤه ، تشبيهها له بقناع المرأة الذي تلبسه.
(19) الأثر: 7749- سيرة ابن هشام 2: 285.
(20) الأثر: 7750- سيرة ابن هشام 2: 286.
(21) الأثر: 7751- سيرة ابن هشام 2: 286.
(22) في المطبوعة: "قوة وعونة" ، وليست بشيء ، وفي المخطوطة"قوة وعبدا" وصواب قراءتها ما أثبته من سيرة ابن هشام.
(23) طنب الحجرة: جانبها المسدل. أخذ من طنب الخباء ، وهو الحبل يشد به إلى الأرض.
(24) يقال الكريم: "فلان لا يليق شيئًا" من"ألاق" ، أي: ما يحبس شيئا ولا يمسكه. ويقال للسيف: "سيف لا يليق شيئًا" ، أي: ما يرد ضربته شيء. وهذا الأخير هو المراد هنا. وكان في المطبوعة: "ما يليق لها شيء" بدل ما في المخطوطة ، إذ لم يفهمه. وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.
(25) الأثر: 7752- سيرة ابن هشام 2: 301 ، مع اختلاف يسير في بعض اللفظ.
(26) في المطبوعة والمخطوطة: "أبا اليسر ... أخا بني سلمة" ، وأثبت ما في التاريخ ، فهو أجود عربية.
(27) قوله: "مجموعًا" ، يعني: قد اجتمع خلقه فلم يبسط ، وهو نقيض الجسيم ، كما يظهر من سياق الأثر. ولم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.
(28) في المخطوطة: "هيئته كذا ، هيئته كذا" ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، لأنه مطابق لما في التاريخ.
(29) الأثر: 7753- لم أجده في المطبوع من سيرة ابن هشام ، وهو في تاريخ الطبري 2: 288 ، 289.
(30) "قال حدثني أبي" هذه ، سقطت من المطبوعة ، والصواب من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير.
(31) في المطبوعة: "فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يغسل رأسه" ، وهو تصرف لا شك فيه من ناشر أو ناسخ آخر ، فإن الذي في المخطوطة: "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يغسل رأسه" ، لما سقط من الجملة قوله: "بماء" ، تصرف الناسخ ، وما كان له أن يفعل! والصواب كما أثبته ، مطابقًا لما في الخصائص الكبرى للسيوطي. وانظر البغوي (بهامش ابن كثير) 2: 235.
(32) في المخطوطة: "فقمنا كالبر معين" غير منقوطة ، فلم يحسن الناشر أن يقرأها ، فجعلها في المطبوعة: "كالزمعين" ، فجاء معلق على التفسير ففسر الكلمة تفسيرًا لا يصلح أن يكون كلامًا ها هنا ، فخرج الكلام تصحيفًا وخلطًا معًا!! وأما السيوطي في الخصائص الكبرى ، فالظاهر أنه لم يحسن هو أيضًا قراءة المخطوطة ، أو كانت في نسخة مصحفة عنده كمثل هذا التصحيف ، فأسقط الجملة كلها وساق الكلام هكذا: "فقمنا حتى أتينا بني قريظة". وكذلك فعل البغوي. وصواب القراءة هو ما أثبت ، وهو مطابق لصفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجهم إلى بني قريظة. يقال"كل الرجل يكل من المشي فهو كال": إذا بلغ منه التعب والإعياء. ويقال: "أعيى الرجل والبعير وغيره يعيي إعياء فهو معي" ، إذا أكله السير وطلحه وبرح به. يقول: فقمنا وقد بلغ منا ومن دوابنا التعب.
(33) الأثر: 7785- أخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 1: 233 نقلا عن ابن جرير في تفسيره هذا. و"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، مضت ترجمته برقم: 5796 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عبد الله بن موسى" ، وهو خطأ. وأما "سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي" فهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 15 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 117 ، قال يحيى بن معين"ليس بثقة ، كذاب ، ليس يسوى حديثه فلسًا". وقال النسائي: "متروك الحديث". وكان في المطبوعة: "أبو آدم" وهو خطأ ، ومثله في التهذيب في ترجمته ، وهو خطأ أيضًا صوابه ما أثبت من المخطوطة. و"عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي" ، شهد بيعة الرضوان ، ومات رضي الله عنه سنة 88 ، كما صححه الذهبي في تاريخه.
وهذا الأثر ، وإن كان إسناده لا يقوم ، فإن معناه يشبه أن يكون حقًا ، لموافقته ما جاءت به الرواية عن غزوة بني قريظة في الروايات الصحيحة عن غير عبد الله بن أبي أوفى.
(34) انظر معنى"الإمداد والمدد" فيما سلف 1: 307 ، 308 / "والصبر" 2: 11 ، 124 / 3: 214 ، 349 كم فهارس اللغة فيما سلف / و"التقوى" 1: 232 ، 333 ، 364 / 4: 162 ، وفهارس اللغة.
(35) في المطبوعة والمخطوطة: "يوجد فيه" ، وهو كلام سخيف. وأخذ في الأمر: شرع وبدأ.
(36) في المطبوعة: "وكذلك من اختلاف تأويلهم. . ." ، وهو كلام غير مستقيم. ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة ، لأن من عادة ناسخها أن يترك كثيرًا شرطة الكاف ، ويدعها كاللام ، فظنها هنا"كذلك" ، ولكنها"لذلك" كما قرأتها لك. يقول الطبري: ومن أجل اختلافهم في تأويل: "ويأتوكم من فورهم هذا" ، اختلف أهل التأويل.
(37) في المطبوعة: "طلبًا للغنائم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مثله في المعنى.
(38) في المطبوعة: "فقتل من المسلمين" ، وهي غير مستقيمة ، وفي المخطوطة: "في قتل من قتل من المسلمين" ، وهي الصواب ، إلا في تصحيف الناسخ وخطئه إذ كتب مكان"فقتل" -"في قتل".
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١٢٦﴾
=وأما الذين قالوا: كان ذلك يوم بدر بسبب كُرْز بن جابر، فإن بعضهم قالوا: لم يأت كرزٌ وأصحابُه إخوانَهم من المشركين مددًا لهم ببدر، ولم يمد الله المؤمنين بملائكته، لأن الله عز وجل إنما وعدهم أن يمدهم بملائكته إن أتاهم كرز ومدد المشركين من فورهم، ولم يأتهم المددُ.
* * *
=وأما الذين قالوا: إنّ الله تعالى ذكره أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر، فإنهم اعتلوا بقول الله عز وجل: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [سورة الأنفال: 9]، قال: فالألف منهم قد أتاهم مددًا. وإنما الوعد الذي كانت فيه الشروط، فما زاد على الألف، (39) فأما الألف فقد كانوا أمدُّوا به، لأن الله عز وجل كان قد وعدهم ذلك، ولن يُخلف الله وعده.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله: " مسوّمين ".
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( مُسَوَّمِينَ ) بفتح " الواو "، بمعنى أن الله سوَّمها.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: ( مُسَوِّمِينَ ) بكسر " الواو "، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر " الواو "، لتظاهرُ الأخبار عن [أصحاب] رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم (40) بأن الملائكة هي التي سوَّمت أنفسها، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل، أو إلى غيره من خلقه.
ولا معنى لقول من قال: إنما كان يُختار الكسرُ في قوله: " مسوِّمين "، لو كان في البشر، فأما الملائكة فوصفهم غيرُ ذلك = ظنًا منه بأن الملائكة غير ممكن فيها تسويمُ أنفسها إمكانَ ذلك في البشر. وذلك أنه غيرُ مستحيل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويم أنفسها نحو تمكينه البشر من تسويم أنفسهم، فسوَّموا أنفسهم نحو الذي سوَّم البشر، (41) طلبًا منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويمها أنفسهَا إليها. وإن كان ذلك عن تسبيب الله لهم أسبابه. وهي إذا كانت موصوفة بتسويمها أنفسهَا تقرٌُّبًا منها إلى ربها، كأن أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها.
* * *
ذكر الأخبار بما ذكرنا: من إضافة من أضاف التسويم إلى الملائكة، دون إضافة ذلك إلى غيرهم، على نحو ما قلنا فيه:
7776- حدثني يعقوب قال، أخبرنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليومئذ = يعني يوم بدر = قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تسوَّموا، فإنّ الملائكة قد تسوَّمت " . (42)
7777- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مختار بن غسان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد -وكان بدريًا- فكان يقول: لو أن بصري فُرِّج منه، (43) ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم. (44)
7778 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " بخمسة آلاف من الملائكة مسومين "، يقول: معلمين، مجزوزة أذنابُ خيلهم، ونواصيها - فيها الصوف أو العِهْن، (45) وذلك التسويم.
7779- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين "، قال: مجزوزة أذنابها، وأعرافها فيها الصوف أو العهن، فذلك التسويم.
7780- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " مسوّمين "، ذكر لنا أن سيماهم يومئذ، الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها، وأنهم على خيل بُلْق.
7781- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " مسومين "، قال: كان سيماها صوفًا في نواصيها.
7782- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يقول: " مسومين "، قال: كانت خيولهم مجزوزة الأعراف، معلمة نواصيها وأذنابها بالصوف والعِهْن.
7783- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: كانوا يومئذ على خيل بُلْق.
7784- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا &; 7-188 &; جويبر، عن الضحاك وبعض أشياخنا، عن الحسن، نحو حديث معمر، عن قتادة.
7785- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مسومين "، معلمين.
7786- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين "، فإنهم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، مسوِّمين بالصوف، فسوَّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
7787- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة قال، نـزلت الملائكة في سيما الزبير، عليهم عمائم صفر. وكانت عمامة الزبير صَفراء.
7788- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " مسومين "، قال: بالصوف في نواصيها وأذنابها.
7789- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: نـزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، عليهم عمائم صفر. وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.
7790- حدثني أحمد بن يحيى الصوفي قال، حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال، حدثنا أبي قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير: أنّ الزبير كانت عليه مُلاءة صفراء يوم بدر، فاعتم بها، فنـزلت الملائكة يوم بدر على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم معمَّمين بعمائم صفر. (46)
* * *
قال أبو جعفر: فهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: " تسوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمت " وقول أبي أسيد: " خرجت الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم "، وقول من قال منهم: " مسوِّمين " معلمين = ينبئ جميعُ ذلك عن صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك، وأن التسويم كان من الملائكة بأنفسها، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى.
* * *
وأما الذين قرأوا ذلك: " مسوَّمين "، بالفتح، فإنهم أراهم تأوَّلوا في ذلك ما:
7791- حدثنا به حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة: " بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين "، يقول: عليهم سيما القتال.
7792- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " بخمسة آلاف من الملائكة مسومين "، يقول: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، يقول: عليهم سيما القتال.
* * *
=فقالوا: كان سيما القتال عليهم، لا أنهم كانوا تسوَّموا بسيما فيضاف إليهم التسويم، فمن أجل ذلك قرأوا: " مسوَّمين "، بمعنى أن الله تعالى أضاف التسويم إلى مَنْ سوَّمهم تلك السيما.
* * *
و " السيما " العلامة يقال: " هي سيما حسنة، وسيمياء حسنة "، كما قال الشاعر: (47)
غُــلامٌ رَمَـاهُ اللـهُ بِالحُسْـنِ يَافِعًـا
لَـهُ سِـيمِياءُ لا تَشُـقُّ عَـلَى البَصَـرْ (48)
يعني بذلك: علامة من حسن، (49) فإذا أعلم الرجل بعلامة يعرف بها في حرب أو غيره قيل: " سوَّم نفسه فهو يسوِّمها تسويمًا ". (50)
-------------------
الهوامش :
(39) في المطبوعة: "فيما زاد" ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(40) في المطبوعة: "لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويل منهم. . ." وهي عبارة فاسدة ، ثم لا تؤيدها الأخبار التي رواها بعد. وفي المخطوطة مثلها ، إلا أنه كتب"بأهل التأويل" ، وهو تحريف وخطأ. والصواب أن الأخبار المتظاهرة التي سيذكرها هي عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم ، فلذلك زدت"أصحاب" بين القوسين ، وجعلت"فأهل" ، "وأهل" ، واستقام الكلام. ولو تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان به ولا بأحد حاجة إلى تظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم ومن التابعين من بعدهم. ففي خبره صلى الله عليه وسلم كفاية من كل خبر ، بأبي هو وأمي.
(41) في المطبوعة: ". . . مكنها من تسويم أنفسها بحق تمكينه البشر. . ." ثم". . . فسوموا أنفسهم بحق الذي سوم البشر" ، وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة أساء الكاتب في الكلمة الأولى فنقط الحروف ومجمجها فاختلطت ، وكتب الثانية"بحق" غير منقوطة ، وصواب قراءتها في الموضعين"نحو" كما أثبتها.
(42) الأثر: 7776-"ابن عون" ، هو: "عبد الله بن عون بن أرطبان المزني" أبو عوف الخراز البصري أحد الفقهاء الكبار. رأى أنس بن مالك ، وروى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي وطبقتهم. وكان في المطبوعة: "ابن عوف" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة. و"عمير بن إسحاق القرشي" أبو محمد مولى بني هاشم ، روى عن المقداد بن الأسود ، وعمرو بن العاص ، وأبي هريرة ، وكان قليل الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي: "لا نعلم روى عنه غير ابن عون" قال ابن معين: "ثقة" ، وقال أيضا: "لا يساوي حديثه شيئًا ، ولكن يكتب حديثه". فهذا الحديث كما ترى مرسل ، وعن رجل يكتب حديثه ولا يحتج به.
(43) في المطبوعة: "لو أن بصري معي ، ثم ذهبتم معي" ، وهو تصرف من الطابعين فيما يظهر ، نقلا عن تصرف السيوطي في الدر المنثور 2: 70. أما المخطوطة ، فكان فيها: "لو أن بصرى حرح منه ، ثم ذهبتم معي" فيها"حرح" غير منقوطة ، والظاهر أن السيوطي رآها كذلك ، فعجز عنها ، فاستظهرها من الأثرين السالفين: 7747 ، 7748 ، ولكني حرصت على متابعة ما في المخطوطة ، فوجدت رواية الأثرين السالفين من طريق ابن شهاب عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد: "قال لي أبو أسيد الساعدي ، بعد ما ذهب بصره: يا ابن أخي ، لو كنت أنت وأنا ببدر ثم أطلق الله لي بصري ، لأريتك الشعب. . ." (الاستيعاب: 621) فاستظهرت أن"حرح" تصحيف"فرج" (بتشديد الراء ، والبناء للمجهول) ، وهي بمعنى"أطلقه الله". وقوله: "فرج منه" ، أي: فرج الله عن بعضه. ولو كانت"فرج عنه" لكان صوابًا مطابقًا لرواية سهل بن سعد في المعنى. وأرجو أن أكون قد وفقت إلى الصواب بحمد الله وتوفيقه.
(44) الأثر: 7777-"مختار بن غسان التمار الكوفي العبدي" ، روى عن حفص بن عمر البرجمي وإسماعيل بن مسلم. مترجم في التهذيب. و"عبد الرحمن بن الغسيل" ، هو: "عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري" سلفت ترجمته في رقم: 5123. أما "الزبير بن المنذر ابن أبي أسيد" فيقال أيضا أنه"الزبير بن أبي أسيد" ، أن أبا أسيد أبوه لا جده ، وإسناد الطبري مبين عن أنه جده. وقد ذكر ذلك البخاري في الكبير 2 / 1 / 375 ، في خبر ساقه عن ابن الغسيل ، وكذلك ابن أبي حاتم 1 / 2 / 579 ، وذكره الحافظ في التهذيب وقال: "وفي إسناده اختلاف" ، إشارة إلى هذا الاختلاف في أن أبا أسيد أبوه أو جده.
أما خبر أبي أسيد هذا فقد سلف بإسناد أبي كريب وابن حميد: 7747 ، 7748 ، مع اختلاف في بعض اللفظ ، ومع نسبة هذا إلى يوم بدر ، لا يوم أحد. والأول هو الثابت الصحيح. وأخشى أن يكون الذي هنا سهوًا من ناسخ أو راو ، وأن صوابه"إلى بدر".
(45) في المخطوطة: "الصوف ، العهن" ، بحذف "أو" ، وهو صواب. والعهن: هو الصوف المصبوغ الملون.
(46) الأثر: 7790-"أحمد بن يحيى الصوفي" روى عن محمد بن بشر ، ومحمد بن عبيد وزيد بن الحباب ، وكتب عنه أبو حاتم ، وقال: "ثقة" ، وروى عنه أبو عوانة الكوفي. مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 1 / 81. و"عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي". روى عن أبيه. روى عنه البخاري في الأدب ، وأبو كريب. قال أبو حاتم: "واهن الحديث" ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "ربما أخطأ".
(47) هو أسيد بن عنقاء الفزاري.
(48) سلف تخريجه وشرحه في 5: 594 ، 595.
(49) انظر تفسيره"السيما" فيما سلف 5: 594.
(50) انظر تفسير"سوم" فيما سلف 5: 251 - 257.
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ﴿١٢٧﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم =" إلا بشرى لكم "، يعني بشرى، يبشركم بها =" ولتطمئن قلوبكم به "، يقول. وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم =" وما النصر إلا من عند الله "، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قِبَل المدد الذي يأتيكم من الملائكة. يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، (51) فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة = أحْرَى، (52) فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله ناصركم عليهم. كما:-
7793- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وما جعله الله إلا بشرى لكم "، يقول: إنما جعلهم ليستبشروا بهم وليطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ = يعني يوم أحد = قال مجاهد: ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر.
7794- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به "، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العزّ والحكم إلىّ، (53) لا إلى أحد من خلقي. (54)
7795- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وما النصر إلا من عند الله "، لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعَل " العزيز الحكيم ".
* * *
وأما معنى قوله: " العزيز الحكيم "، فإنه جل ثناؤه يعني: " العزيز " في انتقامه من أهل الكفر به بأيدي أوليائه من أهل طاعته =" الحكيم " في تدبيره لكم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره. (55) يقول: فأبشروا أيها المؤمنون، بتدبيري لكم على أعدائكم، ونصري إياكم عليهم، إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به، وصبرتم لجهاد عدوِّى وعدوِّكم.
----------------
الهوامش :
(51) في المخطوطة والمطبوعة: "وبعونه معكم من ملائكته. . ." بإسقاط الواو من"معكم" ، وهو خلل في الكلام والسياق.
(52) سياق الكلام: "فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم. . . أحرى". ثم انظر إلى هذا الإمام كيف يتحرى في بيان معاني كتاب الله إخلاص التوحيد لله ، ونفى الشرك عنه في صفاته سبحانه ، فأخرج من النصر ما يتوهم المتوهم أن نزول الملائكة كان هو سبب نصر المؤمنين ، فلخص المعنى تلخيصًا كله تقوى لله وإخلاص له ، ونفي للشرك عن صفاته سبحانه ، فبين أن النصر من عند الله للمؤمنين وللملائكة جميعًا على عدو الله وعدوهم ، وأنهم إنما كانوا مددًا للمؤمنين ، كما قال ربنا سبحانه. وهذا من فقه أبي جعفر وبصره وتحققه بمعاني هذا الكتاب الذي لا يدرك أحد توحيد الله حق توحيده إلا بتلاوته وفهمه وتفقهه فيه ، واتباعه لبيانه العربي المحكم. ورحم الله أبا جعفر ، فإنه كان إمامًا في التفسير ، قيما عليه.
(53) في المطبوعة: "وذلك أني أعرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو كلام قد ضل عنه معناه. وفي المخطوطة: "وذلك أن العرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو شبيه به في الخطل. والصواب ما أثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
(54) الأثر: 7994- سيرة ابن هشام 3: 114 ، وهو تابع للأثرين السالفين: 7733 ، 7741.
(55) في المخطوطة: "في تدبيره ولكم أيها المؤمنون وعلى أعدائكم" ، وهو لا يستقيم مع سياقته ، والصواب ما في المطبوعة.
لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿١٢٨﴾
القول في تأويل قوله : لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد نصركم الله ببدر " ليقطع طرفًا من الذين كفروا "، ويعني بـ" الطرف "، الطائفة والنفر.
* * *
يقول تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر، كما يُهلك طائفة من الذين كفروا بالله ورسوله، فجحدوا وحدانية ربهم، ونبوة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-
7796- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ليقطع طرفًا من الذين كفروا "، فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشر.
7797- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه.
7798- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " ليقطع طرفًا من الذين كفروا " الآية كلها، قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة.
7799- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ليقطع طرفًا من الذين كفروا "، أي: ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم. (56)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما النصر إلا من عند الله ليقطع طرفًا من الذين كفروا. وقال: إنما عنى بذلك من قُتل بأحد.
*ذكر من قال ذلك:
7800- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين -يعني بأحد- وكانوا ثمانية عشر رجلا فقال: " ليقطع طرفًا من الذين كفروا "، ثم ذكر الشهداء فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا الآية. [سورة آل عمران: 169]
* * *
وأما قوله: " أو يكبتهم "، فإنه يعني بذلك: أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم.
وقد قيل: إن معنى قوله: " أو يكبتهم "، أو يصرعهم لوجوههم. ذكر بعضهم أنه سمع العرب تقول: " كبته الله لوجهه "، بمعنى صرعه الله. (57)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ولقد نصركم الله ببدر ليهلك فريقًا من الكفار بالسيف، أو يخزيهم بخيبتهم مما طمعوا فيه من الظفر =" فينقلبوا خائبين "، يقول: فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئًا مما رجوا أن ينالوه منكم، كما:-
7801- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " أو يكبتهم فينقلبوا خائبين "، أو يردهم خائبين، أي: يرجع من بقي منهم فلاًّ خائبين، (58) لم ينالوا شيئًا مما كانوا يأملون. (59)
7802- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أو يكبتهم "، يقول: يخزيهم،" فينقلبوا خائبين ".
7803- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
---------------------
الهوامش :
(56) الأثر: 7799- سيرة ابن هشام 3: 114 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7994. هذا وقد أسقطت المخطوطة والمطبوعة"عن ابن إسحاق" ، فأثبتها ، فهو إسناد دائر في التفسير كما ترى.
(57) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 103.
(58) في المخطوطة والمطبوعة: "أو يرجع من بقي. . ." ، والصواب من سيرة ابن هشام. وأما المطبوعة فقد حذفت قوله: "فلا" ، لأن قلم الناسخ قد اضطرب فضرب خطأ غير بالغ على قوله: "فلا" ، فظنها الناشر علامة حذف. والصواب إثباتها كما في سيرة ابن هشام. والفل (بفتح الفاء وتشديد اللام): المنهزمون ، يقال: "جاء فل القوم" ، أي منهزموهم ، يستوي فيه الواحد والجمع.
(59) الأثر: 7801- سيرة ابن هشام 3: 114 ، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: 7799.