تفسير الطبري
· التوبةافتح في القارئكَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿٨﴾
القول في تأويل قوله : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: كيف يكون لهؤلاء المشركين الذين نقضوا عهدهم أو لمن لا عهد له منهم منكم، أيها المؤمنون، عهد وذمة, وهم =(إن يظهروا عليكم)، يغلبوكم =(لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).
* * *
واكتفى بـ " كيف " دليلا على معنى الكلام, لتقدم ما يراد من المعني بها قبلها. وكذلك تفعل العرب، إذا أعادت الحرف بعد مضيّ معناه، استجازوا حذف الفعل, كما قال الشاعر: (10)
وَخَبَّرْتُمَـانِي أَنَّمَـا الْمَـوْتُ فِي الْقُرَى
فَكَــيْفَ وَهَــذِي هَضْبَـةٌ وَكَـثِيبُ (11)
فحذف الفعل بعد " كيف "، لتقدم ما يراد بعدها قبلها. ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى، وهذي هضبة وكثيب، لا ينجو فيهما منه أحد.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).
فقال بعضهم، معناه: لا يرقبوا الله فيكم ولا عهدًا.
* ذكر من قال ذلك:
16499- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، [سورة التوبة: 10]، قال: الله.
16500- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن سليمان, عن أبي مجلز في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، قال: مثل قوله: " جبرائيل "، " ميكائيل "، " إسرافيل ", كأنه يقول: يضيف " جَبْر " و " ميكا " و " إسراف "، إلى " إيل ", (12) يقول: عبد الله = لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، كأنه يقول: لا يرقبون الله.
16501- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثني محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا ولا ذمة)، لا يرقبون الله ولا غيره.
* * *
وقال آخرون: " الإلّ"، القرابة.
* ذكر من قال ذلك:
16502- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، يقول: قرابةً ولا عهدًا. وقوله: (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: " الإل "، يعني: القرابة, و " الذمة "، العهد.
16503- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، " الإلّ"، القرابة, و " الذمة "، العهد، يعني أهل العهد من المشركين, يقول: ذمتهم.
16504- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية وعبدة، عن جويبر, عن الضحاك، " الإل "، القرابة. (13)
16505- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن عبد الله, عن سلمة بن كهيل, عن عكرمة, عن ابن عباس: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، قال: " الإلّ"، القرابة، و " الذمة "، العهد.
16506- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان, قال سمعت، الضحاك يقول في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ، " الإل "، القرابة, و " الذمة "، الميثاق.
16507- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (كيف وإن يظهروا عليكم)، المشركون =(لا يرقبوا فيكم)، عهدًا ولا قرابة ولا ميثاقًا.
* * *
وقال آخرون: معناه: الحلف.
* ذكر من قال ذلك:
16508- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: " الإل "، الحلف, و " الذمة "، العهد.
* * *
وقال آخرون: " الإلّ"، هو العهد، ولكنه كرِّر لما اختلف اللفظان، وإن كان معناهما واحدًا.
* ذكر من قال ذلك:
16509- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا)، قال: عهدًا.
16510- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)، قال: لا يرقبوا فيكم عهدًا ولا ذمة. قال: إحداهما من صاحبتها كهيئة " غفور "، " رحيم ", قال: فالكلمة واحدة، وهي تفترق. قال: والعهد هو " الذمة ".
16511- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن خصيف, عن مجاهد (ولا ذمة)، قال: العهد.
16512- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن خصيف, عن مجاهد: (ولا ذمة)، قال: " الذمة "، العهد.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيَّه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم والقعود لهم على كل مرصد: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم " إلا ".
و " الإلّ": اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد، والعقد, والحلف, والقرابة, وهو أيضا بمعنى " الله ". فإذْ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة, ولم يكن الله خصّ من ذلك معنى دون معنى, فالصواب أن يُعَمّ ذلك كما عمّ بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة, فيقال: لا يرقبون في مؤمنٍ اللهَ, ولا قرابةً, ولا عهدًا, ولا ميثاقًا.
ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى " القرابة " قول ابن مقبل:
أَفْسَــدَ النَّــاسَ خُــلُوفٌ خَــلَفُوا
قَطَعُـــوا الإلَّ وَأَعْــرَاقَ الرَّحِــمْ (14)
بمعنى: قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت:
لَعَمْــرُكَ إِنَّ إِلَّــكَ مِــنْ قُـرَيْشٍ
كَــإلِّ السَّــقْبِ مِــنْ رَأْلِ النَّعـامِ (15)
وأما معناه إذا كان بمعنى " العهد "، فقول القائل: (16)
وَجَدْنَــاهُمُ كَاذِبًـــا إلُّهُـــمْ
وَذُو الإلِّ وَالْعَهْــــدِ لا يَكْـــذِبُ
* * *
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين: أن " الإلّ"، و " العهد "، و " الميثاق "، و " اليمين " واحد = وأن " الذمة " في هذا الموضع، التذمم ممن لا عهد له, والجمع: " ذِمَم ". (17)
* * *
وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية أهل العهد العام.
16513- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (كيف وإن يظهروا عليكم)، أي: المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل العهد العام =(لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة). (18)
* * *
فأما قوله: (يرضونكم بأفواههم)، فإنه يقول: يعطونكم بألسنتهم من القول، خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء (19) =(وتأبى قلوبهم)، أي: تأبَى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم. يحذِّر جل ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله, وأن لا يقصِّروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه =(وأكثرهم فاسقون)، يقول: وأكثرهم مخالفون عهدَكم، ناقضون له, كافرون بربهم، خارجون عن طاعته. (20)
---------------------
الهوامش :
(10) هو كعب بن سعد الغنوي .
(11) الأصمعيات : 99 ، طبقات فحول الشعراء : 176 ، أمالي القالي : 151 ، جمهرة أشعار العرب : 135 ، ومعاني القرآن للفراء : 1 : 424 وغيرها كثير . وهي من أشهر المرائي وأنبلها . وكان لكعب بن سعد أخ يقال له " أبو المغوار " ، فأخذ المدينة وباء ، فنصحوه بأن يفر بأخيه من الأرض الوبيئة ، لينجو من طوارق الموت ، فلما خرج به إلى البادية هلك أخوه ، فتفجع عليه تفجع العربي النبيل .
(12) في المخطوطة : " كأنه يقول : يضاف جبر " ، وفي المخطوطة : " كأنه يقول جبر يضف جبر . . . " . وفي المخطوطة أيضا " سراف " بغير ألف .
(13) الأثر : 16504 - في المطبوعة : " عن حوشب ، عن الضحاك " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب وهذا إسناد مضى مثله مرارا .
(14) من أبيات مفرقة ، لم أجدها مجموعة في مكان ، وهذا بيت لم أجده أيضا في مكان آخر .
و " خلوف " جمع " خلف " ( بفتح فسكون ) ، وهو بقية السوء والأشرار تخلف من سبقها. وفي المخطوطة : " أخلفوا " بالألف ، والصواب ما في المطبوعة . و " الأعراق " جمع " عرق " وعرق كل شيء : أصله الذي منه ثبت . ويقال منه : " تداركه أعراق خير ، وأعراق شر " .
(15) ديوانه : 407 ، واللسان ( ألل ) ، من أبيات هجا بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخوه من الرضاعة ، وكان ممن يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويهجوه ، ويؤذي المسلمين ، فانبرى له حسان فأخذ منه كل ما أخذ . ثم أسلم في فتح مكة ، وشهد حنينا ، وثبت فيمن ثبت مع نبي الله ، وظل آخذا بلجام بغلة رسول الله يكفها ورسول الله يركضها إلى الكفار. ثم ظل أبو سفيان بعد ذلك لا يرفع رأسه إلى رسول الله حياء منه .
ولكن كان من هجاء حسان له ، بعد البيت :
فَــإنَّكَ إِن تَمُــتَّ إلــى قُــرَيْشٍ
كَــذَاتِ البَـــوِّ جائِلَــةَ المَــرَامِ
وَأَنْـــتَ مُنَــوَّطٌ بِهِــمُ هَجِــينٌ
كمــا نِيــطَ السَّــرَائِحُ بــالخِدَامِ
فَــلا تَفْخَــر بِقَـوْمٍ لَسْـتَ مِنْهُـمْ
ولا تَــكُ كاللِّئَــامِ بَنِــي هِشــامِ
" السقب " ، ولد الناقة ساعة يولد . و " الرأل " ، ولد النعام . يقول : ما قرابتك في قريش ، إلا كقرابة الفصيل ، من ولد النعام ! .
(16) لم أعرف قائله .
(17) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 253 .
(18) الأثر : 16513 - سيرة ابن هشام 4 : 189 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16492 .
(19) انظر تفسير " بدت البغضاء من أفواههم " 7 : 145 - 147 / و " يقولون بأفواههم " 7 : 378 / و " قالوا آمنا بأفواههم " ، 10 : 301 - 308 .
(20) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .
ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٩﴾
القول في تأويل قوله : اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ابتاع هؤلاء المشركون الذين أمركم الله، أيها المؤمنون، بقتلهم حيث وجدتموهم، بتركهم اتباعَ ما احتج الله به عليهم من حججه، يسيرًا من العوض قليلا من عرض الدنيا. (21)
* * *
وذلك أنهم، فيما ذُكر عنهم، كانوا نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلةٍ أطعمهموها أبو سفيان بن حرب.
16514- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا)، قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه, وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.
16515- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
* * *
وأما قوله: (فصدوا عن سبيله)، فإن معناه: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام, وحاولوا ردَّ المسلمين عن دينهم (22) =(إنهم ساء ما كانوا يعملون )، يقول جل ثناؤه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفت صفاتهم, ساء عملهم الذي كانوا يعملون، من اشترائهم الكفرَ بالإيمان، والضلالة بالهدى, وصدهم عن سبيل الله من آمن بالله ورسوله، أو من أراد أن يؤمن. (23)
------------------
الهوامش :
(21) انظر تفسير " اشترى " فيما سلف 10 : 344 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= و تفسير " الآيات" فيما سلف من فهارس اللغة " ( أيي) .
= وتفسير " الثمن القليل " فيما سلف 10 : 344 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(22) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 13 : 581 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= وتفسير " سبيل الله " في سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(23) انظر تفسير " ساء " فيما سلف 13 : 275 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾
القول في تأويل قوله : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يتقي هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم حيث وجدتموهم، في قتل مؤمن لو قدورا عليه =(إلا ولا ذمة)، يقول: فلا تبقوا عليهم، أيها المؤمنون, كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم (24) =(وأولئك هم المعتدون)، يقول: المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظلم والاعتداء. (25)
-----------------
الهوامش :
(24) انظر تفسير " الإل " و " الذمة " فيما سلف قريبا ص : 145 - 149 .
(25) انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف 13 : 182 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾
القول في تأويل قوله : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إلى طاعته =(وأقاموا الصلاة)، المكتوبة، فأدّوها بحدودها =(وآتوا الزكاة)، المفروضة أهلَها (26) =(فإخوانكم في الدين)، يقول: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به, وهو الإسلام =(ونفصل الآيات)، يقول: ونبين حجج الله وأدلته على خلقه (27) =(لقوم يعلمون)، ما بُيِّن لهم، فنشرحها لهم مفصلة، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16516- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)، يقول: إن تركوا اللات والعزّى, وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله =(فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون).
16517- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث, عن ليث, عن رجل, عن ابن عباس: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)، قال: حرَّمت هذه الآية دماءَ أهل القِبْلة.
16518- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه.
16519- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عبد الله قال: أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, ومن لم يزك فلا صلاة له.
* * *
وقيل: (فإخوانكم)، فرفع بضمير: " فهم إخوانكم ", إذ كان قد جرى ذكرهم قبل, كما قال: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ، [سورة الأحزاب: 5]، فهم إخوانكم في الدين. (28)
----------------------
الهوامش :
(26) انظر تفسير " التوبة " و " إقامة الصلاة " و " إيتاء الزكاة " في فهارس اللغة ( توب ) ، ( قوم ) ، ( أتى ) .
(27) انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف 13 : 252 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
= وتفسير " الآيات " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .
(28) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 425 .
وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴿١٢﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودَهم من بعد ما عاقدوكم أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم (29) =(وطعنوا في دينكم)، يقول: وقدَحوا في دينكم الإسلام, فثلبوه وعابوه (30) =(فقاتلوا أئمة الكفر)، يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله (31) =(إنهم لا أيمان لهم)، يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم (32) =(لعلهم ينتهون)، لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. (33)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف بينهم في المعنيِّين بأئمة الكفر.
فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام, وعتبة بن ربيعة, وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعدُ.
* ذكر من قال: هم من سمَّيتُ:
16520- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (لعلهم ينتهون)، يعني أهل العهد من المشركين, سماهم " أئمة الكفر ", وهم كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم (34) =(لعلهم ينتهون).
16521- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (ينتهون)، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام, وأمية بن خلف, وعتبة بن ربيعة, وأبو سفيان, وسهيل بن عمرو, وهم الذين همُّوا بإخراجه.
16522- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أئمة الكفر)، أبو سفيان, وأبو جهل, وأمية بن خلف, وسهيل بن عمرو, وعتبة بن ربيعة.
16523- حدثنا ابن وكيع وابن بشار = قال، ابن وكيع، حدثنا غندر = وقال ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر=, عن شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، قال: أبو سفيان منهم.
16524- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، إلى: (ينتهون)، هؤلاء قريش. يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام، وطعنوا فيه, فقاتلهم. (35)
16525- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، يعني رؤوسَ المشركين، أهلَ مكة.
16526- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، أبو سفيان بن حرب, وأمية بن خلف, وعتبة بن ربيعة, وأبو جهل بن هشام, وسهيل بن عمرو, وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول. وليس والله كما تأوَّله أهل الشبهات والبدع والفِرَى على الله وعلى كتابه. (36)
* * *
* ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه:
16527- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن زيد بن وهب, عن حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهلُ هذه الآية بعدُ. (37)
16528- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا حبيب بن حسان, عن زيد بن وهب قال: كنت عند حذيفة, فقرأ هذه الآية: (فقاتلوا أئمة الكفر)، فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. (38)
16529- حدثني أبو السائب قال، حدثنا الأعمش, عن زيد بن وهب قال: قرأ حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. (39)
16530- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان، وإسرائيل, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر: (إنهم لا أيمان لهم)، لا عهد لهم. (40)
16531- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (وإن نكثوا أيمانهم)، قال: عهدهم.
16532- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.
16533- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن صلة, عن عمار بن ياسر, في قوله: (لا أيمان لهم)، قال: لا عهد لهم. (41)
16534- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر, عن حذيفة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، قال: لا عهد لهم. (42)
* * *
وأما " النكث " فإن أصله النقض, يقال منه: " نكث فلان قُوَى حبله "، إذا نقضها. (43)
* * *
و " الأيمان ": جمع " اليمين ". (44)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إنهم لا أيمان لهم).
فقرأه قرأة الحجاز والعراق وغيرهم: ( إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ )، بفتح الألف من " أيمان " بمعنى: لا عهود لهم، على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إِيمَانَ لَهُمْ)، بكسر الألف, بمعنى: لا إسلام لهم.
* * *
وقد يتوجَّه لقراءته كذلك وجهٌ غير هذا. وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم = أي: لا تؤمنوهم, ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم = كأنه أراد المصدر من قول القائل: "آمنته فأنا أومنه إيمانًا ". (45)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيز القراءة بغيره, قراءة من قرأ بفتح " الألف " دون كسرها, لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، ورفض خلافه, ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله: لا عهد لهم = و " الأيمان " التي هي بمعنى العهد, لا تكون إلا بفتح " الألف ", لأنها جمع " يمين " كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.
--------------------
الهوامش :
(29) انظر تفسير " نكث " فيما سلف 13 : 73 .
(30) في المطبوعة : " فثلموه " ، والصواب من المخطوطة .
(31) انظر تفسير " الإمام " فيما سلف 3 : 18 .
(32) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف 8 : 272 ، 273 ، 281 .
(33) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف 13 : 543 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(34) أثبتت ما في المخطوطة، وهو صواب محض ، وصححها في المطبوعة هكذا ، كما ظن : " فقاتل أئمة الكفر لأنهم لا أيمان له " فزاد وغير ! ! .
(35) في المطبوعة : " فقاتلوهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(36) " الفرى " ( بكسر ففتح ) جمع " فرية " ، وهي الكذب . ويعني بذلك الخوارج ، فهم يستدلون بهذه الآية على قتال من خالفهم من أهل القبلة ، ويستحلون بها دماءهم وأموالهم .
(37) الأثر : 16527 - " زيد بن وهب الهمداني الجهني " ، تابعي مخضرم ، سمع عمر ، وعبد الله ، وحذيفة ، وأبا الدرداء . روى له الجماعة . مضى برقم : 4222 .
وهذا الخبر رواه البخاري مطولا ( الفتح 8 : 243 ) ، بغير هذا اللفظ ، من طريق محمد بن المثني ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زيد بن وهب قال ، كنا عند حذيفة . . . "
وانظر الآثر التالي ، والذي بعده .
(38) الأثر 16528 - مكرر الأثر السالف ، وانظر تخريجه هناك . و " حبيب بن حسان " ، هو " حبيب بن أبي الأشرس " ، وهو " حبيب بن أبي هلال " ، منكر الحديث ، متروك قال ابن حبان : " منكر الحديث جدا ، وكان قد عشق نصرانية ، فقيل إنه تنصر وتزوج بها . فأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح " . وقال يحيى بن معين : " كانت له جاريتان نصرانيتان ، فكان يذهب معهما إلى البيعة " .
مترجم في الكبير 1 / 2 / 311 ، وميزان الاعتدال 1 : 209 ، 211 ، ولسان الميزان 2 : 167 ، 170 .
(39) الأثر : 16529 - مكرر الأثرين السالفين .
(40) الأثر : 16530 - " صلة ابن زفر العبسي " تابعي ثقة . روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 322 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446 .
وانظر رقم : 16533 ، مرفوعا إلى عمار بن ياسر . ورقم : 16534 مرفوعا إلى حذيفة .
(41) الأثر : 16533 - مكرر الأثر رقم 16530 ، مرفوعا إلى عمار بن ياسر .
و " صلة " ، هو " صلة بن زفر العبسي " كما سلف .
(42) الأثر : 16534 - مكرر الأثرين السالفين مرفوعا إلى حذيفة .
(43) انظر تفسير " النكث " فيما سلف ص : 153 ، وتعليق : 2 والمراجع هناك .
(44) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ص : 154 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(45) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 425 .
أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾
القول في تأويل قوله : أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: (ألا تقاتلون)، أيها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دينكم، وظاهروا عليكم أعداءكم، (46) =(وهموا بإخراج الرسول)، من بين أظهرهم فاخرجوه (47) =(وهم بدءوكم أول مرة)، بالقتال, يعني فعلهم ذلك يوم بدر، وقيل: قتالهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة =(أتخشونهم)، يقول: أتخافونهم على أنفسكم فتتركوا قتالهم خوفًا على أنفسكم منهم (48) =(فالله أحق أن تخشوه)، يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم, وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله =(إن كنتم مؤمنين)، يقول: إن كنتم مقرِّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16535- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم)، من بعد عهدهم =(وهموا بإخراج الرسول)، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه =(وهم بدءوكم أول مرة)، بالقتال.
16536- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وهم بدءوكم أول مرة)، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد صلى الله عليه وسلم.
16537- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه.
16538- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
16539- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض من أهل العهد الخاص، (49) ومن كان من أهل العهد العامّ، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدُوَ فيها عادٍ منهم، فيقتل بعدائه، (50) ثم قال: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول)، إلى قوله: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . (51)
------------------------
الهوامش:
(46) انظر تفسير " النكث " ، ص : 157 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(47) انظر تفسير " الهم " فيما سلف 9 : 199 / 10 : 100 .
(48) انظر تفسير " الخشية " فيما سلف 10 ، 344 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(49) في المطبوعة والمخطوطة أسقط " الخاص " وأثبتها من ابن هشام .
(50) في المطبوعة : " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال " ، وهو كلام لا معنى له البتة وفي المخطوطة : " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقتل بعدائه ، فقال " ، وقد دخلها تحريف شديد ، فقوله : " يعودوا " ، هو تحريف : " يعدو " و " على دينهم " ، صوابها " عاد منهم " ، فأساء كتابتها ، والصواب من سيرة ابن هشام .
(51) الأثر : 16539 - سيرة ابن هشام 4 : 191 ، وهو تابع الأثر السالف قديما رقم : 16377 .
قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾
القول في تأويل قوله : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قاتلوا، أيها المؤمنون بالله ورسوله، هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم, وأخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم =(يعذبهم الله بأيديكم)، يقول: يقتلهم الله بأيديكم =(ويخزهم)، يقول: ويذلهم بالأسر والقهر (1) =(وينصركم عليهم)، فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة =(ويشف صدور قوم مؤمنين)، يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم. وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموْجِدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه.
* * *
وقيل: إن الله عنى بقوله: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، : صدورَ خزاعة حلفاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن قريشًا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونتهم بكرًا عليهم.
* ذكر من قال ذلك:
16540- حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد في هذه الآية: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، قال: خزاعة.
16541- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي, عن أسباط, عن السدي: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، قال: خزاعة، يشف صدورهم من بني بكر.
16542- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي, مثله.
16543- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، خزاعة حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.
16544- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، قال: حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.
16545- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
---------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " الإخزاء " فيما سلف ص : 112 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾
القول في تأويل قوله : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: ويذهب وَجْدَ قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة, (2) على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين، وغمَّها وكربَها بما فيها من الوجد عليهم, بمعونتهم بكرًا عليهم، (3) كما:-
16546- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي, عن أسباط, عن السدي: (ويذهب غيظ قلوبهم)، حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم قريش.
16547- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, مثله = إلا أنه قال: وأعانتهم عليهم قريش. (4)
* * *
وأما قوله: (ويتوب الله على من يشاء)، فإنه خبر مبتدأ, ولذلك رفع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة, كأنه قال: قاتلوهم، فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم, ويخزهم, وينصركم عليهم = ثم ابتدأ فقال: (ويتوب الله على من يشاء)، لأن القتال غير موجب لهم التوبةَ من الله, وهو موجبٌ لهم العذابَ من الله، والخزيَ، وشفاءَ صدور المؤمنين، وذهابَ غيظ قلوبهم, فجزم ذلك شرطًا وجزاءً على القتال, ولم يكن موجبًا القتالُ التوبةَ, فابتُدِئ الخبرُ به ورُفع. (5)
* * *
ومعنى الكلام: ويمنّ الله على من يشاء من عباده الكافرين, فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه =(والله عليم)، بسرائر عباده، ومَنْ هو للتوبة أهلٌ فيتوب عليه, ومَنْ منهم غير أهل لها فيخذله =(حكيم)، في تصريف عباده من حال كفر إلى حال إيمان بتوفيقه من وفَّقه لذلك (6) = ومن حال إيمان إلى كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده, (7) وغير ذلك من أمرهم. (8)
-----------------------
الهوامش :
(2) انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف 12 : 126 تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " الغيظ " فيما سلف 7 : 215 .
(4) في المطبوعة : " وأعانهم " ، وفي المخطوطة : " وأعلسهم ، وصواب قراءتها ما أثبت . "
(5) في المطبوعة : " فابتدأ الحكم به " ، والصواب ما أثبت من المخطوطة .
(6) في المطبوعة : " بتوفيق " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(7) السياق : " في تصريف عباده من حال كفر . . . ومن حال إيمان " .
(8) انظر تفسير " تاب " ، و " عليم " ، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( علم ) ، ( حكم ) .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾
القول في تأويل قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين الذين أمرهم بقتال هؤلاء المشركين, الذين نقضوا عهدهم الذي بينهم وبينه بقوله: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ، الآية, حاضًّا على جهادهم: (أم حسبتم)، أيها المؤمنون (9) = أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها، وبغير اختبار يختبركم به, فيعرف الصادقَ منكم في دينه من الكاذب فيه =(ولما يعلم الله الذين جاهدوا)، يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله, من المضيِّعين أمرَ الله في ذلك المفرِّطين (10) =(ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله)، يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم, والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من دون المؤمنين =(وليجة).
* * *
= هو الشيء يدخل في آخر غيره, يقالُ منه: " ولج فلان في كذا يلجِه، فهو وليجة ". (11)
* * *
وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم =(والله خبير بما تعملون)، يقول: والله ذو خبرة بما تعملون، (12) من اتخاذكم من دون الله ودون رسوله والمؤمنين به أولياءَ وبطانةً، بعد ما قد نهاكم عنه, لا يخفى ذلك عليه، ولا غيره من أعمالكم, والله مجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
* * *
وبنحو الذي قلت في معنى " الوليجة "، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16548- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا المؤمنين وليجة)، يتولّجها من الولاية للمشركين.
16549- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع: (وليجة)، قال: دَخَلا.
16550- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: (أم حسبتم أن تتركوا)، إلى قوله: (وليجة)، قال: أبي أن يدعهم دون التمحيص. وقرأ: ( " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ "، وقرأ: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ )، [سورة آل عمران : 142] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، الآيات كلها, (13) [سورة البقرة 214] أخبرهم أن لا يتركهم حتى يمحِّصهم ويختبرهم. وقرأ: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، لا يختبرون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، [سورة العنكبوت: 1 - 3]، أبى الله إلا أن يمَحِّص.
16551- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (وليجة)، قال: هو الكفر والنفاق = أو قال أحدَهما.
* * *
وقيل: (أم حسبتم)، ولم يقل: " أحسبتم ", لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام, فأدخلت فيه " أم " ليفرَّق بينه وبين الاستفهام المبتدأ. وقد بينت نظائر ذلك في غير موضع من الكتاب. (14)
-----------------
الهوامش :
(9) انظر تفسير " حسب " فيما سلف 12 : 388 ، تعليق 3 : والمراجع هناك .
(10) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 77 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(11) في المخطوطة : " ولج في فلان كذا " ، والذي في المطبوعة أجود .
(12) انظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .
(13) صدر هذه الآية ، لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة ، كان بدؤها " ولم يأتكم . . . " .
(14) انظر ما سلف في تفسير " أم " 2 : 492 - 494 / 3 : 97 / 4 : 287 ، 288 ، ثم انظر معاني القرآن للفراء 1 : 426 .
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ﴿١٧﴾
القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر. يقول: إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها، لا للكفر به, فمن كان بالله كافرًا، فليس من شأنه أن يعمُرَ مساجد الله.
* * *
وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر, فإنها كما:-
16552- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر)، يقول: ما ينبغي لهم أن يعمروها. وأما(شاهدين على أنفسهم بالكفر)، فإن النصراني يسأل: ما أنت؟ فيقول: نصراني = واليهودي, فيقول: يهودي = والصابئ, فيقول: صابئ = والمشرك يقول إذا سألته: ما دينك؟ فيقول: مشرك ! لم يكن ليقوله أحدٌ إلا العرب.
16553- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي, عن أسباط, عن السدي: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)، قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها.
16554- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو, عن أسباط, عن السدي: (شاهدين على أنفسهم بالكفر)، قال: النصراني يقال له: ما أنت؟ فيقول: نصراني = واليهودي يقال له: ما أنت؟ فيقول: يهودي = والصابئ يقال له: ما أنت؟ فيقول: صابئ.
* * *
وقوله: (أولئك حبطت أعمالهم)، يقول: بطلت وذهبت أجورها, لأنها لم تكن لله بل كانت للشيطان (15) =(وفي النار هم خالدون)، يقول: ماكثون فيها أبدًا, لا أحياءً ولا أمواتًا. (16)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)، فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( مساجد الله ) ، على الجماع. (17)
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: (مَسْجِدَ اللهِ)، على التوحيد, بمعنى المسجد الحرام.
* * *
قال أبو جعفر: وهم جميعًا مجمعون على قراءة قوله: (18) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، على الجماع, لأنه إذا قرئ كذلك، احتمل معنى الواحد والجماع, لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجماع، وبالجماع إلى الواحد, كقولهم: " عليه ثوب أخلاق ". (19)
-----------------------
الهوامش :
(15) انظر تفسير " حبط " فيما سلف 113 : 116 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(17) في المطبوعة : " على الجمع " ، وأثبت ما في المخطوطة ، في هذا الموضوع ما يليه جميعا .
(18) يعني أبو جعفر أن جميع القرأة مجمعون على قراءة الآية التالية : " إنما يعمر مساجد الله " ، على الجماع ، بلا خلاف بينهم في ذلك ولذلك زدت تمام الآية ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : " مساجد الله " ، دون : " إنما يعمر " .
(19) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 426 ، 427 .
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴿١٨﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (إنما يعمر مساجد الله)، المصدِّق بوحدانية الله, المخلص له العبادة =(واليوم الآخر), يقول: الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياءً من قبورهم يوم القيامة (20) =(وأقام الصلاة)، المكتوبة، بحدودها = وأدَّى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له (21) =(ولم يخش إلا الله)، يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه، سوى الله (22) =(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، يقول: فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم، أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب. (23)
16555- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، يقول: من وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر. يقول: أقرّ بما أنـزل الله =(وأقام الصلاة)، يعني الصلوات الخمس =(ولم يخش إلا الله)، يقول: ثم لم يعبد إلا الله = قال: (فعسى أولئك)، يقول: إن أولئك هم المفلحون, كقوله لنبيه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ، [سورة الإسراء: 79]: يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة, وكل " عسى "، في القرآن فهي واجبة.
16556- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر قول قريش: إنَّا أهلُ الحرم, وسُقاة الحاج, وعُمَّار هذا البيت, ولا أحد أفضل منا! فقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، أي: إن عمارتكم ليست على ذلك,(إنما يعمر مساجد الله)، أي: من عمرها بحقها =(من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) = فأولئك عمارها =(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، و " عسى " من الله حق. (24)
-------------------------
الهوامش :
(20) انظر تفسير " اليوم الآخر " فيما سلف من فهارس اللغة ( آخر ) .
(21) انظر تفسير " إقامة الصلاة " و " إيتاء الزكاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( قوم ) ، ( أتى ) .
(22) انظر تفسير " الخشية " فيما سلف ص : 158 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(23) انظر تفسير " عسى " فيما سلف 13 : 45 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .
= وتفسير " الاهتداء " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(24) الأثر : 16556 - سيرة ابن هشام 4 : 192 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16539 .
۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٩﴾
القول في تأويل قوله : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)
قال أبو جعفر: وهذا توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت, فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية. (25)
* * *
وبذلك جاءت الآثار وتأويل أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16557- حدثنا أبو الوليد الدمشقي أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني معاوية بن سلام, عن جده أبي سلام الأسود, عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه, فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام, إلا أن أسقي الحاج! وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام ! وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم ! فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (أجعلتم سقاية الحاج) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين). (26)
16558- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر)، قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد, لقد كنا نعمر المسجد الحرام, ونسقي الحاج, ونفك العاني ! (27) قال الله: (أجعلتم سقاية الحاج)، إلى قوله: (الظالمين)، يعني أن ذلك كان في الشرك, ولا أقبل ما كان في الشرك.
16559- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أجعلتم سقاية الحاج)، إلى قوله: (الظالمين)، وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون، (28) من أجل أنهم أهله وعُمَّاره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم, فقال لأهل الحرم من المشركين: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [سورة المؤمنون: 66، 67]، يعني أنهم يستكبرون بالحرم. وقال: بِهِ سَامِرًا ، لأنهم كانوا يسمرون، ويهجرون القرآن والنبيَّ صلى الله عليه وسلم. فخيَّر الإيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم، على عمران المشركين البيتَ وقيامهم على السقاية. ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، أن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه. قال الله: ( لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين)، يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة, فسماهم الله " ظالمين "، بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.
16560- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير, عن النعمان بن بشير, أن رجلا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج ! وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرامَ ! وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم! فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صلى الجمعة دخلنا عليه! فنـزلت: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)، إلى قوله: (لا يستوون عند الله)، (29)
16561- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عمرو, عن الحسن قال: نـزلت في علي، وعباس، وعثمان، وشيبة, تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرًا.
16562-... قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن إسماعيل, عن الشعبي قال: نـزلت في علي، والعباس, تكلما في ذلك.
16563- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرت عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار, وعباس بن عبد المطلب, وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة، أنا صاحب البيت، معي مفتاحه, لو أشاء بِتُّ فيه ! وقال عباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها, ولو أشاء بِتُّ في المسجد ! وقال علي: ما أدري ما تقولان, لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس, وأنا صاحب الجهاد ! فأنـزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)، الآية كلها.
16564- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن قال: لما نـزلت (أجعلتم سقاية الحاج)، قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا ".
16565- حدثني محمد بن الحسن قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله)، قال: افتخر علي، وعباس، وشيبة بن عثمان, فقال للعباس: أنا أفضلكم, أنا أسقي حُجَّاج بيت الله ! وقال شيبة: أنا أعمُر مسجد الله ! وقال علي: أنا هاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاهد معه في سبيل الله ! فأنـزل الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلى: نَعِيمٌ مُقِيمٌ .
16566- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أجعلتم سقاية الحاج)، الآية, أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسرُوا يوم بدر يعيِّرونهم بالشرك, فقال العباس: أما والله لقد كنَّا نَعمُر المسجدَ الحرام, ونفُكُّ العاني, ونحجب البيتَ, ونسقي الحاج ! فأنـزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج)، الآية.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أجعلتم، أيها القوم، سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله =(لا يستوون) هؤلاء، وأولئك, ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملا =(والله لا يهدي القوم الظالمين)، يقول: والله لا يوفّق لصالح الأعمال من كان به كافرًا ولتوحيده جاحدا.
* * *
ووضع الاسم موضع المصدر في قوله: (كمن آمن بالله)، إذ كان معلومًا معناه, كما قال الشاعر: (30)
لَعَمْـرُكَ مَـا الفِتْيَـانُ أَنْ تَنْبُـتَ اللِّحَى
وَلَكِنَّمَــا الفِتْيَـانُ كُـلُّ فَتًـى نَـدِي (31)
فجعل خبر " الفتيان "، " أن ", وهو كما يقال: " إنما السخاء حاتم، والشعر زهير ".
---------------------
الهوامش :
(25) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
(26) الأثر : 16557 - " أحمد بن عبد الرحمن بن بكار القرشي ، الدمشقي " ، " أبو الوليد " ، شيخ الطبري ، مضى مرارا ، آخرها رقم : 11416 .
و " الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي " ، سلف مرارا ، آخرها رقم : 9071 روى له الجماعة .
و " معاوية بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي " ، " أبو سلام الدمشقي " ، روى له الجماعة ، روى عن جده أبي سلام. مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /1 / 335 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 383 .
و " أبو سلام الأسود " واسمه " ممطور " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 15654 ، 15655 .
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ( 13 : 25 ، 26 ) ، من طريق أبي توبة ، عن معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام ، أنه سمع أبا سلام قال : حدثني النعمان بن بشير ، ثم رواه من طريق يحيى بن حسان ، عن معاوية ، عن زيد ، بمثله .
وذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 131 ، ونسبه لأبي داود ، ولم استطع أن عليه في السنن .
وزاد السيوطي في الدر المنثور 3 : 218 نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .
وسيأتي بإسناد آخر رقم : 16560 ، من طريق أخرى مرسلة .
(27) " العاني " ، الأسير .
(28) في المطبوعة : " يستكبرون به " ، بزيادة " به " ، وليست في المخطوطة ، وفيها " يستكثرون " وهو خطأ .
(29) الأثر 16560 - " يحيى بن أبي كثير الطافي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عن زيد بن سلام بن أبي سلام ، وأرسل عن أبي سلام الحبشي وغيره وهذا من مرسله عن النعمان بن بشير ، أو عن أبي سلام . وقد مضى برقم: 9189 ، 11505 - 11507 .
(30) لم أعرف قائله .
(31) معاني القرآن للفراء 1 : 427 ، شرح شواهد المغني : 325 . و " الندي " ، السخي .
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿٢٠﴾
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)
قال أبو جعفر: وهذا قضاءٌ من الله بَيْن فِرَق المفتخرين الذين افتخرَ أحدهم بالسقاية, والآخرُ بالسِّدانة, والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله. يقول تعالى ذكره: (الذين أمنوا) بالله، وصدقوا بتوحيده من المشركين =(وهاجروا) دورَ قومهم (32) =(وجاهدوا) المشركين في دين الله (33) =(بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله)، وأرفع منـزلة عنده، (34) من سُقَاة الحاج وعُمَّار المسجد الحرام، وهم بالله مشركون =(وأولئك)، يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم، أنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا =(هم الفائزون)، بالجنة، الناجون من النار. (35)
-------------------------------
الهوامش :
(32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 427 .
(33) انظر تفسير " هاجر " فيما سلف ص : 81 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(34) انظر تفسير " جاهد " فيما سلف ص : 163 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(35) انظر تفسير " الدرجة " فيما سلف : 13 : 389 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴿٢١﴾
القول في تأويل قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يبشر هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله (1) =(ربُّهم برحمة منه)، لهم، أنه قد رحمهم من أن يعذبهم = وبرضوان منه لهم, بأنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه، وأدائهم ما كلَّفهم (2) =(وجنات)، يقول: وبساتين (3) =(لهم فيها نعيم مقيم)، لا يزول ولا يبيد, ثابت دائمٌ أبدًا لهم. (4)
16567- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة, قال الله سبحانه: أُعطيكم أفضل من هذا, فيقولون: ربَّنا، أيُّ شيء أفضل من هذا؟ قال: رِضْواني. (5)
-----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف 11 : 286 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص : 131 تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " الرضوان " فيما سلف 11 : 245 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير " النعيم " فيما سلف 10 : 461 ، 462 .
= وتفسير " مقيم " فيما سلف 10 : 293 .
(5) الأثر : 16567 - مضى هذا الخبر بإسناده ولفظه ، وسلف تصحيحه برقم : 651 ( ج 6 : 262 ) . وكان في المطبوعة : " أبو أحمد الموسوي " ، خطأ محض ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٢﴾
القول في تأويل قوله : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره =(خالدين فيها)، ماكثين فيها, يعنى في الجنات (6) =(أبدا)، لا نهاية لذلك ولا حدَّ (7) =(إن الله عنده أجر عظيم)، يقول: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتَهم جل ثناؤه النعتَ الذي ذكر في هذه الآية =(أجر)، ثواب على طاعتهم لربّهم، وأدائهم ما كلفهم من الأعمال (8) =(عظيم), وذلك النعيم الذي وعدَهم أن يعطيهم في الآخرة. (9)
-------------------
الهوامش :
(6) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(7) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف 11 : 244 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(8) انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة ( أجر ) .
(9) انظر تفسير " عظيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عظم ) .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٢٣﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسرارَكم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله, وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام (10) =(إن استحبُّوا الكفر على الإيمان)، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده =(ومن يتولهم منكم)، يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين, ويؤثر المقَام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام (11) =(فأولئك هم الظالمون)، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمرَ الله, فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره. (12)
* * *
وقيل: إن ذلك نـزل نهيًا من الله المؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
16568- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، قال: أمروا بالهجرة, فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج! وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا صاحب الكعبة، فلا نهاجر ! فأنـزلت: (لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء)، إلى قوله: يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، بالفتح, في أمره إياهم بالهجرة. هذا كله قبل فتح مكة.
--------------------
الهوامش :
(10) انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(11) انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(12) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿٢٤﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)
قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد، للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم = وكانت (أموال اقترفتموها)، يقول: اكتسبتموها (13) =(وتجارة تخشون كسادها)، بفراقكم بلدَكم =(ومساكن ترضونها)، فسكنتموها =(أحب إليكم)، من الهجرة إلى الله ورسوله، من دار الشرك = ومن جهاد في سبيله, يعني: في نصرة دين الله الذي ارتضاه (14) =(فتربصوا)، يقول: فتنظّروا (15) =(حتى يأتي الله بأمره)، حتى يأتي الله بفتح مكة =(والله لا يهدي القوم الفاسقين)، يقول: والله لا يوفّق للخير الخارِجين عن طاعته وفي معصيته. (16)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16569- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (حتى يأتي الله بأمره)، بالفتح.
16570- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره)، فتح مكة.
16571- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها)، يقول: تخشون أن تكسد فتبيعوها =(ومساكن ترضونها)، قال: هي القصور والمنازل.
16572- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأموال اقترفتموها)، يقول: أصبتموها.
-----------------------
الهوامش :
(13) انظر تفسير " الاقتراف " فيما سلف 12 : 76 : 173 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف من : 173 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(15) انظر تفسير " التربص " فيما سلف 9 ؛ 323 : تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
= وتفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق )
لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾
القول في تأويل قوله : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (لقد نصركم الله)، أيها المؤمنون = في أماكن حرب توطِّنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة =(ويوم حنين)، يقول: وفي يوم حنين أيضًا قد نصركم.
* * *
و (حنين) وادٍ، فيما ذكر، بين مكة والطائف. وأجرِيَ، لأنه مذكر اسم لمذكر. وقد يترك إجراؤه، ويراد به أن يجعل اسمًا للبلدة التي هو بها, (17) ومنه قول الشاعر: (18)
نَصَـــرُوا نَبِيَّهُــمْ وَشَــدُّوا أَزْرَهُ
بِحُــنَيْنَ يَــوْمَ تَــوَاكُلِ الأَبْطَـالِ (19)
16573- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة, عن عروة قال: " حُنَين "، واد إلى جنب ذي المجاز. (20)
* * *
(إذ أعجبتكم كثرتكم)، وكانوا ذلك اليوم، فيما ذكر لنا، اثنى عشر ألفًا.
* * *
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم: لن نغلب من قِلَّة.
* * *
وقيل: قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وهو قول الله: (إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا)، يقول: فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا (21) =(وضاقت عليكم الأرض بما رحبت)، يقول: وضاقت الأرض بسعتها عليكم.
* * *
و " الباء " ههنا في معنى " في", ومعناه: وضاقت عليكم الأرض في رحبها، وبرحبها. (22)
* * *
يقال منه: " مكان رحيب "، أي واسع. وإنما سميت الرِّحاب " رحابًا " لسَعَتَها.
* * *
=(ثم وليتم مدبرين)، عن عدوكم منهزمين = " مدبرين ", يقول: وليتموهم، الأدبار, وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده, وأنه ليس بكثرة العدد وشدة البطش, وأنه ينصر القليلَ على الكثير إذا شاء، ويخلِّي الكثيرَ والقليلَ، فَيهْزِم الكثيرُ. (23)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16574- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين)، حتى بلغ: وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ، قال: " حنين "، ماء بين مكة والطائف، قاتل عليها نبيُّ الله هوازن وثقيفَ, وعلى هوازن: مالك بن عوف أخو بني نصر, وعلى ثقيف: عبد ياليل بن عمرو الثقفيّ. قال: وذُكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألفًا: عشرة آلافٍ من المهاجرين والأنصار, وألفان من الطُّلقَاء, وذكر لنا أنَّ رجلا قال يومئذٍ: " لن نغلب اليوم بكَثْرة " ! قال: وذكر لنا أن الطُّلقَاء انجفَلوا يومئذ بالناس, (24) وجلَوْا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى نـزل عن بغلته الشهباء. وذكر لنا أن نبيَّ الله قال: " أي رب، آتني ما وعدتني" ! قال: والعباسُ آخذ بلجام بغلةِ رسول الله, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ناد يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين!"، فجعل ينادي الأنصار فَخِذًا فخِذًا, ثم قال: " نادِ بأصحاب سورة البقرة !". (25) قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا. (26) فالتفت نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم, وإذا عصابة من الأنصار, فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله, والله لو عمدت إلى بَرْك الغِمادِ من ذي يَمَنٍ لكنَّا مَعَك، (27) ثم أنـزل الله نصره, وهزَمَ عدوّهم, وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسول الله كفًّا من تراب = أو: قبضةً من حَصْباء = فرمى بها وجوه الكفار, وقال: " شاهت الوجوه!"، فانهزموا. فلما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم, وأتى الجعرَّانة, فقسم بها مغانم حنين, وتألَّف أناسًا من الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس, فقالت الأنصار: " أمن الرجل وآثر قومه " ! (28) فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قُبَّة له من أَدَم, فقال: " يا معشر الأنصار, ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلالا فهداكم الله, وكنتم أذلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم!" قال: فقال سعد بن عبادة رحمه الله: ائذن لي فأتكلم ! قال: تكلم. قال: أما قولك: " كنتم ضلالا فهداكم الله "، فكنا كذلك = " وكنتم أذلة فأعزكم الله ", فقد علمت العربُ ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لما وراء ظهورهم منَّا! فقال عمر: يا سعد أتدري من تُكلِّم! فقال: نعم أكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو سلكَتِ الأنصارُ واديًا والناس واديًا لسكت وادي الأنصار, ولولا الهجرةُ لكنت امرءًا من الأنصار. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " الأنصار كَرِشي وَعَيْبتي, فاقبلوا من مُحِسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". (29) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء, وتنقلبون برسولِ الله إلى بيوتكم! فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله, والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذِرَانكم " (30) .
16575- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ذكر لنا أن أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته أو ظِئْره من بني سعد بن بكر، أتته فسألته سَبَايا يوم حنين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أملكهم، وإنما لي منهم نصيبي, ولكن ائتيني غدًا فسلِيني والناس عندي، فإني إذا أعطيتُك نصيبي أعطاك الناس. فجاءت الغد، فبسط لها ثوبًا, فقعدت عليه, ثم سألته, فأعطاها نصيبه. فلما رأى ذلك الناس أعطوْها أنصباءهم.
16576- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)، الآية: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال: يا رسول الله، لن نغلب اليوم من قِلّة ! وأعجبته كثرة الناس, وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوُكِلوا إلى كلمة الرجل, فانهزموا عن رسول الله, غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن, قتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة ؟ فتراجع الناس, فأنـزل الله الملائكة بالنصر, فهزموا المشركين يومئذٍ, وذلك قوله: ثُمَّ أَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ، الآية.
16577- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن كثير بن عباس بن عبد المطلب, عن أبيه قال: لما كان يوم حنين، التقى المسلمون والمشركون, فولّى المسلمون يومئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب, آخذًا بغَرْزِ النبي صلى الله عليه وسلم, لا يألو ما أسرع نحو المشركين. (31) قال: فأتيت حتى أخذتُ بلجامه، وهو على بغلةٍ له شهباء, فقال: يا عباس. ناد أصحابَ السمرة! وكنت رجلا صَيِّتًا, (32) فأذَّنت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة! فالتفتوا كأنها الإبل إذا حُشِرت إلى أولادها, (33) يقولون: " يا لبيك، يا لبَّيك، يا لبيك "، وأقبل المشركون. فالتقوا هم والمسلمون, وتنادت الأنصار: " يا معشر الأنصار " ، ثم قُصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج, فتنادوا: " يا بني الحارث بن الخزرج "، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاوِل، إلى قتالهم فقال: " هذا حين حَمِي الوَطِيس "! (34) ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها, ثم قال: " انهزموا وربِّ الكعبة ، انهزموا ورب الكعبة!" قال: فوالله ما زال أمرُهم مدبرًا، وحدُّهم كليلا حتى هزمهم الله، قال: فلكأنّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركُضُ خلفهم على بَغْلَتِه. (35)
16578- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب: أنهم أصابوا يومئذٍ ستة آلاف سَبْيٍ, ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك, فقالوا: يا رسول الله: أنت خيرُ الناس, وأبرُّ الناس, وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالَنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عندي من ترونَ! وإن خير القولِ أصدقُه, اختاروا: إما ذَراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم. قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئًا! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء جاءوني مسلمين, وإنا خيَّرناهم بين الذَّراريّ والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا, فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسُه أن يردَّه فليفعل ذلك, ومن لا فليُعْطِنا, وليكن قَرْضًا علينا حتى نصيب شيئًا، فنعطيه مكانه. فقالوا: يا نبي الله، رضينا وسلَّمنا! فقال: " إني لا أدري لعلَّ منكم من لا يرضَى, فَمُروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا. فرفعتْ إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلموا. (36)
16579- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا يعلى بن عطاء, عن أبي همام, عن أبي عبد الرحمن = يعني الفهريّ = قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فلما رَكَدت الشمس، (37) لبستُ لأمَتي، (38) وركبت فرسي, حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظِلّ شجرة, فقلت: يا رسول الله، قد حان الرَّواح, فقال: أجل! فنادى: " يا بِلال! يا بلال!" فقام بلال من تحت سمرة, فأقبل كأن ظله ظلُّ طير, فقال: لبيك وسعديك, ونفسي فداؤك، يا رسول الله ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسرج فرسي! فأخرج سَرْجًا دَفَّتَاه حشْوهما ليفٌ, ليس فيهما أَشَرٌ ولا بَطَرٌ (39) قال: فركب النبي صلى الله عليه وسلم, فصافَفْناهم يومَنا وليلتنا، فلما التقى الخيلان ولَّى المسلمون مدبرين, كما قال الله. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عباد الله, يا معشر المهاجرين!". قال: ومال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرسه, فأخذ حَفْنَةً من تراب فرمى بها وجوههم, فولوا مدبرين = قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي مِنَّا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب. (40)
16580- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس: فَرَرتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: لكن رسول الله لم يفرَّ, وكانت هَوازن يومئذ رُماةً, وإنَّا لما حملنا عليهم انكشَفُوا فأكبَبْنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام, ولقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها وهو يقول:
أَنَــــا النَّبِــــيُّ لا كَــــذِبْ
أَنَـــا ابْـــنُ عبــدِ المُطَّلِــبْ (41)
16581- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: سأله رجل: يا أبا عُمارة, وليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن رسول الله لم يولِّ يومئذ دُبُره, وأبو سفيان يقود بغلته. فلما غشيه المشركون نـزل فجعل يقول:
أَنَــــا النَّبِــــيُّ لا كَــــذِبْ
أَنَـــا ابْـــنُ عبــدِ المُطَّلِــبْ
فما رُؤي يومئذ أحد من الناس كان أشدَّ منه.
16582- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني جعفر بن سليمان, عن عوف الأعرابي, عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال، حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحابَ محمد عليه السلام، لم يقفوا لنا حَلَبَ شاةٍ أن كشفناهم، فبينا نحن نسوقهم, إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء, فتلقانا رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه, فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا " ! فرجعنا, وركبنا القوم، فكانت إياها. (42)
16583- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: أمدَّ الله نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين. قال: ويومئذ سمَّى الله الأنصار " مؤمنين ". قال: (فأنـزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنـزل جنودا لم يَروها).
16584- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا)، قال: كانوا اثني عشر ألفًا.
16585- حدثنا محمد بن يزيد الأدَميّ قال، حدثنا معن بن عيسى, عن سعيد بن السائب الطائفي, عن أبيه, عن يزيد بن عامر قال: لما كانت انكشافةُ المسلمين حين انكشفوا يوم حنين, ضَرَب النبي صلى الله عليه وسلم يَده إلى الأرض, فأخذ منها قبضة من تراب, فأقبل بها على المشركين وهم يتْبعون المسلمين, فحثَاها في وجوهم وقال: " ارجعوا: شاهت الوجوه!". قال: فانصرفنا، ما يلقى أحدٌ أحدًا إلا وهو يمسَحُ القَذَى عن عينيه. (43)
16586- وبه، عن يزيد بن عامر السُّوائي قال: قيل له: يا أبا حاجز, الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين، ماذا وجدتم؟ قال: وكان أبو حاجز مع المشركين يوم حنين, فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطَّستِ فيطنُّ, ثم يقول: كان في أجوافِنَا مثل هذا! (44)
16587- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني المعتمر بن سليمان, عن عوف قال، سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن = أو: أم برثم = قال، حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين, قال: لما التقينا نحن وأصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين, لم يقوموا لنا حَلَب شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسُوقهم في أدبارهم, حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء, فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتلقانا عندَه رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه فقالوا لنا: " شاهت الوجوه، ارجعوا !"، قال: فانهزمنا، وركِبُوا أكتافنا, فكانت إيَّاهَا. (45)
-----------------------
الهوامش :
(17) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 429 .
(18) هو حسان بن ثابت .
(19) ديوانه : 334 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 429 ، واللسان ( حنن ) ، وسيأتي في التفسير 16 : 111 ( بولاق ) ، وهو بيت مفرد .
وقوله : " تواكل الأبطال " ، من قولهم : " تواكل القوم " ، إذا اتكل بعضهم على بعض ، ولم يعفه في مأزق الحرب . وفي الحديث أنه نهى عن المواكلة ، وهو : أن يكل كل امرئ صاحبه إلى نفسه ، فلا يعينه فيما ينويه ، وهو مفض إلى الضعف والتقاطع وفساد الأمور ، أعاذنا الله من كل ذلك .
(20) الأثر : 16572 - هو جزء من كتاب عروة ، إلى عبد الملك بن مروان ، الذي خرجته فيما سلف رقم : 16083 ، ورواه الطبري في تاريخه ، في أثناء خبر طويل 2 : 125 .
(21) انظر تفسير " أغنى " فيما سلف : 13 : 445 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(22) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 430 .
(23) في المطبوعة : " ويخلي القليل فيهزم الكثير " ؛ حذف بسوء رأيه فأفسد الكلام . وإنما أراد أن الله يخلي بين الكثير والقليل فلا ينصر القليل ، فيهزم الكثير القليل ، على ما جرت به العادة من غلبة الكثير على القليل .
(24) " انجفل القوم عن رئيسهم " ، ذعروا ، فانقلعوا من حوله ، ففروا مسرعين .
(25) في المطبوعة : " ثم نادى بأصحاب سورة البقرة " ، غير ما في المخطوطة عبثا .
(26) قوله : " عنقا واحدا " ، أي : جملة واحدة . ويقال : " جاء القوم عنقا عنقا " ، أي : طائفة طائفة . ويقال : " هم عليه عنق " ، أي : هم عليه إلب واحد .
(27) انظر ما سلف في تفسير " برك الغماد " رقم : 15720 .
(28) في المطبوعة : " حن الرجل إلى قومه " ، غير ما في المخطوطة بلا ورع .
(29) " الكرش " ، وعاء الطيب ، و " العيبة " وعاء من أدم يكون فيه المتاع والثياب .
يقول : الأنصار خاصتي وموضع سري ، أثق بهم ، وأعتمد عليهم ، وهم أنفس ما أحرز .
(30) الأثر : 16574 - رواه ابن سعد مختصرا في الطبقات 4 / 1 / 11 ، 12 .
(31) " الغرز " ، ركاب الدابة . و " لا يألو " لا يقصر .
(32) " الصيت " ( على وزن جيد ) : البعيد الصوت العاليه .
(33) في المطبوعة : " إذا حنت إلى أولادها " ، غير ما في المخطوطة ، و " الحشر " ، الجمع .
وفي المراجع الأخرى : " لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها " . والذي في طبقات ابن سعد ، موافق لما في المطبوعة .
(34) " الوطيس " : حفرة تحتفر ، فتوقد فيها النار ، فإذا حميت يختبز فيها ويشوى ، ويقال لها " الإرة " وهذا من بليغ الكلام ، ولم تسمع هذه الكلمة من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(35) الأثر : 16577 - " كثير بن العباس بن عبد المطلب " ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولد على عهد رسول الله ، ولم يسمع منه ، تابعي ثقة قليل الحديث . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 207 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 153 .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم : 1775 من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري . وفصل أخي السيد أحمد تخريجه هناك ، ثم رقم : 1776 .
ورواه مسلم في صحيحه 12 : 113 ، من طريق يونس ، عن الزهري . ثم رواه أيضا ( 12 : 117 ) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، ومن طريق سفيان بن عيينه عن الزهري .
ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 327 ، من طريق يونس ، عن الزهري .
ورواه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 112 = 4 / 1 / 11 ، الثاني طريق محمد بن عبد الله ، عن عمه ، عن ابن شهاب الزهري ، والأول من طريق محمد بن حميد العبدي ، عن معمر ، عن الزهري .
ثم انظر تاريخ الطبري 3 : 128 ، حديث ابن إسحاق ، في سيرة ابن هشام 4 : 87 ، 88 .
(36) الأثر : 16578 - رواه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 112 . 87 ، 88 .
(37) " ركدت الشمس " ، ثبتت ، وذلك حين يقوم قائم الظهيرة .
(38) " اللأمة " الدرع ، وسلاح الحرب كله .
(39) " الأشر " ، المرح والخيلاء . و " البطر " ، الطغيان في النعمة من قلة احتمالها .
(40) الأثر : 16579 - " يعلى بن عطاء العامري الطائفي " ، ثقة مضى برقم : 2858 ، 11527 ، 11529 .
و " أبو همام " هو " عبد الله بن يسار " ، روى عن عمرو بن حريث . وأبي عبد الرحمن الفهري . ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 202 .
و " أبو عبد الرحمن الفهري " ، صحابي مختلف في اسمه ، مترجم في الإصابة ، والتهذيب ، وأسد الغابة 5 : 245 ، 246 ، والاستيعاب : 676 .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 286 من طريق بهز عن حماد بن سلمة ، ومن طريق عفان ، عن حماد .
ورواه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 112 ، 113 ، من طريق عفان ، عن حماد بن سلمة .
ورواه أبو داود في سننه 4 : 485 ، 486 ، برقم : 5233 من طريق موسى بن إسماعيل ، عن حماد مختصرا .
ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب 676 ، بغير إسناد .
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة من طريق موسى بن إسماعيل ، عن حماد .
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 181 ، 182 ، وقال : " رواه البزار ، والطبراني ، ورجالها ثقات " .
(41) الأثران : 16580 ، 16581 - خبر البراء بن عازب ، رواه مسلم من طرق كثيرة في صحيحه 12 : 117 - 121 ، ورواه من طريق شعبة ، عن أبي إسحاق في 12 : 121 .
ورواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 24 ) من طرق .
(42) الأثر : 16582 - " عبد الرحمن ، مولى أم برثن " ، هو " عبد الرحمن بن آدم ، صاحب السقاية " . وكانت أم برثن تعالج الطيب ، فأصابت غلاما لقطة ، فربته حتى أدرك ، وسمته عبد الرحمن ، فكان مما يقال له " عبد الرحمن بن أم برثن " ، وإنما قيل له : " عبد الرحمن بن آدم ، نسب إلى أبي البشر جميعا ، " آدم " عليه السلام ، لم يكن يعرف له أب ، وهو ثقة ، مضى برقم : 7145 .
وكان في المخطوطة : " مولى برثن " ، وهو خطأ ، وانظر الخبر التالي رقم : 19587 من طريق أخرى .
وقوله : " لم يقفوا لنا حلب شاة " ، يعني : إلا قدر ما تحلب شاة ، كناية من قلة الزمن ، كما يقال : " فواق ناقة " ، و " الفواق " ما بين الحلبتين إذا قبض الجانب على الضرع ثم أرسله .
قوله : " فكانت إياها " ، يعني ، فكانت الهزيمة التي تعلم . وفي حديث معاوية بن عطاء :
" كان معاوية رضي الله عنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة كانت إياها " . قالوا : اسم " كان " ضمير " السجدة " ، و " إياها " الخبر ، أي : كانت هي هي ، أي : كان يرفع منها وينهض قائما إلى الركعة الأخرى من غير أن يقعد قعدة الاستراحة .
(43) الأثر : 16585 - " محمد بن يزيد الأدمي الخراز " ، شيخ الطبري ، ثقة زاهد ، مضى برقم : 4894 .
و " معن بن عيسى الأشجعي ، القزاز " ، أحد أئمة الحديث ، روى له الجماعة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 390 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 277 .
و " سعيد بن السائب الطائفي " ، ثقة ، مضى برقم : 15402 .
وأبوه " السائب بن أبي حفص الطائفي " ، ثقة ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 156 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 245 .
و " يزيد بن عامر السوائي " " أبو حاجز " صحابي ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 316 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 281 .
وهذا الخبر ، رواه البخاري في تاريخه 4 / 2 / 316 من طريق إبراهيم بن المنذر ، عن معن بن عيسى .
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة 5 : 115 ، 116 .
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ( 6 : 182 ، 183 ) ، حديثان ، كما جاء هنا في التفسير ، وقال في الأول والثاني " رواه الطبراني ، ورجاله ثقات " .
(44) 16586 - مكرر الأثر السالف ، وتخريجه هناك .
(45) الأثر : 16587 - " عبد الرحمن ، مولى أم برثن ، أو : أم برثم " ، بإبدال النون ميما ، مضى في الأثر رقم : 16582 ، وكان في المطبوعة هنا : " أو : أم مريم " ، وهو خطأ محض ، وتصرف في رسم المخطوطة ، وهي غير منقوطة .
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٢٦﴾
القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رحبت، وتوليتكم الأعداءَ أدباركم, كشف الله نازل البلاء عنكم, بإنـزاله السكينة = وهي الأمنة والطمأنينة = عليكم.
* * *
= وقد بينا أنها " فعيلة "، من " السكون "، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (46)
* * *
=(وأنـزل جنودًا لم تروها)، وهي الملائكة التي ذكرتُ في الأخبار التي قد مضى ذكرها =(وعذب الذين كفروا)، يقول: وعذب الله الذين جحدوا وحدانيّته ورسالةَ رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بالقتل وسَبْي الأهلين والذراريّ، وسلب الأموال والذلة =(وذلك جزاء الكافرين)، يقول: هذا الذي فعلنا بهم من القتل والسبي =(جزاء الكافرين), يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله. (47)
16588- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وعذب الذين كفروا)، يقول: قتلهم بالسيف.
16589- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: (وعذب الذين كفروا)، قال: بالهزيمة والقتل.
16590- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)، قال: من بَقي منهم.
------------------------
الهوامش:
(46) انظر تفسير " السكينة " فيما سلف 3 : 66 ، 70 /5 : 326 - 330 .
(47) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٧﴾
القول في تأويل قوله : ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذي به عذَّب من هلك منهم قتلا بالسيف =(على من يشاء)، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته =(والله غفور)، لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها =(رحيم)، بهم، فلا يعذبهم بعد توبتهم, ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم. (1)
----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " التوبة " ، و " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( غفر ) ، ( رحم ) .