At-Tabari
· At-TawbaOuvrir dans le lecteurلَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨﴾
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين, لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين صدقوا الله ورسوله معه، هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم, فأنفقوا في جهادهم أموالهم وأتعبوا في قتالهم أنفسهم وبذلوها (4) =(وأولئك)، يقول: وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم =(الخيرات), وهي خيرات الآخرة, وذلك: نساؤها، وجناتها، ونعيمها.
* * *
= واحدتها " خَيْرَة ", كما قال الشاعر: (5)
وَلَقَــدْ طَعَنْــتُ مَجَـامِعَ الـرَّبَلاتِ
رَبَــلاتِ هِنْــدٍ خَــيْرَةِ المَلِكـاتِ (6)
و " الخيرة "، من كل شيء، الفاضلة. (7)
* * *
=(وأولئك هم المفلحون)، يقول: وأولئك هم المخلدون في الجنات، الباقون فيها، الفائزون بها. (8)
------------------------
الهوامش :
(4) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 411 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) لرجل من بني عدي ، عدي تيم تميم ، وهو جاهلي .
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 267 ، واللسان ( خير ) ، و " الربلات " جمع " ربلة " ( بفتح الراء وسكون الباء ، أو فتحها ) ، وهي لحم باطن الفخذ . عنى أمرًا قبيحًا . وقوله " خيرة " ، مؤنث " خير " ، صفة ، لا بمعنى التفضيل ، يقال : " رجل خير ، وامرأة خيرة " ، فإذا أردت التفضيل قلت : " فلانة خير الناس " .
(7) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 267 .
(8) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 13 : 574 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿٨٩﴾
القول في تأويل قوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أعد الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللذين آمنوا معه (9) =(جنات), وهي البساتين، (10) تجري من تحت أشجارها الأنهار =(خالدين فيها)، يقول: لابثين فيها, لا يموتون فيها, ولا يظعنون عنها (11) =(ذلك الفوز العظيم)، يقول: ذلك النجاء العظيم، والحظّ الجزيل. (12)
-------------------
الهوامش :
(9) انظر تفسير " أعد " فيما سلف ص : 31 ، 267 .
(10) انظر تفسير " الجنة " فيما سلف من فهارس اللغة ( جنن ) .
(11) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(12) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص : 357 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٩٠﴾
القول في تأويل قوله : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وجاء)، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم =(المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم)، في التخلف =(وقعد)، عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه (13) =(الذين كذبوا الله ورسوله)، وقالوا الكذب, واعتذرُوا بالباطل منهم. يقول تعالى ذكره: سيُصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم، عذابٌ أليم. (14)
* * *
فإن قال قائل: (وجاء المعذّرون)، وقد علمت أن " المعذِّر "، في كلام العرب، إنما هو: الذي يُعَذِّر في الأمر فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه؟ وليست هذه صفة هؤلاء, وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم, وحرصوا على ذلك, فلم يجدوا إليه السبيل, فهم بأن يوصفوا بأنهم: " قد أعذروا "، أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم " عذَّروا ". وإذا وصفوا بذلك، (15) فالصَّواب في ذلك من القراءة، ما قرأه ابن عباس, وذلك ما:-
17073- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك قال: كان ابن عباس يقرأ: ( وَجَاءَ الْمُعْذِرُونَ )، مخففةً, ويقول: هم أهل العذر.
= مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟
قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبتَ إليه, وإن معناه: وجاء المعتذِرون من الأعراب = ولكن " التاء " لما جاورت " الذال " أدغمت فيها, فصُيِّرتا ذالا مشدَّدة، لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى, كما قيل: " يذَّكَّرون " في " يتذكرون ", و " يذكّر " في " يتذكر " وخرجت العين من " المعذّرين " إلى الفتح, لأن حركة التاء من " المعتذرين "، وهي الفتحة، نقلت إليها، فحركت بما كانت به محركة. والعرب قد توجِّه في معنى " الاعتذار "، إلى " الإعذار ", فيقول: " قد اعتذر فلان في كذا ", يعني: أعذر, (16) ومن ذلك قول لبيد:
إِلَـى الحَـوْلِ ثُـمَّ اسْـمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا
ومَـنْ يَبْـكِ حَـوْلا كَـامِلا فَقَدِ اعتَذَرْ (17)
فقال: فقد اعتذر, بمعنى: فقد أعْذَر.
* * *
على أن أهل التأويل قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " معذِّرين ".
فقال بعضهم: كانوا كاذبين في اعتذارهم, فلم يعذرهم الله.
* ذكر من قال ذلك:
17074- حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي, عن الحسين قال: كان قتادة يقرأ: (وجاء المعذرون من الأعراب)، قال: اعتذروا بالكذب.
17075- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وجاء المعذرون من الأعراب)، قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا, فلم يعذرهم الله.
* * *
= فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء: أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل. فأمّا بالحق = على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء = فغير جائز أن يوصَفوا به.
* * *
وقد كان بعضهم يقول: إنما جاءوا معذّرين غير جادِّين, يعرضون ما لا يريدون فعله. فمن وجَّهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك, غير أني لا أعلم أحدًا من أهل العلم بتأويل القرآن وجَّه تأويله إلى ذلك, فأستحبُّ القول به. (18)
وبعدُ, فإن الذي عليه من القراءة قرأة الأمصار، التشديد في " الذال ", أعني من قوله: (المُعَذّرُونَ)، ففي ذلك دليلٌ على صحة تأويل من تأوله بمعنى الاعتذار، لأن القوم الذين وُصفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عَذَّرُوا فيه, وانما كانوا فرقتين: إما مجتهد طائع، وإما منافق فاسقٌ، لأمر الله مخالف. فليس في الفريقين موصوفٌ بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما هو معذّر مبالغٌ, أو معتَذِر.
فإذا كان ذلك كذلك, وكانت الحجة من القرأة مجمعة على تشديد " الذال " من " المعذرين ", عُلم أن معناه ما وصفناه من التأويل.
* * *
وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس.
17076- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن حميد قال: قرأ مجاهد: (وَجاءَ المُعذَرُونَ)، مخففةً, وقال: هم أهل العذر.
17077- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان المعذرون، [فيما بلغني، نفرًا من بني غِفارٍ، منهم: خفاف بن أيماء بن رَحَضة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ، [الآية]. (19)
-----------------------
(13) انظر تفسير " القعود " فيما سلف ص : 412 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .
(15) في المطبوعة : " بأنهم عذروا ، إذا وصفوا بذلك " ، كأنه متعلق بالسالف .
والصواب أنه ابتداء كلام ، والواو في " وإذا " ثابتة في المخطوطة .
(16) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 447 ، 448 .
(17) سلف البيت وتخريجه 1 : 119 ، تعليق : 1 .
(18) في المطبوعة : " فاستحبوا " جمعًا ، وإنما جاء الخطأ من سوء كتابة المخطوطة ، لأنه أراد أن يكتب بعد آخر الباء واوًا ، ثم عدل عن ذلك ، فأخذ الناشر بما عدل عنه الناسخ ! ! .
(19) الأثر : 17077 - سيرة ابن هشام 4 : 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17063 . وكان هذا الخبر في المخطوطة والمطبوعة مبتورًا ، أتممته من سيرة ابن هشام ، ووضعت تمامه بين القوسين .
لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾
القول في تأويل قوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو, (20) ولا على المرضى, ولا على من لا يجد نفقة يتبلَّغ بها إلى مغزاه = " حرج ", وهو الإثم، (21) يقول: ليس عليهم إثم، إذا نصحوا لله ولرسوله في مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم =(ما على المحسنين من سبيل) ، يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريقٌ يتطرَّق عليه فيعاقب من قبله (22) =(والله غفور رحيم)، يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين, يتغمدها بعفوه لهم عنها =(رحيم)، بهم، أن يعاقبهم عليها. (23)
* * *
وذكر أن هذه الآية نـزلت في " عائذ بن عمرو المزني".
* * *
وقال بعضهم في " عبد الله بن مغفل ".
* * *
* ذكر من قال: نـزلت في " عائذ بن عمرو ".
17078- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله)، نـزلت في عائذ بن عمرو.
* * *
* ذكر من قال: نـزلت في " ابن مغفل ".
17079- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى)، إلى قوله: حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه, فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم " عبد الله بن مغفل المزني", فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أجد ما أحملكم عليه! فتولوا ولهم بكاءٌ, وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، (24) ولا يجدون نفقةً ولا محملا. فلما رأى الله حرصَهم على محبته ومحبة رسوله, أنـزل عذرهم في كتابه فقال: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج)، إلى قوله: فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
----------------------
الهوامش :
(20) انظر تفسير " الضعفاء " فيما سلف 5 : 551 8 : 19 .
(21) انظر تفسير " الحرج " فيما سلف 12 : 295 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(22) انظر تفسير " المحسن " و " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) ، ( سبل ) .
(23) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .
(24) في المطبوعة : " وعز عليهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب .
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ ﴿٩٢﴾
القول في تأويل قوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضًا على النفر الذين إذا ما جاءوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد, قلت لهم: لا أجد حَمُولةً أحملكم عليها =(تولوا)، يقول: أدبروا عنك, (25) =(وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا)، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، (26) ويتحمَّلون به للجهادِ في سبيل الله.
* * *
وذكر بعضهم: أن هذه الآية نـزلت في نفر من مزينة.
* ذكر من قال ذلك:
17080- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه)، قال: هم من مزينة.
17081- حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مزينة.
17082- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قراءةً، عن مجاهد في قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، إلى قوله: (حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون)، قال: هم بنو مقرِّن. من مزينة.
17083- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، قال: هم بنو مقرِّن من مزينة.
17084-...... قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن عروة, عن ابن مغفل المزني, وكان أحد النفر الذين أنـزلت فيهم: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية.
17085- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا)، قال: منهم ابن مقرِّن = وقال سفيان: قال الناس: منهم عرباض بن سارية.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في عِرْباض بن سارية.
* ذكر من قال ذلك:
17086- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو عاصم, عن ثور بن يزيد, عن خالد بن معدان, عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا دخلنا على عرباض بن سارية, وهو الذي أنـزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية. (27)
17087- حدثني المثنى قال، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا ثور, عن خالد, عن عبد الرحمن بن عمرو, وحجر بن حجر بنحوه.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في نفر سبعة، من قبائل شتى.
* ذكر من قال ذلك:
17088- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب وغيره قال: جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه, فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه)! فأنـزل الله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، الآية. قال: هم سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير = ومن بني واقف: هرمي بن عمرو (28) = ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب, يكنى أبا ليلى = ومن بني المعلى: سلمان بن صخر = ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة, وهو الذي تصدق بعرضِه فقبله الله منه = ومن بني سَلِمة: عمرو بن غنمة, وعبد الله بن عمرو المزني.
17089- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم)، إلى قوله: (حزنًا)، وهم البكاؤون، كانوا سبعة. (29)
------------------------
الهوامش :
(25) انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(26) انظر تفسير " تفيض من الدمع " فيما سلف 10 : 507
(27) الأثر : 17086 - " عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب . و " حجر بن حجر الكلاعي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب .
(28) في المطبوعة والمخطوطة : " حرمي بن عمرو " ، والصواب " هرمي " بالهاء ، انظر ترجمته في الإصابة .
(29) الأثر : 17089 - سيرة ابن هشام 4 : 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17077 ، وليس فيه في هذا الموضع قوله : " وهم سبعة " . وأما عدتهم عند ابن إسحاق فقد ذكرها ابن هشام في سيرته 4 : 161 ، وقال : " وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم " ، ثم عددهم .
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٩٣﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما السبيل بالعقوبة على أهل العذر، يا محمد, ولكنها على الذين يستأذنونك في التخلف خِلافَك، وترك الجهاد معك، وهم أهل غنى وقوّةٍ وطاقةٍ للجهاد والغزو, نفاقًا وشكًّا في وعد الله ووعيده (30) =(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف)، يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء = وهن " الخوالف "، خلف الرجال في البيوت, ويتركوا الغزو معك، (31) =(وطبع الله على قلوبهم)، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب (32) =(فهم لا يعلمون)، سوء عاقبتهم، بتخلفهم عنك، وتركهم الجهاد معك، وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا، وعظيم البلاء في الآخرة.
------------------------
الهوامش:
(30) انظر تفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(31) انظر تفسير " الخوالف " فيما سلف ص : 413 ، تعليق : 1، والمراجع هناك .
(32) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف ص : 413 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٤﴾
القول في تأويل قوله : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يعتذر إليكم، أيها المؤمنون بالله، هؤلاء المتخلفون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم, التاركون جهاد المشركين معكم من المنافقين، بالأباطيل والكذب، إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهادكم = " قل "، لهم، يا محمد، =(لا تعتذروا لن نؤمن لكم)، يقول: لن نصدِّقكم على ما تقولون =(قد نبأنا الله من أخباركم)، يقول: قد أخبرنا الله من أخباركم, وأعلمنا من أمركم ما قد علمنا به كذبَكم (1) =(وسيرى الله عملكم ورسوله)، يقول: وسيرى الله ورسوله فيما بعدُ عملكم, أتتوبون من نفاقكم، أم تقيمون عليه؟ =(ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة)، يقول: ثم ترجعون بعد مماتكم =(إلى عالم الغيب والشهادة)، يعني: الذي يعلم السرَّ والعلانية، الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها (2) =(فينبئكم بما كنتم تعملون)، فيخبركم بأعمالكم كلها سيِّئها وحسنها, (3) فيجازيكم بها: الحسنَ منها بالحسن، والسيئَ منها بالسيئ.
----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " نبأ " فيما سلف ص : 344 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " عالم الغيب والشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) ، ( شهد ) .
(3) في المخطوطة : " سيئها " وأسقط " وحسنها " ، والصواب ما في المطبوعة .
سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿٩٥﴾
القول في تأويل قوله : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سيحلف، أيها المؤمنون بالله، لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله =(إذا انقلبتم إليهم)، يعني: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم (4) =(لتعرضوا عنهم)، فلا تؤنبوهم =(فأعرضوا عنهم)، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق (5) (إنهم رجس ومأواهم جهنم)، يقول: إنهم نجس (6) =(ومأواهم جهنم), يقول: ومصيرهم إلى جهنم، وهي مسكنهم الذي يأوُونه في الآخرة (7) =(جزاء بما كانوا يكسبون)، (8) يقول: ثوابًا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. (9)
* * *
وذكر أن هذه الآية نـزلت في رجلين من المنافقين، قالا ما:-
17090- حدثنا به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا)، إلى: (بما كانوا يكسبون)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ألا تغزو بني الأصفر، (10) لعلك أن تصيب بنت عظيم الرُّوم, فإنهنّ حِسان ! (11) فقال رجلان: قد علمت، يا رسول الله، أن النساء فتنة, فلا تفتنَّا بهنَّ! فأذن لنا ! فأذن لهما. فلما انطلقا, قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوّل آكلٍ! (12) فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم ينـزل عليه في ذلك شيء, فلما كان ببعض الطريق، نـزل عليه وهو على بعض المياه: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [سورة التوبة: 42]، ونـزل عليه: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [سورة التوبة: 43]، ونـزل عليه: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة التوبة: 44]، ونـزل عليه: (إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون). فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم, فأتاهم وهم خلفهم, فقال: تعلمون أنْ قَد نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدَكم قرآن؟ قالوا: ما الذي سمعت؟ قال: ما أدري, غير أني سمعت أنه يقول: " إنهم رجس "! فقال رجل يدعى " مخشيًّا "، (13) والله لوددت أني أجلد مئة جلدة، وأني لست معكم! فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما جاء بك؟ فقال: وجْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفَعه الريح، وأنا في الكِنّ!! (14) فأنـزل الله عليه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [سورة التوبة: 49]، وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ [سورة التوبة: 81]، ونـزل عليه في الرجل الذي قال: " لوددت أني أجْلد مئة جلدة " قولُ الله: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ [سورة التوبة: 64]، فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون، ما فينا خير! فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, فقال له: أنت صاحب الكلمة التي سمعتُ؟ فقال: لا والذي أنـزل عليك الكتاب ! فأنـزل الله فيه: وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [سورة التوبة: 74]، وأنـزل فيه: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، [سورة التوبة: 47].
17091- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعبَ بن مالك يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك, جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له, وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيَتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطُّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدْق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا, إن الله قال للذين كذبوا حين أنـزل الوحي, (15) شرَّ ما قال لأحد: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون)، إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . (16)
----------------------
الهوامش :
(4) انظر تفسير " الانقلاب " فيما سلف 13 : 35 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(5) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص : 369 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير " الرجس " فيما سلف 12 : 194 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(7) انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص : 360 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(8) في المطبوعة والمخطوطة " جزاء بما كانوا يعملون " ، سهو من الناسخ فيما أرجح .
(9) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
= وتفسير "الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).
(10) "بنو الأصفر"، هم الروم.
(11) في المطبوعة والمخطوطة " فإنهم حسان " والصواب ما أثبت .
(12) " الشحمة " ، عنى بها قطعة من " شحم سنام البعير " ، وشحمة السنام من أطايب البعير ، يسرع إليها الآكل ، قال زفر بن الحارث الكلابي :
وكُنَّـا حَسِـبْنا كُـلَّ بَيْضَـاءَ شَـحْمَةً
لَيــالِيَ قارَعْنــا جُــذَامَ وحـمِيرَا
فَلَمَّـا قَرَعْنـا النَّبْـعَ بـالنَّبْعِ , بَعضَهُ
بِبَعــضٍ , أَبَـتْ عِيدانُـهُ أَنْ تكَسَّـرا
وفي المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة".
(13) في المخطوطة : " مخشي " ، والصواب ما في المطبوعة وهو " مخشي بن حمير الأشجعي " ، انظر ترجمته في الإصابة .
(14) "سفعته النار، والشمس، والسموم، تسفعه سفعًا " ، لفحته لفحًا يسيرًا فغيرت لون بشرته وسودته. و "الكن" (بكسر الكاف): ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن ، وكل ما ستر من الشمس والسموم فهو كن .
(15) في المطبوعة والمخطوطة : " حين أنزل الوحي ما قال لأحد " ، بإسقاط " شر " ، وهو لا يستقيم ، وأثبته من نص روايته في صحيح مسلم .
(16) الأثر : 17091 - هذا مختصر من الخبر الطويل في توبة كعب بن مالك ، رواه مسلم في صحيحه 17 : 87 - 100 ، من هذه الطريق ، وقد مضى جزء آخر منه برقم : 16147 .
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿٩٦﴾
القول في تأويل قوله : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحلف لكم، أيها المؤمنون بالله، هؤلاء المنافقون، اعتذارًا بالباطل والكذب =(لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)، يقول: فإن أنتم، أيها المؤمنون، رضيتم عنهم وقبلتم معذرتهم, إذ كنتم لا تعلمون صِدْقهم من كذبهم, فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعهم عند الله، لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون, ومن خفيّ اعتقادهم ما تجهلون, وأنهم على الكفر بالله......... (17) يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله، ومن الطاعة إلى المعصية. (18)
-----------------------
الهوامش :
(17) لا أشك أن موضع هذه النقط خرم في كلام أبي جعفر ، من ناسخ كتابه ، وكأن صواب الكلام : " وأنهم على الكفر بالله مقيمون ، وأنهم هم الفاسقون ، يعني : أنهم الخارجون . . . " ، أو كلامًا شبيهًا بهذا .
(18) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف ص : 406 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٩٧﴾
القول في تأويل قوله : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدُّ جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا، من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير, فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله.
* * *
وقوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله، (19) وذلك فيما قال قتادة: السُّنن.
17092- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، قال: هم أقل علمًا بالسُّنن.
17093- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش, عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صُوحان وهو يحدث أصحابه, وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد, فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني, وإن يدك لَتُرِيبُني ! فقال زيد: وما يُريبك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله: (الأعرابُ أشدُّ كفرًا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزلَ الله على رسوله). (20)
* * *
وقوله: (والله عليم حكيم)، يقول: (والله عليم)، بمن يعلم حدودَ ما أنـزل على رسوله, والمنافق من خلقه، والكافرِ منهم, لا يخفى عليه منهم أحد =(حكيم)، في تدبيره إياهم, وفي حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخِداعهم أولياءَه. (21)
---------------------
الهوامش :
(19) انظر تفسير " حدود الله " فيما سلف 8 : 68 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(20) الأثر : 17093 - " عبد الرحمن بن مغراء الدوسي " ، ثقة ، متكلم فيه . مضى برقم : 11881 . وكان في المطبوعة : " عبد الرحمن بن مقرن " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فبدل من عند نفسه .
و "زيد بن صوحان العبدي " ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 13486 .
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 6 : 84 ، 85 من طريق يعلي بن عبيد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم.
(21) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .
وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٩٨﴾
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده =(مغرما)، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا =(ويتربص بكم الدوائر)، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (22) أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب, (23) وغلبة عدوٍّ لكم. (24) يقول الله تعالى ذكره: (عليهم دائرة السوء)، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم, ونـزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون, ولا بكم =(والله سميع)، لدعاء الداعين =(عليم) بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه. (25)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17094- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا, ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: (ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء)؟
* * *
واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين, بمعنى النعت لـ " الدائرة ", وإن كانت " الدائرة " مضافة إليه, كقولهم: " هو رجل السَّوْء ", " وامرؤ الصدق ", من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. (26)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ) ، بضم السين، كأنه جعله اسمًا, كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: " عليهم دائرة السُّوء " فضم, لم يقل: " هذا رجل السُّوء " بالضم, و " الرجل السُّوء ", (27) وقال الشاعر: (28)
وكُـنْتُ كَـذِئْبِ السَّـوْءِ لَمَّـا رَأَى دَمًا
بِصَاحِبِـه يَوْمًـا أحَـالَ عَـلَى الـدَّمِ (29)
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين, بمعنى: عليهم الدائرة التي تَسُوءهم سوءًا. كما يقال: " هو رجل صِدْق "، على وجه النعت.
---------------------
الهوامش :
(22) انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(23) في المطبوعة " ونفى محبوب " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي سيئة الكتابة .
(24) انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف 10 : 404 .
(25) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(26) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 449 ، 450 .
(27) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 450 .
(28) هو الفرزدق .
(29) ديوانه : 749 ، وطبقات فحول الشعراء : 306 ، والحيوان 5 : 319 ، 6 : 298 ، واللسان (حول) ، وغيرها كثير ، من أبيات لها خبر طويل . وقوله : " أحال على الدم " ، أي : أقبل عليه . والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا ، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله ، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله ، وترك الإنسان ( من كلام الجاحظ ) . وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله :
فَتًـى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ , إن رَأَى
بِصَاحِبِــهِ يَوْمًـا دَمًـا فَهْـوَ آكِلُـهُ
.
وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩٩﴾
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدِّق الله ويقرّ بوحدانيته، وبالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب, وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين، (30) وفي سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (قربات عند الله)، و " القربات " جمع " قربة ", وهو ما قرَّبه من رضى الله ومحبته =(وصلوات الرسول)، يعني بذلك: ويبتغي بنفقة ما ينفق، مع طلب قربته من الله، دعاءَ الرسول واستغفارَه له.
وقد دللنا، فيما مضى من كتابنا، على أن من معاني " الصلاة "، الدعاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (31)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17095- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله (وصلوات الرسول)، يعني: استغفار النبيّ عليه الصلاة والسلام.
17096- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول)، قال: دعاء الرسول: قال: هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب. (32)
17097- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، قال: هم بنو مقرِّن، من مزينة, وهم الذين قال الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ، [سورة التوبة: 92]. قال: هم بنو مقرّن، من مزينة = قال: حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ، ثم استثنى فقال: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، الآية.
17098- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا جعفر, عن البختريّ بن المختار العبدي قال، سمعت عبد الرحمن بن معْقل قال: كنا عشرة ولد مقرّن, فنـزلت فينا: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، إلى آخر الآية. (33)
* * *
قال أبو جعفر: قال الله: (ألا إنها قُرْبة لهم)، يقول تعالى ذكره: ألا إنّ صلوات الرسول قربة لهم من الله.
وقد يحتمل أن يكون معناه: ألا إنّ نفقته التي ينفقها كذلك، قربةٌ لهم عند الله =(سيدخلهم الله في رحمته)، يقول: سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة =(إن الله غفورٌ)، لما اجترموا =(رحيم)، بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم. (34)
------------------------
الهوامش:
(30) في المطبوعة: "ينوي بما ينفق"، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .
(31) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .
(32) " الثنية " ، ما استثنى من شيء ، وفي حديث كعب الأحبار : " الشهداء ثنية الله في الأرض " ، يعني هم من الذين استثناهم الله من الصعقة الأولى ، تأول ذلك في قوله تعالى : (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ، فجعل منهم الشهداء ، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
(33) الأثر : 17098 - " البختري بن المختار العبدي " ، ثقة . مترجم في الكبير 1 2 136 وابن أبي حاتم 1 1 427 .
و " عبد الرحمن بن معقل المزني " ، تابعي ثقة ، وعده بعضهم في الصحابة لهذا الحديث .
فقال الحافظ بن حجر : " إنما عنى بقوله : كنا = أباه وأعمامه ، وأما هو فيصغر عن ذلك . ومن أعمامه عبد الرحمن بن مقرن ، ذكره ابن سعد في الصحابة " . وهو مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 122 ، وابن أبي حاتم 2 2 284 .
وكان في المطبوعة : " عبد الله بن مغفل " ، غير ما في المخطوطة ، وبدل ، وصحف ، وأساء إساءة لا يعذر فيها .
(34) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .
وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿١٠٠﴾
القول في تأويل قوله : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله =(من المهاجرين)، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم (1) =(والأنصار)، الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله (2) =(والذين اتبعوهم بإحسان)، يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام, طلبَ رضا الله (3) =(رضي الله عنهم ورضوا عنه).
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (والسابقون الأوّلون).
فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، أو أدْركوا.
* ذكر من قال ذلك:
17099- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن إسماعيل, عن عامر: (والسابقون الأوّلون)، قال: من أدرك بيعة الرضوان.
17100-...... قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر قال: (المهاجرون الأوّلون)، من أدرك البيعة تحت الشجرة.
17101- حدثنا ابن بشار قال, حدثنا يحيى قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي قال: (المهاجرون الأولون)، الذين شهدوا بيعة الرضوان.
17102- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان عن مطرف, عن الشعبي قال: " المهاجرون الأولون "، من كان قبل البيعة إلى البيعة، فهم المهاجرون الأوّلون, ومن كان بعد البيعة، فليس من المهاجرين الأولين.
17103- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل ومطرف، عن الشعبي قال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
17104- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن داود, عن عامر قال: فَصْل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان, وهي بيعة الحديبية.
17105- حدثني المثني قال، أخبرنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ومطرف, عن الشعبي قال: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
17106- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر أبو زبيد, عن مطرف, عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. (4)
* * *
وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
17107- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن قيس, عن عثمان الثقفي, عن مولى لأبي موسى, عن أبي موسى قال: المهاجرون الأولون، من صلى القبلتين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
17108- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع, عن عثمان بن المغيرة, عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير, عن مولى لأبي موسى قال: سألت أبا موسى الأشعري عن قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
17109- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي هلال, عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سُمُّوا " المهاجرين الأولين "؟ قال: من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعًا, فهو من المهاجرين الأولين.
17110- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال: المهاجرون الأولون، الذين صلوا القبلتين.
17111- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
17112- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.
17113- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن بعض أصحابه, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب = وعن أشعث, عن ابن سيرين = في قوله: (والسابقون الأولون)، قال: هم الذين صلوا القبلتين.
17114- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون, عن محمد, قال: المهاجرون الأولون: الذين صلوا القبلتين.
17115- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.
* * *
وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان, فهم الذين أسلموا لله إسلامَهم، وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير. كما: -
17116- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب قال: مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)، قال: من أقرأك هذه الآية؟ (5) قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقْني حتى أذهب بك إليه ! فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟ قال: نعم! قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال:[نعم!]. (6) لقد كنتُ أرانا رُفِعنا رَفْعَةً لا يبلُغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: تصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة, (7) وأوسط الحشر, وآخر الأنفال. أما أول الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ،, [سورة الجمعة: 3]، وأوسط الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، [سورة الحشر: 10]، وأما آخر الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، [سورة الأنفال: 75].
17117- حدثنا أبو كريب قال, حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، حتى بلغ: (ورضوا عنه)، قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب ! فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه ! فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم! قال: أنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم! قال: لقد كنت أظن أنّا رُفِعنا رَفْعة لا يبلغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، إلى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وفي سورة الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، وفي الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، إلى آخر الآية.
* * *
وروي عن عمر في ذلك ما:
17118- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج, عن هارون, عن حبيب بن الشهيد, وعن ابن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، فرفع " الأنصار " ولم يلحق الواو في " الذين ", فقال له زيد بن ثابت " والذين اتبعوهم بإحسان ", فقال عمر: " الذين اتبعوهم بإحسان "، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم! فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب. فأتاه، فسأله عن ذلك, فقال أبي: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فقال عمر: إذًا نتابع أبَيًّا.
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة على خفض " الأنصار "، عطفًا بهم على " المهاجرين ".
* * *
وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: (الأنْصَارُ)، بالرفع، عطفًا بهم على " السابقين ".
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفضُ في (الأنْصَارِ), لإجماع الحجة من القرأة عليه, وأن السابق كان من الفريقين جميعًا، من المهاجرين والأنصار، وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين، دون الخبر عن الجميع = وإلحاق " الواو " في " الذين اتبعوهم بإحسان ", (8) لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعًا, على أن " التابعين بإحسان "، غير " المهاجرين والأنصار "، وأما " السابقون "، فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).
* * *
ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه = ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام =(وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار)، يدخلونها =(خالدين فيها)، لابثين فيها (9) =(أبدًا)، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها (10) =(ذلك الفوز العظيم). (11)
-----------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص : 173 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الأنصار " فيما سلف 10 : 481 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
(4) الأثر : 17106 - " عبثر ، أبو زبيد " ، هو " عبثر بن القاسم الزبيدي ، أبو زبيد " ، مضى برقم : 12402 ، وغيرها .
(5) استفهام عمر ، كما سيظهر في رقم : 17118 ، عن قراءة الآية بخفض " الأنصار " بالواو في " والذين " ، وقراءته هو ، رفع " الأنصار " وبغير واو في قوله " الذين اتبعوهم " .
(6) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، ونقلتها من تفسير ابن كثير 4 : 229 .
(7) في المطبوعة والمخطوطة : " قال : وتصديق ذلك في أول الآية " . وهو غير مستقيم صوابه من تفسير ابن كثير 4 : 229 ، وانظر الأثر التالي .
(8) قوله : " وإلحاق الواو " معطوف على قوله : " والقراءة التي لا أستجيز غيرها ، الخفض . . . " .
(9) انظر تفسير " الخلد " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(10) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ص : 175 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(11) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص : 415 ، تعليق : 8 ، والمراجع هناك .
وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾
القول في تأويل قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون, ومن أهل مدينتكم أيضًا أمثالهم أقوامٌ منافقون.
* * *
وقوله: (مردوا على النفاق)، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به.
* * *
ومنه: " شيطانٌ مارد، ومَرِيد "، وهو الخبيث العاتي. ومنه قيل: " تمرَّد فلان على ربه "، أي: عتَا، ومرنَ على معصيته واعتادها. (12)
* * *
وقال ابن زيد في ذلك ما: -
17119- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون.
17120- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، أي لجُّوا فيه، وأبوْا غيرَه. (13)
* * *
=(لا تعلمهم)، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم، يا محمد، أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة, ولكنا نحن نعلمهم، كما: -
17121- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون)، إلى قوله: (نحن نعلمهم)، قال: فما بال أقوام يتكلَّفون علم الناس؟ فلانٌ في الجنة وفلان في النار! فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري ! لعمري أنتَ بنفسك أعلم منك بأعمال الناس, ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك ! قال نبي الله نوح عليه السلام: وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ،, [سورة الشعراء: 112]، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [سورة هود: 86]، وقال الله لنبيه عليه السلام: (لا تعلمهم نحن نعلمهم).
* * *
وقوله: (سنعذبهم مرتين)، يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين، إحداهما في الدنيا, والأخرى في القبر.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا، ما هي؟
فقال بعضهم: هي فضيحتهم، فضحهم الله بكشف أمورهم، وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
17122- حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي مالك, عن ابن عباس في قول الله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، إلى قوله: (عذاب عظيم)، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا يوم الجمعة, فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق. اخرج، يا فلان، فإنك منافق. فأخرج من المسجد ناسًا منهم، فضحهم. فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة, وظنّ أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر, ظنّوا أنه قد علم بأمرهم. فجاء عمر فدخل المسجد, فإذا الناس لم يصلُّوا, فقال له رجل من المسلمين: أبشر، يا عمر, فقد فضح الله المنافقين اليوم ! فهذا العذاب الأول، حين أخرجهم من المسجد. والعذاب الثاني، عذاب القبر. (14)
17123- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه, قال: وعذاب القبر.
* * *
[وقال آخرون: ما يصيبهم من السبي والقتل والجوع والخوف في الدنيا.] (15)
* * *
ذكر من قال ذلك:
17124- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: القتل والسِّبَاء.
17125- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، بالجوع, وعذاب القبر. قال: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يوم القيامة.
17126- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون، والقاسم، ويحيى بن آدم, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع والقتل = وقال يحيى: الخوف والقتل. (16)
17127- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: بالجوع والقتل.
17128- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع, وعذاب القبر.
17129- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: الجوع والقتل. (17)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: سنعذبهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك:
17130- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، عذاب الدنيا، وعذاب القبر، (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين, فقال: " ستة منهم تكفيكَهم الدُّبيلة, (18) سِراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى تُفضي إلى صدره, وستة يموتون موتًا " . ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله، كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة, فإن صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشُدُك الله، أمنهم أنا؟ قال: لا والله, ولا أومِن منها أحدًا بعدك !
17131- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.
17132- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء قالا حدثنا بدل بن المحبر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر.
17133- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، = ثم يردّون إلى عذاب النار.
* * *
وقال آخرون: كان عذابهم إحدى المرتين، مصائبَهم في أموالهم وأولادهم, والمرة الأخرى في جهنم.
* ذكر من قال ذلك:
17134- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (سنعذبهم مرتين)، قال: أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد, وقرأ قول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة التوبة: 55]، بالمصائب فيهم, هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة، في النار =(ثم يردون إلى عذاب عظيم)، قال: النار.
* * *
وقال آخرون: بل إحدى المرتين، الحدود, والأخرى: عذابُ القبر.
ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضًى. (19)
* * *
وقال آخرون: بل إحدى المرتين، أخذ الزكاة من أموالهم, والأخرى عذابُ القبر. ذكر ذلك عن سليمان بن أرقم, عن الحسن.
* * *
وقال آخرون: بل إحدى المرتين، عذابُهم بما يدخل عليهم من الغَيْظِ في أمر الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
17135- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (سنعذبهم مرتين)، قال: العذاب الذي وعدَهم مرتين، فيما بلغني، غَمُّهم بما هم فيه من أمر الإسلام، (20) وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حِسْبة, ثم عذابهم في القبر إذا صاروا إليه, ثم العذاب العظيم الذي يردُّون إليه، عذابُ الآخرة، (21) والخُلْد فيه. (22)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مرَدوا على النفاق مرتين, ولم يضع لنا دليلا يوصِّل به إلى علم صفة ذينك العذابين (23) = وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيٍّ. (24) غير أن في قوله جل ثناؤه: (ثم يردّون إلى عذاب عظيم)، دلالة على أن العذاب في المرَّتين كلتيهما قبل دخولهم النار. والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر.
* * *
وقوله: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يقول: ثم يردُّ هؤلاء المنافقون، بعد تعذيب الله إياهم مرتين، إلى عذاب عظيم, وذلك عذاب جهنم.
-------------------
الهوامش :
(12) انظر تفسير " مريد " فيما سلف 9 : 211 ، 212 ، وفي المطبوعة : " أي : عتا ومرد على معصيته . . . " ، والصواب ما في المخطوطة .
(13) الأثر : 17120 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17089 .
(14) الأثر : 17122 - رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 33 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، وهو ضعيف " .
(15) هذه الترجمة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، استظهرتها من سياق الأخبار التالية .
(16) في المطبوعة : " بالجوع . . . " ، بالباء في أوله ، وأثبت ما في المخطوطة .
(17) في المطبوعة : " بالجوع " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(18) " الدبيلة " في اللغة ، خراج ودمل كبير ، تظهر في الجوف ، فتقتل صاحبها غالبا ، وهي تصغير " دبلة " ( بضم الدال وسكون الباء ) ، بمثل معناها .
(19) في المطبوعة : " غير مرضي " . وأثبت ما في المخطوطة .
(20) في المطبوعة والمخطوطة : " فيما بلغني عنهم ما هم فيه أمر الإسلام " ، والصواب من سيرة ابن هشام .
(21) في المطبوعة : " ويخلدون فيه " ، وفي المخطوطة : " ويخلد فيه " ، وصواب قراءتها من سيرة ابن هشام .
(22) الأثر : 17135 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17120 .
(23) في المطبوعة : " نتوصل به " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(24) في المطبوعة : " بأي ذلك من بأي ، على أن في قوله . . . " ، فحرف وبدل وأفسد الكلام إفسادًا .
وانظر القول في " أي ذلك كان من أي " فيما سلف ص : 365 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، فقد مضت أخواتها كثيرًا ، وحرفها الناسخ .
وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠٢﴾
القول في تأويل قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق, ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم ", يقول: أقرُّوا بذنوبهم =(خلطوا عملا صالحًا)، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها, والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا, وتركهم الجهادَ مع المسلمين.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا), وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.
فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك, وجائز في العربية أن يكون " بآخر "، (25) كما تقول " استوى الماء والخشبة "، أي: بالخشبة, " وخلطت الماء واللبن ".
وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم (26) " استوى الماء والخشبة ". واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في " الخلط" عامل في الأول والثاني, وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه, وأن تقديم " الخشبة " على " الماء " غير جائز في قولهم: " استوى الماء والخشبة ", وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك " الخلطَ". (27)
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه بمعنى قولهم: " خلطت الماء واللبن ", بمعنى: خلطته باللبن.
* * *
=" عسى الله أن يتوب عليهم "، يقول:لعل الله أن يتوب عليهم= " وعسى " من الله واجب، (28) وإنما معناه:سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت= " إن الله غفور رحيم "، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه، وساترٌ له عليها = " رحيم "، به أن يعذبه بها. (29)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنـزلت فيه.
فقال بعضهم: نـزلت في عشرة أنفس كانوا تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, منهم أبو لبابة, فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّواري عند مَقْدم النبي صلى الله عليه وسلم، توبةً منهم من ذنبهم.
* ذكر من قال ذلك:
17136- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ تخلّفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فلما حضرَ رُجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد, فكان ممرّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم. (30)
فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسواري؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد]، حتى تطلقهم، وتعذرهم. (31) فقال النبي عليه السلام: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا ! (32) فأنـزل الله تبارك وتعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب. فلما نـزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعَذَرَهُم .
* * *
وقال آخرون: بل كانوا ستة, أحدهم أبو لبابة.
* ذكر من قال ذلك:
17137- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله)، إلى قوله: (إن الله غفور رحيم)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك, فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة, وقالوا: " نكون في الكِنِّ والطمأنينة مع النساء, ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرُنا "، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد, وبقي ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان طريقه في المسجد, فمرَّ عليهم فقال: من هؤلاء الموثقو أنفسهِم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم, وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم, وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم ! فأنـزل الله برحمته: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) = و " عسى " من الله واجب = فلما نـزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذرَهم, وتجاوز عنهم.
* * *
وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية.
* ذكر من قال ذلك:
17138- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري, منهم كرْدَم، ومرداس، وأبو لبابة.
17139- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال, وأبو لبابة, وكردم, ومرداس, وأبو قيس. (33)
* * *
وقال آخرون: كانوا سبعة.
* ذكر من قال ذلك:
17140- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم)، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك, فأما أربعة فخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, وكلهم من الأنصار, وهم الذين قيل فيهم: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ، الآية.
17141- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك، منهم أبو لبابة, ومنهم جد بن قيس، تِيبَ عليهم = قال قتادة: وليسوا بثلاثة.
17142- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: هم سبعة, منهم أبو لبابة، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك, وليسوا بالثلاثة.
17143- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، نـزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان قريبًا من المدينة, ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: " نكون في الظلال والأطعمة والنساء, ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم يطلقنا ويعذرنا !" وأوثقوا أنفسهم, وبقي ثلاثة، لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. (34) فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, فمرّ في المسجد، وكان طريقه, فأبصرهم, فسأل عنهم, فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله, فصنعوا بأنفسهم ما ترى, وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله, قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ! فأنـزل الله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب = فأطلقهم نبيُّ الله وعذرهم.
* * *
وقال آخرون: بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه فيه، (35) ما كان من أمره في بني قريظة.
* ذكر من قال ذلك:
17144- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نـزلت في أبي لبابة، قال لبني قريظة ما قال.
17145- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال, أشار إلى حلقه: إن محمدًا ذابحكم إن نـزلتم على حُكْم الله.
17146- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فذكر نحوه = إلا أنه قال: إن نـزلتم على حكمه.
17147- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية, فقال: لا أحلُّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله ! قال: فحلَّه النبي صلى الله عليه وسلم: وفيه أنـزلت هذه الآية: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا)، الآية.
17148- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نـزلت في أبي لبابة.
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت في أبي لبابة، بسبب تخلفه عن تبوك.
* ذكر من قال ذلك:
17149- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فربط نفسه بسارية, فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى أموت أو يتوب الله عليّ ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى خرّ مغشيا عليه، قال: ثم تاب الله عليه, ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة! فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني ! قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب, وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله! قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث.
* * *
وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعراب.
* ذكر من قال ذلك:
17150- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: فقال إنهم من الأعراب.
17151- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (إن الله غفور رحيم). (36)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نـزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين نـزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك, لأن الله جل ثناؤه قال: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم, ولم يكن المعترفُ بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك [كذلك], (37) وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، بالاعتراف بذنوبهم جماعةً, عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، (38) فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة, وكان لا جماعةَ فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صحَّ ما قلنا في ذلك. وقلنا: " كان منهم أبو لبابة "، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
---------------------
الهوامش :
(25) لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر ، وهو ظاهر لمن تأمل . وانظر التعليق التالي .
(26) الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها ، ولكنه كان فيها " آخرون " . أما المخطوطة ففيها : " وأنكر أن يكون نظير قولهم . . . " ، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام . وانظر التعليق التالي .
(27) في المطبوعة : " دليلا عندهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولكن الناشر الأول غيره ، لما وضع " آخرون " من عند نفسه . انظر التعليق السالف .
هذا ، وقد تركت الكلام على حاله ، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر .
(28) انظر تفسير "عسى" فيما سلف: ص 167 تعليق 5، والمراجع هناك.
(29) انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .
(30) في المطبوعة : "وكان" وأثبت ما في المخطوطة بالفاء .
(31) في المخطوطة والمطبوعة : " تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم " ، سقط بعض الكلام وتمامه في الدر المنثور : " وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم " ، وآثرت ما وضعته بين القوسين .
(32) في المطبوعة والمخطوطة : " ونحن بالله " ، وآثرت ما كتبت .
(33) هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.
(34) " بالسواري " زيادة من المخطوطة ، ليست في المطبوعة .
(35) في المطبوعة : " فتيب عليه منه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي صواب محض .
(36) الأثر : 17151 - " حجاج بن أبي زينب السلمي " ، " أبو يوسف الواسطي " ، " الصيقل " ، ضعيف ، ليس بقوي ولا حافظ . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 373 ، وابن أبي حاتم 1 2 161 ، وميزان الاعتدال 1 : 215 . وكان في المطبوعة : " بن أبي ذئب " ، وهو خطأ ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة .
و " أبو عثمان " ، هو النهدي ، " عبد الرحمن بن مل " ، ثقة ، أسلم على عهد رسول الله ولم يلقه . مضى مرارًا ، منها رقم : 13097 - 13100 .
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 273 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في التوبة ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقي في شعب الإيمان .
(37) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق .
(38) في المطبوعة : " أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد " ، أساء قراءة المخطوطة ، فحرف وزاد من عنده ، ما أفسد الكلام وأهلكه .
خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٠٣﴾
القول في تأويل قوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها =(صدقة تطهرهم)، من دنس ذنوبهم (39) =(وتزكيهم بها)، يقول: وتنمِّيهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها, إلى منازل أهل الإخلاص (40) =(وصل عليهم)، يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم, واستغفر لهم منها =(إن صلاتك سكن لهم)، يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم (41) =(والله سميع عليم)، يقول: والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه =(عليم)، بما تطلب بهم بدعائك ربّك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده. (42)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17152- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: جاءوا بأموالهم = يعني أبا لبابة وأصحابه = حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا ! قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا! فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم.
17153- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم, فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: خذ من أموالنا فتصدَّق بها عنا, وصلِّ علينا = يقولون: استغفر لنا = وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آخذ منها شيئًا حتى أومر. فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلما نـزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءًا من أموالهم, فتصدَّق بها عنهم.
17154- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم قال: لما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسَّواري, قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها ! فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، الآية.
17155- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسواري حين عفا عنهم: يا نبيّ الله؛ طهِّر أموالنا ! فأنـزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله, وكان عَمي منهم اثنان, فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِي.
17156- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: الأربعة: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, هم الذين قيل فيهم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، أي وقارٌ لهم، وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدَّقوا.
17157- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك, قال: لما أطلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه, أتوا نبيّ الله بأموالهم فقالوا: يا نبي الله، خذ من أموالنا فتصدَّق به عنا, وطهَّرنا، وصلِّ علينا ! يقولون: استغفر لنا = فقال نبي الله: لا آخذ من أموالكم شيئًا حتى أومر فيها = فأنـزل الله عز وجل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، من ذنوبهم التي أصابوا =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم. ففعل نبي الله عليه السلام ما أمره الله به.
17158- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: (خذ من أموالهم صدقة)، أبو لبابة وأصحابه =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم، لذنوبهم التي كانوا أصابوا.
17159- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، قال: هؤلاء ناسٌ من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, اعترفوا بالنفاق، وقالوا: يا رسول الله، قد ارتبنا ونافقنا وشككنا, ولكن توبةٌ جديدة، وصدقةٌ نخرجها من أموالنا ! فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، بعد ما قال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، [سورة التوبة: 84].
* * *
واختلف أهل العربية في وجه رفع " تزكيهم ".
فقال بعض نحويي البصرة: رفع " تزكيهم بها "، في الابتداء، وإن شئت جعلته من صفة " الصدقة ", ثم جئت بها توكيدًا, وكذلك " تطهرهم ".
وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: (تطهرهم)، للنبي عليه السلام فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعد على " الصدقة " عائد, (43) (وتزكيهم)، مستأنَفٌ. وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول، أن قوله: (تطهرهم)، من صلة " الصدقة ", لأن القرأة مجمعة على رفعها, وذلك دليل على أنه من صلة " الصدقة ". وأما قوله: (وتزكيهم بها)، فخبر مستأنَفٌ, بمعنى: وأنت تزكيهم بها, فلذلك رفع.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إن صلاتك سكن لهم).
فقال بعضهم: رحمة لهم.
* ذكر من قال ذلك:
17160- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس، (إن صلاتك سكن لهم)، يقول: رحمة لهم.
* * *
وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتك وقارٌ لهم.
* ذكر من قال ذلك:
17161- حدثنا بشر قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إن صلاتك سكن لهم)، أي: وقارٌ لهم.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة المدينة: (إِنَّ صَلوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ) بمعنى دعواتك.
* * *
وقرأ قرأة العراق وبعض المكيين: ( إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )، بمعنى: إن دعاءك.
* * *
قال أبو جعفر: وكأنَّ الذين قرءوا ذلك على التوحيد، رأوا أن قراءته بالتوحيد أصحُّ، لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس في قوله: (إن صلواتك سكن لهم)، إذ كانت " الصلوات "، هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد، دون ما هو أكثر من ذلك. والذي قالوا من ذلك، عندنا كما قالوا، وبالتوحيد عندنا القراءةُ لا العلة، لأن ذلك في العدد أكثر من " الصلوات ", (44) ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلواته أنه سكن لهؤلاء القوم، (45) لا الخبر عن العدد. وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيد في " الصلاة " أولى.
-------------------------
الهوامش :
(39) انظر تفسير " التطهير " فيما سلف 12: 549 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(40) انظر تفسير " التزكية " فيما سلف من فهارس اللغة ( زكا ) .
(41) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .
= وتفسير " سكن " فيما سلف 11 : 557 .
(42) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(43) في المطبوعة " بأنه لم يعد " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(44) في المطبوعة : " وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد . . . " ، غير ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
(45) في المطبوعة : " وصلاته " ، وأثبت ما في المخطوطة .