At-Tabari
· Ash-Shu'araaOuvrir dans le lecteurأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ ﴿١٢٨﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) والريع: كل مكان مشرف من الأرض مرتفع, أو طريق أو واد; ومنه قول ذي الرُّمَّة:
طِـرَاقُ الخَـوَافِي مُشْـرفٌ فَوْق رِيعَةٍ
نَــدَى لَيْلِـه فِـي ريشِـهِ يَـتَرَقْرَقُ (1)
وقول الأعشى:
وَيهْمـــاءُ قَفْـــرٍ تَجاوَزْتهـــا
إذَا خَـــبَّ فِــي رِيعِهــا آلُهَــا (2)
وفيه لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتحها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) يقول: بكلّ شرف.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: بكل طريق.
حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني, قال: ثنا أبو قتيبة, قال: ثنا مسلم بن خالد, قال: ثنا ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: الريع: الثنية الصغيرة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عكرمة: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: فجّ وواد, قال: وقال مجاهد ( بِكُلِّ رِيعٍ ) بين جبلين.
قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: شرف ومنظر.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) قال: بكلّ طريق.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ ) بكلّ طريق. ويعني بقوله ( آية ) بنيانا, علما.
وقد بينا في غير موضع من كتابنا هذا, أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: الآية: علم.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: آية: بنيان.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( آية ) : بنيان.
حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً ) قال: بنيان الحمام.
وقوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك, يقول في قوله: ( تعبثون ) قال: تلعبون.
وقوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) اختلف أهل التأويل في معنى المصانع, فقال بعضهم: هي قصور مشيدة.
------------------------
الهوامش:
(1) البيت لذي الرمة (اللسان: ريع) قال: والريع: الجبل، والجمع أرياع، وريوع، ورياع. وقيل: الواحدة ريعة. والجمع: رياع. وحكى ابن برى عن أبي عبيدة: الريعة: جمع ريع، خلاف قول الجوهري، قال ذو الرمة: * طـراق الخوافي واقعًا فوق ريعة *
والريع: السبيل، سلك أو لم يسلك. وقوله تعالى: (أتبون بكل ريع آية). وقرئ: "بكل ريع"، (بفتح الراء): قيل في تفسيره: بكل مكان مرتفع. وقيل معناه: بكل فج. والفج: الطريق المتفرج في الجبال خاصة. وقيل: بكل طريق. وقال الفراء: الريع والريع (بكسر الراء وفتحها) لغتان، مثل الرير والرير. ا ه. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة 173): (بكل ريع)، وهو الارتفاع من الأرض، والطريق. والجمع أرياع وريعة. قال ذو الرمة:
طِـرَاقُ الخَـوَافي مُشْـرِفٌ فَوْقَ رِيعَةٍ
نَــدَى لَيْلِـهِ فِـي رِيشِـهِ يَـتَرَقْرَق
وفي (اللسان: طرق): وطائر طراق الريش: إذا ركب بعضه بعضًا. قال ذو الرمة يصف بازيا:
طِـرَاقُ الخَـوَافي وَاقِـعٌ فَـوْقَ رِيعِه
نَــدَى لَيْلِـهِ فِـي رِيشِـهِ يَـتَرَقْرَق
ويترقرق: يلمع. وكل شيء له بصيص وتلألؤ فهو رقراق. والخوافي: ما تحت القوادم في الطائر من الريش. والقوادم: جمع قادمة، وهي أربع ريشات طويلة في أول جناحه.
(2) البيت نسبه المؤلف للأعشى (أعشى بني قيس بن ثعلبة) وفي ديوانه طبعة القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين (ص 163- 169) قصيدة من هذا البحر المتقارب ومن القافية نفسها، عدتها 47 بيتًا، يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي. ولكن البيت سقط منها في نسخة الديوان، ولعله يوجد في نسخ أخرى منه قديمة واليهماء القازة لا ماء بها ولا أنيس وخب تحرك واضطراب والريع قد فسرناه في الشاهد قبل هذا، ونقلنا كلام العلماء والآل السراب وخب السراب أي تحرك ولمع وهذا الشاهد كالذي قبله يريد المؤلف أنه كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد وفيه لغتان ريع وريع بكسر الراء وفتحها كما قال، وكما قال غيره من أهل اللغة.
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴿١٢٩﴾
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) قال: قصور مشيدة, وبنيان مخلد.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( مصانع ) : قصور مشيدة وبنيان.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن مجاهد, قال: ( مصانع ) يقول: حصون وقصور.
حدثني يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم, عن رجل, عن مجاهد, قوله: ( مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال: أبرجة الحمام.
وقال آخرون: بل هي مآخذ للماء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مصانع ) قال: مآخذ للماء.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة, والعرب تسمي كل بناء مصنعة, وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة, وجائز أن يكون كان مآخذ للماء, ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان, ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه, ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون, فتبقون في الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: قال في بعض الحروف ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) كأنكم تخلدون.
وكان ابن زيد يقول: " لعلكم " في هذا الموضع استفهام.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال: هذا استفهام, يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟.
وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى " كيما ".
وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣٠﴾
وقوله: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) يقول: وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف, وضربا بالسياط.
كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) قال: القتل بالسيف والسياط.
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٣١﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم, وانتهوا عن اللهو واللعب, وظلم الناس, وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض.
وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿١٣٢﴾
واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون.
أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ ﴿١٣٣﴾
وأعانكم به من بين المواشي والبنين.
وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٣٤﴾
والبساتين والأنهار.
إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٣٥﴾
( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ) من الله ( عَظِيمٍ ).
قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ ﴿١٣٦﴾
يقول تعالى ذكره: قالت عاد لنبيهم هود صلى الله عليه وسلم: معتدل عندنا وعظك إيانا, وتركك الوعظ, فلن نؤمن لك ولن نصدّقك على ما جئتنا به.
إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٣٧﴾
وقوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك; فقرأته عامة قرّاء المدينة سوى أبي جعفر, وعامة قرّاء الكوفة المتأخرين منهم: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) من قبلنا: وقرأ ذلك أبو جعفر, وأبو عمرو بن العلاء: " إنْ هَذَا إلا خَلْقُ الأوّلينَ" بفتح الخاء وتسكين اللام بمعنى: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوّلين وأحاديثهم.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, نحو اختلاف القرَّاء في قراءته, فقال بعضهم: معناه: ما هذا إلا دين الأوّلين وعادتهم وأخلاقهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) يقول: دين الأوّلين.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) يقول: هكذا خِلْقة الأوّلين, وهكذا كانوا يحيون ويموتون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كذب الأوّلين وأساطيرهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: أساطير الأوّلين.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: كذبهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: إن هذا إلا أمر الأوّلين وأساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن علقمة, عن ابن مسعود: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) يقول: إن هذا إلا اختلاق الأوّلين.
قال ثنا يزيد بن هارون, قال. أخبرنا داود, عن الشعبيّ, عن علقمة, عن عبد الله, أنه كان يقرأ ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) ويقول شيء اختلقوه.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبيّ, قال: قال علقمة: ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قال: اختلاق الأوّلين.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ ( إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) بضم الخاء واللام, بمعنى: إن هذا إلا عادة الأوّلين ودينهم, كما قال ابن عباس, لأنهم إنما عوتبوا على البنيان الذي كانوا يتخذونه, وبطشهم بالناس بطش الجبابرة, وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم عليهم, فأجابوا نبيّهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك, احتذاء منهم سنة من قبلهم من الأمم, واقتفاء منهم آثارهم, فقالوا: ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأوّلين, يعنون بالخلق: عادة الأوّلين. ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة والتأويل, قولهم: ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) لأنهم لو كانوا لا يقرُّون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم.
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿١٣٨﴾
ما قالوا: ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) بل كانوا يقولون: إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأوّلين, وما لنا من معذب يعذبنا, ولكنهم كانوا مقرين بالصانع, ويعبدون الآلهة, على نحو ما كان مشركو العرب يعبدونها, ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى, فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم, وما الله معذبنا عليه. كما أخبرنا تعالى ذكره عن الأمم الخالية قبلنا, أنهم كانوا يقولون لرسلهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾
يقول تعالى ذكره: فكذّبت عاد رسول ربهم هودا, والهاء في قوله ( فكذبوه ) من ذكر هود.( فأهلكناهم ) يقول: فأهلكنا عادا بتكذيبهم رسولنا.( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها, لعبرة وموعظة لقومك يا محمد, المكذّبيك فيما أتيتهم به من عند ربك.
يقول: وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علم الله.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٤٠﴾
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في انتقامه من أعدائه,( الرَّحِيمُ ) بالمؤمنين به.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٤١﴾
يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود رسل الله, إذ دعاهم صالح أخوهم إلى الله, فقال لهم: ألا تتقون عقاب الله يا قوم على معصيتكم إياه, وخلافكم أمره, بطاعتكم أمر المفسدين في أرض الله.
إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٤٣﴾
( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من الله أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته على خلافكم أمره ( أمِينٌ ) على رسالته التي أرسلها معي إليكم.
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٤٤﴾
( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أيها القوم, واحذروا عقابه ( وأطيعون ) في تحذيري إياكم, وأمر ربكم باتباع طاعته.
وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٤٥﴾
( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول: وما أسألكم على نصحي إياكم, وإنذاركم من جزاء ولا ثواب.( إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: إن جزائي وثوابي إلا على ربّ جميع ما في السموات, وما في الأرض, وما بينهما من خلق.
أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَآ ءَامِنِينَ ﴿١٤٦﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا آمنين, لا تخافون شيئا؟.
فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٤٧﴾
( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) يقول: في بساتين وعيون ماء.
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴿١٤٨﴾
( وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يعني بالطلع: الكُفُرَّى.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( هَضِيمٌ ) فقال بعضهم: معناه اليانع النضيج.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) يقول: أينع وبلغ فهو هضيم.
وقال آخرون: بل هو المتهشم المتفتت.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال محمد بن عمرو في حديثه تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشّما.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: سمعت عبد الكريم يقول: سمعت مجاهدا يقول في قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: حين تطلع يقبض عليه فيهضمه.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: إذا مسّ تهشّم وتفتَّت, قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه فتهضمه.
وقال آخرون: هو الرطب اللين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا هناد, قال: ثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة قوله: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) قال: الهضيم: الرطب اللين.
وقال آخرون: هو الراكب بعضه بعضا.
* ذكر من قال ذلك:
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) إذا كثر حمل النخلة فركب بعضها بعضا, حتى نقص بعضها بعضا, فهو حينئذ هضيم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته, وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه, فكذلك الهضم في الطلع, إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمسّ الأيدي, وإما بركوب بعضه بعضا, وأصله مفعول صرف إلى فعيل.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَـٰرِهِينَ ﴿١٤٩﴾
وقوله: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( فارهين ) فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: ( فارهين ) بمعنى: حاذقين بنحتها.
وقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: " فَرِهِينَ" بغير ألف, بمعنى: أشرين بطرين.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته, فقال بعضهم: معنى فارهين: حاذقين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح وعبد الله بن شدّاد: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال أحدهما: حاذقين, وقال الآخر: يتجبرون.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا مروان, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) قال: حاذقين بنحتها.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فارهين ) يقول: حاذقين.
وقال آخرون: معنى فارهين: مستفرهين متجبرين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن السديّ, عن عبد الله بن شداد في قوله: " فَرِهِينَ" قال: يتجبرون.
قال أبو جعفر: والصواب: فارهين.
وقال آخرون ممن قرأه فارهين: معنى ذلك: كيسين.
* ذكر من قال ذلك:
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فارهين ) قال: كيسين.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد, عن الضحاك أنه قرأ ( فارهين ) قال: كيسين.
وقال آخرون: فرهين: أشرين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) يقول: أشرين, ويقال: كيسين.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " بيوتا فرهين " قال: شرهين.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بمثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: " وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ" قال: الفره: القويّ.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة, في قوله: " فَرِهِينَ" قال: معجبين بصنيعكم.والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها( فارهين ) وقراءة من قرأ " فَرِهِينَ" قراءتان معروفتان, مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ ( فارهين ) : حاذقين بنحتها, متخيرين لمواضع نحتها, كيسين, من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ " فَرِهِينَ": مرحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدا, فيكون فاره مبنيا على بنائه, وأصله من فعل يفعل, ويكون فره صفة, كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر عديّ بن وادع العوفي من الأزد:
لا أسْــتَكِينُ إذا مــا أزْمَـةٌ أزَمَـتْ
وَلَــنْ تَـرَانِي بِخَـيْرٍ فـارِهَ الطَّلَـبِ (1)
------------------------
الهوامش :
(1) البيت لعدي بن وادع الشاعر الأزدي الأعمى، (كما سماه صاحب معجم الشعراء ص 252)، وكما في مجاز القرآن لأبي عبيدة (مصورة الجامعة ص 173) قال (وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين) أي مرحين. قال عدي بن وادع العفوي من العفاة بن عمرو بن فهم من الأزد:
لا أسْــتَكِينُ إذَا مَــا أزْمَـةٌ أزَمَـتْ
وَ لَــنْ تَـرَاني بِخَـيْرٍ فَـارِهَ اللَّبَـبِ
أي مرح اللبب. قال: ويجوز: "فرهين" في معنى "فارهين".
أو هو ابن وادع العوفي، كما في (اللسان: فره) قال: الفاره: الحاذق بالشيء والفروهة والفراهة والفراهية: النشاط. وفره بالكسر: أشر وبطر، ورجل فره نشيط أشر. وفي التنزيل: (وتنحتون من الجبال بيوتًا فرهين). فمن قرأه كذلك، فهو من هذا: شرهين بطرين. ومن قرأه: "فارهين"، فهو من فره بالضم. قال ابن برى عند هذا الموضع: قال ابن وادع العوفي:
لا أســتكين إذا مــا أزمـة أزمـت
ولــن تـراني بخـير فـاره الطلـب
قال الفراء: معنى فارهين: حاذقين. ا ه. وأما "اللبب" في رواية أبي عبيدة، فلعلها الرواية الصحيحة. ومعناه: البال. يقال: إنه لرخى اللبب. وفي التهذيب: فلان في بال رخى، ولبب رخى: أي في سعة وخصب وأمن.
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٥٠﴾
أي مرح الطلب. وقوله: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم, وخلافكم أمره, وأطيعون في نصيحتي لكم, وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا.
وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿١٥١﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم أمر المسرفين على أنفسهم في تماديهم في معصية الله, واجترائهم على سخطه.
ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿١٥٢﴾
وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه, ولا يصلحون, يقول: ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعة الله.
قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ﴿١٥٣﴾
وقوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) اختلف أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) قال: من المسحورين.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتاده, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) قال: إنما أنت من المسحورين.
وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبيد, قال: ثنا موسى بن عمرو, عن أبي صالح, عن ابن عباس, في قوله: ( إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) قال: من المخلوقين.
واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك, فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر, وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه, واستشهد على ذلك بقول لبيد:
فَــإِنْ تَسْــأَلينا فِيـمَ نَحْـنُ فإنَّنـا
عَصَـافِيرُ مِـنْ هَـذَا الأنـامِ المُسَحَّر (2)
وقال بعض نحويي الكوفيين نحو هذا, غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل الطعام والشراب, فتُسَحَّر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: " من هذا الأنام المسحر ": من هذا الأنام المعلل المخدوع. قال: ويُروى أن السحر من ذلك, لأنه كالخديعة.
والصواب من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس, أن معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا, ولست ربا ولا ملكا فنطيعك, ونعلم أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة, وهو الذي له سحرة.
------------------------
الهوامش :
(2) سبق الاستشهاد ببيت لبيد هذا في (15 : 96) وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة 174) قال: وكل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك أن له سحرًا يقرى فيه ما أكل، قال لبيد (وأنشد البيت). وفي (اللسان: سحر)/ سحره بالطعام والشراب يسحره سحرًا، وسحره: غذاه وعلله. وقيل: خدعه. والسحر: الغذاء. قال امرؤ القيس:
أرَانَــا مُــوضِعِينَ لأَمْــرِ غَيْـبٍ
وَنُسْـــحَرُ بِالطَّعَــامِ وَبِالْشَّــرَابِ
موضعين: مسرعين. ولأمر غيب: يريد الموت وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب والسحر: الخديعة. وقول لبيد: "فإن تسألينا.." البيت. يكون على وجهين. وقوله تعالى: (إنما أنت من المسحرين) يكون من التغذية ومن الخديعة وقال الفراء: (إنما أنت من المسحرين): قالوا لنبي الله: لست بملك، إنما أنت بشر مثلنا. قال: والمسحر: المجوف؛ كأنه أعلم، أخذ من قولك: انتفخ سحرك، أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتعلل به. وقيل: (من المسحرين) أي: ممن سحر مرة بعد مرة.
مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿١٥٤﴾
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل ثمود لنبيها صالح: ( مَا أَنْتَ -يَا صَالِحُ- إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) من بني آدم, تأكل ما نأكل, وتشرب ما نشرب, ولست بربّ ولا ملك, فعلام نتبعك؟ فإن كنت صادقا في قيلك, وأن الله أرسلك إلينا( فَأْتِ بِآيَةٍ ) يعني: بدلالة وحجة على أنك محقّ فيما تقول, إن كنت ممن صدقنا في دعواه أن الله أرسله إلينا.
وقد حدثنا أحمد بن عمرو البصري, قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي, قال: ثنا داود بن أبي الفرات, قال: ثنا علباء بن أحمر, عن عكرمة, عن ابن عباس: أن صالحا النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى قومه, فآمنوا به واتبعوه, فمات صالح, فرجعوا عن الإسلام, فأتاهم صالح, فقال لهم: أنا صالح, قالوا: إن كنت صادقا فأتنا بآية, فأتاهم بالناقة, فكذبوه وعقروها, فعذّبهم الله.
قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿١٥٥﴾
وقوله: ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) يقول تعالى ذكره: قال صالح لثمود لما سألوه آية يعلمون بها صدقه, فأتاهم بناقة أخرجها من صخرة أو هضبة: هذه ناقة يا قوم, لها شرب ولكم مثله شرب يوم آخر معلوم, ما لكم من الشرب, ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها شيئا, ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئا. ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من الماء, يقول: لها حظّ من الماء, ولكم مثله, والشُّرْب والشَّرْب والشِّرْب مصادر كلها بالضم والفتح والكسر.
وقد حُكي عن العرب سماعا: آخرها أقلها شُربا وشِربا.
وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥٦﴾
وقوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) يقول: لا تمسوها بما يؤذيها من عقر وقتل ونحو ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) لا تعقروها. وقوله: ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول: فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه.
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَـٰدِمِينَ ﴿١٥٧﴾
يقول تعالى ذكره, فخالفت ثمود أمر نبيها صالح صلى الله عليه وسلم, فعقروا الناقة التي قال لهم صالح: لا تمسوها بسوء, فأصبحوا نادمين على عقرها, فلم ينفعهم ندمهم.
فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٥٨﴾
وأخذهم عذاب الله الذي كان صالح توعدهم به فأهلكهم.( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول: إنّ في إهلاك ثمود بما فعلت من عقرها ناقة الله وخلافها أمر نبي الله صالح لعبرة لمن اعتبر به يا محمد من قومك.( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) يقول: ولن يؤمن أكثرهم في سابق علم الله.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٥٩﴾
( وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد ( لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في انتقامه من أعدائه ( الرَّحِيمُ ) بمن آمن به من خلقه.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٦٠﴾
يقول تعالى ذكره: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) من أرسله الله إليهم من الرسل حين.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٦١﴾
( قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ) الله أيها القوم.
إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٦٢﴾
( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ) من ربكم ( أمِينٌ ) على وحيه, وتبليغ رسالته.
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٦٣﴾
( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) في أنفسكم, أن يحلّ بكم عقابه على تكذيبكم رسوله ( وأطيعون ) فيما دعوتكم إليه أهدكم سبيل الرشاد.
وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٦٤﴾
( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ من أجر ) يقول: وما أسألكم على نصيحتي لكم ودعايتكم إلى ربي جزاء ولا ثوابا. يقول: ما جزائي على دعايتكم إلى الله, وعلى نصحي لكم وتبليغ رسالات الله إليكم, إلا على ربّ العالمين.
أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٦٥﴾
يعني بقوله: ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ) : أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم.
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴿١٦٦﴾
وقوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ, فأحله لكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " وَتَذَرُونَ ما أصْلَحَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ".
وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) قال: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد بنحوه.
وقوله: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ) يقول: بل أنتم قوم تتجاوزون ما أباح لكم ربكم, وأحله لكم من الفروج إلى ما حرّم عليكم منها.
كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ) قال: قوم معتدون.
قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ﴿١٦٧﴾
يقول تعالى ذكره: قال قوم لوط: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ ) عن نهينا عن إتيان الذكران ( لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) من بين أظهرنا وبلدنا.
قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلْقَالِينَ ﴿١٦٨﴾
( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ) يقول لهم لوط: إني لعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين, يعني من المبغضين, المنكرين فعله.
رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٦٩﴾
يقول تعالى ذكره: فاستغاث لوط حين توعده قومه بالإخراج من بلدهم إن هو لم ينته عن نهيهم عن ركوب الفاحشة, فقال ( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي ) من عقوبتك إياهم على ما يعملون من إتيان الذكران.
فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ﴿١٧٠﴾
( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ) من عقوبتنا التي عاقبنا بها قوم لوط .
إِلَّا عَجُوزًا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿١٧١﴾
( أَجْمَعِينَ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) يعني في الباقين, لطول مرور السنين عليها, فصارت هرمة, فإنها أهلكت من بين أهل لوط, لأنها كانت تدلّ قومها على الأضياف. وقد قيل: إنما قيل من الغابرين لأنها لم تهلك مع قومها في قريتهم, وأنها إنما أصابها الحجر بعد ما خرجت عن قريتهم مع لوط وابنتيه, فكانت من الغابرين بعد قومها, ثم أهلكها الله بما أمطر على بقايا قوم لوط من الحجارة, وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿١٧٣﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الآخرين من قوم لوط بالتدمير.( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ) وذلك إرسال الله عليهم حجارة من سجيل من السماء.( فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) يقول: فبئس ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم نبيهم فكذّبوه.
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٧٤﴾
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا قوم لوط الهلاك الذي وصفنا بتكذيبهم رسولنا, لعبرة وموعظة لقومك يا محمد, يتعظون بها في تكذيبهم إياك, وردهم عليك ما جئتهم به من عند ربك من الحقّ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) في سابق علم الله .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٧٥﴾
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) بمن آمن به .
كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٧٦﴾
يقول تعالى ذكره: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ ). والأيكة: الشجر الملتفّ, وهي واحدة الأيك, وكل شجر ملتفّ فهو عند العرب أيكة; ومنه قول نابغة بني ذبيان:
تَجْــلُو بِقــادمَتَيْ حَمَامَــةِ أيْكَـةٍ
بَــرَدًا أُسِــفّ لِثاتُــهُ بــالإثْمِدِ (1)
وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين فيما ذُكر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) يقول: أصحاب الغيضة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: الأيكة: مجمع الشجر.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: أهل مدين, والأيكة: الملتف من الشجر.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قال: الأيكة: الشجر, بعث الله شعيبا إلى قومه من أهل مدين, وإلى أهل البادية, قال: وهم أصحاب ليكة, وليكة والأيكة: واحد.
------------------------
الهوامش :
(1) البيت للنابغة الذبياني زياد بن معاوية (مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ص 185) قال شارحه: تجلو: تكشف. والقوادم: الريش المقدم في جناح الطائر. ويكون شديد السواد. شبه سواد شفتيها بالقوادم؛ وشبه بياض ثغرها ببياض البرد. واللثاث: مغارز الأسنان، ومن عاداتهم أن يذروا عليها الإثمد، ليبين بياض الأسنان. ا ه. والأيكة: الشجر الكثير الملتف. وقيل: هي الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. وخص بعضهم به منبت الأثل ومجتمعه. وقال أبو حنيفة الدينوري: قد تكون الأيكة: الجماعة من الشجر، حتى من النخل. قال: والأول أعرف. والجمع أيك. القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾
وقوله ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ) يقول تعالى ذكره: قال لهم شعيب: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم ربكم؟.
إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٧٨﴾
( إِنِّي لَكُمْ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ أَمِينٌ ) على وحيه.
فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٧٩﴾
( فاتقوا ) عقاب ( الله ) على خلافكم أمره ( وأطيعون ) ترشدوا.
وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٨٠﴾
يقول: ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ ) على نصحي لكم من جزاء وثواب, ما جزائي وثوابي على ذلك ( إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ ).
۞ أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ ﴿١٨١﴾
يقول: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل.( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ) يقول: ولا تكونوا ممن نقصهم حقوقهم.
وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴿١٨٢﴾
يعني بقوله ( وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ ) وزنوا بالميزان ( الْمُسْتقِيمِ ) الذي لا بخس فيه على من وزنتم له.
وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿١٨٣﴾
( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن.( وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ ) يقول: ولا تكثروا في الأرض الفساد. قد بيَّنا ذلك كله بشواهده, واختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٨٤﴾
يقول تعالى ذكره: ( واتقوا ) أيها القوم عقاب ربكم ( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ خَلَقَ الْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يعني بالجبلة: الخلق الأوّلين. وفي الجبلة للعرب لغتان: كسر الجيم والباء وتشديد اللام, وضم الجيم والباء وتشديد اللام; فإذا نـزعت الهاء من آخرها كان الضم في الجيم والباء أكثر كما قال جلّ ثناؤه: " وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جُبُلا كَثِيرًا " وربما سكنوا الباء من الجبْل, كما قال أبو ذؤيب:
مَنايــا يُقَــرّبْنَ الحُـتُوفَ لأهْلِهـا
جِهـارًا وَيَسْـتَمْتِعْنَ بـالأنس الجِـبْلِ (1)
وبنحو ما قلنا في معنى الجِبِلَّة قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: قوله: ( وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) يقول: خلق الأوّلين.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخليقة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ) قال: الخلق الأوّلين, الجبلة: الخلق.
--------------------------------
الهوامش :
(1) البيت لأبي ذؤيب الهذلي (اللسان: جبل) والمنايا: جمع منية، وهي الموت. والحتوف جمع حتف، وهو الهلاك. والأنس الناس. والجبل: الأمة من الخلق. وفيه لغات، فيكون مثلث الجيم، ساكن الباء. ويكون بضم الجيم والباء وتشديد اللام. قال في اللسان: وحى جبل كثير. قال أبو ذؤيب: "منايا.." البيت. أي كثير. يقول: الناس كلهم متعة للموت، يستمتع بهم. قال ابن برى: ويروى: الجبل، بضم الجيم. قال: وكذا رواه أبو عبيدة. وقول الله عز وجل: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرًا): يقرأ: جبلا (بضم فسكون) عن أبي عمرو وجبلا (بضمتين) عن الكسائي. وجبلا (بكسر فسكون) عن الأعرج وعيسى بن عمر. وجبلا (بكسرتين فلام مشددة) عن أهل المدينة وجبلا (بضمتين مع التشديد) عن الحسن وابن أبي إسحاق قال: ويجوز أيضًا جبل (بكسر ففتح) جمع جبلة (بكسرة فسكون) وهو في جميع هذه الوجوه: خلقًا كثيرًا ا ه.
قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ﴿١٨٥﴾
وقوله: ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) يقول: قالوا: إنما أنت يا شعيب معلل تعلل بالطعام والشراب, كما نعلل بهما, ولست ملَكا.
وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿١٨٦﴾
( وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) تأكل وتشرب ( وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ). يقول: وما نحسبك فيما تخبرنا وتدعونا إليه, إلا ممن يكذب فيما يقول.
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿١٨٧﴾
فإن كنت صادقا فيما تقول بأنك رسول الله كما تزعم ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) يعني قطعا من السماء, وهي جمع كِسفة, جمع كذلك كما تجمع تمرة: تمرا (2) .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كسفا ) يقول: قِطَعا.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) : جانبا من السماء.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ) قال: ناحية من السماء, عذاب ذلك الكسف.
--------------------------------
الهوامش :
(2) كذا في الأصل وقياس الجمع الأخير على ما قبله ليس بواضح
قَالَ رَبِّىٓ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٨٨﴾
يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: ( رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يقول: بأعمالهم هو بها محيط, لا يخفى عليه منها شيء, وهو مجازيكم بها جزاءكم.
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٨٩﴾
( فكذبوه ) يقول: فكذّبه قومه.( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) يعني بالظلة: سحابة ظللتهم, فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم نارا, وأحرقتهم, وبذلك جاءت الآثار.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن زيد بن معاوية, في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أصابهم حرّ أقلقهم في بيوتهم, فنشأت لهم سحابة كهيئة الظلة, فابتدروها, فلما تتاموا تحتها أخذتهم الرجفة.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: كانوا يحفرون الأسراب ليتبردوا فيها, فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر, وكانت الظلة سحابة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بعث شُعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين, وإلى أصحاب الأيكة. وكانت الأيكة من شجر ملتف; فلما أراد الله أن يعذّبهم, بعث الله عليهم حرّا شديدا, ورفع لهم العذاب كأنه سحابة; فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها, فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا. قال: فذلك قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ).
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد, قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة, قال: ثني يزيد الباهلي, قال: سألت عبد الله بن عباس, عن هذه الآية: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) فقال عبد الله بن عباس: بعث الله عليهم ومدة وحرّا شديدا, فأخذ بأنفاسهم, فدخلوا البيوت, فدخل عليهم أجواف البيوت, فأخذ بأنفاسهم, فخرجوا من البيوت هرابا (3) إلى البرية, فبعث الله عليهم سحابة, فأظلتهم من الشمس, فوجدوا لها بردا ولذة, فنادى بعضهم بعضا, حتى إذا اجتمعوا تحتها, أرسلها الله عليهم نارا. قال عبد الله بن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة,(إنه كان عذاب يوم عظيم).
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: " يَوْمُ الظُّلَّةِ" قال: إظلال العذاب إياهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب.
قال ابن جُرَيج: لما أنـزل الله عليهم أوّل العذاب, أخذهم منه حر شديد, فرفع الله لهم غمامة, فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها, فأصابهم منها روح وبرد وريح طيبة, فصبّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا, فذلك قوله: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ).
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر بن راشد, قال: ثني رجل من أصحابنا, عن بعض العلماء قال: كانوا عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, ثم عطلوا حدّا, فوسع الله عليهم في الرزق, فجعلوا كلما عطلوا حدّا وسع الله عليهم في الرزق, حتى إذا أراد إهلاكهم سلط الله عليهم حرّا لا يستطيعون أن يتقارّوا, ولا ينفعهم ظل ولا ماء, حتى ذهب ذاهب منهم, فاستظلّ تحت ظلة, فوجد روحا, فنادى أصحابه: هلموا إلى الروح, فذهبوا إليه سراعا, حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا, فذلك عذاب يوم الظلة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن ابن عباس, قال: من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة؟ فكذِّبْه.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) قوم شعيب, حبس الله عنهم الظل والريح, فأصابهم حرّ شديد, ثم بعث الله لهم سحابة فيها العذاب, فلما رأوا السحابة انطلقوا يؤمونها, زعموا يستظلون, فاضطرمت عليهم نارا فأهلكتهم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قال: بعث الله إليهم ظلة من سحاب, وبعث إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض, فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة, حتى إذا اجتمعوا كلهم, كشف الله عنهم الظلة, وأحمى عليهم الشمس, فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى. وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: إن عذاب يوم الظلة كان عذاب يوم لقوم شُعيب عظيم.
--------------------------
الهوامش :
(3) هرابًا: لعله جمع هارب، ولم أجده في اللسان.
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٩٠﴾
يقول تعالى ذكره: إن في تعذيبنا قوم شعيب عذاب يوم الظلة, بتكذيبهم نبيهم شعيبا, لآية لقومك يا محمد, وعبرة لمن اعتبر, إن اعتبروا أن سنتنا فيهم بتكذيبهم إياك, سنتنا في أصحاب الأيكة.( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ )في سابق علمنا فيهم .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٩١﴾
( وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد ( لَهُوَ الْعَزِيزُ ) فى نقمته ممن انتقم منه من أعدائه ( الرَّحِيمُ ) بمن تاب من خلقه, وأناب إلى طاعته.
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٩٢﴾
يقول تعالى ذكره: وإنّ هذا القرآن ( لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) والهاء في قوله ( وإنه ) كناية الذكر الذي فى قوله: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: هذا القرآن.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾
واختلف القرّاء في قراءة قوله ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة ( نـزل ) به مخففة ( الرُّوحُ الأمِينُ ) رفعا بمعنى: أن الروح الأمين هو الذي نـزل بالقرآن على محمد, وهو جبريل. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة.( نـزل ) مشددة الزاي ( الرُّوحُ الأمِينُ ) نصبا, بمعنى: أن رب العالمين نـزل بالقرآن الروح الأمين, وهو جبريل عليه السلام.
والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان فى قرّاء الأمصار, متقاربتا المعنى, فأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن الروح الأمين إذا نـزل على محمد بالقرآن, لم ينـزل به إلا بأمر الله إياه بالنـزول, ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو إيمان بالله, وأن الله إذا أنـزله به نـزل.
وبنحو الذي قلنا في أن المعني بالروح الأمين في هذا الموضع جبريل قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبى, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس. في قوله: ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) قال: جبريل.
حدثنا الحسين, قال أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قول الله: ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) قال: جبريل.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج قال: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جبريل.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الرُّوحُ الأمِينُ ) قال: جبريل.
عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾
وقوله ( عَلَى قَلْبِكَ ) يقول: نـزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمد, حتى وعيته بقلبك. وقوله: ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أرسلوا إليه من قومهم, فتنذر بهذا التنـزيل قومك المكذّبين بآيات الله.
بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ ﴿١٩٥﴾
وقوله: ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) يقول: لتنذر قومك بلسان عربي مبين, يبين لمن سمعه أنه عربي, وبلسان العرب نـزل, والباء من قوله ( بلسان ) من صلة قوله: ( نـزلَ ), وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نـزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع, إعلاما منه مشركي قريش أنه أنـزله كذلك, لئلا يقولوا إنه نـزل بغير لساننا, فنحن إنما نعرض عنه ولا نسمعه, لأنا لا نفهمه, وإنما هذا تقريع لهم, وذلك أنه تعالى ذكره قال: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ . ثم قال: لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه, بل يفهمونها, لأنه تنـزيل رب العالمين نـزل به الروح الأمين بلسانهم العربيّ, ولكنهم أعرضوا عنه تكذيبا به واستكبارا فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذّبت رسلها أنباء ما كانوا به يكذّبون.
وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٩٦﴾
يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لفي زبر الأوّلين: يعني في كتب الأوّلين, وخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص, وإنما هو: وإن هذا القرآن لفي بعض زبر الأوّلين; يعني: أن ذكره وخبره في بعض ما نـزل من الكتب على بعض رسله.
أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَـٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿١٩٧﴾
وقوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) يقول تعالى ذكره: أولم يكن لهؤلاء المعرضين عما يأتيك يا محمد من ذكر ربك, دلالةٌ على أنك رسول رب العالمين, أن يعلم حقيقة ذلك وصحته علماء بني إسرائيل. وقيل: عني بعلماء بني إسرائيل في هذا الموضع: عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل في عصره.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: كان عبد الله بن سلام من علماء بنى إسرائيل, وكان من خيارهم, فآمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم, فقال لهم الله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وخيارهم.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: عبد الله بن سلام وغيره من علمائهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً ) قال محمد: ( أَنْ يَعْلَمَهُ ) قال: يعرفه.( عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ). قال ابن جُرَيج, قال مجاهد: علماء بني إسرائيل: عبد الله بن سلام, وغيره من علمائهم.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال: أولم يكن للنبي آية, علامة أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم؟.
وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلْأَعْجَمِينَ ﴿١٩٨﴾
وقوله: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يقول تعالى ذكره: ولو نـزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق, وإنما قيل على بعض الأعجمين, ولم يقل على بعض الأعجميين, لأن العرب تقول إذا نعتت الرجل بالعجمة وأنه لا يفصح بالعربية: هذا رجل أعجم, وللمرأة: هذه امرأة عَجْماء, وللجماعة: هؤلاء قوم عُجْم وأعجمون, وإذا أريد هذا المعنى وصف به العربيّ والأعجمي, لأنه إنما يعني أنه غير فصيح اللسان, وقد يكون كذلك, وهو من العرب ومن هذا المعنى قول الشاعر:
مِــنْ وَائِــلٍ لا حَــيَّ يَعْــدِلُهُمْ
مِــنْ سُــوقَةٍ عَــرَبٌ ولا عُجْـمُ (4)
فأما إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم, لا وصفه بأنه غير فصيح اللسان, فإنه يقال: هذا رجل عجميّ, وهذان رجلان عجميان, وهؤلاء قوم عَجَم, كما يقال: عربيّ, وعربيان, وقوم عرب. وإذا قيل: هذا رجل أعجميّ, فإنما نسب إلى نفسه كما يقال للأحمر: هذا أحمري ضخم, وكما قال العجاج:
والدَّهْرُ بالإنسانِ دَوَّارِيُّ (5)
ومعناه: دوّار, فنسبه إلى فعل نفسه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
----------------------
الهوامش :
(4) السوقة: الرعية التي تسوسها الملوك. يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر. والعجم بضم العين: جمع أعجم. قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة 175): يقال: رجل أعجم: إذا كان في لسانه عجمة، ورجل عجمي: أي من العجم. والدواب: عجم، لأنها لا تتكلم. وفي (اللسان: عجم) قال أبو إسحاق: الأعجم: الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان عربي النسب، كزياد الأعجم. والأنثى: عجماء، وكذلك الأعجمي. فأما العجمي فالذي من جنس العجم: أفصح أو لم يفصح، والجمع: عجم (بالتحريك) كعربي وعرب. ورجل أعجمي وأعجم: إذا كانت في لسانه عجمة، وإن أفصح بالعجمية وكلام أعجم وأعجمي: بين العجمة. وفي لتنزيل: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي). وجمعه بالواو والنون، تقول: أحمري وأحمرون، وأعجمي وأعجمون، على حد أشعثي وأشعثين وأشعري وأشعرين وعليه قوله عز وجل: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين)
(5) هذا بيت من مشطور الرجز للعجاج الراجز المشهور (اللسان: دور. وأراجيز العرب للسيد توفيق البكري 174) وهو من أرجوزة له حزينة، بدأها بقوله:
بَكَـــيْتُ وَالْمُحْـــتَرِنُ البَكِـــيُّ
وَإنَّمَــا يَــأْتي الصّبــا الصَّبــيُّ
أطَرَبَــــا وَأَنْـــتَ قِنَّسْـــرِيُّ
وَالدَّهْــــرُ بِالإِنْسَــــانِ دَوَّارِيُّ
أَفْنَــى الْقُــرُونَ وَهْــوَ قَعْسَـرِيُّ
وَبِالدَّهَـــاءِ يُخْـــتَلُ المَـــدْهِيّ
يقول: بكيت ومن حزم كان بكاؤك. والقنسري: المسن القديم. ودواري: دائر، أي أنه يتصرف بالإنسان ويدور به أطوارًا وأحوالا. والقعسري: الشديد، يريد الدهر. ومحل الشاهد في قوله: "دواري" قال في اللسان: أي دائر به، على إضافة الشيء إلى نفسه (أي نسبته إلى نفسه، لأن دواري منسوب إلى دوار، فلفظ المنسوب إليه كلفظ المنسوب). قال ابن سيده: هذا قول اللغويين قال الفارسي هو على لفظ النسب، وليس بنسب، ونظيره بختى وكرسي. وفي (اللسان: عجم) وينسب إلى الأعجم الذي في لسانه عجمة، فيقال: لسان أعجمي، وكتاب أعجمي، ولا يقال رجل أعجمي فتنسب إلى نفسه، إلا أن يكون أعجم وأعجمي بمعنى، مثل دوار ودواري، وجمل قعسر وقعسري؛ هذا إذا ورد وردًا لا يمكن رده. ا ه.
فَقَرَأَهُۥ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤْمِنِينَ ﴿١٩٩﴾
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, قال: كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة, فتلا هذه الآية: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: لو نـزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ وعجميّ, لو فعلنا ذلك.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى, قال: كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة, فقرأ هذه الآية ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: فقال: جملي هذا أعجم, فلو أُنـزل على هذا ما كانوا به مؤمنين.
ورُوي عن قَتادة في ذلك ما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) قال: لو نـزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به, لأنهم لا يعرفون بالعجمية.
وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له, لأنه وجَّه الكلام أن معناه: ولو أنـزلناه أعجميا, وإنما التنـزيل ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يعني: ولو نـزلنا هذا القرآن العربي علي بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح, ولم يقل: ولو نـزلناه أعجميا. فيكون تأويل الكلام ما قاله.
وقوله ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) يقول: فقرأ هذا القرآن على كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين. يقول: لم يكونوا ليؤمنوا به, لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء, وهذا تسلية من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه, لئلا يشتد وجدُه بإدبارهم عنه, وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن, لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على قبولهم منه, والدخول فيما دعاهم إليه, حتى عاتبه ربه على شدّة حرصه على ذلك منهم, فقال له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثم قال مؤيسه من إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته, كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه السورة. ولو نـزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك, فإنك رجل منهم, ويقولون لك: ما أنت إلا بشر مثلنا, وهلا نـزل به ملك, فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن, ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق, وأنه تنـزيل من عندي, ما كانوا به مصدقين, فخفض من حرصك على إيمانهم به, ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء المشركين, الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء, فقال: كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن ( وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) التكذيب والكفر ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ). ويعني بقوله: سلكنا: أدخلنا, والهاء في قوله ( سلكناه ) كناية من ذكر قوله ( مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ), كأنه قال: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج.
كَذَٰلِكَ سَلَكْنَـٰهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٢٠٠﴾
قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) قال: الكفر ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ).
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ). (6)
حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن حميد, عن الحسن, في هذه الآية: ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال: خلقناه.
قال: ثنا زيد, عن حماد بن سلمة, عن حميد, قال: سألت الحسن في بيت أبي خليفة, عن قوله ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) قال: الشرك سلكه في قلوبهم.
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿٢٠١﴾
وقوله: ( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) يقول: فعلنا ذلك؛ بهم لئلا يصدّقوا بهذا القرآن, حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا, كما رأت ذلك الأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة. ورفع قوله ( لا يُؤْمِنُونَ ) لأن العرب من شأنها إذا وضعت في موضع مثل هذا الموضع " لا " ربما جزمت ما بعدها, وربما رفعت فتقول: ربطت الفرس لا تنفلتْ, وأحكمت العقد لا ينحلّ, جزما ورفعا. وإنما تفعل ذلك لأن تأويل ذلك: إن لم أحكم العقد انحلّ, فجزمه على التأويل, ورفعه بأن الجازم غير ظاهر.
ومن الشاهد على الجزم في ذلك قول الشاعر:
لَـوْ كُـنْتَ إذْ جِئْتَنـا حـاوَلْتَ رؤْيَتَنا
أوْ جِئْتنـا ماشِـيا لا يَعْـرِف الفَـرَس (7)
وقول الآخر:
لَطالَمَـــا حَلأتَمَاهـــا لا تَــرِدْ
فَخَلِّياهـــا والسِّـــجَالَ تَبْـــتَرِدْ (8)
-------------------------------
الهوامش :
(6) سقط تفسير ابن زيد لما أراد من الآية، ولعله الكفر أو الشرك، أو نحوه، أو مثله.
(7) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة الورقة 230) قال: وقوله: (كذلك سلكناه) تقول: سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين كيلا يؤمنوا به حتى يروا العذاب الأليم. وإذا كان موقع كى في مثل هذا "لا" و "إن" جميعًا، صلح الجزم في "لا" والرفع. والعرب تقول: ربطت الفرس لا ينفلت: جزمًا ورفعًا وأوثقت العبد لا يفر: جزما ورفعًا؛ وإنما جزم، لأن تأويله: إن لم أربطه فر؛ فجزم على التأويل. أنشدني بعض بني عقيل:
وَحَـتى رَأَيْنَـا أَحْسَـنَ الْفِعْـلِ بَيْنَنَـا
مُسَــاكَتَةً لا يَفْــرِقُ الشَّـرَّ فَـارِقُ
ينشد رفعًا وجزمًا. وقال الآخر: "لو كنت إذ جئتنا.." البيت: رفعًا وجزمًا، وقوله: "لطالما حلأتماها.." الشاهد الآتي بعد من ذلك.
(8) البيت في (اللسان: حلأ). وروايته: قد طالما.. إلخ، قال: حلأ الإبل والماشية عن الماء تحليئًا وتحلئة: طردها أو حبسها عن الورود، ومنعها أن ترده. وكذلك حلأ القوم عن الماء. وقال ابن الأعرابي: قالت قريبة: كان رجل عاشق لمرأة فتزوجها، فجاءها النساء، فقال بعضهن لبعض * قـد طالمـا حلأتماهـا لا تـرد *
البيت. والسجال: جمع سجل وهو الدلو الضخمة المملوءة ماء (اللسان) والبيت شاهد كالذي قبله، على أن "لا ترد" يجوز فيه الرفع والجزم على التأويل الذي ذكره الفراء.
فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٠٢﴾
يقول تعالى ذكره: فيأتي هؤلاء المكذّبين بهذا القرآن, العذاب الأليم بغتة, يعني فجأة ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: لا يعلمون قبل ذلك بمجيئه حتى يفجأهم بغتة.
فَيَقُولُوا۟ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴿٢٠٣﴾
( فيقولوا ) حين يأتيهم بغتة ( هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ) : أي هل نحن مؤخَّر عنا العذاب, ومُنْسأ في آجالنا لنئوب, وننيب إلى الله من شركنا وكفرنا بالله, فنراجع الإيمان به, وننيب إلى طاعته؟.
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿٢٠٤﴾
وقوله: ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) يقول تعالى ذكره: أفبعذابنا هؤلاء المشركون يستعجلون بقولهم: لن نؤمن لك حتى تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا .
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ﴿٢٠٦﴾
يقول تعالى ذكره: ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون على كفرهم بآياتنا, وتكذيبهم رسولنا.
مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يُمَتَّعُونَ ﴿٢٠٧﴾
( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ) يقول: أي شيء أغنى عنهم التأخير الذي أخرنا في آجالهم, والمتاع الذي متعناهم به من الحياة, إذ لم يتوبوا من شركهم, هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا؟, وهل نفعهم شيئا؟, بل ضرهم بازديادهم من الآثام, واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ إلى قوله ( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) قال: هؤلاء أهل الكفر.
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ﴿٢٠٨﴾
يقول تعالى ذكره: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) من هذه القرى التي وصفت في هذه السور (إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ) يقول: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم.(ذِكْرَى) يقول: إلا لها منذرون ينذرونهم, تذكرة لهم وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من الإنذار على ما بيَّنْتُ, والآخر: الرفع على الابتداء (1) كأنه قيل: ذكرى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
------------------------
الهوامش :
(1) يجوز أن يكون قوله تعالى (ذكرى) مرفوعًا على الابتداء والخبر محذوف، أي ذكرى لهم. ويجوز أن يكون مرفوعًا على أنه خبر عن مبتدأ، تقديره: "هم" أي المنذرون، ذكرى لهم.
.
ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ﴿٢٠٩﴾
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى) قال: الرسل. قال ابن جُرَيج: و قوله: (ذِكْرَى) قال: الرسل.
قوله: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) يقول: وما كنا ظالميهم في تعذيبناهم وإهلاكهم, لأنا إنما أهلكناهم, إذ عتوا علينا, وكفروا نعمتنا, وعبدوا غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار, ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه, فأبوا إلا التمادي في الغيّ.
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ ﴿٢١٠﴾
وقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) يقول تعالى ذكره: وما تنـزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد, ولكنه ينـزل به الروح الأمين.
وَمَا يَنۢبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٢١١﴾
(وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) يقول: وما ينبغي للشياطين أن ينـزلوا به عليه, ولا يصلح لهم ذلك.(وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) يقول: وما يستطيعون أن يتنـزلوا به, لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء.
إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴿٢١٢﴾
( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) يقول: إن الشياطين عن سمع القران من المكان الذي هو به من السماء لمعزولون, فكيف يستطيعون أن يتنـزلوا به.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) قال: هذا القرآن. وفي قوله ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) قال: عن سمع السماء.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, بنحوه, إلا أنه قال: عن سمع القرآن.
والقرّاء مجمعة على قراءة (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) بالتاء ورفع النون, لأنها نون أصلية, واحدهم شيطان, كما واحد البساتين بستان. وذُكر عن الحسن أنه كان يقرأ ذلك: " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ" بالواو, وذلك لحن, وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه, أن يكون توهم أن ذلك نظير المسلمين والمؤمنين, وذلك بعيد من هذا.
فَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ ﴿٢١٣﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فَلا تَدْعُ) يا محمد (مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي لا تعبد معه معبودا غيره (فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) فينـزل بك من العذاب ما نـزل بهؤلاء الذين خالفوا أمرنا وعبدوا غيرنا.
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾
وقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة, وحذّرهم من عذابنا أن ينـزل بهم بكفرهم.
وذُكر أن هذه الآية لما نـزلت, بدأ ببني جده عبد المطلب وولده, فحذّرهم وأنذرهم.
*ذكر الرواية بذلك:
حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ, يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا, سَلُوني مِنْ مالي ما شِئْتُمْ".
حدثنا ابن وكيع, قال: ثني أبي ويونس بن بكير, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, ويا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ" ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.
حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا سلامة, قال: قال عقيل: ثني الزهري, قال: قال سعيد بن المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ): " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, سَلِينِي ما شِئْتِ, لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا ".
حدثني محمد بن عبد الملك, قال: ثنا أبو اليمان, قال: أخبرنا شعيب عن الزهري, قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزل عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله " ثم ذكر نحو حديث يونس, عن سلامة; غير أنه زاد فيه " يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا " ولم يذكر في حديثه فاطمة.
حدثني يونس, قال: ثنا سلامة بن روح, قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جمع قريشا, ثم أتاهم, فقال لهم: " هَلْ فِيكُمْ غرِيبٌ؟ " فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا نراه إلا منا, قال: " إنَّهُ منْكُمْ", فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لهم في آخر كلامه: " لا أعْرِفَنَّ مَا وَرَدَ عليَّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسُوقُونَ الآخِرَةَ, وجِئْتُمْ إليَّ تَسُوقُونَ الدُّنْيا ".
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن, أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) : " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسُولِ الله لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا ".
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت الحجاج يحدث, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنـزل الله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها ببلالها ".
حدثنا أبو كريب, قال: ثنا أبو أسامة, عن زائدة, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, قال: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا, فعم وخصّ, فقال: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ, يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, يا مَعْشَرَ بِنِي هاشم, يا مَعْشَرَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ", يقول لكلهم: " أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, فإني وَاللهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها بِبلالها ".
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: ثنا أبو عثمان, عن زهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا أنـزل الله على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ), فحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه علا صخرة من جبل, فعلا أعلاها حجرا, ثم قال: " يا آل عَبْدِ مَنافاه, يا صَباحاه, إنّي نَذِيرٌ, إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَكُمْ مَثَل رَجُلٍ أتى الجَيْشُ, فَخَشِيَهُمْ على أهْلِهِ, فَذَهَبَ يَرْبَؤُهم (2) فَخَشِيَ أنْ يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ, فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ: يا صَبَاحَاهُ"! أو كما قال.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن قسامة بن زهير, قال: بلغني أنه لما نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جاء فوضع أصبعه في أذنه, ورفع من صوته, وقال: " يا بَنِي عَبْدِ مَناف وَاصَبَاحَاهُ"!
قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عوف, عن قسامة بن زهير, قال: أظنه عن الأشعري, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثني عبد الله بن أبي زياد, قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس, عن عوف, قال: قال قسامة بن زهير, حدثني الأشعري, قال: لما نـزلت, ثم ذكر نحوه; إلا أنه قال: وضع أصبعيه في أذنيه.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن نُمير, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, ثم نادى: " يا صَباحاهُ", فاجتمع الناس إليه, فبين رجل يجيء, وبين آخر يبعث رسوله, فقال: " يا بَنِي هَاشِمٍ, يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي فِهْرٍ, يا بَنِي يا بَنِي, أرَأَيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟ " قالوا: نعم, قال: " فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فقال أبو لهب: تبا لكم سائر اليوم, ما دعوتموني إلا لهذا؟ فنـزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ .
حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب, قالا ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا, فقال: " يا صباحاهُ!" فاجتمعت إليه قريش, فقالوا له: مالك؟ فقال: " أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمُسِّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ " قالوا: بلى, قال: " فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد ". قال أبو لهب: تبا لك, ألهذا دعوتنا أو جمعتنا!, فأنـزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ... إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ورهطك منهم المخلصين, خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا, فهتف: " يا صَباحاهُ!" فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ فقالوا: محمد, فاجتمعوا إليه, فقال: " يا بَنِي فُلان, يا بَنِي فُلان, يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَنَاف ", فاجتمعوا إليه, فقال: " أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا تَخْرُج بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيّ؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا, قال: " فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيدٍ", فقال أبو لهب: تبا لك, ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنـزلت هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ و قد تب, كذا قرأ الأعمش, إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كريب, قال: ثنا أبو معاوية بن هشام, عن سفيان, عن حبيب, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على الصفا, فقال: " يا صَباحاهُ"!
قال ثنا خالد بن عمرو, قال: ثنا سفيان الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ), قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, فقال: " يا صباحاه !" فجعل يعددهم: " يا بَنِي فُلان, وَيا بَنِي فُلان, ويا بَنِي عَبْدِ مَنَاف ".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ, قال: لما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: أتى جبلا فجعل يهتف: " يا صَباحاهُ", فأتاه من خف من الناس, وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلا فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت ; فلما انتهوا إليه قال: " إنَّ مِنْكُمْ مَنْ جَاءَ لِيَنْظُرَ, وَمِنكُمْ مَنْ أرْسَلَ لينظر مَنِ الهاتف ", فلما اجتمعوا وكثروا قال: " أرَأيتَْكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا مُصَبِّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَلِ, أكُنْتُمْ مُصَدِّقيّ؟ " قالوا: نعم, ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا, فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ التي أُنـزلْنَ, وأنذرهم كما أمر, فَجَعَلَ ينادي: " يا قُرَيْشُ, يا بَنِي هاشِمٍ" حتى قالَ: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَاب شَدَيد ".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عمرو: أنه كان يقرأ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ورهطك المخلصين.
قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن عبد الله بن عباس, عن عليّ بن أبي طالب: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لي: " يا عليُّ, إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الأقْرَبِين ", قال: " فضقت بذلك ذرعا, وعرفت أنى متى ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره, فصمتُّ حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد, إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام, واجعل عليه رجل شاة, واملأ لنا عسا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب, حتى أكلمهم, وأبلغهم ما أمرت به ", ففعلت ما أمرني به, ثم دعوتهم له, وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه, فيهم أعمامه: أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب; فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم, فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم حِذْية من اللحم (3) فشقها بأسنانه, ثم ألقاها في نواحي الصحفة, قال: " خذوا باسم الله ", فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة, وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: " اسْقِ النَّاسَ", فجِئْتُهُمْ بذلك العس, فشربوا حتى رووا منه جميعا, وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم, بدره أبو لهب إلى الكلام, فقال: لَهَدَّ (4) ما سحركم به صاحبكم, فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: " الغد يا عليّ, إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ, فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ, ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي", قال: ففعلت ثم جمعتهم, ثم دعاني بالطعام, فقرّبته لهم, ففعل كما فعل بالأمس, فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, قال: " اسقهم ", فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا جئْتُكُمْ بِهِ, إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ, وَقَدْ أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ, فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا الأمْرِ, عَلى أنْ يَكُونَ أخِي" وكَذَا وكَذَا؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا, وقلت وإني لأحدثهم سنا, وأرمصهم عينا, وأعظمهم بطنا, وأخمشهم ساقا. أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك, فأخذ برقبتي, ثم قال: " إن هذا أخي" وكذا وكذا, " فاسمعوا له وأطيعوا ", قال: فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني إسحاق, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن بن أبي الحسن, قال: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح, ثم قال: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَناف, يا بَنِي قُصَيّ", قال: ثم فخَّذ قريشا قبيلة قبيلة, حتى مرّ على آخرهم," إنّي أدْعُوكُمْ إلى اللهِ, وأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ".
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: أمر محمد أن ينذر قومه, ويبدأ بأهل بيته وفصيلته, قال: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ .
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: ولما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, يا صَفِيَّهُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ, اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) بدأ بأهل بيته وفصيلته.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم بني هاشم, فقال: " يا بني هاشم, ألا لا ألْفِيَنَّكُمْ تأْتُونِي تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا, ويأتي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ, ألا إنَّ أوْليائي مِنْكُمْ المُتَّقُونَ, فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".
------------------------
الهوامش :
(2) يقال ربأ القوم يربؤهم، وربأ لهم إذا وقف على مكان عال، ونظر بعيدًا، يرقب عدوا أو جيشًا مغيرًا، أو نحو ذلك
(3) في (اللسان: حذا): أعطيته حذية من لحم، وحذة وفلذة، كل هذا إذا قطع طولا. ا ه. وقيل: هي القطعة الصغيرة.
(4) في (اللسان: هد) وفي الحديث "أن أبا لهب قال: لهد ما سحركم صاحبكم" قال لهد: كلمة يتعجب بها، يقال: لهد الرجل: أي ما أجلده. قلت: وهو كقولنا لشد ما قال فلان، أي ما أشد .
وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢١٥﴾
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لما نـزلت هذه الآية بدأ بأهل بيته وفصيلته; قال: وشقّ ذلك على المسلمين, فأنـزل الله تعالى: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ).
وقوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ) يقول: وألن جانبك وكلامك ( لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .
كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: يقول: لن لهم.
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢١٦﴾
يقول تعالى ذكره: فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم, وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان, والإشراك بالرحمن, فقل لهم: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) من عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام.
وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴿٢١٧﴾
(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ) فى نقمته من أعدائه (الرَّحِيمِ) بمن أناب إليه وتاب من معاصيه.
ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٢١٨﴾
(الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) يقول: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.
وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) قال: أينما كنت.
(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك في صلاتك حين تقوم, ثم تركع, وحين تسجد.
* ذكر من قال ذلك:
وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ ﴿٢١٩﴾
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) يقول: قيامك وركوعك وسجودك.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت أبي وعليّ بن بذيمة يحدّثان عن عكرمة في قوله: (يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: قيامه وركوعه وسجوده.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال عكرمة, في قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: قائما وساجدا وراكعا وجالسا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تقلبك في المصلين, وإبصارك منهم من هو خلفك, كما تبصر من هو بين يديك منهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد : (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) كان يرى من خلفه, كما يرى من قدّامه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال : ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: المصلين كان يرى من خلفه في الصلاة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: المصلين, قال: كان يرى في الصلاة من خلفه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتقلبك مع الساجدين: أي تصرفك معهم في الجلوس والقيام والقعود.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس, قال: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال: يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: في المصلين.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال: في الساجدين: المصلين.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تصرّفك في الناس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا ربيعة بن كلثوم, قال: سألت الحسن عن قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال: في الناس.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله, والساجدون في قول قائل هذا القول: الأنبياء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, في قوله: (الَّذِي يَرَاكَ)... الآية, قال: كما كانت الأنبياء من قبلك.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال تأويله: ويرى تقلبك مع الساجدين في صلاتهم معك, حين تقوم معهم وتركع وتسجد, لأن ذلك هو الظاهر من معناه. فأما قول من وجهه إلى أن معناه: وتقلبك في الناس, فإنه قول بعيد من المفهوم بظاهر التلاوة, وإن كان له وجه, لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله, فإنه ليس المفهوم من قول القائل: فلان مع الساجدين, أو في الساجدين, أنه مع الناس أو فيهم, بل المفهوم بذلك أنه مع قوم سجود, السجود المعروف, وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من توجيهه إلى الأنكر.
وكذلك أيضا في قول من قال: معناه: تتقلب في أبصار الساجدين, وإن كان له وجه, فليس ذلك الظاهر من معانيه.
فتأويل الكلام إذن: وتوكل على العزيز الرحيم, الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك, ويرى تقلبك في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس.
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٢٢٠﴾
وقوله: ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) يقول تعالى ذكره: إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد, وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر, العليم بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك مؤتما بك, يقول: فرتل فيها القرآن, وأقم حدودها, فإنك بمرأى من ربك ومسمع.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ ﴿٢٢١﴾
يقول تعالى ذكره: ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ) أيها الناس ( عَلَى مَنْ تَنـزلُ الشَّيَاطِينُ ) من الناس؟ (تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ) يعني كذّاب بهات (أَثِيمٍ) يعني: آثم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد.
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٢٢٢﴾
في قوله: (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) قال: كل كذّاب من الناس.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) قال: كذاب من الناس.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) قال: هم الكهنة تسترق الجن السمع, ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن سعيد بن وهب, قال: كنت عند عبد الله بن الزبير, فقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه, فقال: صدق, ثم تلا(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَـزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ).
وقوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) يقول تعالى ذكره: يلقي الشياطين السمع, وهو ما يسمعون مما استرقوا سمعه من حين حدث من السماء, إلى (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) من أوليائهم من بني آدم.
وبنحو ما قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ ﴿٢٢٣﴾
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) قال: الشياطين ما سمعته ألقته على كلّ أفَّاكٍ كذّاب.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) الشياطين ما سمعته ألقته (عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ) قال: يلقون السمع, قال: القول.
وقوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) يقول: وأكثر من تنـزل عليه الشياطين كاذبون فيما يقولون ويخبرون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري, في قوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) عن عروة, عن عائشة قالت: الشياطين تسترق السمع, فتجيء بكلمة حقّ فيقذفها في أذن وليه; قال: ويزيد فيها أكثر من مائة كذبة.
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ﴿٢٢٤﴾
يقول تعالى ذكره: والشعراء يتبعهم أهل الغيّ لا أهل الرشاد والهدى.
واختلف أهل التأويل في الذين وصفوا بالغيّ في هذا الموضع فقال بعضهم: رواة الشعر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحسن بن يزيد الطحان, قال: ثنا إسحاق بن منصور, قال: ثنا قيس, عن يعلى, عن عكرمة, عن ابن عباس; وحدثني أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن قيس; وحدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن عطية, عن قيس, عن يعلى بن النعمان, عن عكرمة, عن ابن عباس: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: الرواة.
وقال آخرون: هم الشياطين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) : الشياطين.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: يتبعهم الشياطين.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن سلمة بن كهيل, عن عكرمة, في قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: عصاة الجنّ.
وقال آخرون: هم السفهاء, وقالوا: نـزل ذلك في رجلين تهاجيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)... إلى آخر الآية, قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, وأنهما تهاجيا, وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء, فقال الله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ).
حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, تهاجيا, مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السُّفهاء.
وقال آخرون: هم ضلال الجنّ والإنس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: هم الكفار يتبعهم ضلال الجنّ والإنس.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: الغاوون المشركون.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس, ومردة الشياطين, وعصاة الجنّ, وذلك أن الله عم بقوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض, فذلك على جميع أصناف الغواة التي دخلت في عموم الآية. قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أنهم, - يعني الشعراء - في كلّ واد يذهبون, كالهائم على وجهه على غير قصد, بل جائرا على الحقّ, وطريق, الرشاد, وقصد السبيل.
وإنما هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق, فيمدحون بالباطل قوما ويهجون آخرين كذلك بالكذب والزور.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥﴾
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) يقول: في كلّ لَغْوٍ يخوضون.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) قال: في كلّ فنّ يَفْتَنُّون.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ) قال: فن (يَهِيمُونَ) قال: يقولون.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) قال: يمدحون قوما بباطل, ويشتمون قوما بباطل.
وقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) يقول: وأن أكثر قيلهم باطل وكذب.
كما حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) يقول: أكثر قولهم يكذبون.
وعني بذلك شعراء المشركين.
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿٢٢٦﴾
كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد: قال رجل لأبي: يا أبا أسامة, أرأيت قول الله جلّ ثناؤه: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) فقال له أبي: إنما هذا لشعراء المشركين, وليس شعراء المؤمنين, ألا ترى أنه يقول: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )... إلخ. فقال: فَرَّجت عني يا أبا أسامة; فرّج الله عنك.