At-Tabari
· Al-MaaidaOpen in readerيَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الذين آمنوا "، أي: صدقوا الله ورسوله=" لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هُزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنـزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن قبل نـزول كتابنا=" أولياء "، يقول: لا تتخذوهم، أيها المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، (84) فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة.
* * *
وكان اتخاذ هؤلاء اليهود الذين أخبر الله عنهم المؤمنين أنهم اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا بالدين على ما وصفهم به ربنا تعالى ذكره، (85) أن أحدهم كان يظهر للمؤمنين الإيمان وهو على كفره مقيم، ثم يراجع الكفر بعد يسير من المدة بإظهار ذلك بلسانه قولا بعد أن كان يُبدي بلسانه الإيمان قولا وهو للكفر مستبطن تلعبًا بالدين واستهزاءً به، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم ذلك بقوله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة البقرة: 14، 15].
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن ابن عباس.
12216 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنـزل الله فيهما: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم &; 10-430 &; هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " إلى قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ . (86)
* * *
= فقد أبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا، من أنّ اتخاذ من اتخذ دين الله هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب الذين ذكرهم الله في هذه الآية، إنما كان بالنفاق منهم، وإظهارهم للمؤمنين الإيمان، واستبطانهم الكفر، وقيلهم لشياطينهم من اليهود إذا خلوا بهم: " إنا معكم "، فنهى الله عن موادَّتهم ومُخَالّتهم، (87) والتمسك بحلفهم، والاعتداد بهم أولياء= وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالا وفي دينهم طعنًا، وعليه إزراء.
* * *
وأمّا " الكفار " الذين ذكرهم الله تعالى ذكره في قوله: " من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء "، فإنهم المشركون من عبدة الأوثان. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من أهل الكتاب ومن عبدة الأوثان وسائر أهل الكفر، أولياءَ دون المؤمنين.
* * *
وكان ابن مسعود فيما:-
12217 - حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن ابن مسعود= يقرأ: ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ).
* * *
= ففي هذا بيان صحة التأويل الذي تأوَّلناه في ذلك.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من أهل الحجاز والبصرة والكوفة: ( وَالْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ ) بخفض " الكفار "، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الكفارِ، أولياءَ.
* * *
وكذلك ذلك في قراءة أبيّ بن كعب فيما بلغنا: ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء ).
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ) بالنصب، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا والكفارَ= عطفًا بـ" الكفار " على " الذين اتخذوا ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب. لأن النهيَ عن اتخاذ ولي من الكفار، نهيٌ عن اتخاذ جميعهم أولياء. والنهي عن اتخاذ جميعهم أولياء، نهيٌ عن اتخاذ بعضهم وليًّا. وذلك أنه غير مشكل على أحدٍ من أهل الإسلام أنّ الله تعالى ذكره إذا حرّم اتخاذ وليّ من المشركين على المؤمنين، أنه لم يبح لهم اتخاذ جميعهم أولياء= ولا إذا حرَّم اتخاذ جميعهم أولياء، أنه لم يخصص إباحة اتخاذ بعضهم وليًّا، فيجب من أجل إشكال ذلك عليهم، طلبُ الدليل على أولى القراءتين في ذلك بالصواب. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارئ بالخفض أو بالنصب، لما ذكرنا من العلة.
* * *
وأما قوله: " واتقوا الله إن كنتم مؤمنين "، فإنه يعني: وخافوا الله، أيها المؤمنون، &; 10-432 &; في هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار، أن تتخذوهم أولياء ونصراء، وارهبوا عقوبته في فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقونه على وعيده على معصيته. (88)
* * *
---------------
الهوامش :
(84) في المطبوعة: "أنصار وإخوانا وحلفاء" ، وفي المخطوطة: "أنصارًا أو إخوانًا وحلفاء" ، وأجريتها جميعا بأو ، كما ترى.
(85) في المطبوعة: "ولعبًا الدين على ما وصفهم" ، وهو غير مستقيم ، وفي المخطوطة: "ولعبا الذين على ما وصفهم" ، وهو أشد التواء ، والصواب ما أثبت ، كما سيأتي بعد"تلعبًا بالدين واستهزاء به".
(86) الأثر: 12216- سيرة ابن هشام 2: 217 ، 218.
(87) في المطبوعة: "ومحالفتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة إذ كانت غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(88) انظر تفسير"كفار" و"أولياء" و"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة ، (كفر) و(ولى) و(وقى).
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿٥٨﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون بالصلاة، سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك=" ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "، يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، فعلهم الذي يفعلونه، وهو هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه.
* * *
وقد ذكر عن السدي في تأويله ما:-
12218 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا "، كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: " أشهد أن محمدًا رسول الله "، قال: " حُرِّق الكاذب "! فدخلت خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿٥٩﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا (1) =" إلا أن آمنا بالله "، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنـزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنـزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا=" وأن أكثركم فاسقون "، يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته، تكذبون عليه. (2)
* * *
والعرب تقول: " نقَمتُ عليك كذا أنقِم "= وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم= و " نقِمت أنقِم "، لغتان (3) = ولا نعلم قارئًا قرأ بهما (4) بمعنى وجدت وكرهت، (5) ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: (6)
مَــا نَقَمُــوا مِـنْ بَنِـي أُمَيَّـةَ إِلا
أَنَّهُـــمْ يَحْـــلُمُونَ إِنْ غَضِبُــوا (7)
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت بسبب قوم من اليهود.
ذكر من قال ذلك:
12219 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، (8) وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال: أومن بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. (9) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به! (10) فأنـزل الله فيهم: " قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ". (11)
* * *
= عطفًا بها على " أن " التي في قوله: " إلا أن آمنا بالله "، (12) لأن معنى الكلام: هل تنقمون منا إلا إيمانَنا بالله وفسقكم.
-----------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة: "أو تجدون علينا حتى تستهزئوا بديننا إذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فحذف وغير وبدل ، وأساء غاية الإساءة.
(2) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ص: 393 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(3) اللغة الأولى"نقم" (بفتحتين)"ينقم" (بكسر القاف) = واللغة الثانية"نقم" (بفتح فكسر)"ينقم" (بكسر القاف أيضا).
(4) في المطبوعة: "قرأ بها" بالإفراد ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني"نقمت" ، أنقم. من اللغة الثانية.
(5) "وجدت" من قولهم: "وجد عليه يجد وجدًا وموجدة": غضب.
(6) مختلف في اسمه يقال: "عبد الله" ويقال: "عبيد الله" بالتصغير ، وهو الأكثر.
(7) ديوانه: 70 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (نقم) ، من قصيدته التي قالها لعبد الملك بن مروان ، في خبر طويل ذكره أبو الفرج في الأغاني 5: 76- 80 ، وبعد البيت:
وأنَّهُــمْ مَعْــدِنَ المُلُــوكِ، فَــلا
تَصْلُـــحُ إلا عَلَيْهِــــمُ العَــرَبُ
إِن الفَنِيــق الَّــذِي أَبُــوهُ أَبُــو
العَــاصِي، عَلَيْـهِ الوَقَـارُ والحُجُـبُ
خَلِيفَــةُ اللـــهِ فَــوْقَ مِنْــبَرِه
جَــفَّتْ بِــذَاكَ الأقْـــلامُ والكُـتُبُ
يَعْتَــدِلُ التَّــاجُ فَــوْقَ مَفْرِقِــهِ
عَـــلَى جَــبِينٍ كأَنّــهُ الــذَّهَبُ
(8) في المخطوطة: "عازي" ، وصوابه من المراجع الآتي ذكرها.
(9) هذا تضمين آية سورة البقرة: 136.
(10) في المخطوطة: "لا نؤمن آمن به" ، أسقط"بمن".
(11) الأثر: 12219- سيرة ابن هشام 2: 216 ، ومضى بالإسنادين رقم 2101 ، 2102
(12) يعني قوله: "وأن أكثركم فاسقون" ، فتح الألف من"وأن" ، عطفًا بها على"أن" التي في قوله: "إلا أن آمنا بالله".
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿٦٠﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار=" هل أنبئكم "، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنـزل إلينا من كتاب الله، وما أنـزل من قبلنا من كتبه؟ (13)
* * *
[و " مثوبة "، تقديرها " مفعولة "]، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت حركتها إلى " الفاء "، (14) وهي" الثاء " من " مثوبة "، فخرجت مخرج " مَقُولة "، و " مَحُورة "، و " مَضُوفة "، (15)
كما قال الشاعر: (16)
&; 10-436 &; وَكــنْتُ إذَا جَـارِي دَعَـا لِمَضُوفـةٍ
أُشَـمِّر حَـتَّى يَنْصُـفَ السَّاقُ مِئْزَرِي (17)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12220 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله "، يقول: ثوابًا عند الله.
12221 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله " قال: " المثوبة "، الثواب،" مثوبة الخير "، و " مثوبة الشر "، وقرأ: خَيْرٌ ثَوَابًا [سورة الكهف: 44]. (18)
* * *
وأما " مَنْ" في قوله: " من لعنه الله "، فإنه في موضع خفض، ردًّا على قوله: " بشرّ من ذلك ". فكأن تأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله، بمن لعنه الله.
ولو قيل: هو في موضع رفع، لكان صوابًا، على الاستئناف، بمعنى: ذلك من لعنه الله= أو: وهو من لعنه الله.
ولو قيل: هو في موضع نصب، لم يكن فاسدًا، بمعنى: قل هل أنبئكم من لعنه الله (19) = فيجعل " أنبئكم " عاملا في" من "، واقعًا عليه. (20)
* * *
وأما معنى قوله: " من لعنه الله "، فإنه يعني: من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته (21) =" وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير "، يقول: وغضب عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضبًا منه عليهم وسخطًا، فعجَّل لهم الخزي والنكال في الدنيا. (22)
* * *
وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا. (23)
* * *
وأما سبب مسخ الله من مَسخ منهم خنازير، فإنه كان فيما:-
12223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، (24) حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة. (25)
12224 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وجعل منهم القردة والخنازير "، قال: مسخت من يهود.
12225 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه، سنذكره في موضعه إن شاء الله. (26)
* * *
القول في تأويل قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: " عابد "، فجعل " عبد "، فعلا ماضيًا من صلة المضمر، ونصب " الطاغوتَ"، بوقوع " عبَدَ" عليه.
* * *
وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتَ ) بفتح " العين " من " عبد " وضم بائها، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُد " إليه. وعنوا بذلك: وخدَمَ الطاغوت.
12226 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني حمزة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: ( وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ ) يقول: خدم= قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.
12227 - حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن الأعمش: أنه كان يقرأها كذلك.
* * *
وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل " حَذِرٍ" و " حَذُر "، و " عجِلٍ"، و " وعَجُلٍ"، فهو وجه، والله أعلم= وإلا فإن أراد قول الشاعر: (27)
أَبَنِــــي لُبَيْنَــــى إنَّ أُمَّكُـــمُ
أَمَــــةٌ وَإنَّ أَبَــــاكُمُ عَبُـــدُ (28)
فإن هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا. (29)
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ ) ذكر ذلك عن الأعمش.
* * *
وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من " العبد "، كأنه جمع " العبد "" عبيدًا "، ثم جمع " العبيد "" عُبُدًا "، مثل: " ثِمَار وُثُمر ". (30)
* * *
وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه: (31) ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ).
12228 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال: كان أبو جعفر النحويّ يقرأها: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ )، كما يقول: " ضُرِب عبدُ الله ".
* * *
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة. (32)
* * *
وذكر أن بُريدة الأسلمي كان يقرأه: ( وعابد الطاغوت ). (33)
12229 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شيخ بصري: أن بريدة كان يقرأه كذلك.
* * *
ولو قرئ ذلك: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها. ووجه جوازها في العربية، أن يكون مرادًا بها " وعَبَدَة الطاغوت "، ثم حذفت " الهاء " للإضافة، كما قال الراجز: (34)
قَامَ وُلاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا (35)
يريد: قام وُلاتها، فحذف " التاء " من " ولاتها " للإضافة. (36)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قراءة القرأة، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، &; 10-442 &; وهو: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بنصب " الطاغوت " وإعمال " عبد " فيه، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من " العبادة ".
والآخر: (وعبد الطاغوت)، على مثال " فَعُلٍ"، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُدٍ" إليه.
فإذ كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما، فأولاهما بالصواب من القراءة، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت= ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومَن عبد الطاغوت، وأن النصب بـ" الطاغوت " أولى، على ما وصفت في القراءة، لإعمال " عبد " فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها.
على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في" مَنْ" و " الذي" المضمرين مع " مِنْ" و " في" إذا كفت " مِنْ" أو " في" منهما ويستقبحونه، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيل ذلك يقرأه: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز.
وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح. فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة. وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و " جعل " في" مَنْ"، وهي محذوفة مع " مِن ".
ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه، (37) فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره. فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُوهما.
* * *
وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.
* * *
وقد بينا معنى " الطاغوت " فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. (38)
* * *
وأما قوله: " أولئك شر مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيل "، فإنه يعني بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: " من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت "، وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل.
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" شر مكانًا "، في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنـزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنـزل إلى من قبلهم من الأنبياء=" وأضل عن سواء السبيل "، يقول تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك، أيها اليهود، أشد أخذًا على غير الطريق القويم، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم. (39)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام. (40) وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطابًا منه لهم بذلك، تعريضًا بالجميل من الخطاب، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، (41) وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له: قل لهم، يا محمد، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ، أم من لعنه الله؟ وهو يعني المقولَ ذلك لهم.
----------------
الهوامش :
(13) انظر تفسير"مثوبة" فيما سلف 2: 458 ، 459.
(14) كان في المطبوعة: "غير أن العين لما سكنت نقلت حركتها إلى الفاء..." ، سقط صدر الكلام ، فغير ما كان في المخطوطة ، فأثبت ما أثبته بين القوسين ، استظهارًا من إشتقاق الكلمة. والذي كان في المخطوطة: "غير أن الفعل لما سقط نقلت حركتها إلى الفاء" ، سقط أيضًا صدر الكلام الذي أثبته بين القوسين ، وسقط أيضًا"عين" من قوله: "عين الفعل". وأخشى أن يكون سقط من الكلام غير هذا. انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، وذلك قراءة من قرأ"مثوبة" (بفتح فسكون ففتح).
(15) في المطبوعة: "محوزة" بالحاء والزاي وفي المخطوطة: "محوره ومصرفه" غير منقوطة. والصواب ما أثبت. ويأتي في بعض الكتب كالقرطبي 6: 243"مجوزة" بالجيم والزاي ، وكل ذلك خطأ ، صوابه ما أثبت. و"المحورة" من"المحاورة" ، مثل" المشورة" و"المشاورة" يقال: "ما جاءتني عنه محورة" ، أي: ما رجع إليّ عنه خبر. وحكى ثعلب: "اقض محورتك" ، أي الأمر الذي أنت فيه. ويقال فيها أيضًا: "محورة" (بفتح الميم وسكون الحاء) ومنه قول الشاعر:
لِحَاجَــةِ ذي بَــثٍّ ومَحْـوَرةٍ لَـهُ،
كَـفَى رَجْعُهَـا مِـنْ قِصَّـةِ المُتَكَـلِّمِ
(16) هو أبو جندب الهذلي.
(17) أشعار الهذليين 3: 92 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (ضيف) (نصف) وغيرها كثير ، وبعده:
وَلَكِـنَّنيِ جَـمْرُ الغَضَـا مــن وَرَائِـهِ
يُخَــفِّرُنِي سَــيْفِي إذَا لَــمْ أُخَـفَّرِ
أَبَـى النَّـاسُ إلا الشَّـرَّ مِنِّـي، فَدَعْهُمُ
وَإيّــايَ مَــا جَـاءُوا إلَـيَّ بِمُنْكَـرِ
إذَا مَعْشَــرٌ يَوْمًــا بَغَـوْنِي بَغَيْتُهُـمُ
بِمُسْــقِطَةِ الأحْبَــالِ فَقْمَـاءَ قِنْطِـرِ
و"المضوفة" و"المضيفة" و"المضافة": الأمر يشفق منه الرجل. وبها جميعًا روى البيت."ضاف الرجل وأضاف": خاف. و"نصف الإزار ساقه": إذا بلغ نصفها. يريد بذلك اجتهاده في الدفاع عمن استجار به. وقوله: "ولكني جمر الغضا..." ، يقول: أتحرق في نصرته تحرقًا كأنه لهب باق من جمر الغضا. وقوله: "يخفرني سيفي...". يقول: سيفي خفيري إذا لم أجد لي خفيرًا ينصرني. وقوله: "مسقطة الأحبال": يريد: أعمد إليهم بداهية تسقط الحبالي من الرعب. و"فقماء". وصف للداهية المنكرة ، يذكر بشاعة منظرها يقال: "امرأة فقماء": وهي التي تدخل أسنانها العليا إلى الفم ، فلا تقع على الثنايا السفلى ، وهي مع ذلك مائلة الحنك. و"قنطر" هي الداهية ، وجاء بها هنا وصفًا ، وكأن معناها عندئذ أنها داهية تطبق عليه إطباقًا ، كالقنطرة التي يعبر عليها تطبق على الماء. ولم يذكر أصحاب اللغة هذا الاشتقاق ، وإنما هو اجتهاد مني في طلب المعنى.
وكان صدر البيت الشاهد في المخطوطة: "وكنت إذا جاي دعالم" ، ولم يتم البيت ، وأتمته المطبوعة.
(18) في المطبوعة والمخطوطة: "شر ثوابا" ، وليس في كتاب الله آية فيها"شر ثوابا" ، فأثبت آية الكهف التي استظهرت أن يكون قرأها ابن زيد في هذا الموضع. ونقل السيوطي في الدر المنثور 2: 295 ، وكتب: "وقرئ: بشر ثوابًا" ، ولم أجد هذه القراءة الشاذة ، فلذلك استظهرت ما أثبت. هذا ، وقد سقط من الترقيم رقم: 12222 سهوا.
(19) انظر هذا كله في معاني القرآن للفراء 1: 314.
(20) في المطبوعة: "فيجعل"أنبئكم" على ما في"من" واقعًا عليه" ، وفي المخطوطة: "فيجعل"أنبئكم" علامًا فيمن واقعًا عليه" ، وكلاهما فاسد ، وصواب قراءة ما أثبت ، ولكن أخطأ الناسخ كعادته في كتابته أحيانًا. و"الوقوع" التعدي ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.
(21) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 9: 213 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189/2: 138 ، 345/7: 116/9: 57.
(23) انظر ما سلف 2: 167- 172/8: 447 ، 448/ وما سيأتي في التفسير 9: 63- 70 (بولاق).
(24) في المخطوطة: "تدعوا الله" بحذف"إلى" ، والصواب ما في المطبوعة ، بدليل ما سيأتي بعد . وأما قوله: "واستجمعوا على الهلكة" فإنه يعني: قد أشرفت جمعاتهم على الهلاك بكفرهم.
(25) الأثر: 12223-"عمر بن كثير بن أفلح ، مولى أبي أيوب الأنصاري" ، روى عن كعب بن مالك ، وابن عمر ، وسفينة ، وغيرهم. وذكره ابن حبان في الثقات ، في أتباع التابعين. وقال ابن سعد: "كان ثقة ، له أحاديث". وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه محمد بن بشر العبدي ، وحماد بن خالد الخياط ، وأبو عون الزيادي" ، غير أن أبا عون قال: "عمرو بن كثير بن أفلح" ، وهو وهم منه". وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عمرو بن كثير" ، فتابعت ابن أبي حاتم. وهو مترجم في التهذيب"عمر" ، وابن أبي حاتم 3/1/130.
(26) لم أعرف مكانه فيما سيأتي من التفسير ، فإذا عثرت عليه أثبته إن شاء الله. ولعل منه ما سيأتي في الآثار رقم: 12301- 12304. وانظر رقم: 7110.
(27) هو أوس بن حجر.
(28) ديوانه ، القصيدة: 5 ، البيت: 4 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315 ، واللسان (عبد) ، وقد مضى منها بيت فيما سلف ص: 275 ، وقبل البيت:
أَبَنِــي لُبَيْنِــيَ لَسْــتُ مُعْترِفًــا
لِيَكُــــونَ أَلأَمَ مِنْكُـــمُ أَحَـــدُ
(29) انظر معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.
(30) كان الأجود أن يقول: "كأنه جمع العبد عبادًا ، ثم جمع العباد عبدًا ، مثل ثمار وثمر" ، وهو ظاهر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 314.
(31) في المطبوعة: "أنه يقرؤه" بحذف"كان" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(32) في المطبوعة: "من الصحة" ، والصواب ما في المخطوطة.
(33) في المخطوطة: "وعابد الشيطان" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صححته المطبوعة ، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه: 34.
(34) لم أعرف الراجز.
(35) معاني القرآن للفراء 1: 314 ، وقوله: "صرخد" جعلها الخمر الصرخدية نفسها. وأما أصحاب اللغة ، فيقولون: "صرخد" ، موضع بالشأم ، من عمل حوران ، تنسب إليه الخمر الجيدة.
(36) انظر ما سلف جميعه في معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.
(37) في المطبوعة: "فهم لا يتناكرونه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(38) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416- 419/8: 461-465 ، 507- 513 ، 546.
(39) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.
= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(40) "اللحن" هنا بمعنى التعريض والإيماء ، عدولا عن تصريح القول. قال ابن بري: "للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب ، واللغة ، والغناء ، والفطنة ، والتعريض ، والمعنى".
(41) أي: عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء.
وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ﴿٦١﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا جاءكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: "آمنا ": أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم واتبعناه على دينه، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم=" وقد خرجوا به "، يقول: وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله، جهلا منهم بالله=" والله أعلم بما كانوا يكتمون "، يقول: والله أعلم بما كانوا- عند قولهم لكم بألسنتهم: "آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء به "- يكتمون منهم، بما يضمرونه من الكفر، بأنفسهم. (42)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12230 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا " الآية، أناسٌ من اليهود، كانوا يدخلون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر. وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله صلى الله عليه وسلم.
12231 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفارًا، وخرجوا كفارًا.
12232 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسرُّ قلوبهم الكفر، فقال: " دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ".
12233 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "= وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، [سورة آل عمران: 72]. فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من يهود.
12234 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، أي: إنه من عندهم.
----------------------
الهوامش :
(42) في المطبوعة: "مما يضمرونه" ، والصواب من المخطوطة"بما". وسياق هذه الجملة بعد إسقاط الجمل المعترضة المفسرة: والله أعلم بما كانوا... يكتمون منهم... بأنفسهم" أي: أعلم منهم بأنفسهم. وقوله: "بما يضمرون من الكفر" ، متعلق بقوله: "والله أعلم بما كانوا يكتمون" تفسيرًا لقوله: "بما كانوا يكتمون".
وانظر تفسير"الكتمان" فيما سلف 2: 228 ، 229.
وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٦٢﴾
القول في تأويل قوله : وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وترى " يا محمد =" كثيرًا "، من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بني إسرائيل=" يسارعون في الإثم والعدوان "، يقول: يعجلون بمواقعة الإثم. (43)
* * *
وقيل: إن " الإثم " في هذا الموضع، معنيّ به الكفر. (44)
12235 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان "، قال: " الإثم "، الكفر.
12236 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان "، وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم. (45)
12237 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يسارعون في الإثم والعدوان "، قال: هؤلاء اليهود=" لبئس ما كانوا يعملون "= لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ ، إلى قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ، قال: " يَصْنَعُونَ" و " يعملون " واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا.
قال: وذلك الإدهان. (46)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم.
* * *
وأما " العدوان "، فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم. (47)
* * *
وتأويل ذلك: أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره، ويتعدَّون حدودَه التي حدَّ لهم فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم، في أكلهم " السحت "= وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم. (48)
* * *
يقول الله تعالى ذكره: " لبئس ما كانوا يعملون "، يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت.
* * *
لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿٦٣﴾
القول في تأويل قوله : لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشى في الحكم، من اليهود من بني إسرائيل، (49) ربانيوهم= وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم (50) = وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم (51) =" عن قولهم الإثم " يعني: عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله، ويكتبون كتبًا بأيديهم ثم يقولون: " هذا من حكم الله، وهذا من كتبه ". يقول الله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [سورة البقرة: 79].
* * *
وأما قوله: " وأكلهم السحت "، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به.
* * *
وقد بينا معنى " الربانيين " و " الأحبار " ومعنى " السحت "، بشواهد ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (52)
* * *
=" لبئس ما كانوا يصنعون "، وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار، في تركهم نهيَ الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت، عما كانوا يفعلون من ذلك.
* * *
وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوفَ عليهم منها.
12238 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم " قال: ما في القرآن آية، أخوف عندي منها: أَنَّا لا ننهى. (53)
12239 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا من هذه الآية: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قال: كذا قرأ. (54)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12240 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت " [قال: " الربانيون والأحبار "، فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية!]. (55)
12241 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون "، يعني: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.
-------------------
الهوامش :
(43) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف 10: 404 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(44) انظر تفسير"الإثم" فيما سلف 9: 196 ، 197 ، ثم سائر فهارس اللغة.
(45) في المطبوعة: "في أحكام اليهود" ، والصواب من المخطوطة.
(46) قوله: "وذلك الإدهان"حذفت من المطبوعة ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة هكذا: "قال: وذلك الإركان" ، وصواب قراءته ما أثبت. و"الإدهان": اللين والمصانعة ، في الدين وفي كل شيء ، وفي التنزيل: "ودوا لو تدهن فيدهنون".
(47) انظر تفسير"العدوان" فيما سلف 9: 362 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(48) انظر تفسير"السحت" فيما سلف 10: 317- 324.
(49) انظر تفسير"لولا" بمعنى: "هلا" ، فيما سلف 2: 552 ، 553.
(50) انظر تفسير"الربانيون" فيما سلف 5: 540- 544/10: 341- 343
(51) انظر تفسير"الأحبار" فيما سلف 6: 543 ، 544/10: 341- 343
(52) انظر التعليقات السالفة قريبًا.
(53) الأثر: 12238-"عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمداني" ، أبو عبد الرحمن الخريبي. كان ثقة عابدًا ، وكان عسرًا في الرواية. مترجم في التهذيب.
(54) الأثر: 12239-"ابن عطية" هو: "الحسن بن عطية بن نجيح القرشي" ، أبو علي البزار مضى برقم: 1939 ، 4962 ، 7535 ، 8961 ، 8962. وهو الذي يروي عنه أبو كريب ويقول: "ابن عطية" ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو عطية". وهو خطأ.
و"قيس" ، هو"قيس بن الربيع الأسدي" ، مضى برقم: 159 ، 4842 ، 5413 ، 6892 ، 7535.
و"العلاء بن المسيب بن رافع الأسدي" ، مضى برقم: 3789.
و"خالد بن دينار التميمي السعدي" مضى برقم: 44 ، ولم يدرك ابن عباس.
(55) الأثر: 12240- كان في المطبوعة"... وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" ، أتم الآية ، وليس للخبر تتمة. أما المخطوطة ، فليس فيها تتمة الآية ولا تتمة الخبر ، والذي أثبته من الدر المنثور 1: 296 قال: "وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط..." ، وساق الأثر كما أثبته.
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٦٤﴾
القول في تأويل قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم= واحتجاجًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم.
* * *
يقول تعالى ذكره: " وقالت اليهود "، من بني إسرائيل=" يد الله مغلولة "، يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى &; 10-451 &; ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء: 29].
* * *
وإنما وصف تعالى ذكره " اليد " بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل:
يَــدَاكَ يَــدَا مَجْـدٍ, فَكَـفٌ مُفِيـدَةٌ
وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِـالزَّادِ تُنْفِـقُ (56)
فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى " اليد ". ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، يعني بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ الله! (57)
فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم: " غلت أيديهم "، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات=" ولعنوا بما قالوا "، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (58)
=" بل يداه مبسوطتان "، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين (59) =" ينفق كيف يشاء "، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه. (60)
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12242 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا "، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.
12243 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يد الله مغلولة "، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله = يا بني إسرائيل، (61) حتى &; 10-453 &; جعل الله يده إلى نحره! وكذبوا!
12244 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يد الله مغلولة "، قال: اليهود تقوله: (62) لقد تجهَّدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب، (63) حتى إن يده إلى نحره=" بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء ".
12245 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، أما قوله: " يد الله مغلولة "، قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ".
12246 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "، قالوا: إن الله وضع يده على صدره، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.
* * *
= وأما قوله: " ينفق كيف يشاء "، يقول: يرزق كيف يشاء.
12247 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: " وقالت اليهود يد الله مغلولة " الآية، نـزلت في فنْحاص اليهوديّ.
12248 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله: " يد الله مغلولة "، يقولون: إنه &; 10-454 &; بخيل ليس بجواد! قال الله: " غلت أيديهم "، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ". وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [سورة الإسراء: 29]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: " بل يداه مبسوطتان ". (64) فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه. وقال: ذلك بمعنى: " يد الله على خلقه "، وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول: " لك عندي يد "، يعنون بذلك: نعمةٌ.
* * *
وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة. وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [سورة ص: 45].
* * *
وقال آخرون منهم: بل " يده "، ملكه. وقال: معنى قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، ملكه وخزائنه.
قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: " هو ملك يمينه "، و " فلان بيده عُقدة نكاح فلانة "، أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [سورة المجادلة: 12].
* * *
وقال آخرون منهم: بل " يد الله " صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.
قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده. (65)
قالوا: ولو كان [معنى " اليد "، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه] آدم بذلك وجه مفهوم، (66) إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك.
قالوا: وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق.
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى " اليد " من الله، القوة والنعمة أو الملك، في هذا الموضع.
قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن: " يد الله " في قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، هي نعمته، لقيل: " بل يده مبسوطة "، ولم يقل: " بل يداه "، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة. (67) وبذلك جاء التنـزيل، يقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [سورة إبراهيم: 34 وسورة النحل: 18]
قالوا: ولو كانت نعمتين، كانتا محصاتين.
قالوا: فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر: 1، 2] وكقوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ)، [سورة الحجر: 26] وقوله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [سورة الفرقان: 55]، قال: فلم يُرَدْ بـ" الإنسان " و " الكافر " في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه، كما تقول العرب: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، وكذلك قوله: وَكَانَ الْكَافِرُ معناه: وكان الذين كفروا.
قالوا: فأما إذا ثنَّى الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. (68)
قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: " ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس "، بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم.
قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثنِّي لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.
قالوا: وغيرُ محال: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، و " ما أكثر الدراهم في أيديهم "، لأن الواحد يؤدي عن الجميع.
قالوا: ففي قول الله تعالى: " بل يداه مبسوطتان "، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع= ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى " اليد "، في هذا الموضع، النعمة= وصحةِ قول من قال: إن " يد الله "، هي له صفة.
قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.
* * *
القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيِّ أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، &; 10-457 &; احتجاجًا عليهم لصحة نبوتك، وقطعًا لعذر قائلٍ منهم أن يقول: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ =: " ليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا ". يعني بـ" الطغيان ": الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك=" وكفرًا "، يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك، جحودَهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتوّ وتمرُّدٍ على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه، يسلِّي بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله، وتكذيبهم إياه.
* * *
وقد بينت معنى " الطغيان " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته. (69)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12249 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وليزيدن كثيرًا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، حملهم حسدُ محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.
* * *
القول في تأويل قوله : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، بين اليهود و النصارى، كما:-
12250 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، اليهود والنصارى.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، جعلت " الهاء والميم " في قوله: " بينهم "، كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟
قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [سورة المائدة: 51]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، ثم قصد بقوله: " ألقينا بينهم "، الخبرَ عن الفريقين.
* * *
القول في تأويل قوله : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم، (70) كالذي:-
12251 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [سورة الإسراء: 4- 6]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، (71) ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني= قال: و " الفساد "، المعصية= ثم قال، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [سورة الإسراء: 7، 8] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. (72) ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وقالوا في عزير: " إن الله اتخذه ولدًا "، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، (73) فقال: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين "، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، (74) فلم يزالوا كذلك والمجوس &; 10-460 &; على رقابهم، وهم يقولون: " يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون "! فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم= واسمه " محمد "، واسمه في الإنجيل " أحمد "= فلما جاءهم وعرفوا، (75) كفروا به، قال: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [سورة البقرة: 89]، وقال: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، بسورة البقرة: 90]. (76)
12252 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، هم اليهود.
12253 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا "، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه.
12254 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، (77) وقذف في قلوبهم الرعب.
* * *
وقال مجاهد بما:-
12255 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: حربُ محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد=
" والله لا يحب المفسدين "، يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه. (78)
* * *
---------------
الهوامش:
(56) ديوانه: 150 ، وغيره. من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق ، يقول له:
لَعَمْـرِي لَقَـدْ لاحَـتْ عُيُـونٌ كَثِـيرَةٌ
إلَـى ضَـوْءِ نـارٍ فـي يَفَـاٍع تُحَرَّقُ
تُشَــبُّ لمقْــرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِــا
وَبَـاتَ عَـلَى النَّـارِ النَّـدَى والمحَلَّقُ
رَضِيعَــيْ لِبَــانٍ ثَـدْيَ أُمٍّ تَحَالفَـا
بِأَسْــحَمَ عَـوْضَ الدَّهْـرِ لا نَتَفَـرَّقُ
تَـرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِ
كَمَــا زَانَ مَتْـنَ الهُنْـدُوَانِيِّ رَوْنَـقُ
يَــدَاهُ يَـدَا صِـدْقٍ، فَكـفٌّ مُفِيـدَةٌ
وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِالْمَـالِ تُنْفِـقُ
هذه رواية مخطوطة ديوانه التي صورتها حديثًا ، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة في أشياء كثيرة ، ولا سيما في ترتيب أبيات الشعر.
(57) في المطبوعة: "عما قال أعداء الله" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله: "أعداء الله" منصوب على الذم.
(58) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 10: 437 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(59) انظر تفسير"البسط" فيما سلف 5: 288 ، 290 ، 313.
(60) انظر تفسير"الإنفاق" فيما سلف 7: 134 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك ، ثم سائر فهارس اللغة.
(61) في المطبوعة ، حذف ما وضعته بين الخطين ، وكان في المخطوطة: "لقد تجهدنا الله ، أي تجهدنا الله يا بني إسرائيل" ، ورجحت أن صوابها كما أثبتها. ولم يذكر في كتب اللغة"تجهد" (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه في السؤال حتى أفنى ما عنده ، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته): "أي جهدنا الله" من قولهم"جهد الرجل" (ثلاثيا): إذا ألح عليه في السؤال. هذا ما رأيته ، وفوق كل ذي علم عليم. وانظر الأثر التالي.
(62) في المطبوعة: "اليهود تقول" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(63) انظر التعليق السالف ص: 452 ، رقم: 4.
(64) هذه أول مرة يذكر فيها أبو جعفر أصحاب الكلام ويسميهم"أهل الجدل".
(65) في المطبوعة: "عن خصوصية آدم" ، وأعاد"خصوصية" بالنسب في جميع ما سيأتي ، وهو عبث من المصحح ، وأثبت ما في المخطوطة.
(66) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام ، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت ، وإسقاطها مفسد للكلام.
(67) في المطبوعة: "لا تحصى بكثرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(68) في المطبوعة والمخطوطة: "فلا يؤدي إلا عن اثنين" ، وهو لا يستقيم بالفاء ، إنما يستقيم بالواو كما أثبته.
(69) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف 1: 308 ، 309/5: 419.
(70) انظر تفسير"أوقد" فيما سلف 1: 320 ، 380/6: 222.
(71) في المطبوعة: "فغيروا" بالياء ، وهو خطأ."غبروا زمانا": لبثوا زمانًا.
(72) في المطبوعة: "ونسوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(73) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يظهروا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(74) في المطبوعة: "المجوس الثلاثة أربابًا" ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني وعد الآخرة ، وهي المرة الثالثة.
(75) في المطبوعة: "فلما جاءهم ما عرفوا..." كنص آية البقرة: 89 ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، لا يريد الآية ، بل أراد معناها.
(76) الأثر: 12251- هذا الأثر ، لم يذكره أبو جعفر في تفسير آيات"سورة الإسراء: 4- 8" في تفسيره 15: 17- 35 (بولاق). وهذا أحد الأدلة على اختصار التفسير.
(77) "الحد": البأس والنفاذ. و"حد الظهيرة": شدة توقدها.
(78) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف: 287 ، 416/ ثم 10: 257 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
= وتفسير"السعي" فيما سلف 4: 238 ، وفي سائر فهارس اللغة.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٦٥﴾
القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ولو أن أهل الكتاب "، وهم اليهود والنصارى="آمنوا " بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقوه واتبعوه وما أنـزل عليه=" واتقوا " ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه=" لكفرنا عنهم سيئاتهم "، يقول: محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها (1) =
" ولأدخلناهم جنات النعيم "، يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12256 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا "، يقول: آمنوا بما أنـزل الله، واتقوا ما حرم الله، =" لكفرنا عنهم سيئاتهم ".
------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"التكفير" فيما سلف 7: 482 ، 490/8: 254= وتفسير"السيئات" فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ).
(2) انظر تفسير"الجنة" فيما سلف 8: 448 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴿٦٦﴾
القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيلَ"، ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل (3) =" وما أنـزل إليهم من ربهم "، يقول: وعملوا بما أنـزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخِ بعضها بعضًا؟
قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفِقة في الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بما فيها، والعملُ بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به. (4)
* * *
وأما معنى قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني: لأنـزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها.
* * *
وأما قوله: " ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12257 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم "، يعني: لأرسل السماءَ عليهم مدرارًا=" ومن تحت أرجلهم "، تخرج الأرض برَكتها.
12258 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: إذًا لأعطتهم السماء برَكتها والأَرْضُ نَباتها.
12259 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لو عملوا بما أنـزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنـزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر. (5)
12260 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم "، أمّا " إقامتهم التوراة "، فالعمل بها= وأما " ما أنـزل إليهم من ربهم "، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل عليه. يقول: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، أما " من فوقهم "، فأرسلت عليهم مطرًا، وأما " من تحت أرجلهم "، يقول: لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقي ما يُغْنيهم.
12261 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، قال: بركات السماء والأرض= قال ابن جريج: " لأكلوا من فوقهم "، المطر=" ومن تحت أرجلهم "، من نبات الأرض.
12262 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينـزل من السماء=" ومن تحت أرجلهم "، يقول: من الأرض.
* * *
وكان بعضهم يقول (6) إنما أريد بقوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، التَّوْسِعَة، كما يقول القائل: " هو في خير من قَرْنه إلى قدمه ". (7)
وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده.
* * *
القول في تأويل قوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " منهم أمة "، منهم جماعة (8) =" مقتصدة "، يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة=" وكثير منهم "، يعني: من بني إسرائيل من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى =" ساء ما يعملون "، يقول: كثير منهم سيئ عملهم، (9) وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله= وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما. فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: " ساء ما يعملون "، في ذلك من فعلهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " منهم أمة مقتصدة "، وهم مسلمة أهل الكتاب=" وكثير منهم ساءَ ما يعملون ". (10)
12265 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت &; 10-466 &; فرقة: " عيسى هو ابن الله "، وقالت فرقة: " هو الله "، وقالت فرقة: " هو عبد الله وروحه "، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب.
12266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: على كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: " وكثير منهم ساء ما يعملون ".
12267 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: مؤمنة.
12268 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " قال: المقتصدة، أهلُ طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب.
12269 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون "، قال: فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا. (11) قال: و " الغلو "، الرغبة [عنه]، و " الفسق "، التقصير عنه. (12)
----------------
الهوامش:
(3) انظر تفسير"الإقامة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) مثل"إقامة الصلاة".
(4) في المطبوعة: "وكل واحد منهما في الخبر الذي فرض العمل به" ، وهي جملة لا معنى لها ، صوابها من المخطوطة.
(5) في المطبوعة: "فأنبتت الثمر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.
(6) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 315.
(7) في المطبوعة: "من فرقه إلى قدمه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ومعاني القرآن للفراء و"القرن": حد الرأس وجانبها ، ورأس كل عال قرنه.
(8) انظر تفسير"أمة" فيما سلف 7: 106 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(9) انظر تفسير"ساء" فيما سلف 9: 205 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(10) سقط من الترقيم ، رقم: 12263 سهوًا.
(11) في المطبوعة: "الذين لا هم فسقوا في الدين" ، وهي كذلك في الدر المنثور 2: 297 ، والذي في المخطوطة هو ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله ، وفي الحديث: "وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي" ، وفيه أيضا: "اقرأوا القرآن ولا تجفوا عنه" ، أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته.
(12) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الأثر السالف رقم: 10853 ، من تفسير الربيع بن أنس أيضا لآية سورة النساء: 171.
۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٦٧﴾
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، (13) بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم= وسائرِ المشركين غيرِهم، (14) ما أنـزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، (15) ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه. (16) وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنـزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك= وإن قلّ ما لم يبلّغ منه= فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنـزلته لو لم يبلِّغ من تنـزيله شيئًا.
* * *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12270 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الرسول بلِّغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، يعني: إن كتمت آية مما أنـزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي. (17)
12271 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، الآية، أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم. (18)
12272 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نـزلت: " بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! (19) فنـزلت: " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، الآية.
12273 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني. (20)
12274 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نـزلت: " والله يعصمك من الناس "، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس. (21)
12275 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنـزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، إلى آخرها.
12276 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نـزلت هذه الآية: " والله يعصمك من الناس "، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال:أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله. (22)
12277 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنـزل الله: " والله يعصمك من الناس ".
* * *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نـزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.
ذكر من قال ذلك:
12278 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل منـزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال (23) من يمنعك مني؟ قال: الله! فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، (24) قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنـزل الله: " والله يعصمك من الناس ". (25)
* * *
وقال آخرون: بل نـزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك.
ذكر من قال ذلك:
12279 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا، فلما نـزلت: " والله يعصمك من الناس "، استلقى ثم قال:من شاء فليخذلني= مرتين أو ثلاثًا.
12280 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب! ثم قرأت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك "، الآية. (26)
12281 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله! قال الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك " الآية.
12282 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية! والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، الآية. (27)
12283 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن مسروق بن الأجدع قال: دخلت على عائشة يومًا فسمعتها تقول: لقد أعظمَ الفرية من قال إنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي! والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك ". (28)
* * *
ويعني بقوله: " والله يعصمك من الناس "، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من " عِصَام القربة "، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، (29)
ومنه قول الشاعر: (30)
وَقُلْــتُ: عَلَيْكُــمْ مَالِكًـا, إنَّ مَالِكًـا
سَـيَعْصِمُكُمُ, إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ (31)
يعني: يمنعكم.
* * *
وأما قوله: " إن الله لا يهدي القوم الكافرين "، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. (32)
-----------------
الهوامش :
(13) في المطبوعة: "لنبيه محمد" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.
(14) قوله: "وسائر المشركين" مجرور معطوف على قوله: "بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى ..." ومفعول قوله: "بإبلاغ هؤلاء ..." هو: "ما أنزل عليه فيهم".
(15) في المطبوعة: "أن يصيبه في نفسه مكروه" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.
(16) في المطبوعة والمخطوطة: "كل من يتقي مكروهه" ، وهو فاسد جدًا ، صوابه ما أثبت.
(17) في المطبوعة: "رسالتي" ، غير ما في المخطوطة.
(18) قوله: "احتجبت" ، أي: احتجبت عن الناس حتى لا يدرك منه من يبغيه الغوائل. و"العقب" هنا"عقب القدم" ، وهي مؤخرها ، وهي مؤنثة. يعني بذلك: لأظهرن لهم سائرًا بينهم لا أحتجب. وكل من خرج إلى الناس ، فقد بدا لهم عقبه ، وهو يسير بينهم. وهذه كناية حسنة. وقوله: "ما صاحبتهم" ، للتأييد ، كأنه قال: "ما عشت".
(19) في المطبوعة: "تجتمع على الناس" ، وأثبت ما في المخطوطة. ومعنى قوله: "تجمع على الناس" ، أي: تألبوا عليه وعادوه من جراء دعوته إلى دين الله. وهذا تعجب.
(20) الأثر: 12273-"جرير" ، هو"جرير بن عبد الحميد الضبي" ، مضى مرارًا كثيره.
و"ثعلبة" هو"ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي" ، كان متطببًا ، ثقة ، لا بأس به ، مترجم في التهذيب.
و"جعفر" هو"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي" ، مضى برقم: 87 ، 617 ، 4347 ، 7269.
وهذا خبر مرسل. انظر تفسير ابن كثير 3: 196.
(21) الأثر: 12274-"الجريري" ، هو"سعيد بن إياس الجريري" ، مضى برقم: 196.
و"عبد الله بن شقيق العقيلي" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 196 ، وهذا الخبر مرسل أيضًا ، وسيأتي موصولا برقم: 12276
وقوله: "يعتقبه ناس من أصحابه": أي يتناوبون حراسته ويتداولونها ، من"العقبة" وهي النوبة ، يقال: "جاءت عقبة فلان" ، أي نوبته.
وقوله: "ألحقوا بملاحقكم" ، يأمرهم أن يوافوا أماكنهم التي يرجعون إليها إذا آبوا. ولم أجد هذا التعبير في غير هذا الخبر ، ولا قيده أصحاب غريب الحديث. و"الملاحق" جمع"ملحق" (بفتح الميم وسكون اللام وفتح الحاء): أي الموضع الذي ينزلونه عند مرجعهم.
(22) الأثر: 12276-"الحارث بن عبيد الإيادي" ، "أبو قدامة" ، قال أحمد: "مضطرب الحديث" ، وقال ابن معين: "ضعيف" ، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به". وقال ابن حبان: "كان ممن كثر وهمه ، حتى خرج عن جملة من يحتج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب. والكبير 1/ 2/ 273.
وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: "هذا حديث غريب ، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، ولم يذكر فيه عائشة".
ورواه الحاكم في المستدرك 2: 313 ، من هذه الطريق نفسها ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وكان في المطبوعة: "فإن الله قد عصمني" ، خالف نص المخطوطة لغير شيء. وما في المخطوطة هو المطابق لروايته في الترمذي والمستدرك.
(23) "اخترط السيف": سله من غمده.
(24) هكذا جاءت الرواية"فرعدت يد الأعرابي" بالبناء للمجهول ، ولم أجد من"الرعدة" ثلاثيًا"رعد" بالبناء للمجهول ، بل الذي رووه وأطبقوا عليه"أرعد" (بالبناء للمجهول). فإن صح هذا الخبر ، فالثلاثي المبني للمجهول مما يزاد على مادة اللغة.
(25) الأثر: 12278- انظر خبر هذا الأعرابي فيما سلف رقم: 11565 ، والتعليق عليه هناك ، وليس فيه أنه ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه.
(26) الأثر: 12280-"ابن أبي خالد" ، هو: "إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي". وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عن أبي خالد" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن البخاري رواه من طريق وكيع ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، مطولا (الفتح 8: 466) ، وليس فيمن روى عنه وكيع هذا الخبر من يسمى"أبا خالد".
وهذا الخبر رواه أبو جعفر من أربع طرق ، سيأتي تخريجها بعد.
(27) الأثر: 12282- رواه مسلم مطولا في صحيحه ، من طريق إسماعيل بن علية ، عن داود.
وهذه الأخبار الثلاثة السالفة ، خبر واحد بأسانيد ثلاثة. رواه البخاري (الفتح 8: 206) من طريق سفيان ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن مسروق. ثم رواه من هذه الطريق ، ومن طريق أبي عامر العقدي ، عن شعبة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي (الفتح 13: 422) ، مختصرا.
(28) الأثر: 12283-"الليث" هو"الليث بن سعد" الإمام.
و"خالد" ، هو: "خالد بن يزيد الجمحي المصري" ، الفقيه المفتي ، ثقة ، مضى برقم: 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507.
و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة. مضى برقم: 1495 ، 3965 ، 5465.
(29) انظر تفسير"عصم" و"عصام" فيما سلف 7: 62 ، 63 ، 70/9: 341.
(30) لم أعرف قائله.
(31) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171. و"عليك" اسم فعل للإغراء ، يقال: "عليك زيدًا" و"عليك بزيد".
(32) انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة.
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٦٨﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: " قل "، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى=" يا أهل الكتاب "، التوراة والإنجيل=" لستم على شيء "، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى=" حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم "، مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّبوا بشيء منه، ولا تفرِّقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأنّ كتب الله يصدِّق بعضها بعضًا، فمن كذَّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.
12284 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلام بن مِشْكم، (33) ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، (34) فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، &; 10-474 &; وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخِذَ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم! قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك! فأنـزل الله تعالى ذكره: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . (35)
12285 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم "، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب=" التوراة "، لليهود، و " الإنجيل "، للنصارى،" وما أنـزل إليكم من ربكم "، وما أنـزل إلينا من ربنا= أي: " لستم على شيء حتى تقيموا "، حتى تعملوا بما فيه.
* * *
القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنـزلته إليك، يا محمد (36) =" طغيانًا "، يقول: تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نـزول الفرقان=" وكفرًا " يقول: وجحودًا لنبوتك. (37)
وقد أتينا على البيان عن معنى " الطغيان "، فيما مضى قبل. (38)
* * *
وأما قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، يعني بقوله: (39) " فلا تأس "، فلا تحزن.
* * *
يقال: " أسِيَ فلان على كذا "، إذا حزن " يأسَى أسىً"،، ومنه قول الراجز: (40)
وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى (41)
* * *
يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن، يا محمد، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
12286 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، قال: الفرقان= يقول: فلا تحزن.
12287 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، قال: لا تحزن.
---------------
الهوامش :
(33) في المطبوعة والمخطوطة: "سلام بن مسكين" ، ولم أجد هذا الاسم فيمن كان من يهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعروف هو ما أثبته وهو الموجود في هذا الخبر في سيرة ابن هشام.
(34) في المطبوعة: "... بن حرملة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(35) الأثر: 12284- سيرة ابن هشام 2: 217 ، وهو تابع الآثار التي مضت رقم: 2101 ، 2102 ، 12219.
(36) "الكتاب" فاعل قوله: "ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود...".
(37) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.
(38) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف ص: 457 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(39) في المطبوعة: "يعبي يقول" ، والصواب من المخطوطة.
(40) هو العجاج.
(41) ديوانه: 31 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171 ، والكامل 1: 352 ، واللسان (حلب) (كرس) ، وهو من رجزه المشهور ، مضى أوله في هذا التفسير 1: 509 ، يقول:
يَـا صَـاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا?
قَــالَ: نَعَــمْ! أَعْرِفُــهُ! وَأَبْلَسَـا
وَانْحَـلَبَتْ عَيْنَـاهُ مِـنْ فَـرْطِ الأَسَـى
ومضى شرح البيتين الأولين. و"انحلبت عيناه" و"تحلبتا": سال دمعهما وتتابع. وكان في المطبوعة: "وأنحلت" ، خالف ما في المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، فأتى بما لا يعرف. فجاء بعض من كتب على هذا البيت وصححه فكتب"وأبخلت" وقال: "معنى: أبخلت: وجدتا بخيلتين بالدمع لغلبة الحزن عليه ، أي أنه من شدة حزنه لم يبك ، وإنما جمدت عيناه" ، فأساء من وجوه: ترك مراجعة الشعر ومعرفته ، واجتهد في غير طائل ، وأتى بكلام سخيف جدًا! والله المستعان.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٩﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام=" والذين هادوا "، وهم اليهود (42) = " والصابئون "، وقد بينا أمرهم (43) =" والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر "، فصدّق بالبعث بعد الممات=" وعمل "، من العمل=" صالحًا " لمعاده " فلا خوف عليهم "، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة=" ولا هم يحزنون "، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه. (44)
* * *
وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (45)
-----------------
الهوامش :
(42) انظر تفسير"هاد" فيما سلف ص: 341 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(43) انظر تفسير"الصابئون" فيما سلف 2: 145- 147.
(44) انظر تفسير"عمل صالحًا" فيما سلف 2: 148 (وفهارس اللغة).
= وتفسير"اليوم الآخر" ، فيما سلف من فهارس اللغة (أخر).
= وتفسير"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فيما سلف 2: 150 ، وسائر فهارس اللغة.
(45) انظر ما سلف 3: 352- 354/ ثم انظر الموضع الذي أشار إليه 9: 395- 399. ثم انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 105- 108 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 172 ، ومشكل القرآن لابن قتيبة: 36- 39.
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿٧٠﴾
القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، (46) والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه= وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديدَ من العقاب= كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم، كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا. (47)
---------------
الهوامش:
(46) في المطبوعة: "وتوحيدنا" ، وفي المخطوطة: "الإخلاص توحيدنا" ، وكأن الصواب ما أثبت.
(47) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة. وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه:
"يتلوهُ: القول في تأويل قوله:
{ وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا }
وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيرًا".