تفسير الطبري
· الأعرافافتح في القارئوَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴿١٨٣﴾
القول في تأويل قوله : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأُؤخر هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا. [ وأصل " الإملاء " من قولهم: " مضى عليه مليٌّ، ومِلاوَة ومُلاوَة ]، ومَلاوة " = بالكسر والضم والفتح = " من الدهر ", (30) وهي الحين, ومنه قيل: انتظرتُك مليًّا. (31)
* * *
= (32) ليبلغوا بمعصيتهم ربهم، المقدارَ الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذاب ثم يقبضهم إليه.
* * *
(إن كيدي).
* * *
والكيد: هو المكر. (33)
* * *
وقوله: (متين)، يعني: قويٌّ شديدٌ, ومنه قول الشاعر: (34) [عدلن عـدول النـاس وأقبـح] يَبْتَـلِي
أَفَــانِينَ مِـنْ أُلْهُـوبِ شَـدٍّ مُمَـاتِنِ (35)
يعني: سيرًا شديدًا باقيًا لا ينقطع. (36)
----------------
الهوامش :
(30) لا شك أنه قد سقط من كلام أبي جعفر شيء ، أتممته استظهاراً ، من مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 234 ، وضعته بين قوسين . وسيتبين لك بعد أن الكلام في هذه الفقرات مقطع غير متصل ، فلا أدري أهو من الناسخ أم من أبي جعفر ، ولذلك فصلت بعضه عن بعض . فتنبه إلى هذا الفصل بين المتتابعين ، بكلام مفسر ، كما ترى . وكان في المطبوعة : (( ملاءة )) . وأثبت ما في المخطوطة .
(31) انظر تفسير (( الإملاء )) فيما سلف 7 : 421 ، 422 .
(32) سياق الكلام : ( وأواخر هؤلاء ... ليبلغوا ... ))
(33) انظر تفسير (( الكيد )) فيما سلف 7 : 156 / 8 : 547 .
(34) لم أعرف قائله .
(35) جاء البيت في المطبوعة :عَـدَلْنَ عُـدُولَ النـاسِ وأقبـح يبتلى
أقــاس مـن الهـراب شـد مُمَـاتِن
وفي المخطوطة :عـدلن عـدول النـاس دامـح سـلى
اماســن مـن الهـرب سـد ممـاتن
غير منقوط إلا ما نقطته .
وصدر البيت لم أعرف له وجهاً ، وأما قراءة عجز البيت ، فصوابه قراءته ما أثبته بلا ريب ، وإنما يصف نوقاً أو خيلا . و (( الأفانين )) جمع (( أفنون )) ، وهو الجرى المختلط من جرى الفرس والناقة . يقال : (( جرى الفرس أفانين من الجرى )) ، و (( أفتن الفرس في جريه )) ، و (( الألهوب )) : أن يجتهد الفرس في عدوه ويضطرم ، حتى يثير الغبار . يقال : (( شد ألهوب )) . ويقال : (( ألهب الفرس )) ، اضطرم جريه . و (( الشد )) ، العدو . يقال : (( شد الفرس وغيره في العدو ، شداً واشتد )) ، أي : أسرع وعدا عدواً شديداً . وتركت صدر البيت بحاله ، حتى أجد له مرجعاً يصححه .
(36) في المخطوطة : (( يعنى سبباً شديداً )) ، وما في المطبوعة قريب من الصواب .
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿١٨٤﴾
القول في تأويل قوله : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم يتفكر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم, ويعلموا أن رسولَنا الذي أرسلناه إليهم, لا جنَّة به ولا خَبَل, وأن الذي دعاهم إليه هو [الرأي] الصحيح، والدين القويم، والحق المبين؟ (37) وإنما نـزلت هذه الآية فيما قيل, (38) كما: -
15461 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان على الصَّفا, (39) فدعا قريشًا, فجعل يفخِّذُهم فخذًا فخذًا: " يا بني فلان، يا بني فلان!" (40) فحذّرهم بأس الله, ووَقَائع الله, فقال قائلهم: " إن صاحبكم هذا لمجنون! باتَ يصوّت إلى الصباح =أو: حتى أصبح!" فأنـزل الله تبارك وتعالى: (أوَ لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين).
* * *
ويعني بقوله: (إن هو إلا نذير مبين)، : ما هو إلا نذيرٌ ينذركم عقاب الله على كفركم به، (41) إن لم تنيبوا إلى الإيمان به . (42)
* * *
ويعني بقوله: (مبين)، قد أبان لكم، أيها الناس، إنذارُه ما أنذركم به من بأس الله على كفركم به. (43)
----------------------
الهوامش :
(37) في المطبوعة : (( هو الدين الصحيح القويم )) ، غير ما في المخطوطة ، وزدت ما بين القوسين استظهاراً من السياق .
(38) في المطبوعة : (( ولذا نزلت هذه الآية )) ، وفي المخطوطة : (( وإذا أنزلت )) ، ورأيت أن الصواب ما أثبت ، على شك منى أن يكون الكلام خرم.
(39) هكذا في المطبوعة والمخطوطة وابن كثير : "كان على الصفا" وأرجح أن صوابها " قام على الصفا" كما جاء في سائر الأخبار في تفسير آية سورة الشعراء: 214 ، (تفسير الطبري): 19: 73- 76 بولاق.
(40) (( فخذ الرجل بنى فلان تفخيداً )) ، دعاهم فخذاً فخذاً . و (( الفخذ )) فرقة من فرق الجماعات والعشائر . يقال : (( الشعب )) ، ثم (( القبيلة )) ، ثم (( الفصيلة )) ، ثم (( العمارة )) ثم (( البطن )) ، ثم (( الفخذ )) .
(41) في المطبوعة : (( منذركم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(42) انظر تفسير (( النذير )) فيما سلف 11 : 369 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(43) انظر تفسير (( مبين )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٥﴾
القول في تأويل قوله : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله، في ملك الله وسلطانه في السموات وفي الأرض، (44) وفيما خلق جل ثناؤه من شيء فيهما, فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمنْ لا نظير له ولا شبيه, (45) ومِنْ فِعْلِ من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له, فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، (46) فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.
* * *
وقوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون)، يقول: فبأيّ تخويفٍ وتحذير ترهيب بعد تحذير محمد صلى الله عليه وسلم وترهيبِه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه، يصدِّقون, إن لم يصدقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى؟ (47)
-----------------
الهوامش :
(44) انظر تفسير (( الملكوت )) فيما سلف 11 : 470 .
(45) في المطبوعة : (( ممن لا نظير له )) ، غير ما في المخطوطة ، بلا علة .
(46) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 73 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(47) انظر تفسير (( الحديث )) فيما سلف 8 : 592 ، 593 .
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٨٦﴾
القول في تأويل قوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن إعراض هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا, التاركي النظر في حجج الله والفكر فيها, لإضلال الله إياهم, ولو هداهم الله لاعتبرُوا وتدبَّروا فأبصروا رُشْدهم; ولكن الله أضلَّهم، فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلا ومن أضلَّه عن الرشاد فلا هادي له إليه، ولكن الله يدعهم في تَمَاديهم في كفرهم، وتمرُّدهم في شركهم، يترددون, ليستوجبوا الغايةَ التي كتبها الله لهم من عُقوبته وأليم نَكاله. (48)
---------------------
الهوامش :
(48) انظر تفسير (( الضلال )) و (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) ، ( هدى ) = تفسير (( يذر )) فيما سلف ص : 36 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . = تفسير (( الطغيان )) فيما سلف ص 12 : 46 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . = تفسير (( العمه )) فيما سلف 1 : 309 - 311 / 12 : 46 .
يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٧﴾
القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (يسألونك عن الساعة). فقال بعضهم: عني بذلك قومُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش, وكانوا سألوا عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
15462 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنّ بيننا وبينك قرابة, فأسِرَّ إلينا متى الساعة! فقال الله: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا . (49)
* * *
وقال آخرون: بل عُني به قوم من اليهود.
* ذكر من قال ذلك:
15463 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال جَبَل بن أبي قشير، وشمول بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم (50) يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول, فإنا نعلم متى هي؟ فأنـزل الله تبارك وتعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)، إلى قوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . (51)
15464 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن طارق بن شهاب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكُر من شأن الساعة حتى نـزلت: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها). (52)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قومًا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة, فأنـزل الله هذه الآية = وجائز أن يكون كانوا من قريش = وجائز أن يكونوا كانوا (53) من اليهود; ولا خبر بذلك عندنا يجوِّز قَطْعَ القول على أيّ ذلك كان.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذاً: يسألك القومُ الذين يسألونك عن الساعة (أيان مرساها)؟ يقول: متى قيامها؟
* * *
ومعنى " أيان ": متى، في كلام العرب, ومنه قول الراجز: (54) أَيَّــانَ تَقْضِــي حَــاجَتِي أَيَّانَــا
أَمَـــا تَــرَى لِنُجْحِهَــا إِبَّانَــا (55)
* * *
ومعنى قوله: (مرساها)، قيامها, من قول القائل: " أرساها الله فهي مُرْسَاة ", و " أرساها القوم "، إذا حبسوها, و " رسَت هي، ترسُو رُسُوًّا ".
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15465 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، : يقول متى قيامها.
* * *
15466- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، : متى قيامها؟
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: مُنتهاها =وذلك قريب المعنى من معنى مَن قال: معناه: " قيامها ", لأن انتهاءها، بلوغها وقتها. وقد بينا أن أصل ذلك: الحبس والوقوف.
* ذكر من قال ذلك:
15467 - حدثنا المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)، يعني: منتهاها.
* * *
وأما قوله: (قل إنما علمها عند ربي لا يجلِّيها لوقتها إلا هو)، فإنه أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يجيب سائليه عن الساعة بأنه لا يعلم وقت قيامها إلا الله الذي يعلم الغيب, وأنه لا يظهرها لوقتها ولا يعلمها غيرُه جل ذكره، كما: -
15468 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)، يقول: علمها عند الله, هو يجليها لوقتها, لا يعلم ذلك إلا الله.
15469 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لا يجليها)، : يأتي بها.
15470 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال مجاهد: (لا يجليها)، قال: لا يأتي بها إلا هو.
15471 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (لا يجليها لوقتها إلا هو)، يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو.
* * *
القول في تأويل قوله : ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها.
* ذكر من قال ذلك:
15472 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يقول: خفيت في السموات والأرض, فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.
15473 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا, عن معمر, عن بعض أهل التأويل: (ثقلت في السموات والأرض) ، قال: ثقل علمها على أهل السموات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض.
* ذكر من قال ذلك:
15474 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: (ثقلت في السموات والأرض)، يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبرت عليهم.
15475 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: (ثقلت في السموات والأرض) قال: إذا جاءت انشقت السماء, وانتثرت النجوم, وكوِّرت الشمس, وسُيِّرت الجبال, وكان ما قال الله; فذلك ثقلها.
15476 - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال بعض الناس في " ثقلت ": عظمت.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: (في السموات والأرض)، : على السموات والأرض.
* ذكر من قال ذلك:
15477 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ثقلت في السموات والأرض)، أي: على السموات والأرض.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك عندي بالصواب, قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها، أن يعرفوا وقتها وقيامها; لأن الله أخفى ذلك عن خلقه, فلم يطلع عليه منهم أحدًا. وذلك أن الله أخبرَ بذلك بعد قوله: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ، وأخبر بعده أنها لا تأتي إلا بغتة, فالذي هو أولى: أن يكون ما بين ذلك أيضًا خبرًا عن خفاء علمها عن الخلق, إذ كان ما قبله وما بعده كذلك.
* * *
وأما قوله: (لا تأتيكم إلا بغتة)، فإنه يقول: لا تجيء الساعة إلا فجأة, لا تشعرون بمجيئها، (56) كما: -
15478 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (لا تأتيكم إلا بغتة)، يقول: يبغتهم قيامها, تأتيهم على غفلة.
15479 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (لا تأتيكم إلا بغتة)، قضى الله أنها لا تأتيكم إلا بغتة. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الساعة تهيج بالناس والرجل يُصْلِح حوضه، والرجلُ يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه.
* * *
القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يسألك هؤلاء القوم عن الساعة, كأنك حَفِيٌّ عنها.
* * *
[ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (حفي عنها) ] . (57)
فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفي بهم. وقالوا: معنى قوله: " عنها " التقديم، وإن كان مؤخرًا.
* ذكر من قال ذلك:
15480 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك كأنك حفيّ عنها)، يقول: كأن بينك وبينهم مودة, كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناسُ محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم, فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده, استأثر بعلمها, فلم يطلع عليها ملكًا ولا رسولا.
15481 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة, فأسِرَّ إلينا متى الساعة ! فقال الله: (يسألونك كأنك حفي عنها). (58)
15482 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (يسألونك كأنك حفي عنها)، : أي حفي بهم. قال: قالت قريش: يا محمد، أسرّ إلينا علم الساعة، لما بيننا وبينك من القرابة = لقرابتنا منك.
15483 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وهانئ بن سعيد, عن حجاج, عن خصيف, عن مجاهد وعكرمة: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: حفي بهم حين يسألونك.
15484 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: قريب منهم, وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم. قال: قريب منهم, وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم، فتحدثهم. (59)
15485 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (يسألونك كأنك حفي عنها)، كأنك صديق لهم.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد استحفيت المسألة عنها فعلمتها.
* ذكر من قال ذلك:
15486 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كأنك حفي عنها)، استحفيت عنها السؤال حتى علمتَها.
15487 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد, عن مجاهد في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها.
15488 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها.
15489 - ... قال: حدثنا حامد بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك: (يسألونك كأنك حفيّ عنها) قال: كأنك تعلمها. (60)
15490 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: ثني عبيد بن سليمان, عن الضحاك, قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: يسألونك عن الساعة, كأنك عندك علمًا منها = قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي .
15491 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن بعضهم: (كأنك حفي عنها)، : كأنك عالم بها.
15492 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (كأنك حفي عنها) قال: كأنك عالم بها. وقال: أخفى علمها على خلقه. وقرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، [سورة لقمان: 34] حتى ختم السورة.
15493 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: (يسألونك كأنك حفي عنها)، يقول: كأنك يعجبك سؤالهم إياك =(قل إنما علمها عند الله).
* * *
وقوله: (كأنك حفي عنها)، يقول: لطيف بها. (61)
* * *
فوجَّه هؤلاء تأويل قوله: (كأنك حفي عنها)، إلى حفيّ بها, وقالوا: تقول العرب: " تحفّيت له في المسألة ", و " تحفيت عنه ". قالوا: ولذلك قيل: " أتينا فلانًا نسأل به ", بمعنى نسأل عنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفي بالمسألة عنها فتعلمها.
فإن قال قائل: وكيف قيل: (حفي عنها)، ولم يُقَل: " حفي بها ", إن كان ذلك تأويل الكلام؟
قيل: إن ذلك قيل كذلك, لأن الحفاوة إنما تكون في المسألة, وهي البشاشة للمسئول عند المسألة, والإكثار من السؤال عنه, والسؤال يوصل ب " عن " مرة، وب " الباء " مرة. فيقال: " سألت عنه ", و " سألت به ". فلما وضع قوله: " حفي" موضع السؤال, وصل بأغلب الحرفين اللذين يوصل بهما " السؤال ", وهو " عن ", كما قال الشاعر: (62) سُــؤَالَ حَــفِيٍّ عَـنْ أَخِيـهِ كَأَنَّـهُ
بِذِكْرَتِـــهِ وَسْــنَانُ أَوْ مُتَوَاسِــنُ (63)
* * *
وأما قوله: (قل إنما علمها عند الله)، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيئها: لا علم لي بذلك, ولا علم به إلا [عند] الله الذي يعلم غيب السموات والأرض (64) =(ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله, بل يحسبون أن علم ذلك يوجد عند بعض خلقه.
------------------------
الهوامش :
(49) الأثر : 15462 - سيأتي برقم : 15481 .
(50) في المطبوعة : ((حمل بن أبي قشير )) ، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة . والصواب أيضاً في سيرة ابن هشام 2 : 162 ، 218 ، وكتب هناك : (( شمويل )) ، وهما سواء ، وفي المطبوعة هنا (( سمول )) غير منقوطة كما في المخطوطة .
(51) الأثر : 15463 - سيرة ابن هشام 2 : 218 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 12216 .
(52) الأثر : 15464 - (( إسماعيل بن أبي خالد الأحمسى )) ثقة ثبت ، مضى برقم : 5694 ، 5777 ، 12280 . و(( طارق بن شهاب الأحمسى )) ، رأي النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، مضى مرارًا ، رقم : 9744 ، 11682 ، 12073 ، 12075 ، 12085 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( مخارق بن شهاب )) ، وهو خطأ صرف ، صوابه من ابن كثير . وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره 3 : 609 ، وقال : (( ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به . وهذا إسناد جيد قوي )) .
(53) في المطبوعة : (( أن يكون كانوا )) مرة أخرى ، ولكنى أثبت ما في المخطوطة .
(54) لم أعرف قائله .
(55) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 234 ، اللسان ( أبن ) . و (( إبان الشيء )) ، زمنه ووقته الذي يصلح فيه ، أو يكون فيه .
(56) انظر تفسير (( البغتة )) فيما سلف 11 : 325 ، 360 ، 368 / 12 : 576 .
(57) الزيادة بين القوسين ، يقتضيها نهج أبي جعفر في تفسيره .
(58) الأثر : 15481 - مضى برقم : 15462 .
(59) الأثر : 15484 - (( أبو مالك )) ، في هذا الخبر ، لم أعرف من يكون ؟
(60) الأثر : 15489 - (( جابر بن نوح )) ، مضى برقم : 5694 ، 9863 ، وفي المطبوعة (( حامد بن نوح )) ، وفي المخطوطة ، سيئ الكتابة ، وهذا صوابه .
(61) هذه الجملة التي أفردتها ، لا شك أنها ليست من كلام ابن عباس في الأثر السالف ، ولذلك فصلت بينهما . بقى بعد أنى أخشى أن يكون سقط من الناسخ شيء قبل هذه الجملة ، فإن الذي ذكره أبو جعفر قولان فقط ، لا ثلاثة أقوال ، وهذه الجملة الأخيرة . متعلقة بالقول الأول ، وكأنها تفسير له .
(62) هو المعطل الهذلي .
(63) ديوان الهذليين 3 : 45 من قصيدة له طويلة . وبهذه الرواية التي رواها أبو جعفر (( سؤال حفي )) ، يختل سياق الشعر . وروايته في ديوانه : فــإن تـرني قصـدًا قريبًا، فـإنـه
بعيـد عـلي المـرء الحجـازي أيـن
بعيـد عـلى ذى حاجـة، ولـو أننـى
إذا نفجــت يومـاً بهـا الـدار آمـن
يقـول الـذي أمسـى إلى الحرز أهله:
بـأي الحشـاء أمسـى الخليط المباين
ســؤال الغنـي عـن أخيـه، كأنـه
بذكرتـــه وســنان أو متواســن
و (( الذي أمسى إلى الحرز أهله )) هو الذي صار في مكان حصين آمناً مطمئناً ، فهو يسأل عنه ويقول : (( بأي الحشا )) ، بأي النواحي أمسي فلان ؟ وهو صاحبه المفارق . ثم يقول : إنه يسأل سؤال غير حفي - لا سؤال حفي - (( سؤال غني عن أخيه )) وأنما يذكره كالنائم أو المتناوم ، لقلة حفاوة به . فهذا نقيض رواية أبي جعفر . وكان في المطبوعة : (( يذكره وسنان )) ، والصواب من المخطوطة والديوان .
(64) في المطبوعة : (( ولا يعلم به إلا الله )) وليس بجيد ، وأثبت ما في المخطوطة وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين
قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٨﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لسائليك عن الساعة: أَيَّانَ مُرْسَاهَا =(لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا)، يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي, ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني (1) =(ولو كنت أعلم الغيب)، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد (2) =(لاستكثرت من الخير)، يقول: لأعددت الكثير من الخير. (3)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الخير " الذي عناه الله بقوله: (لاستكثرت من الخير). (4) فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.
* ذكر من قال ذلك:
15494 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا) قال: الهدى والضلالة =(لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) قال: " أعلم الغيب "، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح.
15495 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد, مثله.
15496 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء)، : قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: " ولو كنت أعلم الغيب " لأعددت للسَّنة المجدبة من المخصبة, ولعرفت الغلاء من الرُّخْص, واستعددت له في الرُّخْص.
* * *
وقوله: (وما مسني السوء)، يقول: وما مسني الضر (5) =(إن أنا إلا نذير وبشير)، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله أرسلني إليكم, أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره, وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. (6)
* * *
وقوله: (لقوم يؤمنون)، يقول: يصدقون بأني لله رسول, ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده. (7)
-----------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير (( ملك )) فيما سلف 10 : 147 ، 187 ، 317 .
(2) انظر تفسير ((الغيب )) فيما سلف 11 : 464 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( استكثر )) فيما سلف 12 : 115 .
(4) انظر تفسير (( الخير )) فيما سلف 2 : 505 / 7 : 91 .
(5) انظر تفسير (( المس )) فيما سلف 12 : 573 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير (( نذير )) فيما سلف ص : 290 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . = وتفسير (( بشير )) فيما سلف 11 : 369 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .
(7) في المطبوعة : (( بحقية ما جئتهم به )) ، والصواب من المخطوطة ، وقد غيرها في مئات من المواضع ، انظر ما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 والمراجع هناك . و (( الحقيقة )) ، مصدر ، بمعني الصدق والحق ، كما أسلفت .
۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿١٨٩﴾
القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، يعني بالنفس الواحدة: آدم، (8) كما: -
15497 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (خلقكم من نفس واحدة) قال: آدم عليه السلام. (9)
15498 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، من آدم. (10)
* * *
ويعني بقوله: (وجعل منها زوجها)، : وجعل من النفس الواحدة, وهو آدم, زوجها حواء، (11) كما: -
15499 - حدثني بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة.(وحمل منها زوجها)، : حواء, فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها. (12)
* * *
ويعني بقوله: (ليسكن إليها)، : ليأوي إليها لقضاء حاجته ولذته. (13)
* * *
ويعني بقوله: (فلما تغشاها)، فلما تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها =(حملت حملا خفيفًا)، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف, وذلك قوله: (فلما تغشاها حملت)، وإنما الكلام: فلما تغشاها =فقضى حاجته منها= حملت.
* * *
وقوله: (حملت حملا خفيفًا)، يعني ب " خفة الحمل ": الماء الذي حملته حواء في رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا, وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ عليها.
* * *
وأما قوله: (فمرت به)، فإنه يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت, وأتمت الحمل، كما: -
15500 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة, عن أبي عمير, عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: (حملت حملا خفيفًا فمرت به) قال: لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرَّت به. (14)
15501 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به)، استبان حملها.
15502 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فمرت به) قال: استمرّ حملها.
15503 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (حملت حملا خفيفًا) قال: هي النطفة = وقوله: (فمرّت به)، يقول: استمرّت به.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.
* ذكر من قال ذلك:
15504 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فمرت به) قال: فشكت، أحملت أم لا؟
* * *
ويعني بقوله: (فلما أثقلت)، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.
* * *
يقال منه: " أثقلت فلانة " إذا صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: " أَتْمَرَ فلان ": إذا صار ذا تَمْر. كما: -
15505 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، : كبر الولد في بطنها.
* * *
قال أبو جعفر: (دعوا الله ربهما)، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، " لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين ".
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الصلاح " الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.
فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.
* ذكر من قال ذلك:
15506 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا) قال: غلامًا.
* * *
وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما, ولا يكون بهيمة.
* ذكر من قال ذلك:
15507 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن زيد بن جبير الجُشَمي, عن أبي البختري, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين) قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان. (15)
15508 -... قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن زيد بن جبير, عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.
15509 - ... قال: حدثنا محمد بن عبيد, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت, كانا يشفقان أن يكون بهيمة, فدعوا ربهما: (لئن آتيتنا صالحًا)، الآية.
15510 - ... قال: حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.
15511 - حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء, ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها, فليس إلا أن أصابها حملت, فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها، (16) قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس, فقال [لها: إنك حملت فتلدين! قالت: ما ألد؟ قال]: (17) أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك! (18) [ ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك ]. (19) قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعيني وسميه " عبد الحارث " = [ وكان اسمه في الملائكة الحارث ] = (20) تلدي شبهكما مثلكما ! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام , فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت! (21) فمات, ثم حملت بآخر, فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث -وكان اسمه في الملائكة الحارث= وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة, أو قتلته, فإني أنا قتلت الأول! قال: فذكرت ذلك لآدم, فكأنه لم يكرهه, فسمته " عبد الحارث ", فذلك قوله: (لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: شبهنا مثلنا = فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا قال: شبههما مثلهما. (22)
15512 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، كبر الولد في بطنها، جاءها إبليس, فخوَّفها وقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ لعله كلب، أو خنـزير، أو حمار! وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك, أو من قُبُلك, أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فذلك حين (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: مثلنا =(لنكونن من الشاكرين).
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء, وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين.
و " الصلاح " قد يشمل معاني كثيرة: منها " الصلاح " في استواء الخلق، ومنها " الصلاح " في الدين, و " الصلاح " في العقل والتدبير.
وإذ كان ذلك كذلك, ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني " الصلاح " دون بعض, ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله, فيقال: إنهما قالا( لئن آتيتنا صالحًا ) بجميع معاني " الصلاح ". (23)
* * *
وأما معنى قوله: (لنكونن من الشاكرين)، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.
---------------------
الهوامش :
(8) انظر تفسير (( نفس واحدة )) فيما سلف 7 : 513 ، 514 .
(9) الأثر : 15497 - مضى برقم : 8402
(10) الأثر : 15498 - مضى برقم : 8401 .
(11) انظر تفسير (( جعل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جعل ) .
(12) الأثر : 15499 - مضى برقم : 8405 .
(13) في المطبوعة والمخطوطة : (( لقضاء الحاجة ولذته )) ، والسياق يقتضى ما أثبت .
(14) الأثر : 15500 (( أبو عمير )) ، هو ( الحارث بن عمير البصري ) . ثقة متكلم فيه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 83 . و(( أيوب )) هو السختياني ، (( أيوب بن أبي تميمه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 409 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 255 .
(15) الأثر : 15507 - (( زيد بن جبير الحشمي الطائى )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 356 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 558 . وكان في المطبوعة : (( الحسمي )) ، غير منقوطة كما في المخطوطة ، والصواب ما أثبت .
(16) هذا تعبير جيد ، يصور سرعة حدوث ذلك ، ولو شاء أن يقوله قائل ، لقال : (( فليس إلا أن أصابها حتي حملت . . . )) ، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف .
(17) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور3 : 152 ، وهي زيادة لا بد منها . والمخطوطة مضطربة في الوضع .
(18) في المطبوعة والدر المنثور : (( هو بعض ذلك )) .
(19) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .
(20) هذه الزيادة أيضا من الدر المنثور .
(21) في المطبوعة : (( هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة )) ، وفي المخطوطة : (( الذي قد فمات )) وبين (( قد )) و(( فمات)) حرف ((ط)) وبالهامش و((كذا)) . وأثبت نص العبارة من الدر المنثور .
(22) الأثر : 15511 - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مرارًا .
(23) انظر تفسير (( الصلاح )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٩٠﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا =جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في " الشركاء " التي جعلاها فيما أوتيا من المولود.
فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.
* ذكر من قال ذلك:
15513 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت حوّاء لا يعيش لها ولد, فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه " عبد الحارث ", فعاش لها ولد, فسمته " عبد الحارث ", (24) وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان. (25)
15514 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر, عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء, عن سمرة بن جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه " عبد الحارث ".
15515 - .... قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي العلاء بن الشخّير, عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: " عبد الحارث ". (26)
15515 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم, فتعبِّدهم لله, وتسميه " عبيد الله " و " عبد الله " ونحو ذلك, فيصيبهم الموت, فأتاها إبليسُ وآدمَ, فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش ! فولدت له رجلا فسماه " عبد الحارث ", ففيه أنـزل الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، إلى آخر الآية.
15517 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله في آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: فَمَرَّتْ بِهِ ، فشكّت: أحبلت أم لا = فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا الآية, فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون أم لا؟ وزيَّن لهما الباطل، إنه غويٌّ مبين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا, فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان! فسميا ولدهما " عبد الحارث "; فذلك قوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، الآية.
15518 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد, أتاه إبليس فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تسميه " عبد الحارث " ! فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك ! =قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء " الحارث "= قال آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتك في أكل الشجرة, فأخرجتني من الجنة, فلن أطيعك. فمات ولده, ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر, فقال: أطعني وإلا مات كما مات الأول ! فعصاه, فمات, فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه " عبد الحارث ". فلم يزل به حتى سماه " عبد الحارث ", فذلك قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، أشركه في طاعته في غير عبادة, ولم يشرك بالله, ولكن أطاعه.
15519 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سَلَمَة, عن هارون قال: أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت, عن عكرمة قال: ما أشرك آدم ولا حواء, وكان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان فقال: إن سرَّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه " عبد الحارث " ! فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما). (27)
15520 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا قال: كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد إلا مات, فجاءه الشيطان, فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا, فسمِّه " عبد الحارث " ! ففعل قال: فأشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة.
15521 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ذكر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان, فقال لهما: سمياه " عبد الحارث " ! وكان من وحي الشيطان وأمره, وكان شركًا في طاعةٍ, ولم يكن شركًا في عبادةٍ.
15522 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد. فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد, فسمياه " عبد الحارث " ! ففعلا وأطاعاه, فذلك قول الله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء)، الآية.
15523 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن فضيل, عن سالم بن أبي حفصة, عن سعيد بن جبير, قوله: أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ، .. إلى قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: لما حملت حوّاء في أوّل ولد ولدته حين أثقلت, أتاها إبليس قبل أن تلد, فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك, أو من عينك, أو من أذنك؟ قالت: لا أدري. قال: أرأيت إن خرج سليمًا أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ (28) قالت: نعم. قال: سميه " عبد الحارث " ! =وقد كان يسمى إبليس الحارث= فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي كذا وكذا, فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه, فإنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة ! ثم أتاها إبليس, فأعاد عليها, فقالت: نعم. فلما وضعته أخرجه الله سليمًا, فسمته " عبد الحارث " فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون).
15524 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن فضيل, عن عبد الملك, عن سعيد بن جبير قال: قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت, أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا, من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها, ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا = زاد ابن فضيل: لم يضرك ولم يقتلك = أتطيعيني؟ قالت: نعم. قال: فسميه " عبد الحارث " ! ففعلت = زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم. (29)
15525 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: فولدت غلامًا =يعني حوّاء= فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم عليه السلام: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة! فأبى أن يطيعه, فسماه " عبد الرحمن ", فسلط الله عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر; فلما ولدته قال لها: سميه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة! فأبى, فسماه " صالحًا " فقتله. فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه " عبد الحارث " ، (30) وكان اسم إبليس; وإنما سمي " إبليس " حين أبلس =فَعَنَوَا, (31) فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، يعني في التسمية.
* * *
وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا : أي هذا الرجل الكافر,(حملت حملا خفيفًا فلما أثقلت) دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب, ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب, كما قيل: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، [سورة يونس: 22] وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل. (32)
* ذكر من قال ذلك:
15526 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل, ولم يكن بآدم.
15527 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال. قال الحسن: عني بهذا ذرية آدم, من أشرك منهم بعده =يعني بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما).
15528 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى, رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا. (33)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء) في الاسم لا في العبادة =وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
* * *
فإن قال قائل: فما أنت قائل =إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية, وأن المعنيّ بها آدم وحواء= في قوله: (فتعالى الله عما يشركون) ؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: " في الأسماء " دلّ على فساده قوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ فإن قلت: " في العبادة ", قيل لك: أفكان آدم أشرك في عباد الله غيره؟
قيل له: إن القول في تأويل قوله: (فتعالى عما يشركون)، ليس بالذي ظننت, وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ثم استؤنف قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، (34) كما:-
15529 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، يقول: هذه فصْلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (شركاء)،
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: " جَعَلا لَهُ شِرْكًا " بكسر الشين, بمعنى الشَّرِكَة. (35)
* * *
وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ)، بضم الشين, بمعنى جمع " شريك ".
* * *
قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب, لأن القراءة لو صحت بكسر الشين، لوجب أن يكون الكلام: فلما أتاهما صالحًا جعلا لغيره فيه شركًا =لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس، ثم يجعلا لله فيه شركًا لتسميتهما إياه ب " عبد الله " , وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته, ثم سمياه " عبد الحارث ", فجعلا لإبليس فيه شركًا بالاسم.
فلو كانت قراءة من قرأ: " شِرْكًا "، صحيحة، وجب ما قلنا، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركًا. وفي نـزول وحي الله بقوله: (جعلا له)، ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: (شُرَكَاء)، بضم الشين على ما بينت قبل.
* * *
فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما " عبد الحارث ", و " الحارث " واحد, وقوله: (شركاء)، جماعة, فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما " جعلا له شركاء ", وإنما أشركا واحدًا!
قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمِّه, كقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، [سورة آل عمران: 173] وإنما كان القائل ذلك واحدًا, فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة, إذ لم يقصد قصده, وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها. (36)
* * *
وأما قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، فتنـزيه من الله تبارك وتعالى نفسَه, وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون، ويدَّعون معه من الآلهة والأوثان، (37) كما: -
15530 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (فتعالى الله عما يشركون) قال: هو الإنكاف, أنكف نفسه جل وعز = يقول: عظَّم نفسه = وأنكفته الملائكة وما سبَّح له.
15531 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة يحدِّث عن السدي قال: هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، في شأن آدم وحواء, ثم قال الله تبارك وتعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: عما يشرك المشركون, ولم يعنهما. (38)
--------------------
الهوامش :
(24) في المطبوعة : (( من وحي الشيطان )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في المراجع .
(25) الأثر : 15513 - (( عبد الصمد )) هو (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) . مضى مرارًا .
و (( عمر بن إبراهيم العبدى )) ، وثقه أحمد وغيره ، ولكنه قال : (( يروى عن قتادة أحاديث مناكير ، يخالف )) . وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) ، وقال ابن عدى : يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها ، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب )) . وذكره ابن حبان في الثقاب وقال : (( يخطئ ، ويخالف )) . ثم ذكره في الضعفاء فقال : (( كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه . فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد . فأما فيما روى الثقات ، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً )) ، وقال الدار قطني : ( لين ، يترك )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 98 ، وميزان الاعتدال 2 : 248 .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 11 ، بغير هذا اللفظ ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2 : 545 ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي . وأخرجه الترمذي في تفسير الآية وقال : (( هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه )) .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 611 ، 612 ، وأعله من ثلاثة وجوه :
الأول : أن عمر بن إبراهيم لا يحتج به =
الثاني : أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع
= الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا ، وذكر بعض أخبار أبي جعفر بأسانيدها رقم 15526 - 15528 ، ثم قال : (( وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير ، وأولى ما حملت عليه الآية . ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ، ولاسيما مع تقواه وورعه . فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم ، مثل كعب أو وهب بن منيه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع ، والله أعلم )) .
قلت : وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعني بذلك آدم وحواء ، قال : (( لإجماع الحجة من أهل التأويل علي ذلك )) . وإجماع أهل التأويل في مثل هذا ، مما لا يقوم الأول : لأن الآية مشكلة ، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذي اصطفاه ربه ، بنص كتاب الله ، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك ، فزعم ( ص : 315 ) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله : (( جعلا له شركاء فيما آتاهما ، ثم استأنف قوله : (( فتعالى الله عما يشركون )) ، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان .وهذا مخرج ضعيف جداً .
الثاني أن مثل هذا المشكل في أمر آدم وحواء ، ونسبة الشرك إليهما ، مما لا يقضى به ، إلا بحجة يجب التسليم لها من نص كتاب ، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا خبر بذلك ، إلا هذا الخبر الضعيف الذي بينا ضعفه ، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . وروايته عن قتادة مضطربة ، خالف فيها ما روى عن الحسن ، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون.
هذا ، وقد رد هذا القول ، جماعة من المفسرين ، كابن كثير في تفسيره ، والفخر الرازي ( 3 : 243 - 345 ) ، وحاول الزمخشرى في تفسيره أن يرده فلم يحسن ، وتعقبه أحمد بن محمد بن المنير في الإنصاف . وغير هؤلاء كثير .
ولكن بعد هذا كله ، نجد إن تفسير ألفاظ الآية ، ومطابقته للمعنى الصحيح الذي ذهب العلماء إليه في نفي الشرك عن أبينا آدم عليه السلام ، وفي أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بقى مبهماً ، لم يتناوله أحد ببيان صحيح . وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه في هذا الموضع ، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه في مثل هذا التعليق .
(26) الأثر : 15514 ، 15515 - (( أبو العلاء بن الشخير )) ، منسوب إلى جده ، وهو : (( يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى )) ، تابعى عابد ثقة ، كان يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه ، فكان أخوه مطرف يقول له : (( أغن عنا مصحفك سائر اليوم )) . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/113 ، والكبير 4/2/345 ، وابن أبي حاتم 4/2/274 .
(27) الأثر : 15519 - كان الإسناد في المطبوعة: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن هارون، لا أدري من أين جاء بقوله "سلمة" !! فإن المخطوطة فيها بياض في هذا الموضع هكذا: "حدثنا ابن حميد قال: حدثنا ...... ، عن هارون، فوضعت مكان البياض نقطا، وفيها بعد "عكرمة" وقبل "قال" خط معقوف، وفي الهامش أمام البياض وعند هذه العلامة حرف (ط) ثم إلى جوارها حرف (ا) عليه ثلاث نقط، كل ذلك دال على الشك والخطأ.
و "هارون" هو النحوي الأعور "هارون بن موسى الأزدي" صاحب القراءات ثقة مضى برقم 4985 ، 11693 .
و "الزبير بن الخريت" ثقة، مضى أيضا برقم 4985، 11693.
وإسناد أبي جعفر في الموضعين في رواية "الزبير بن الخريت" عن عكرمة هو "حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا هارون النحوي، قال حدثني الزبير بن الخريت، عن عكرمة" فأخشى أن يكون سقط من التفسير هنا إسناد ابن حميد وخبره ثم صدر إسناد بعده، هو إسناد أبي جعفر السالف: "حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون . . . " إلى آخر الإسناد ، والله أعلم" .
(28) في المطبوعة : (( أتطيعينى أنت )) ، والصواب الجيد من المخطوطة .
(29) في المطبوعة : (( شركة )) بالتاء في آخره ، والصواب ما أثبت .
(30) في المطبوعة : (( فإذا غلبتم فسموه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(31) في المطبوعة : (( ففعلوا )) ، وهو خطأ لا شك فيها ، لو كان لقال : (( ففعلا )) ، ورسم المخطوطة غير منقوطة هو ما أثبت ، وصواب قراءته ما قرأت . = يقال : (( عنا له يعنو )) : إذا خضع له وأطاعه .
(32) انظر ما سلف 1 : 154 / 3 : 304 ، 305 / 6 : 238 ، 464 / 8 : 447 / 11 : 264 .
(33) الآثار: 15526-15528-انظر التعليق على الأثر السالف رقم 10013.
(34) انظر التعليق عن الأثر رقم 155130 .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 400 .
(36) انظر ما سلف 1 : 292 ، 293 / 2 : 485 - 487 ، 500 /4 : 191 / 6 : 364 / 7 : 404 - 413 / 12 : 213 .
(37) انظر تفسير (( تعالى )) فيما سلف 12 : 10 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(38) عند هذا الموضع ، انتهي الجزء العاشر من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه : (( نجز الجز العاشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه ، وحسن توفيقه ويمنه . وصلى الله على محمد . يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله : { أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وكان الفراغ من نسخه في شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمئة . غفر الله لكاتبه ومؤلفه ، ولمن كتب لأجله ولجميع المسلمين . الحمد لله رب العالمين )) ثم يتلوه في أول الجزء الحادي عشر من المخطوطة "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن".
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١٩١﴾
القول في تأويل قوله : أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشركون في عبادة الله, فيعبدون معه = " ما لا يخلق شيئًا " ، والله يخلقها وينشئها؟ وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق.
* * *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بما: -
15532 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد قال: ولد لآدم وحواء ولد, فسمياه " عبد الله ", فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد, فسمياه " عبد الله ", فمات. فقالا سميناه " عبد الله ". فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهبَ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه " عبد شمس " ! قال: فذلك قول الله تبارك وتعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)، آلشمس تخلق شيئًا حتى يكون لها عبد؟ إنما هي مخلوقة! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة, وخدعهما في الأرض. (39)
* * *
وقيل: (وهم يخلقون)، , فأخرج مكنيَّهم مخرج مكنيّ بني آدم, (40) (أيشركون ما)، فأخرج ذكرهم ب " ما " لا ب " من " مخرج الخبر عن غير بني آدم, لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرًا أو خشبًا أو نحاسًا, أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب " ما " لا ب " من ", فقيل لذلك: " ما "، ثم قيل: " وهم ", فأخرجت كنايتهم مُخْرَج كناية بني آدم, لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها، نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضًا.
---------------------
الهوامش :
(39) الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجده . وفي الدر المنثور 3 : 152 (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدعهما مرتين . قال زيد : خدعهما في الجنة ، وخدعهما في الأرض )) .
(40) (( المكنى )) الضمير .
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿١٩٢﴾
القول في تأويل قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئًا من خلق الله, ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحلّ بهم عقوبة, ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم, بل لا تجتلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا, فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ؟ يعجِّب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم اللهَ غيرَه.
* * *
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ ﴿١٩٣﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربَّهم إياه: ومن صفته أنكم، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم, والأمر الصحيح السديد لا يتبعوكم، لأنها ليست تعقل شيئًا, فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرًا, وتركب ما كان مستقيمًا سديدًا.
* * *
وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها، تنبيهَهم على عظيم خطئهم, وقبح اختيارهم. يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه, ولم يفهم رشادًا من ضلال, وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد وسكوته, لأنه لا يفهم دعاءه, ولا يسمع صوته, ولا يعقل ما يقال له. يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهًا؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده, الضارّ من يعصيه, الناصرُ وليَّه, الخاذل عدوه, الهادي إلى الرشاد من أطاعه, السامع دعاء من دعاه.
* * *
وقيل: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون)، فعطف بقوله: " صامتون ", وهو اسم على قوله: " أدعوتموهم ", وهو فعل ماض, ولم يقل: أم صمتم, (41) كما قال الشاعر: (42) سَــوَاءٌ عَلَيْـكَ النَّفْـرُ أَمْ بِـتَّ لَيْلَـةً
بِـأَهْلِ الْقِبَـابِ مِـنْ نُمَـيْرِ بنِ عَامِرِ (43)
وقد ينشد: " أم أنْتَ بَائِتٌ".
--------------------
الهوامش :
(41) انظر سيبويه 1 : 435 ، 456 .
(42) لم أعرف قائله .
(43) معاني القرآن للفراء 1 : 401 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة (( عليك الفقر )) ، وهو خطأ محض ، صوابه من المعاني . و (( النفر )) بمعنى : النفر من منى في أيام الحج ، وهو الثاني من أيام التشريق .
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿١٩٤﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: (إن الذين تدعون) أيها المشركون، آلهةً =(من دون الله), وتعبدونها، شركًا منكم وكفرًا بالله =(عباد أمثالكم)، يقول: هم أملاك لربكم, كما أنتم له مماليك. فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم, فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم, (44) فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم, فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر; لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ.
----------------
الهوامش :
(44) انظر تفسير (( الاستجابة )) فيما سلف 3 : 483 ، 484 / 7 : 486 - 488 / 11 : 341 .
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿١٩٥﴾
القول في تأويل قوله : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه ، أيها القوم =(أرجل يمشون بها)، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم =(أم لهم أيد يبطشون بها)، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ =(أم لهم أعين يبصرون بها)، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه =(أم لهم آذان يسمعون بها)، فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟
يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها, والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم, فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها, وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟
وقوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون)، [ قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة =(ثم كيدون)، (45) ] أنتم وهي (46) (فلا تنظرون)، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر, (47) ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه, وأنه قد عصمه منهم, ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.
------------------------
الهوامش:
(45) هذه العبارة التي بين الأقواس ، استظهرتها من سياق الآية والتفسير ، وظاهر أنها قد سقطت من الناسخ ، وأن الكلام بغيرها ، أو بغير ما يقوم ما مقامها ، لا يستقيم .
(46) في المطبوعة : (( أنتم وهن )) ، وأثبت ما في المخطوطة . ثم انظر تفسير (( الكيد )) فيما سلف ص 288 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(47) انظر تفسير (( الإنظار )) فيما سلف 12 : 331 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١٩٦﴾
القول في تأويل قوله : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للمشركين من عبدة الأوثان = " إن وليي"، نصيري ومعيني وظهيري عليكم (1) =(الله الذي نـزل الكتاب) عليّ بالحق, وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه.
------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير (( الولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى ) .
وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿١٩٧﴾
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين. يقول له تعالى ذكره : (2) قل لهم, إن الله نصيري وظهيري, والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة, لا يستطيعون نصركم, ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم, فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة؟ أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده, أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبَغاه بمكروه؟
-----------------
الهوامش :
(2) في المطبوعة : (( بقوله تعالى )) ، وفي المخطوطة مثله غير منقوط ، والصواب : (( يقول له )) .
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٩٨﴾
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم إلى الهدى =وهو الاستقامة إلى السداد=(لا يسمعوا)، يقول: لا يسمعوا دعاءكم =(وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون).
* * *
وهذا خطاب من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم. يقول: وترى، يا محمد، آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد. (3) ولو كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب المشركين، لقال: " وترونهم ينظرون إليكم ". (4)
* * *
وقد روى عن السدي في ذلك ما: -
15533 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) قال: هؤلاء المشركين.
* * *
وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: " هؤلاء المشركون "، قول الله: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا). وقد كان مجاهد يقول في ذلك، ما: -
15534 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)، ما تدعوهم إلى الهدى. وكأنّ مجاهدًا وجّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون = فهو وجهٌ, ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه؟
قيل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئًا أو حاذاه: " هو ينظر إلى كذا ", ويقال: " منـزل فلان ينظر إلى منـزلي" إذا قابله. وحكي عنها: " إذا أتيتَ موضع كذا وكذا, فنظر إليك الجبل, فخذ يمينًا أو شمالا ". وحدثت عن أبي عبيد قال: قال الكسائي: " الحائط ينظر إليك " إذا كان قريبًا منك حيث تراه, ومنه قول الشاعر: (5) إِذَا نَظَــرْتَ بِــلادَ بَنِــي تَمِيــمٍ
بِعَيْــنٍ أَوْ بِــلادَ بَنِــي صُبَــاحِ (6)
يريد: تقابل نبتُها وعُشْبها وتحاذَى.
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام: وترى، يا محمد، آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، يقابلونك ويحاذونك, وهم لا يبصرونك, لأنه لا أبصار لهم. وقيل: " وتراهم ", ولم يقل: " وتراها ", لأنها صور مصوَّرة على صور بني آدم عليه السلام.
-----------------
الهوامش :
(3) يعني أن الخطاب أولا كان للمشركين جميعا، فقال: "وإن تدعوهم"، ثم قال: "وتراهم" على الإفراد، خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
(4) في المخطوطة : (( وترونهم ينظرون إليك ... )) وبعد (( إليك )) بياض بقدر كلمة . والذي في المطبوعة شبيه بالصواب .
(5) لم أعرف قائله .
(6) نوادر أبي زيد : 131 ، أساس البلاغة ( عين ) ، المقاييس 4 : 203 ، ورواية أبي زيد :إذا نظــرت بــلاد بنــي حـبيب
بعيــنٍ أو بــلاد بنــي صبــاح
رمينـــاهم بكــل أقــب نهــدٍ
وفتيــان الغــدو مــع الــرواح
ولا أدري ما (( بنو حبيب )) ، وأما (( بنو صباح )) ، فهم في ضبة ، والظاهر أن في غيرهم من العرب أيضاً (( بنو صباح )) . انظر الاشتقاق : 122 . ورواية الزمخشري وابن فارس (( بلاد بني نمير )) ، فلا أدري ما أصح ذلك ، حتى يعرف صاحب الشعر، وفيمن قيل . قال الزمخشري قبل استشهاده بالشعر : (( نظرت الأرض بعين أو بعينين )) ، إذا طلع بأرض ما ترعاه الماشية بغير استكمال . وقال ابن فارس : إذا طلع النبت ، وكل هذا محمول ، واستعارة وتشبيه .
خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿١٩٩﴾
القول في تأويل قوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم: تأويله: (خذ العفو) من أخلاق الناس, وهو الفضل وما لا يجهدهم. (7)
* ذكر من قال ذلك:
15535 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم, عن مجاهد, في قوله: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. (8)
15536 - حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد في قوله: (خذ العفو) قال: عفو أخلاق الناس, وعفوَ أمورهم.
15537 - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني ابن أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه في قوله: (خذ العفو)، .. الآية. قال عروة: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. (9)
15538 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن ابن الزبير قال: ما أنـزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: (خذ العفو وأمر بالعرف)، الآية. (10)
15539 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد: (خذ العفو)، من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. (11)
15540 - .... قال: حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن وهب بن كيسان, عن ابن الزبير: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس, والله لآخذنَّه منهم ما صحبتم. (12)
15541 - .... قال: حدثنا عبدة بن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن ابن الزبير (13) قال: إنما أنـزل الله: (خذ العفو)، من أخلاق الناس.
15542 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم، من غير تحسس =أو تجسس, شك أبو عاصم. (14)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: خذ العفو من أموال الناس, وهو الفضل. قالوا: وأمر بذلك قبل نـزول الزكاة, فلما نـزلت الزكاة نُسِخ.
* ذكر من قال ذلك:
15543 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله (خذ العفو)، يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم, وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنـزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات إليه.
15544 - حدثني محمد بن الحسين. قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (خذ العفو)، أما " العفو ": فالفضل من المال, نسختها الزكاة.
15545 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك, يقول في قوله: (خذ العفو)، يقول: خذ ما عفا من أموالهم. وهذا قبل أن تنـزل الصدقة المفروضة.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه.
* ذكر من قال ذلك:
15546 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (خذ العفو) قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصَد ، وأن يحصرهم, ثم قال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ، [سورة التوبة: 5 ] الآية، كلها. وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، [سورة التوبة: 73 / : ] قال وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم, فقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ، [سورة التوبة: 123] بعدما كان أمرهم بالعفو. وقرأ قول الله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ، [سورة الجاثية: 14] ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل, فنسخت هذه الآية العفو. (15)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس, واترك الغلظة عليهم = وقال: أُمر بذلك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمَه نبيَّه صلى الله عليه وسلم محاجَّته المشركين في الكلام, وذلك قوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ، وعقَّبه بقوله: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ * وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا ، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيَّه صلى الله عليه وسلم في عشرتهم به، (16) أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين.
* * *
فإن قال قائل: أفمنسوخ ذلك؟
قيل: لا دلالة عندنا على أنه منسوخ, إذ كان جائزًا أن يكون = وإن كان الله أنـزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في تعريفه عشرةَ من لم يُؤْمَر بقتاله من المشركين = مرادًا به تأديبُ نبيّ الله والمسلمين جميعًا في عشرة الناس، وأمرهم بأخذ عفو أخلاقهم, فيكون وإن كان من أجلهم نـزل تعليمًا من الله خلقه صفةَ عشرة بعضهم بعضًا, [إذا] لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم, (17) فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجب, فيكون قوله: (خذ العفو)، أمرًا بأخذه ما لم يجب غيرُ العفو, فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك. فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة، لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا. (18)
* * *
وأما قوله: (وأمر بالعرف)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم بما: -
15547 - حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي قال: حدثني حسين الجعفي, عن سفيان بن عيينة, عن رجل قد سماه قال: لما نـزلت هذه الآية: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا؟ قال: ما أدري حتى أسأل العالِم! قال: ثم قال جبريل: يا محمد، إن الله يأمرك أن تَصِل مَن قطعك, وتعطي من حرمك, وتعفو عمن ظلمك. (19)
15548 - حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان, عن أمَيّ قال: لما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك, وتعطيَ من حرمك, وتصل من قطعك. (20)
* * *
وقال آخرون بما:-
15549 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه: {وأمر بالعرف}، يقول: بالمعروف.
15550 - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: {وأمر بالعرف} قال: أما العرف: فالمعروف.
15551 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: {وأمر بالعرف}، أي: بالمعروف.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بالعرف =وهو المعروف في كلام العرب, مصدر في معنى: " المعروف ".
* * *
يقال: " أوليته عُرْفًا، وعارفًا، وعارفةً" (21) كل ذلك بمعنى: " المعروف ". (22)
* * *
فإذا كان معنى العرف ذلك, فمن " المعروف " صلة رحم من قطع, وإعطاء من حرم, والعفو عمن ظلم. وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه، فهو من العرف. ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى; فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض.
* * *
وأما قوله: (وأعرض عن الجاهلين)، فإنه أمر من الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل. (23) وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيَّه, فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم, (24) لا بالإعراض عمن جهل الواجبَ عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته, وهو للمسلمين حَرْبٌ.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15552 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال: أخلاقٌ أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم, ودلَّه عليها.
--------------------
الهوامش :
(7) ( 1 ) انظر تفسير (( العفو )) فيما سلف 4 : 337 - 343 .
(8) ( 2 ) في المخطوطة هنا ، وفي الذي يليه رقم : 15539 (( تحسيس )) بالياء ، ولا أدرى ما هو . و (( تحسس الشيء )) تبحثه وتطلبه ، كأنه يعني الاستقصاء في الطلب ، يؤيد هذا ما سيأتي برقم : 15542 .
(9) ( 1 ) الأثر : 15537 - رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 229 ) من طريق عبد الله بن براد ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير . وانظر ما قاله فيه الحافظ ابن حجر .
(10) ( 2 ) الأثر : 15538 - (( هشام بن عروة بن الزبير )) ، ثقة ، معروف ، مضي مرارًا .وأبوه (( عروة بن الزبير )) ، يروى عن أخيه (( عبد الله بن الزبير )) . وكان في المطبوعة هنا : (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ، صوابه ما كان في المخطوطة .
وهذا خبر صحيح ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 299 ) وسيأتي برقم 15541 ، بإسناد آخر
(11) انظر التعليق السالف ، ص : 326 رقم : 2 .
(12) الأثر : 15540 - (( ابن الزبير )) ، وهو (( عبد الله بن الزبير )) ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( أبي الزبير )) ، وهو خطأ صححناه آنفاً .
(13) في المطبوعة هنا (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ كما أسلفت .
(14) ((التجسس )) ، مثل (( التحسس )) ، مع خلاف يسير ، وانظر ما سلف ص : 326 ، تعليق رقم : 2 .
(15) مضي خبر آخر برقم : 4175 ، فيه ذكر هذه الآية ، وتفسيرها بذلك عن ابن عباس .
(16) قوله : (( به )) في آخر الجملة ، متعلق بقوله في أولها (( من تأديبه )) ، كأنه قال (( من تأديبه به )) ، أي بهذا الذي بين الآيتين .
(17) في المطبوعة (( لم يجب )) ، بغير (( إذا )) ، فوضعتها بين قوسين ، فالسياق يتطلبها ، وإلا اضطرب الكلام .
(18) انظر مقالة أبي جعفر في (( النسخ )) فيما سلف من فهارس الأجزاء الماضية .
(19) الأثر : 15547 - (( الحسن بن الزبرقان النخعي )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 2995 . والرجل الذي لم يسم في هذا الخبر هو (( أمي بن ربيعة )) ، الذي يأتي في الخبر التالي .
(20) الأثر : 15548 - (( سفيان )) هو ابن عيينة . و (( أمي )) هو : (( أمي بن ربيعة المرادى الصيرفي )) ، سمع الشعبي، وعطاء ، وطاوس . روى عنه سفيان بن عيينة ، وشريك . ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 254 ، والكبير 1/2/ 67 ، وابن أبي حاتم 1/1/ 347 . وكان في المخطوطة فوق (( أمى )) حرف (ط) دلالة على الخطأ ، وبالهامش( كذا ) ، ولكن الناسخ جهل الاسم فأشكل علية . فجاء في المطبوعة فجعله (( أبى )) ، وكذلك في تفسير ابن كثير 3: 618 ، والصواب ما اثبت . وهذا الخبر ، رواه (( أمى بن ربيعة )) ، عن الشعبي، كما يظهر ذلك من روايات الخبر في ابن كثير ، والدر المنثور 3: 153 .
(21) قولة : (( عارفا )) ، لم أجدها في المعاجم ، وهي صحيحة فيما أرجح .
(22) انظر تفسير (( المعروف )) فيما سلف ص : 165 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(23) انظر تفسير (( الإعراض )) فيما سلف 12 : 32 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . = وتفسير (( الجهل )) فيما سلف 2 : 183 / 8 : 89 - 92 / 11 : 339 ، 340 ، 393 ، 394 .
(24) يعني أن "الجهل" هنا بمعنى السفه والتمرد والعدوان ، لا بمعنى "الجهل" الذي هو ضد العلم والمعرفة.
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾
القول في تأويل قوله : وَإِمَّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَـزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ)، وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم. =(فاستعذ بالله)، يقول: فاستجر بالله من نـزغه = (25) (إنه سميع عليم)، يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نـزع الشيطان =(سميع) لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نـزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه, لا يخفى عليه منه شيء =(عليم) بما يذهب عنك نـزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه، (26) كما:
15553 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف بالغضب يا رب؟ قال: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم).
15554 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) قال: علم الله أن هذا العدوَّ مَنِيع ومَريد.
* * *
وأصل " النـزغ ": الفساد, يقال: " نـزغ الشيطان بين القوم "، إذا أفسد بينهم وحمّل بعضهم على بعض. ويقال منه: " نـزغ ينـزغ ", و " نغز ينغز ".
------------------
الهوامش :
(25) انظر تفسير (( الاستعاذة )) فيما سلف 1: 111 / 6: 326 .
(26) انظر تفسير (( سميع )) و (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) و ( علم ) .