تفسير الطبري
· الأنعامافتح في القارئفَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فلما نسوا ما ذكروا به "، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، (40) كالذي:-
13226 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " فلما نسوا ما ذكروا به "، يعني: تركوا ما ذكروا به.
13227 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " نسوا ما ذكروا به "، قال: ما دعاهم الله إليه ورسله, أبوْه وردُّوه عليهم.
* * *
=" فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء "، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، استدراجًا منَّا لهم، كالذي:-
13228 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = ، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى.
13229 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، قال: يعني الرخاء وسعة الرزق .
13230 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط . عن السدي قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، يقول: من الرزق.
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء " ، وقد علمت أن بابَ الرحمة وباب التوبة [لم يفتحا لهم], لم تفتح لهم أبواب أخر غيرهما كثيرة؟ (41)
قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ من معناه, وإنما معنى ذلك: فتحنا عليهم، استدراجًا منا لهم، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه، عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا, إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى ذكره، لأنّ آخر هذا الكلام مردودٌ على أوله. وذلك كما قال تعالى ذكره في موضع آخر من كتابه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، [سورة الأعراف: 94-95] ، ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية [أنهم نسوا ما] ذكرهم، (42) بقوله: " فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، هو تبديله لهم مكانَ السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة, ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية, وهو " فتح أبواب كل شيء " كان أغلق بابه عليهم، مما جرى ذكره قبل قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، فردّ قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، عليه.
* * *
ويعني تعالى بقوله: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " ، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة في المعيشة، والصحة في الأجسام، كالذي:-
13231 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " ، من الرزق .
13232 - حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث، عن حماد بن زيد قال: كان رجل يقول: رَحم الله رجلا تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ".
13233 - حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا ابن أبي رجاء رجل من أهل الشعر, عن عبد الله بن المبارك, عن محمد بن النضر الحارثي في قوله : " أخذناهم بغتة "، قال: أُمهلوا عشرين سنة. (43)
* * *
ويعني تعالى ذكره بقوله: " أخذناهم بغتة " ، أتيناهم بالعذاب فجأة، وهم غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن، ولا هو بهم حالٌّ، (44) كما:-
13234 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " ، قال: أعجبَ ما كانت إليهم، وأغَرَّها لهم. (45)
13235 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي" أخذناهم بغتة " ، يقول: أخذهم العذابُ بغتةً .
13236 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أخذناهم بغتة " ، قال: فجأة آمنين.
* * *
وأما قوله: " فإذا هم مبلسون "، فإنهم هالكون, منقطعة حججهم, نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلَهم، كالذي:-
13237- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط, عن السدي: " فإذا هم مبلسون "، قال: فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم.
13238 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ, عن مجاهد: " فإذا هم مبلسون "، قال: الاكتئاب. (46)
13239 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " فإذا هم مبلسون " ، قال: " المبلس " الذي قد نـزل به الشرّ الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المستكين, وقرأ: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ، [سورة المؤمنون: 76] . وكان أول مرة فيه معاتبة وبقيّة. (47) وقرأ قول الله: " أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون " = فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ، حتى بلغ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. (48) وقرأ: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون "، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأوّل، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم .
13240 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد, عن أبي شريح ضبارة بن مالك, عن أبي الصلت, عن حرملة أبي عبد الرحمن, عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الله يعطي عبدَه في دنياه, إنما هو استدراج. ثم تلا هذه الآية: " فلما نسوا ما ذكِّروا به " إلى قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . (49)
13241- وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب, عن ابن لهيعة, عن عقبة بن مسلم, عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذا رأيت الله تعالى ذكره يعطي العبادَ ما يسألون على معاصيهم إياه, فإنما ذلك استدراج منه لهم! ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " الآية.
* * *
وأصل " الإبلاس " في كلام العرب، عند بعضهم: الحزن على الشيء والندم عليه = وعند بعضهم: انقطاع الحجة، والسكوت عند انقطاع الحجة = وعند بعضهم: الخشوع = وقالوا: هو المخذول المتروك, ومنه قول العجاج:
يَـا صَـاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ?
قَــالَ: نَعَــمْ! أَعْرِفُــه! وَأَبْلَسَـا (50)
فتأويل قوله: " وأبلسا "، عند الذين زعموا أن " الإبلاس "، انقطاع الحجة والسكوت عنده, بمعنى: أنه لم يُحِرْ جوابًا. (51)
وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع, وترك أهله إياه مقيمًا بمكانه.
والآخرون بمعنى الحزن والندم.
يقال منه: " أبلس الرجل إبلاسًا ", ومنه قيل: لإبليس " إبليس ". (52)
* * *
---------------
(40) انظر تفسير"النسيان" فيما سلف 2: 9 ، 473 - 480/5 : 164/6 : 132 ، 133 - 135/10 : 129.
= وانظر تفسير"التذكير" فيما سلف 10: 130 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك.
(41) في المطبوعة والمخطوطة: "أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أخر غيره كثيرة" إلا أن المخطوطة ليس فيها إلا"أبواب أخر" بغير واو ، ورجحت أنه سقط من الكلام ما أثبته ، وأن صوابه ما صححت من ضمائره.
(42) هذه الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق.
(43) الأثر: 13233 -"ابن أبي رجاء" ، لم أعرفه ، وكان في المطبوعة: "من أهل الثغر" ، وحذف"رجل" ، وأثبت ما في المخطوطة. و"محمد بن النضر الحارثي" ، أبو عبد الرحمن العابد ، مترجم في الكبير1/1/252 ، وابن أبي حاتم 4/1/110 ، وحلية الأولياء 8: 217 ، وصفة الصفوة 3: 93. وهذا الخبر رواه أبو نعيم في الحلية 8: 220 من طريق أبي بكر بن مالك ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمد بن منبه ، ابن أخت ابن المبارك ، عن عبد الله بن المبارك.
فأخشى أن يكون"ابن أبي رجاء" هو"محمد بن منبه" ابن أخت بن المبارك. وعسى أن توجد ترجمته"محمد بن منبه" ، فيعرف منها ما نجهل ، ويصحح ما في المخطوطة أهو"رجل من أهل الشعر" ، أم"من أهل الثغر" ، كما في المطبوعة.
(44) انظر تفسير"بغتة" فيما سلف ص: 325.
(45) في المطبوعة: "وأعزها لهم" (بالعين والزاي) والصواب"أغرها" ، من"الغرور" و"الغرة" (بالغين والراء المهملة).
(46) في المطبوعة: "فإذا هم مبلسون قال: فإذا هم مهلكون" ، لا أدري من أين جاء بهذا. والذي في المخطوطة هو ما أثبت ، إلا أنه غير منقوط ، فرجحت قراءته كما أثبته. وسيأتي أن معنى"الإبلاس" ، الحزن والندم.
(47) في المطبوعة: "معاتبة وتقية" ، ولا معنى لذلك هنا ، وفي المخطوطة: "ولقية" وصواب قراءتها ما أثبت. و"البقية" ، الإبقاء عليهم.
(48) في المخطوطة والمطبوعة هنا في الموضعين : تقية" ، وهو خطأ ، انظر التعليق السالف.
(49) الأثران: 13240 ، 13241 -"سعيد بن عمرو السكوني" ، مضى برقم: 5563 ، 6521. و"بقية بن الوليد الحمصي" ، مضى مرارًا ، أولها رقم: 152 ، وآخرها: 9224. وهو ثقة ، ولكنهم نعوا عليه التدليس. و"ضبارة بن مالك" نسب إلى جده هو"ضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليك الحضري الألهاني" ، "أبو شريح الحمصي" ، ويقال أيضًا"ضبارة بن أبي السليك" ، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه". وذكره ابن عدي في الكامل وساق له ستة أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/343 ، وابن أبي حاتم 2/1/471. و"أبو الصلت" ، مذكور في ترجمة"ضبارة" في التهذيب ، وموصوف بأنه"الشامي" ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من كتب التراجم. وأما "حرملة ، أبو عبد الرحمن" ، فهذا مشكل ، فإن"حرملة بن عمران بن قراد التجيبي المصري" ، كنيته"أبو حفص" ، لم أجد له كنية غيرها. ولا أستخير أن يكون ذلك خطأ من ناسخ ، فأخشى أن تكون"أبو عبد الرحمن" ، كنية أخرى له. وهو ثقة ، كان من أولى الألباب. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/64 ، وابن أبي حاتم 1/2/273.و"عقبة بن مسلم التجيبي المصري" ، إمام المسجد العتيق ، مصري تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. و"عقبة بن عامر الجهني" ، قديم الهجرة والسابقة والصحبة. وكان عالمًا فقهيًا فصيح اللسان ، شاعرًا ، كاتبًا ، وهو أحد من جمع القرآن. وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر بعد من طريق ابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، ورواه أحمد في مسنده 4: 145 ، من طريق يحيى بن غيلان ، عن رشدين بن سعد ، عن حرملة بن عمران ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، بمثله. وخرجه الهيثمي في مجمع الزاوئد 7: 20 ، ونسبه لأحمد والطبراني ، ولم يذكر في إسناده شيئًا من صحة أو ضعف. وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 311 من رواية أحمد ، وأشار إلى طريق ابن جرير ، وابن أبي حاتم. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 12 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.
(50) مضى البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 1: 509 ، ولم أشر هناك إلى مجيئه في التفسير في هذا الموضع ثم في 21: 18 (بولاق) ، وأزيد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 192 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 335.
(51) هو الفراء في معاني القرآن 1: 335 .
(52) انظر ما قاله أبو جعفر في تفسير"إبليس" فيما سلف 1: 509 ، 510.
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٤٥﴾
القول في تأويل قوله : فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، فاستؤصل القوم الذين عَتَوا على ربهم، وكذّبوا رسله، وخالفوا أمره، عن آخرهم, فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتةً إذ جاءهم عذاب الله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13242 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، يقول: قُطع أصل الذين ظلموا.
13243 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، قال: استؤصلوا.
* * *
و " دابر القوم "، الذي يدبرُهم, وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم. يقال في الكلام: " قد دَبَر القومَ فلانٌ يدبُرُهم دَبْرًا ودبورًا "، إذا كان آخرهم, ومنه قول أمية:
فَــاُهْلِكُوا بِعَــذَابٍ حَـصَّ دَابِـرَهُمْ
فَمَـا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصَرُوا (1)
* * *
=" والحمد لله رب العالمين "، يقول: والثناء الكامل والشكر التام =" لله رب العالمين "، على إنعامه على رسله وأهل طاعته, (2) بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر, وتحقيق عِدَاتِهم ما وَعدوهم على كفرهم بالله وتكذيبهم رسله (3) = من نقم الله وعاجل عذابه. (4)
----------------------
الهوامش :
(1) ديوانه: 32 ، من أبيات يحكى فيها صفة الموقف في يوم الحشر. يقال: "حص الشعر" ، إذا حلقه ، لم يبق منه شيئًا.
(2) انظر تفسير"الحمد" ، و"رب العالمين" فيما سلف في سورة الفاتحة.
(3) في المطبوعة: "وتحقيق عدتهم ما وعدهم" ، وفي المخطوطة: "عداتهم ما وعدوهم" ، وصواب قراءة ذلك كله ما أثبته.
(4) السياق: " . . . ما وعدوهم . . . من نقم الله وعاجل عذابه".
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿٤٦﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بي الأوثانَ والأصنامَ، المكذبين بك: أرأيتم، أيها المشركون بالله غيرَه، إن أصمَّكم الله فذهب بأسماعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم, وختم على قلوبكم فطبع عليها، حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة، ولا تفهموا مفهومًا, (5) أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد =" يأتيكم به "، يقول: يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام، فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم، وعلى ردّه عليكم إذا شاء ؟
وهذا من الله تعالى ذكره، تعليم نبيَّه الحجة على المشركين به, يقول له: قل لهم: إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا, وإنما يستحق العبادةَ عليكم من كان بيده الضر والنفع، والقبض والبسط, القادرُ على كل ما أراد، لا العاجز الذي لا يقدر على شيء.
ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " انظر كيف نصرف الآيات " ، يقول : انظر كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال والعبر، ليعتبروا ويذكروا فينيبوا، (6) =" ثم هم يصدفون " ، يقول: ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج، وتنبيهنا إياهم بالعبر، عن الادّكار والاعتبار يُعْرضون.
* * *
يقال منه: " صدف فلانٌ عني بوجهه، فهو يصدِفُ صُدوفًا وصَدفًا "، أي: عدل وأعرض, ومنه قول ابن الرقاع:
إِذَا ذَكَــرْنَ حَدِيثًــا قُلْـنَ أَحْسَـنَهُ,
وَهُـنَّ عَـنْ كُـلِّ سُـوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (7)
وقال لبيد:
يُـرْوِي قَـوامِحَ قَبْـلَ اللَّيْـلِ صَادِفَـةً
أَشْــبَاهَ جِـنّ, عَلَيْهَـا الـرَّيْطُ وَالأزُرُ (8)
فإن قال قائل: وكيف قيل: " من إله غير الله يأتيكم به "، فوحّد " الهاء ", وقد مضى الذكر قبلُ بالجمع فقال: " أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم " ؟
قيل: جائز أن تكون " الهاء " عائدة على " السمع ", فتكون موحّدة لتوحيد " السمع " = وجائز أن تكون معنيًّا بها: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة, فتكون موحده لتوحيد " ما ". والعرب تفعل ذلك، إذا كنتْ عن الأفعال وحّدت الكناية، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل, كقولهم: " إقبالك وإدبارك يعجبني". (9)
* * *
وقد قيل: إن " الهاء " التي في" به " كناية عن " الهدى ". (10)
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: " يصدفون "، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13244- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " يصدفون " ، قال: يعرضون.
13245- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .
13246 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " يصدفون "، قال: يعدلون.
13247 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " نصرف الآيات ثم هم يصدفون "، قال: يعرضون عنها.
13248 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم هم يصدفون "، قال: يصدُّون .
---------------
الهوامش :
(5) انظر تفسير"الختم على القلب" فيما سلف 1: 258 262.
(6) انظر تفسير"التصريف" فيما سلف 3: 275 ، 276.
(7) لم أجد البيت ، ولم أعرف مكان القصيدة.
(8) ديوانه ، القصيدة رقم: 12 ، البيت: 22. وهذا البيت من أبيات أحسن فيها الثناء على نفسه ، وقبله:
ولا أقُــولُ إذا مــا أزْمَـةٌ أزَمَـتْ
يَـا وَيْـحَ نَفْسِـيَ مَمَّـا أَحْـدَثَ القَدَرُ
ولا أضِــلُّ بأَصْحَـــابٍ هَــدَيْتُهُمُ
إذَا المُعَبَّــدُ فــي الظَّلْمَـاء يَنْتَشِـرُ
وأُرْبِـحُ التَّجْـرَ، إنْ عَـزَّتْ فِضَـالُهُمُ
حَــتَّى يَعُــودَ سَـلِيمًا حَوْلَـهُ نَفَـرُ
غَــرْبُ المَصَبَّـةِ، مَحْـمُودٌ مَصَارِعُهُ
لاَهِـي النَّهَـارِ، أسِـيرُ الليـل، مُحْتَقِرُ
يُـــرْوى قَــوَامحَ . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا أضِــلُّ بأَصْحَــابٍ هَـــدَيْتُهُمُ
إذَا المُعَبَّــدُ فــي الظَّلْمَـاء يَنْتَشِـرُ
وأُرْبِـحُ التَّجْـرَ، إنْ عَـزَّتْ فِضَـالُهُمُ
حَــتَّى يَعُــودَ سَـلِيمًا حَوْلَـهُ نَفَـرُ
إِنْ يُتْلِفُـوا يُخْـلِفُوا فِـي كُـلِّ مَنْفَضَةٍ
مَـا أَتْلَفُـوا لاِبْتِغَـاءِ الحَـمْدِ أوْ عَقَرُوا
"المعبد": الطريق الموطوء ، يقول: إذا انتشر الطريق المعبد ، فصار طرقًا مختلفة ، اهتديت إلى قصده ولزمته ، فلم أضل. و"التجر" باعة الخمر ، و"الفضال" بقايا الخمر في الباطية والدن. و"عزت": قلت وغلت. يقول: اشتري الخمر بالثمن الغالي إذا عزت ، ثم أسقي أصحابي حتى يصرعوا حول الزق ، كأنهم يعودون سليما ملدوغًا. وقوله: "غرب المصبة" ، يصف"الزق" ، يقول: يكثر ما يصبه من خمر ، وإذا صرع شاربًا ، كانت صرعته محمودة الأثر ، محمودة العاقبة. وقوله: "لاهي النهار" ، يعني أنه لا يمس بها ، فإذا جاء الليل أخذوه كالأسير بينهم ، ومحتقر ، لأنه يدفع من هنا ومن هنا. وقوله: "يروى قوامح" ، يعني الزق ، يبلغ بهم الري ، و"القوامح": التي كرهت الشراب وعافته. يقول: كانوا يكرهون الشراب نهارًا فيصدفون عنه ، فإذا أقبل الليل أقبل على أشباه جن من النشاط والإقبال ، عليهم الريط والأزر ، يعني أنهم أهل ترف ونعمة إذا جاء الليل ، وسمروا ، وشربوا.
(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 335.
(10) وهذا أيضًا ذكره الفراء في معاني القرآن 1: 335.
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٤٧﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ، المكذبين بأنك لي رسول إليهم: أخبروني (11) =" إن أتاكم عذاب الله "، وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد, وتكذيبكم إيايَ بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي =" بغتة "، يقول: فجأة على غرة لا تشعرون (12) =" أو جهرة " ، يقول: أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه =" هل يهلك إلا القوم الظالمون " ، يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، وترك عبادة من يستحق علينا العبادة ؟
وقد بينا معنى " الجهرة " في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته، وأنها من " الإجهار ", وهو إظهار الشيء للعين، (13) كما:-
13249 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " جهرة "، قال: وهم ينظرون .
13250- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة "، فجأة آمنين =" أو جهرة "، وهم ينظرون .
-------------------------
الهوامش :
(11) انظر تفسير"أرأيتكم" فيما سلف قريبًا ص: 351 353.
(12) انظر تفسير"بغتة" فيما سلف: 325 ، 360.
(13) انظر تفسير"الجهرة" فيما سلف 2: 80/9 : 358.
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٤٨﴾
القول في تأويل قوله : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة, جزاءً منَّا لهم على طاعتنا (14) = وبإنذار من عصَانا وخالف أمرنا, عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة, جزاءً منا على معصيتنا, لنعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة (15) =" فمن آمن وأصلح "، يقول: فمن صدَّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه, وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله، وعمل صالحًا في الدنيا =" فلا خوف عليهم "، عند قدومهم على ربهم، من عقابه وعذابه الذي أعدَّه الله لأعدائه وأهل معاصيه =" ولا هم يحزنون "، عند ذلك على ما خلَّفوا وراءَهم في الدنيا. (16)
------------------
الهوامش :
(14) انظر تفسير"التبشير" فيما سلف 9: 318 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(15) انظر تفسير"النذير" فيما سلف 10: 158.
(16) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 1: 551/2 : 150 ، 512 ، 513/5 : 519/7 : 396.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿٤٩﴾
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين كذَّبوا بمن أرسلنا إليه من رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، ودافعوا حجتنا, فإنهم يباشرهم عذابُنا وعقابنا، على تكذيبهم ما كذبوا به من حججنا (17) =" بما كانوا يفسقون "، يقول: بما كانوا يكذّبون.
* * *
وكان ابن زيد يقول: كل " فسق " في القرآن, فمعناه الكذب. (18)
13251 - حدثني بذلك يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه. (19)
---------------------
الهوامش :
(17) انظر تفسير"المس" فيما سلف ص: 287 ، تعليق: 1؛ والمراجع هناك.
(18) انظر ما سلف قريبًا ص: 206 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك. وانظر أيضًا الأثران رقم: 12103 ، 12983.
(19) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه:
"يتلوه القولُ في تأويل قوله {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إليِّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصِيرُ أفَلا تتفكَّرُون} وَصَلَّى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيرًا" ثم يتلوه ما نصه: "بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم رَبِّ أَعِنْ"
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴿٥٠﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المنكرين نبوّتك: لستُ أقول لكم إنّي الرب الذي له خزائنُ السماوات والأرض، وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء, (20) فتكذبوني فيما أقول من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًّا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية, وذلك هو الله الذي لا إله غيره =" ولا أقول لكم إني ملك "، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا, فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك (21) =" إن أتبع إلا ما يوحى إليّ"، يقول: قل لهم: ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ، وتنـزيله الذي ينـزله عليّ, (22) فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره, (23) وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك, وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه، بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة, فما وجه إنكاركم ذلك؟
وذلك تنبيه من الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على موضع حُجته على منكري نبوّته من مشركي قومه.
=" قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهم: هل يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به =" والأعمى "، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها =" والبصير "، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه، فاقتدى بها واستضاء بضيائها (24) =" أفلا تتفكرون "، يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله: أفلا تتفكرون فيما أحتجّ عليكم به، أيها القوم، من هذه الحجج, فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه، من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربّكم، وتكذيبكم إياي مع ظهور حجج صدقي لأعينكم, فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون، إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون؟ (25)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13252 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، قال: الضال والمهتدي.
13253-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
13254 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، الآية، قال: " الأعمى "، الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه = و " البصير "، العبد المؤمن الذي أبصر بصرًا نافعًا, فوحّد الله وحده, وعمل بطاعة ربه, وانتفع بما آتاه الله.
------------------------
الهوامش :
(20) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف: 238 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(21) انظر تفسير"ملك" فيما سلف 1: 444 - 447/4 : 262 ، 263.
(22) انظر تفسير"الوحي" فيما سلف: 290 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(23) في المطبوعة: "وأمر لأمره" ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها.
(24) انظر تفسير"الأعمى" و"البصير" فيما سلف من فهارس اللغة (عمى) ، و (بصر).
(25) في المخطوطة: "تعودون" ، والجيد ما في المطبوعة.
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٥١﴾
القول في تأويل قوله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر، يا محمد، بالقرآن الذي أنـزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علمًا منهم بأن ذلك كائن، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده, عاملون بما يرضي الله, دائبون في السعي، (26) فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله (27)
=" ليس لهم من دونه وليّ" ، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم = ،" وليّ"، ينصرهم فيستنقذهم منه، (28) =" ولا شفيع "، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه (29) =" لعلهم يتقون "، يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم, فيطيعوا ربهم، ويعملوا لمعادهم, ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.
* * *
وقيل: " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا "، ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون, فوضعت " المخافة " موضع " العلم "، (30) لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك. (31)
* * *
وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنـزل الله إليه من وحيه، وتذكيرهم، والإقبال عليهم بالإنذار = وصدَّ عنه المشركون به، (32) بعد الإعذار إليهم، وبعد إقامة الحجة عليهم, حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
---------------------
الهوامش :
(26) في المطبوعة: "دائمون في السعي" ، والصواب ما في المخطوطة.
(27) انظر تفسير"الإنذار" فيما سلف : 290 ، 369.
= وتفسير"الحشر" فيما سلف ص: 346 - 349 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(28) انظر تفسير"ولى" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(29) انظر تفسير"شفيع" فيما سلف 8: 580 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(30) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف 4: 550/8: 298 ، 299 ، 318/9 : 123 ، 267.
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336.
(32) في المطبوعة: "وصده عن المشركين به" ، غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا لا يحل.
وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٥٢﴾
القول في تأويل قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!
* ذكر الرواية بذلك:
13255 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو زبيد, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك! فنـزلت هذه الآية : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " = وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، إلى آخر الآية. (33)
13256- .........حدثنا جرير, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن عبد الله قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه . (34)
13257 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث, عن أشعث, عن كردوس, عن ابن عباس قال: مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش, ثم ذكر نحوه. (35)
13258 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعد الأزدي = وكان قارئ الأزد =، عن أبي الكنود, عن خبّاب, في قول الله تعالى ذكره: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " إلى قوله: " فتكون من الظالمين "، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ, فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب, في أناس من الضعفاء من المؤمنين. (36) فلما رأوهم حوله حَقَروهم , فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا, فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد, فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا, فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال: نعم! قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة, ودعا عليًّا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية, إذ نـزل جبريل بهذه الآية: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين " , ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ , ثم قال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفةَ من يده, ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ! فكنا نقعد معه, فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا, فأنـزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة الكهف: 28]. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد, فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم. (37)
13259- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود, عن خباب بن الأرت = بنحو حديث الحسين بن عمرو، إلا أنه قال في حديثه: فلما رأوهم حوله نفّروهم, فأتوه فخلَوا به. وقال أيضًا: " فتكون من الظالمين ", ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية. وقال أيضًا: فدعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه = وسائر الحديث نحوه. (38)
13260- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة = وحدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والكلبي: أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرَّك أن نتبعك، فاطرد عنا فلانًا وفلانًا، ناسًا من ضعفاء المسلمين! فقال الله تعالى ذكره: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ".
13261 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ" إلى قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا = لأناس كانوا دونهم في الدنيا، ازدراهم المشركون، فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.
13262 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" ، بلال وابن أم عبد، كانا يجالسان محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالت قريش محقِّرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه! فنُهي عن طردهم, حتى قوله : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: " قل سلام عليكم "، فيما بين ذلك، في هذا.
13263 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان, عن المقدام بن شريح, عن أبيه قال، قال سعد: نـزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, منهم ابن مسعود، قال: كنا نسبق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه, فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا! فنـزلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي". (39)
13264 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة في قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عديّ، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءَنا, فإنما هم عبيدنا وعُسَفاؤنا, (40) كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له! قال: فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به, فقال عمر بن الخطاب: لو فعلتَ ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم؟ فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إلى قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: وكانوا: بلال، وعمارُ بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح مولى أسيد (41) = ومن الحلفاء: ابن مسعود, والمقداد بن عمرو, ومسعود بن القاريّ, وواقد بن عبد الله الحنظلي, وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين, ومرثد بن أبي مرثد = وأبو مرثد، من غنيّ، حليفُ حمزة بن عبد المطلب = وأشباههم من الحلفاء. ونـزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الآية. فلما نـزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مَقالته, فأنـزل الله تعالى ذكره: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، الآية. (42)
13265 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم, (43) فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا! قال فنـزل القرآن: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " فقرأ، حتى بلغ: " فتكون من الظالمين "، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم . ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ . ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم، فأبلغهم منّي السلام، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم! وقرأ: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فقرأ حتى بلغ: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ، قال: لتعرفها.
* * *
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط، الذين نهى الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، يدعون ربّهم به.
فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس. (44)
* ذكر من قال ذلك:
13266 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم =" بالغداة والعشيّ", يعني: الصلوات المكتوبة .
13267- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن أبي حمزة, عن إبراهيم في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، (45) هلك من لم يجلس إليهم.
13268 - حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل, عن الأعمش, عن إبراهيم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال: هي الصلاة .
13269 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
13270 - حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة, عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد, أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. (46)
13271 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء = جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: الصلاة المكتوبة .
13272 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم =" بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة .
13273 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28] ، هما الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر .
13274 - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان , عن نافع, عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية, أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة. (47)
13275 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد وإبراهيم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قالا الصلوات الخمس.
13276-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله .
13277- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب, فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ, فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! (48) قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا ؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن, إنما ذاك في الصلاة.
13278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن منصور, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: الصلاة المكتوبة. (49)
13279 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: هي الصلاة .
13280- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن إسرائيل, عن عامر قال: هي الصلاة .
13281- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه "، يقول: صلاة الصبح وصلاة العصر.
13282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول, فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم, فانثال الناس عليه, فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله, إنما جاؤوا يريدون هذه الآية : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28]. فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة. (50)
وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه, وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ .
* ذكر من قال ذلك:
13283 - حدثني محمد بن سعد, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية, فهم أناس كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقراء, فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك, وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!
* * *
وقال آخرون: بل معنى " دعائهم " كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره .
* ذكر من قال ذلك:
13284 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: أهل الذكر.
13285 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: هم أهل الذكر.
13286- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: لا تطردهم عن الذكر.
* * *
وقال آخرون: بل كان ذلك، تعلمهم القرآن وقراءته.
* ذكر من قال ذلك:
13287 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28]، قال: كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم؟! (51)
* * *
وقال آخرون: بل عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه.
* ذكر من قال ذلك:
13288 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعني: يعبدون, ألا ترى أنه قال: لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [سورة غافر: 43] ، يعني: تعبدون. (52)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي، و " الدعاء لله "، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا = وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له. (53) وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها, فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي, لأن الله قد سمى " العبادة "،" دعاء ", فقال تعالى ذكره: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، [سورة غافر: 60]. وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء.
ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء.
فتأويل الكلام إذًا: يا محمد، أنذر القرآن الذي أنـزلته إليك, الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون = فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير, في العمل له دائبون (54) = إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنـزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك، استكبارًا على الله = ولا تطردهم ولا تُقْصِهم, فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه, وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي, يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه =" ما عليك من حسابهم من شيء " ، يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء = وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء =" فتطردهم "، حذارَ محاسبتي إياك بما خوّلتهم في الدنيا من الرزق.
* * *
وقوله: " فتطردهم "، جواب لقوله: " ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ".
وقوله: " فتكون من الظالمين " جواب لقوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم ".
* * *
---------------
(33) الأثر: 13255 -"أبو زبيد" هو: "عبثر بن القاسم الزبيدي" ، ثقة ، مضى برقم: 12336 ، 12402 ، وكان في المطبوعة"أبو زيد" خالف المخطوطة وأخطأ. و"أشعث" ، هو"أشعث بن سوار" ، ثقة ، مضى مرارًا و"كردوس الثعلبي" ، هو"كردوس بن العباس الثعلبي" ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/242 ، 243 ، وابن أبي حاتم 3/2/175 ، وفيها الاختلاف في اسم أبيه ، وفي نسبته"التغلبي" بالتاء والغين ، و"الثعلبي" ، كما جاءت في رواية أبي جعفر.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد ، هذا واللذان يليانه . . . وأخرجه أحمد في مسنده رقم: 3985 ، من طريق أسباط ، عن أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود ، بمثله مختصرًا وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ، وقال: "رواه أحمد والطبراني = وذكر زيادة الطبراني ، وهي موافقة لما في التفسير = ورجال أحمد رجال الصحيح ، غير كردوس ، وهو ثقة". وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 12 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية.
(34) الأثر: 13256 - وضعت نقطًا في صدر هذا الإسناد ، فإن أبا جعفر لا يدرك أن يروي عن"جرير بن عبد الحميد الضبي" ، وإنما يروى عنه شيوخه ، مثل"محمد بن حميد الرازي" ، كما في الأثر رقم: 10 ، وغيره.
(35) الأثر: 13257 - في المطبوعة والمخطوطة: "عن كردس ، عن ابن عباس" وهو خطأ لا شك فيه ، فإن هذا الخبر لم يرو عن غير ابن مسعود ، وكردوس لم يذكر أنه روى عن ابن عباس ، والخبر لم ينسبه أحد في الكتب إلى غير عبد الله بن مسعود ، وكردوس ، هو"كردوس بن عباس الثعلبي" كما سلف في التعليق رقم: 13255 ، وفي المخطوطة كتب"عن" بين"كردوس بن عباس" ، من فوق ، فكأنه زيادة من الناسخ. وهذا الخبر رواه أبو جعفر ، غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود ، فلا أدري أوهم الناسخ وأسقط ، أم هكذا الرواية.
(36) في المطبوعة: "من ضعفاء المؤمنين" ، غير ما في المخطوطة.
(37) الأثر: 13258 -"الحسن بن عمرو بن محمد العنقري" ، ضعيف لين ، مضى برقم: 1625 ، 1883 ، 6139 ، 8035. وأبوه"عمرو بن محمد العنقري" ، ثقة جائز الحديث ، مضى برقم: 6139. و"أسباط" ، هو"أسباط بن نصر الهمداني" ، ضعفه أحمد ، ورجح أخي توثيقه ، كما مضى في التعليق على الأثر رقم: 168. وأما "السدي" ، فهو"إسمعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي" ، وهو ثقة ، مضى أيضًا برقم: 168. و"أبو سعيد الأزدي" ، قارئ الأزد ، فهو"أبو سعد الأرحبي" ، أو "أبو سعيد الأرحبي" ، كما سيأتي في الأثر التالي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، مضى برقم: 8700 ، وكان في المطبوعة هنا"أبو سعيد" ، وأثبت ما في المخطوطة. و"أبو الكنود الأزدي" ، مختلف في اسمه ، قيل"عبد الله بن عامر" ، وقيل"عبد الله بن عمران" ، وغير ذلك. ذكره ابن حبان في الثقات ، ولم يرو له غير ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة ، روى له هذا الخبر نفسه. مترجم في التهذيب. وهذا الخبر رواه ابن ماجه من هذه الطريق نفسها ، مع زيادة يسيرة في لفظه ، في سننه ص1382 ، رقم: 4127. وقال في الزوائد: "إسناده صحيح ، ورجاله ثقات ، وقد روى مسلم ، والنسائي ، والمصنف بعضه من حديث سعد بن أبي وقاص و".أما ابن كثير ، فقد قال في تفسيره ، وذكر الخبر من تفسير ابن أبي حاتم من هذه الطريق نفسها (3: 315 ، 316): "وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية ، والأقرع بن حابس ، وعيينة ، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر". وهذا هو الحق إن شاء الله.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 13 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي يعلى ، وأبي نعيم في الحلية ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.
(38) الأثر: 13259 -"أبو سعيد الأزدي" ، هو"أبو سعيد الأرحبي" ، وهو الذي سلف في الأثر السابق ، وهو"أبو سعد" هناك ، ولكنه هنا"أبو سعيد" ، وكلاهما صواب كما أسلفت.
(39) الأثر: 13263 -"سفيان" ، هو الثوري.
"المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي". ثقة. مترجم في التهذيب.
وأبوه"شريح بن هانئ بن يزيد الحارث" ، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وروى عن أبيه ، وعمر ، وعلي ، وبلال ، وسعد ، وأبي هريرة ، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. مترجم في التهذيب. و"سعد" هو"سعد بن أبي وقاص" ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد" ، وهو خطأ. وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 15: 187 من طريقين ، من طريق سفيان ، عن المقدام ابن شريح = وعن طريق إسرائيل ، عن المقدام. ورواه ابن ماجه في سننه ص 1383 رقم: 4128 ، من طريق قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح ، بمثله ، بغير هذا اللفظ. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 13 ، وزاد نسبته لأحمد ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الدلائل.
(40) "العسفاء" جمع"عسيف" ، وهو العبد ، والأجير المستهان به.
(41) في المطبوعة: "وكانوا بلالا . . . وسالما . . . وصبيحا" ، بالنصب ، كما في الدر المنثور ، وابن كثير ، ولكن الذي في المخطوطة هو الصواب الجيد. هذا إن صح أن هذه الرواية هي الصواب ، وإلا فإني وجدت في الإصابة ، في ترجمة"صبيح" هذا وفيه: "عن حجاج ، عن ابن جريج ، وفيه: كانوا ثلاثة ، عمار بن ياسر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وصبيح". فإن صح هذا ، كان خطأ قوله"بلال" ، وإنما صوابه"ثلاثة" ، ولكنني لا أستطيع أن أرجح ذلك الآن.
(42) الأثر: 13264 -"مسعود بن القاري" ، هو"مسعود بن ربيعة بن عمرو القاري" ، نسبة إلى"القارة" ، وهو حليف بني زهرة.
و"واقد بن عبد الله الحنظلي التميمي" ، حليف بني عدي بن كعب. و"عمرو بن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي" ، "ذو الشمالين" ، حليف بني زهرة. وقد روي أن عمارًا قال: "كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة كلهم أضبط: ذو الشمالين ، وعمر بن الخطاب ، وأبو ليلى" ، و"الأضبط": الذي يعمل بيديه جميعًا.
(43) قوله: "وذويهم" يعني: أصحابهم وأشباههم ، وقد أسلفت في الجزء 3: 261 ، تعليق: 2 ، أن للنحاة كلامًا كثيرًا ، ودعوى أن إضافة"ذو" إلى الضمير ، يكون في ضرورة الشعر ، وقلت إنه أتى في النثر قديمًا ، وهذا الخبر من أدلة ما قلت.
(44) في المطبوعة: "الصلوات المكتوبة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(45) كان في المطبوعة والمخطوطة: "ولو كان يقول القصاص" بإسقاط"ما" وهو خطأ.
"القصاص" جمع"قاص" ، وهو الذي يتصدر في مسجد أو غيره ، ثم يأخذ يعظ الناس ، ويذكرهم بأخبار الماضين ، فربما دخل قصصه الزيادة والنقصان ، ولذلك جاء في الحديث: "القاص ينتظر المقت". وفي الحديث: "إن بني إسرائي لما قصوا هلكوا" ، يعني: لما تزيدوا في الخبر والحديث وكذبوا ، وهذا من شر الفعل ، ولكن ما دخلت فيه بنو إسرائيل فعذبهم الله وأهلكهم به ، ودخلناه نحن سعيًا ، فعاقبنا الله بشتات أمرنا ، وضعف علمائنا ، وذهاب هيبتنا من صدور أعدائنا.
فاللهم اهدنا سواء سبيلك. ثم انظر الأثر التالي رقم: 13270 ، والأثر: 132277 ، 13282
(46) الأثر: 13270 -"محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ذكرًا. وكان في المطبوعة هنا"موسى بن عبد الرحمن الكندي" ، غير ما في المخطوطة ، وحذف"محمد بن" ، وهذا تصرف معيب قبيح. و"حسين الجعفي" هو"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" ، مضى مرارًا كثيرة ، وكان في المطبوعة: "حسن الجعفي" ، وهو خطأ محض. و"حمزة بن المغيرة بن نشيط المخزومي" العابد ، مضى برقم: 184.
وأما "حمزة بن عيسى" ، فلم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، وأرجح أن الناسخ أخطأ ، فأعاد كتابة"حمزة" ، فاختلط الاسم ، فلا يصححه إلا أن يوجد في مكان آخر.
(47) الأثر: 13274 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4: 219 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه. وهذا إسناد صحيح.
(48) في المطبوعة: "ما أسرعهم إلى هذا المجلس" ، وفي المخطوطة: "ما أسرع إلى هذا المجلس" ، فرأيت أن يكون الصواب ما أثبت.
(49) الأثر: 13278 -"عبد الرحمن بن أبي عمرة بن محصن بن ثعلبة الأنصاري" ، روى عن أبيه ، وعثمان بن عفان ، وعبادة بن الصامت. قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث" مترجم في التهذيب.
وسيأتي هذا الأمر مطولا برقم: 13282.
(50) الأثر: 13282 هو مطول الأثر السالف رقم: 13278. وقوله: "انثال عليه الناس": تتابعوا عليه وتقاطروا من كل ناحية.
وهذا الخبر ، دليل على صحة معرفة أئمتنا السالفين بحق دينهم ، وحق كتابهم المنزل عليهم من ربهم = ودليل أيضًا على فساد ما وقع فيه علماؤنا وكتابنا ، ومن تعرض منا لكتاب الله بالهوى ، حتى صار هذا المرفوض الذي رفضه الأئمة ، حجة يستدل بها الجهال من الصوفية وأهل المخرقة بالولايات وادعاء الكرامات. فاللهم باعد بيننا وبين الجهالة ، واحملنا على سواء السبيل
.
* * *
هذا وهذه الأخبار التي ذكرها هنا ، وفسر فيها آية سورة الكهف: 28 ، لم يرو أكثره في تفسير"سورة الكهف" ، وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.
(51) في المطبوعة: "قال كان يقرئهم القرآن النبي صلى الله عليه وسلم" حذف من المخطوطة.
ما أثبته: "من الذي يقص على" ، ثم وصل الكلام ، فأساء وخان وأفسد!! وهذا الكلام جملتان منفصلتان ، الأولى: "كان يقرئهم القرآن" والأخرى الاستفهام: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم" ، وكلتاهما رد على من تأول الآية ، على أنها مراد بها القصاص وهم الوعاظ ، كما يظهر من الآثار: 13267 ، 13270 ، 13277 ، 13282 ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ هؤلاء القرآن ، فأمر أن يصبر نفسه معهم. ولو كان مرادًا بالآية القصاص ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا أن يصبر نفسه مع من يجلس يعظه ويذكره بالله - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم! فلذلك قال: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم!" ، أي: من هذا الذي يعظ رسول الله ويذكره بالله وبأيام الله؟!
وهذه حجة مبينة في فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذي أجمعت عليه الحجة.
(52) هكذا جاءت الآية في المخطوطة والمطبوعة ، وأنا أكاد أقطع بأن ذلك خطأ ، من سهو راو أو سهو من أبي جعفر نفسه ، وأرجح أنه أراد آية"سورة غافر: 66
{قُلْ إنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدُ الذِّيِنَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللهِ}
أما الآية التي استبدل بها ، فلا يستقيم أن يكون الدعاء فيها بمعنى العبادة.
(53) في المطبوعة: والمخطوطة التي ترضى والعامل له عابده" ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت.
(54) في المطبوعة والمخطوطة: "دائمون" ، وأرجح أن الذي أثبت هو الصواب.
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٥٣﴾
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض "، وكذلك اختبرنا وابتلينا، كالذي:-
13289 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر = وحدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن قتادة: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض "، يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.
* * *
وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى " الفتنة ", وأنها الاختبار والابتلاء, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وإنما فتنة الله تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ, مخالفتُه بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق, فجعل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا، وبعضًا ضعيفًا, فأحوج بعضهم إلى بعض, اختبارًا منه لهم بذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13290 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء, فقال الأغنياء للفقراء: " أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا "، يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسُخريًّا. (2)
* * *
وأما قوله: " ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا "، يقول تعالى: اختبرنا الناس بالغنى والفقر، والعزّ والذل، والقوة والضعف، والهدى والضلال, كي يقول من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق، للذين هداهم الله ووفقهم: " أهؤلاء منّ الله عليهم "، بالهدى والرشد، وهم فقراء ضعفاء أذلاء (3) =" من بيننا "، ونحن أغنياء أقوياء؟ استهزاءً بهم, ومعاداةً للإسلام وأهله.
يقول تعالى ذكره: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، وهذا منه تعالى ذكره إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق, وخذلهم عنه وهم أغنياء = وتقريرٌ لهم: أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرًا نعمتي، ممن هو لها كافر. فمنِّي على من مَنَنْتُ عليه منهم بالهداية، جزاء شكره إياي على نعمتي, وتخذيلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد، عقوبة كفرانه إياي نعمتي، لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير، لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحدٌ إلا جزاءً على عمله الذي اكتسبه، لا على غناه وفقره, لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي.
-----------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف ص: 297 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة: "سخرية" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) انظر تفسير"المن" فيما سلف 7: 369/9 : 71.
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥٤﴾
القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه. (4)
وقال آخرون: عنَى بها قومًا استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظامٍ, فلم يؤيسهم الله من التوبة.
* ذكر من قال ذلك:
13291- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان, عن مجمع قال، سمعت ماهان قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا. قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئًا. قال: فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " الآية. (5)
13292- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن مجمع, عن ماهان: أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا! فما إخاله ردّ عليهم شيئًا, فانصرفوا فأنـزل الله تعالى ذكره: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " . قال: فدعاهم فقرأها عليهم.
13293- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجمّع التميمي قال، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون: بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم , فكان ذلك منهم خطيئة, فغفرها الله لهم وعفا عنهم, وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد, وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل. (6)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية, قولُ من قال: المعنيُّون بقوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم "، غيرُ الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم. لأن قوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا "، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم. ولو كانوا هم، لقيل: " وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم ". وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.
فتأويل الكلام إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = وإذا جاءك، يا محمد، القومُ الذين يصدِّقون بتنـزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم, هل لهم منها توبة، فلا تؤيسهم منها, وقل لهم: " سلام عليكم "، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها (7) =" كتب ربكم على نفسه الرحمة "، يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه (8) =" أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ".
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأته عامة قرأة المدنيين: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا) ، فيجعلون " أنّ" منصوبةً على الترجمة بها عن " الرحمة " =(ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، على ائتناف " إنه " بعد " الفاء " فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع لها, بمعنى: فهو له غفور رحيم = أو: فله المغفرة والرحمة. (9)
* * *
وقرأهما بعض الكوفيين بفتح " الألف " منهما جميعًا, بمعنى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ = ثم ترجم بقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ، عن الرحمة، (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فيعطف ب " أنه " الثانية على " أنه " الأولى, ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. (10)
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر " الألف " من " إنه " و " إنه " على الابتداء, وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما. (11)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأهما بالكسر: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) ، على ابتداء الكلام, وأن الخبر قد انتهى عند قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.
* * *
ومعنى قوله: " أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة "، أنه من اقترف منكم ذنبًا, فجهل باقترافه إياه (12) = ثم تاب وأصلح =" فأنه غفورٌ"، لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه =" رحيم "، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
13294- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان, عن مجاهد: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالا من حرام, ومن جهالته ركب الأمر.
13295 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .
13296- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: " يعملون السوء بجهالة "، قال: من عمل بمعصية الله, فذاك منه جهل حتى يرجع .
13297- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا بكر بن خنيس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل. (13)
13298 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ". (14)
----------------
الهوامش :
(4) انظر ما سلف رقم: 13258 ، وما بعده.
(5) الآثار: 13291 - 13293 -"سفيان" هو: ابن عيينة.
و"مجمع" ، هو"مجمع بن صمان" أبو حمزة التميمي" ، ثقة ، مضى برقم: 12710.
و"ماهان" الحنفي ، أبو سالم الأعور العابد ، مضى برقم: 3226.
(6) انظر ما سلف رقم: 13264 ، 13265.
(7) انظر تفسير"سلام" فيما سلف 10: 145 ، ومادة (سلم) في فهارس اللغة.
(8) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 273 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.
(10) انظر ما قاله أبو جعفر في بيان هذه القراءة فيما سلف ص: 278 - 280.
(11) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.
(12) انظر تفسير"الجهالة" فيما سلف 8: 89 - 93 ، وهو بيان جيد جدًا.
(13) الأثر: 13297 -"بكر بن خنيس الكوفي" العابد ، يروى عن ليث بن أبي سليم ، وعبد الرحمن بن زياد ، وإسمعيل بن أبي خالد ، وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عدي: "وهو ممن يكتب حديثه ، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم ، وهو نفسه رجل صالح ، إلا أن الصالحين يشبه عليهم الحديث ، وربما حدثوا بالتوهم ، وحديثه في جملة الضعفاء ، وليس ممن يحتج بحديثه" ، وقيل فيه ما هو أشد. مترجم في التهذيب.
(14) الأثر: 13298 -"خالد بن دينار التميمي السعدي" ، "أبو خلدة" ، ثقة ، مضى برقم: 44 ، 12239.
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٥٥﴾
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك نفصل الآيات "، وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها، يا محمد، إلى هذا الموضع، حجتَنا على المشركين من عبدة الأوثان، وأدلتَنا, وميَّزناها لك وبيَّناها, كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم, فنبينها لك، حتى تبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولتستبين سبيل المجرمين " .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلَ الْمُجِرمِينَ) بنصب " السبيل ", على أن " تستبين "، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيل المجرمين.
* * *
وكان ابن زيد يتأول ذلك: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيلَ المجرمين الذين سألوك طردَ النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .
13299 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن ريد : " ولتستبين سبيلَ المجرمين "، قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصرين: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل "، على أن القصد للسبيل, ولكنه يؤنثها = وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصل الآيات، ولتتضح لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: (وَلِيَسْتَبِينَ) بالياء (سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل " على أن الفعل للسبيل، ولكنهم يذكرونه = ومعنى هؤلاء في هذا الكلام, ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: " ولتستبين " ورفع " السبيل "، واحدٌ, وإنما الاختلاف بينهم في تذكير " السبيل " وتأنيثها. (15)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندي في" السبيل " الرفع, لأن الله تعالى ذكره فصَّل آياته في كتابه وتنـزيله, ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميعُ من خوطب بها, لا بعضٌ دون بعض.
ومن قرأ " السبيل " بالنصب, فإنما جعل تبيين ذلك محصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما القراءة في قوله: " ولتستبين "، فسواء قرئت بالتاء أو بالياء, لأن من العرب من يذكر " السبيل " = وهم تميم وأهل نجد = ومنهم من يؤنث " السبيل " = وهم أهل الحجاز. وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان مشهورتان من لغات العرب, وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأخرى، ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى = بعد أن يرفع " السبيل " = للعلة التي ذكرنا. (16)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " نفصل الآيات " قال أهل التأويل.
13300 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " وكذلك نفصل الآيات "، نبين الآيات .
13301 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في : " نفصل الآيات "، نبين.
--------------
الهوامش :
(15) انظر معاني القرآن للفراء 1: 337.
(16) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) = وتفسير"استبان" في مادة (بين) من فهارس اللغة.
قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين بربّهم من قومِك, العادلين به الأوثان والأنداد, الذين يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان: إنّ الله نهاني أن أعبد الذين تدعون من دونه, فلن أتبعكم على ما تدعونني إليه من ذلك، ولا أوافقكم عليه, ولا أعطيكم محبّتكم وهواكم فيه. وإن فعلت ذلك، فقد تركت محجَّة الحق، وسلكت على غير الهدى, فصرت ضالا مثلكم على غير استقامة. (17)
* * *
وللعرب في" ضللت " لغتان: فتح " اللام " وكسرها, واللغة الفصيحة المشهورة هي فتحها, وبها قرأ عامة قرأة الأمصار, وبها نقرأ لشهرتها في العرب. وأما الكسر فليس بالغالب في كلامها، والقراأة بها قليلون. فمن قال " ضَلَلتُ" قال: " أَضِلُّ", ومن قال " ضَلِلتُ" قال في المستقبل " أَضَلُّ". وكذلك القراءة عندنا في سائر القرآن: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا بفتح اللام [سورة السجدة: 10].
----------------
الهوامش :
(17) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ ﴿٥٧﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم, الداعين لك إلى الإشراك بربك =" إني على بيّنة من ربي"، أي إني على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لي =" من ربي"، يقول: من توحيدي, (18) وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته (19) من غير إشراك شيء به.
* * *
وكذلك تقول العرب: " فلان على بينة من هذا الأمر "، إذا كان على بيان منه, (20) ومن ذلك قول الشاعر: (21)
أَبَيِّنَــةً تَبْغُــونَ بَعْــدَ اعْتِرَافِــهِ
وقَــوْلِ سُـوَيْدٍ قَـدْ كَفَيْتُكُـمُ بِشْـرَا (22)
* * *
" وكذبتم به " يقول: وكذبتم أنتم بربكم = و " الهاء " في قوله " به " من ذكر الرب جلّ وعز =" ما عندي ما تستعجلون به "، يقول: ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي, ولا أنا على ذلك بقادر. وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوحيده, فدعاهم إلى الله، وأخبرهم أنه رسوله إليهم: هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [سورة الأنبياء: 3] . وقالوا للقرآن: هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم: بل هو اختلاق اختلقه. وقال آخرون: بل محمد شاعر, فليأتنا بآية كما أرسل الأولون = فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك, وإنما أنت رسول, وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به, وأنّ الله يقضي الحق فيهم وفيك، ويفصل به بينك وبينهم، فيتبين المحقُّ منكم والمبطل (23) =" وهو خير الفاصلين " ، أي: وهو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم, لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة, ولا في قضائه جور، لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور, فهو أعدل الحكام وخيرُ الفاصلين.
وقد ذكر لنا في قراءة عبد الله: (وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
13302 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير: أنه قال: في قراءة عبد الله: (يَقْضِي الْحَقَّ وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يقصُّ الحق ". (24)
فقرأه عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: " إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ" ، بالصاد، بمعنى " القصص "، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى ذكره: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سورة يوسف: 3] . وذكر ذلك عن ابن عباس.
13303 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس قال،" يقص الحق " , وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة: ( إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقْضِي الْحَقَّ) بالضاد، من " القضاء "، بمعنى الحكم والفصل بالقَضَاء، (25) واعتبروا صحة ذلك بقوله: " وهو خير الفاصلين "، وأن " الفصل " بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقَصَص.
* * *
وهذه القراءة عندنا أولى القراءَتين بالصواب، لما ذكرنا لأهلِها من العلّة.
* * *
فمعنى الكلام إذًا: ما الحكم فيما تستعجلون به، أيها المشركون، من عذاب الله وفيما بيني وبينكم, إلا الله الذي لا يجور في حكمه, وبيده الخلق والأمر, يقضي الحق بيني وبينكم, وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.
----------------------
الهوامش :
(18) في المطبوعة: "توحيده" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(19) في المطبوعة: "عبوديته" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(20) انظر تفسير"البينة" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(21) لم أعرف قائله.
(22) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 193.
(23) انظر تفسير"الفصل" فيما سلف 5: 338.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: "يقضي الحق" ، وهو سهو هنا ، والصواب ما أثبته.
(25) انظر تفسير"قضى" فيما سلف 2: 542 ، 543 ، وسائر فهارس اللغة.
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٥٨﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأوثان، المكذبيك فيما جئتهم به, السائليك أن تأتيهم بآية استعجالا منهم بالعذاب: لو أنّ بيدي ما تستعجلون به من العذاب =" لقضي الأمر بيني وبينكم "، ففصل ذلك أسرع الفصل، بتعجيلي لكم ما تسألوني من ذلك وتستعجلونه, ولكن ذلك بيد الله، الذي هو أعلم بوقت إرساله على الظالمين، الذين يضعون عبادتهم التي لا تنبغي أن تكون إلا لله في غير موضعها، فيعبدون من دونه الآلهة والأصنام, وهو أعلم بوقت الانتقام منهم، وحالِ القضاء بيني وبينهم.
* * *
وقد قيل: معنى قوله: " لقضي الأمر بيني وبينكم "، بذبح الموت. (26)
13304 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن ابن جريج قال، بلغني في قوله: " لقضي الأمر "، قال : ذبح الموت .
* * *
وأحسب أن قائل هذا القول، نـزع لقوله (27) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [سورة مريم: 39] ، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قصة تدل على معنى ما قاله هذا القائل في" قضاء الأمر ", (28) وليس قوله: " لقضي الأمر بيني وبينكم " من ذلك في شيء, وإنما هذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن استعجله فصلَ القضاء بينه وبينهم من قوله بآية يأتيهم بها: لو أن العذاب والآيات بيدي وعندي، لعاجلتكم بالذي تسألوني من ذلك, ولكنه بيد من هو أعلم بما يُصلح خلقه، منّي ومن جميع خلقه .
---------------------
الهوامش :
(26) في المطبوعة: "الذبح للموت" ، وفي المخطوطة: "الذبح الموت" ، وآثرت قراءتها كما أثبتها.
(27) في المطبوعة والمخطوطة: "أن قائل هذا النوع نزع" ، وهو كلام عجب ، لا أظن أبا جعفر يتدانى إلى مثله. والصواب ما أثبته بلا شك.
(28) رواه أبو جعفر في تفسيره 16: 66 (بولاق) ، وهو الخبر الذي جاء فيه أنه يجاه يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، ثم ينادي في أهل الجنة والنار هل يعرفونه ، فيقولون: لا! فيقال: هذا الموت ، ثم يؤخذ فيذبح ، ثم ينادي: يا أهل النار ، خلود فلا موت ، ويا أهل الجنة ، خلود فلا موت.
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ ﴿٥٩﴾
القول في تأويل قوله : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
قال أبو جعفر: يقول: وعند الله مفاتح الغيب. (29)
و " المفاتح ": جمع " مِفْتَح ", يقال فيه: " مِفْتح " و " مِفْتَاح ". فمن قال: " مِفْتَح "، جمعه " مفاتح ", ومن قال: " مفتاح "، جمعه " مفاتيح " .
* * *
ويعني بقوله: " وعنده مفاتح الغيب "، خزائن الغيب, كالذي:-
13305- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وعنده مفاتح الغيب "، قال، يقول: خزائن الغيب.
13306- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر, عن عمرو بن مرة, عن عبد الله بن سلمة, عن ابن مسعود قال: أعطي نبيُّكم كل شيءٍ إلا مفاتح الغيب. (30)
13307 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: " وعنده مفاتح الغيب "، قال: هن خمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة لقمان: 34] .
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: والله أعلم بالظالمين من خلقه، وما هم مستحقُّوه وما هو بهم صانع, فإنّ عنده علم ما غاب علمه عن خلقه فلم يطلعوا عليه ولم يدركوه، ولن يعلموه ولن يدركوه (31) =" ويعلم ما في البر والبحر "، يقول: وعنده علم ما لم يغب أيضًا عنكم, لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر للعين، يعلمه العباد. فكأن معنى الكلام: وعند الله علم ما غابَ عنكم، أيها الناس، مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثرَ بعلمه نفسَه, ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمه جميعُكم, لا يخفى عليه شيء, لأنه لا شيءَ إلا ما يخفى عن الناس أو ما لا يخفى عليهم. فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء كان ويكون، وما هو كائن مما لم يكن بعد, وذلك هو الغيب. (32)
* * *
القول في تأويل قوله : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تسقط ورقةٌ في الصحاري والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها =" ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين "، يقول: ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو ممّا سيوجد ولم يوجد بعد, إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ, مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عددُه ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحالُ التي يفنى فيها.
ويعني بقوله: " مبين "، أنه يبين عن صحة ما هو فيه، بوجود ما رُسم فيه على ما رُسم. (33)
* * *
فإن قال قائل: وما وجهُ إثباته في اللوح المحفوظ والكتاب المبين، ما لا يخفى عليه, وهو بجميعه عالم لا يُخَاف نسيانَه؟
قيل له : لله تعالى ذكره فعل ما شاء. وجائز أن يكون كان ذلك منه امتحانًا منه لحفَظَته، واختبارًا للمتوكلين بكتابة أعمالهم, فإنهم فيما ذُكر مأمورون بكتابة أعمال العباد، ثم بعرضها على ما أثبته الله من ذلك في اللوح المحفوظ, حتى أثبت فيه ما أثبت كل يوم. وقيل إن ذلك معنى قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة الجاثية: 29] . وجائز أن يكون ذلك لغير ذلك مما هو أعلم به, إمّا بحجة يحتج بها على بعض ملائكته، وأما على بني آدم وغير ذلك، وقد:-
13308 - حدثني زياد بن يحيى الحسّاني أبو الخطاب قال، حدثنا مالك بن سعير قال، حدثنا الأعمش, عن يزيد بن أبي زياد, عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا كمغرِز إبرة, إلا عليها ملك موكّل بها يأتي الله بعلمها: (34) يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رَطبت. (35)
* * *
---------------
الهوامش :
(29) في المطبوعة: "يقول: وعنده مفاتح الغيب" ، والصواب ما في المخطوطة.
(30) الأثر: 13306 -"عبد الله بن سلمة المرادي" ، تابعي ثقة ، من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. مضى برقم: 12398.
وهذا خبر الإسناد ، رواه أحمد في مسنده: 3659 ، انظر شرح أخي السيد أحمد لهذا الخبر هناك.
(31) في المطبوعة: "ولم يعلموه ، ولن يدركوه" ، وفي المخطوطة: "ولم يعلموه ولا يدركوه" ، والصواب الدال عليه السياق ، هو ما أثبته.
(32) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ص: 371 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(33) انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(34) في المطبوعة: "يأتي الله يعلمه يبسها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وهذا عبث من الناشر.
(35) الأثر: 13308 -"زياد بن يحيى بن زياد بن حسان الحساني النكري" ، أبو الخطاب ، ثقة ، روى له الستة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/549.
هذا ، وقد جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير"زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن الذي يروي عن"مالك بن سعير" هو"زياد بن يحيى الحساني ، أبو الخطاب" ، فضلا عن أنه ليس في الرواة من يسمى"زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب". و"مالك بن سعير بن الخمس التميمي" ، قال أبو زرعة وأبو حاتم: "صدوق" ، وضعفه أبو داود ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو مترجم في التهذيب ، والبخاري في الكبير 4/1/315 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4/1/209.
و"يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي" هو مولى"عبد الله بن الحارث" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 12740.
و"عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم" ، هو"ببة" ، ثقة ، مضى برقم: 12740.
وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره من طريق ابن أبي حاتم ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري ، عن مالك بن سعير ، بمثله.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 15 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي الشيخ.
وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وقل لهم، يا محمد, والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم =" ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، يقول: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار.
ومعنى " التوفي"، في كلام العرب استيفاء العدد, (1) كما قال الشاعر: (2)
إِنَّ بَنِــي الأدْرَم لَيْسُــوا مِـنْ أَحَـدْ
وَلا تَوَفَّــاهُمْ قُــرَيْشٌ فِـي العَـدَدْ (3)
بمعنى: لم تدخلهم قريش في العدد.
* * *
وأما " الاجتراح " عند العرب، فهو عمل الرجل بيده أو رجله أو فمه, وهي" الجوارح " عندهم، جوارح البدن فيما ذكر عنهم. ثم يقال لكل مكتسب عملا " جارح ", لاستعمال العرب ذلك في هذه " الجوارح ", ثم كثر ذلك في الكلام حتى قيل لكل مكتسب كسبًا، بأيّ أعضاء جسمه اكتسب: " مجترِح ". (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13309 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، أما " يتوفاكم بالليل " ففي النوم = وأما " يعلم ما جرحتم بالنهار "، فيقول: ما اكتسبتم من الإثم.
13310 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، يعني: ما اكتسبتم من الإثم .
13311 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " ما جرحتم بالنهار " ، قال: ما عملتم بالنهار .
13312- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله .
13313 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله : " وهو الذي يتوفاكم بالليل "، يعني بذلك نومهم =" ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، أي: ما عملتم من ذنب فهو يعلمه, لا يخفى عليه شيء من ذلك.
13314 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، قال: أمّا وفاته إياهم بالليل، فمنامهم = وأما " ما جرحتم بالنهار "، فيقول: ما اكتسبتم بالنهار.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى عن قدرته وعلمه, فإنّ فيه احتجاجًا على المشركين به، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم. فقال تعالى ذكره محتجًا عليهم: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى) ، يقول: فالذي يقبض أرواحكم بالليل ويبعثكم في النهار, لتبلغوا أجلا مسمى، وأنتم ترون ذلك وتعلمون صحّته, غير منكرٍ له القدرة على قبض أرواحكم وإفنائكم، ثم ردِّها إلى أجسادكم، وإنشائكم بعد مماتكم, فإن ذلك نظير ما تعاينون وتشاهدون, وغير منكر لمن قدر على ما تعاينون من ذلك، القدرةُ على ما لم تعاينوه. وإن الذي لم تروه ولم تعاينوه من ذلك، شبيه ما رأيتم وعاينتم.
* * *
القول في تأويل قوله : ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)
(5)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " ثم يبعثكم ", يثيركم ويوقظكم من منامكم (6) =" فيه " يعني في النهار، و " الهاء " التي في" فيه " راجعة على " النهار " (7) =" ليقضى أجلٌ مسمى "، يقول: ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم, وذلك الموت, فيبلغ مدته ونهايته (8) =" ثم إليه مرجعكم " ، يقول: ثم إلى الله معادكم ومصيركم (9) =" ثم ينبئكم بما كنتم تعملون "، يقول: ثم يخبركم بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا, (10) ثم يجازيكم بذلك, إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
13315 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ثم يبعثكم فيه "، قال: في النهار.
13316 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " ثم يبعثكم فيه "، في النهار, و " البعث "، اليقظة .
13317- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة مثله .
13318 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم يبعثكم فيه "، قال: بالنهار. (11)
13319 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " ثم يبعثكم فيه "، قال: يبعثكم في المنام.
* * *
=" ليقضى أجل مسمى "، وذلك الموت.
* ذكر من قال ذلك:
13320 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليقضى أجل مسمى "، وهو الموت .
13321 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ليقضى أجل مسمى "، قال: هو أجل الحياة إلى الموت .
13322 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " ليقضى أجل مسمى "، قال: مدّتهم .
-------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير : التوفي" فيما سلف 6: 455 ، 456/8 : 73/9 : 100/11 : 239
(2) هو منظور الوبري.
(3) اللسان (وفي) ، وسيأتي في التفسير 21: 61 (بولاق) ، وكان في المطبوعة هنا: "إن بني الأدم" ، وفي اللسان"إن بني الأدرد" ، وهما خطأ ، صوابه ما جاء في التفسير بعد.
و"بنو الأدرم" هو بنو"تيم بن غالب بن فهر بن مالك" ، وهم من قريش الظواهر ، لا قريش الأباطح . وهذا الراجز يهجوهم بأن قريشًا أهل الأباطح ، لا يجعلون بني الأدرم (وهم من قريش الظواهر) تمامًا لعددهم ، ولا يستوفون بهم عددهم إذا عدوا.
(4) انظر تفسير"الجوارح" و"الاجتراح" فيما سلف 9: 543 ، 544.
(5) أسقط في المطبوعة والمخطوطة: "ثم يبعثكم فيه" ، وهو نص التلاوة.
(6) انظر تفسير"البعث" فيما سلف 2: 84 ، 85/5 : 457/10 : 229.
(7) في المطبوعة والمخطوطة: "والهاء التي فيه راجعة" ، بإسقاط"في" ، والصواب إثباتها.
(8) انظر تفسير"أجل مسمى" فيما سلف 6: 43/11 : 259.
(9) انظر تفسير"المرجع" فيما سلف 6: 464/10 : 391/11 : 154.
(10) انظر تفسير"النبأ" فيما سلف ص: 335 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(11) في المطبوعة: "في النهار" ، وأثبت ما في المخطوطة.