تفسير الطبري
· المائدةافتح في القارئيَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴿٩٥﴾
يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم
القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { لا تقتلوا الصيد } الذي بينت لكم , وهو صيد البر دون صيد البحر ; { وأنتم حرم } يقول : وأنتم محرمون بحج أو عمرة والحرم : جمع حرام , والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد , تقول : هذا رجل حرام وهذه امرأة حرام , فإذا قيل محرم , قيل للمرأة محرمة . والإحرام : هو الدخول فيه , يقال : أحرم القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام , أو في الحرم . فتأويل الكلام : لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة . وقوله : { ومن قتله منكم متعمدا } فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدا . ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد . فقال بعضهم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله , وقال : إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله . قالوا : وهذا أجل أمرا من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة . ذكر من قال ذلك : 9782 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد . { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } من قتله منكم ناسيا لإحرامه متعمدا لقتله , فذلك الذي يحكم عليه . فإن قتله ذاكرا لحرمه متعمدا لقتله , لم يحكم عليه . * - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا , وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله , قال : لا يحكم عليه , ولا حج له .حرم ومن قتله منكم
وقوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : هو العمد المكفر , وفيه الكفارة والخطأ أن يصيبه , وهو ناس إحرامه , متعمدا لقتله , أو يصيبه وهو يريد غيره , فذلك يحكم عليه مرة . * - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره , فقد حل وليست له رخصة . ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر . * - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه . * - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا الفضيل بن عياض , عن ليث , عن مجاهد , قال : العمد هو الخطأ المكفر . * - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا يونس بن محمد , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا ليث قال : قال مجاهد : قول الله : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : فالعمد الذي ذكر الله تعالى أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه , فهذا العمد المكفر ; فأما الذي يصيبه غير ناس ولا مريد لغيره , فهذا لا يحكم عليه , هذا أجل من أن يحكم عليه . * - حدثنا ابن وكيع , ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن الهيثم , عن الحكم , عن مجاهد , أنه قال في هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : يقتله متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , قال : ثنا شعبة , عن الهيثم , عن الحكم , عن مجاهد , مثله . 9783 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : قال ابن جريج : { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره , فقد حل وليست له رخصة . ومن قتله ناسيا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر . 9784 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا سهل بن يوسف , عن عمرو , عن الحسن : { ومن قتله منكم متعمدا } للصيد ناسيا لإحرامه , { فمن اعتدى بعد ذلك } متعمدا للصيد يذكر إحرامه . * - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا محمد بن أبي عدي , قال : ثنا إسماعيل بن مسلم , قال : كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدا ذاكرا لإحرامه : لم يحكم عليه . قال إسماعيل , وقال حماد عن إبراهيم , مثل ذلك . 9785 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عفان بن مسلم , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } . الآية , فسألته , فقال : كان عطاء يقول : هو بالخيار أي ذلك شاء فعل , إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام . فأخبرت به جعفرا , وقلت : ما سمعت فيه ؟ فتلكأ ساعة ثم جعل يضحك , ولا يخبرني , ثم قال : كان سعيد بن جبير يقول : يحكم عليه من النعم هديا بالغ الكعبة , فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه , فقوم طعاما فتصدق به , فإن لم يجد عليه حكم الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة . * - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال أخبرني ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره فقد حل وليست له رخصة , ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر . 9786 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : أما الذي يتعمد فيه للصيد وهو ناس لحرمه أو جاهل أن قتله غير محرم , فهؤلاء الذين يحكم عليهم . فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله وهو يعرف أنه محرم وأنه حرام , فذلك يوكل إلى نقمة الله , وذلك الذي حمل الله عليه النقمة . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { ومن قتله منكم متعمدا } قال : متعمدا لقتله , ناسيا لإحرامه . وقال آخرون : بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصيد ذاكرا لحرمه . ذكر من قال ذلك : 9787 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان . 9788 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن جريج , وحدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قال طاوس : والله ما قال الله إلا : { ومن قتله منكم متعمدا } . 9789 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني بعض أصحابنا عن الزهري أنه قال : نزل القرآن بالعمد , وجرت السنة في الخطأ . يعني في المحرم يصيب الصيد . 9790 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } قال : إن قتله متعمدا أو ناسيا حكم عليه , وإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة , إلا أن يعفو الله . 9791 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الأعمش , عن عمرو بن مرة , عن سعيد بن جبير , قال : إنما جعلت الكفارة في العمد , ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا . * - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو معاوية ووكيع , قالا : ثنا الأعمش , عن عمرو بن مرة , عن سعيد بن جبير , نحوه . * - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : كان طاوس يقول : والله ما قال الله إلا : { ومن قتله منكم متعمدا } . والصواب من القول في ذلك عندنا , أن يقال : إن الله تعالى حرم قتل صيد البر على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما , بقوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد } ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله , ولم يخصص به المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه , ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه , بل عم في التنزيل بإيجاب الجزاء كل قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا . وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نص كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه . فإذ كان ذلك كذلك , فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه , أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه , أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه , في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو : { مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل } من المسلمين { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما , دون القول الذي قاله مجاهد . وأما ما يلزم بالخطأ قاتله , فقد بينا القول فيه في كتابنا وكتاب لطيف القول في أحكام الشرائع " بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع . وليس هذا الموضع موضع ذكره ; لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل , وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه .متعمدا فجزاء مثل ما قتل من
وأما قوله : { فجزاء مثل ما قتل } يعني بذلك : جزاء الصيد المقتول ; يقول تعالى ذكره : فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول مثل ما قتل من النعم . وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " فجزاؤه مثل ما قتل من النعم " . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء المدينة وبعض البصريين : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين " الجزاء " ورفع " المثل " بتأويل : فعليه جزاء مثل ما قتل . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : { فجزاء مثل ما قتل } بتنوين الجزاء . ورفع المثل , لأن الجزاء هو المثل , فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه . وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة , رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزي مثله من الصيد بمثل من النعم ; وليس ذلك كالذي ذهبوا إليه , بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتول نظيره من النعم . وإذ كان ذلك كذلك , فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد , ولن يضاف الشيء إلى نفسه , ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه بالتنوين ونصب المثل . ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء , كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله : { أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة } وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله : { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا } إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات . وكذلك الجزاء , لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا نون الجزاء , ولكن ذلك ضاق فلم يقرأه أحد بتنوين الجزاء ونصب المثل , إذ كان المثل هو الجزاء , وكان معنى الكلام : ومن قتله منكم متعمدا , فعليه جزاء هو مثل ما قتل من النعم . ثم اختلف أهل العلم في صفة الجزاء , وكيف يجزي قاتل الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم . فقال بعضهم : ينظر إلى أشبه الأشياء به شبها من النعم , فيجزيه به ويهديه إلى الكعبة . ذكر من قال ذلك : 9792 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط عن السدي , قوله : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : أما جزاء مثل ما قتل من النعم , فإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة , وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه بقرة , أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة . وإن قتل ضبا أو حرباء أو يربوعا , فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن . 9793 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن أبي مجاهد , قال : سئل عطاء : أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره ؟ قال : أليس يقول الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } . 9794 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : عليه من النعم مثله . 9795 - حدثنا هناد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا أصاب المحرم الصيد وجب عليه جزاؤه من النعم , فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به , فإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم ثم قوم الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما . قال : وإنما أريد بالطعام الصوم , فإذا وجد طعاما وجد جزاء . * - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم , فإن لم يجد نظر كم ثمنه - قال ابن حميد : نظر كم قيمته - فقوم عليه ثمنه طعاما , فصام مكان كل نصف صاع يوما , أو كفارة طعام مساكين , أو عدل ذلك صياما . قال : إنما أريد بالطعام : الصيام , فإذا وجد الطعام وجد جزاءه . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد هديا , قوم الهدي عليه طعاما وصام عن كل صاع يومين . * - حدثنا هناد . قال : ثنا عبد بن حميد , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس في هذه الآية : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } قال : إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه , فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعاما ثم صام لكل نصف صاع يوما . 9796 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : ابتدرت وصاحب لي ظبيا في العقبة , فأصبته . فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له , فأقبل على رجل إلى جنبه , فنظرا في ذلك , فقال : اذبح كبشا . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , قال : أخبرني قبيصة بن جابر نحوا مما حدث به عبد الملك . 9797 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن المسعودي , عن عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : قتل صاحب لي ظبيا وهو محرم , فأمره عمر أن يذبح شاة فيتصدق بلحمها ويسقي إهابها . 9798 - حدثني هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن داود بن أبي هند , عن بكر بن عبد الله المزني , قال : قتل رجل من الأعراب وهو محرم ظبيا , فسأل عمر , فقال له عمر : أهد شاة . 9799 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن حصين , وحدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا ابن فضيل , قال : ثنا حصين , عن الشعبي , قال : قال قبيصة بن جابر : أصبت ظبيا وأنا محرم , فأتيت عمر فسألته عن ذلك , فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف , فقلت : يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من ذلك ! قال : فضربني بالدرة حتى سابقته عدوا . قال : ثم قال : قتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمص الفتيا ؟ قال : فجاء عبد الرحمن , فحكما شاة . 9800 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه , فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة , فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين , فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام , فإن قتل أيلا أو نحوه فعليه بقرة ; وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل . 9801 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : أرأيت إن قتلت صيدا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص أغرم مثله ؟ قال : نعم , إن شئت . قلت : أوفي أحب إليك ؟ قال : نعم . وقال عطاء : وإن قتلت ولد الظبي ففيه ولد شاة , وإن قتلت ولد بقرة وحشية ففيه ولد بقرة إنسية مثله , فكل ذلك على ذلك . 9802 - حدثني عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة فعليه مثله من الإبل , وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو أيل فجزاؤه من البقر , وما كان من ظبي فمن الغنم مثله , وما كان من أرنب ففيها ثنية , وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير , وما كان من جرادة أو نحوها ففيه قبضة من طعام , وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه , وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما . وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير . غير أنه قد ذكر في بيض النعام إذا أصابها المحرم أن يحمل الفحل على عدة من أصاب من البيض على بكارة الإبل , فما لقح منها أهداه إلى البيت , وما فسد منها فلا شيء فيه . 9803 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : أخبرني ابن جريج , قال : قال مجاهد : من قتله - يعني الصيد - ناسيا , أو أراد غيره فأخطأ به , فذلك العمد المكفر , فعليه مثله هديا بالغ الكعبة , فإن لم يجد ابتاع بثمنه طعاما , فإن لم يجد صام عن كل مد يوما . وقال عطاء : فإن أصاب إنسان نعامة , كان له إن كان ذا يسار ما شاء , إن شاء يهدي جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما , أيهن شاء ; من أجل قوله : { فجزاء } أو كذا قال : فكل شيء في القرآن أو أو , فليختر منه صاحبه ما شاء . 9804 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : أخبرني ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم , قال : من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاة فصاعدا , فذلك الذي قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } وأما { كفارة طعام مساكين } فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي , العصفور يقتل فلا يكون فيه . قال : أو عدل ذلك صياما , عدل النعامة , أو عدل العصفور , أو عدل ذلك كله . وقال آخرون : بل يقوم الصيد المقتول قيمته من الدراهم , ثم يشتري القاتل بقيمته ندا من النعم , ثم يهديه إلى الكعبة ذكر من قال ذلك : 9805 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبدة , عن إبراهيم , قال : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , قال : سمعت إبراهيم يقول : في كل شيء من الصيد ثمنه . وأولى القولين في تأويل الآية , ما قال عمر وابن عباس ومن قال بقولهما : إن المقتول من الصيد يجزي بمثله من النعم , كما قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم وقد قال الله تعالى : { من النعم } لأن الدراهم ليست من النعم في شيء . فإن قال قائل : فإن الدراهم وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد , فإنه يشتري بها المثل من النعم , فيهديه القاتل , فيكون بفعله ذلك كذلك جازيا بما قتل من الصيد مثلا من النعم ؟ قيل له : أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا أو سليما , أو كان المقتول من الصيد كبيرا أو سليما بقيمته من النعم إلا صغيرا أو معيبا , أيجوز له أن يشتري بقيمته خلافه وخلاف صفته فيهديه , أم لا يجوز ذلك له , وهو لا يجوز إلا خلافه ؟ فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله , ترك قوله في ذلك ; لأن أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته ذلك فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا , وإذا أجازوا شرى مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرا معيبا , أجازوا في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي , وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلاف لظاهر التنزيل ; وذلك أن الله تعالى أوجب على قاتل الصيد من المحرمين عمدا المثل من النعم إذا وجدوه , وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم وهو إلى ذلك واجد سبيلا . ويقال لقائل ذلك : أرأيت إن قال قائل آخر : ما على قاتل ما لا تبلغ من الصيد قيمته ما يصاب به من النعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام ; لأن الله تعالى إنما خير قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه , فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل سقط عنه فرض الآخرين ; لأن الخيار إنما كان له وله إلى الثلاثة سبيل ; فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيل بطل فرض الجزاء عنه ; لأنه ليس ممن عني بالآية ; نظير الذي قلت أنت إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا , فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه , وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام ; هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ
القول في تأويل قوله تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } يقول تعالى ذكره : يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم , يعني : فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل . { هديا } يقول : يقضي بالجزاء ذوا عدل أن يهدى فيبلغ الكعبة . والهاء في قوله " يحكم به " عائدة على الجزاء , ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه , فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم , فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا حكما عليه من الضأن بكبير , وإن كان الذي أصاب حمار وحش حكما عليه ببقرة إن كان الذي أصاب كبيرا من البقر , وإن كان صغيرا فصغيرا , وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر , وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى , ثم كذلك ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبها من النعم فيحكمان عليه به كما قال تعالى . وبمثل الذي قلنا في ذلك , قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك بينهم . ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه : 9806 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا داود بن أبي هند , عن بكر بن عبد الله المزني , قال : كان رجلان من الأعراب محرمين , فأحاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر , فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف , فقال له عمر : وما ترى ؟ قال : شاة . قال : وأنا أرى ذلك , اذهبا فأهديا شاة فلما مضيا , قال أحدهما لصاحبه : ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه . فسمعها عمر , فردهما فقال : هل تقرآن سورة المائدة ؟ فقالا : لا . فقرأها عليهما : { يحكم به ذوا عدل منكم } ثم قال : استعنت بصاحبي هذا . 9807 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة , فأصبته . فأتيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , فأقبل على رجل إلى جنبه , فنظرا في ذلك . قال : فقال : اذبح كبشا ! قال يعقوب في حديثه : فقال لي اذبح شاة . فانصرفت فأتيت صاحبي , قلت : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول ! فقال صاحبي : انحر ناقتك ! فسمعها عمر بن الخطاب , فأقبل علي ضربا بالدرة , وقال : تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا ! إن الله تعالى يقول في كتابه : { يحكم به ذوا عدل منكم } هذا ابن عوف وأنا عمر . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن الشعبي , قال : أخبرني قبيصة بن جابر , بنحو ما حدث به عبد الملك . 9808 - حدثنا هناد وأبو هشام , قالا : ثنا وكيع , عن المسعودي , عن عبد الملك بن عمير , عن قبيصة بن جابر , قال : خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة , اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث . قال : فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح , فرماه رجل منا بحجر , فما أخطأ خششاءه , فركب ردعه ميتا . قال : فعظمنا عليه ; فلما قدمنا مكة , خرجت معه حتى أتينا عمر , فقص عليه القصة , قال : وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت إلى صاحبه فكلمه ; قال : ثم أقبل على الرجل , قال : أعمدا قتلته أم خطأ ؟ قال الرجل : لقد تعمدت رميه , وما أردت قتله . فقال عمر : ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ , اعمد إلى شاة فاذبحها , وتصدق بلحمها , وأسق إهابها ! قال : فقمنا من عنده , فقلت : أيها الرجل عظم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه , اعمد إلى ناقتك فانحرها ! ففعل ذاك . قال قبيصة : ولا أذكر الآية من سورة المائدة : { يحكم به ذوا عدل منكم } قال : فبلغ عمر مقالتي , فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة , قال : فعلا صاحبي ضربا بالدرة , وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفهت الحكم ! قال : ثم أقبل علي فقلت : يا أمير المؤمنين , لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني . قال : يا قبيصة بن جابر , إني أراك شاب السن فسيح الصدر بين اللسان , وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ , فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة , فإياك وعثرات الشباب ! 9809 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن مخارق , عن طارق , قال : . أوطأ أربد ضبا فقتله وهو محرم , فأتى عمر ليحكم عليه , فقال له عمر : احكم معي ! فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر , ثم قال عمر : { يحكم به ذوا عدل منكم } . 9810 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدا , فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك وعنده عبد الله بن صفوان , فقال ابن عمر لابن صفوان : إما أن أقول فتصدقني , وإما أن تقول فأصدقك ! فقال ابن صفوان : بل أنت فقل ! فقال ابن عمر , ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان . 9811 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا هشام , عن ابن سيرين , عن شريح , أنه قال : لو وجدت حكما عدلا لحكمت في الثعلب جديا , وجدي أحب إلي من الثعلب . 9812 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكير , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي مجلز : أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهو محرم , وعنده ابن صفوان , فقال له ابن عمر : إما أن تقول فأصدقك , أو أقول فتصدقني ! قال : قل وأصدقك . 9813 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا شعبة , عن منصور , عن أبي وائل , قال : أخبرني ابن جرير البجلي , قال : أصبت ظبيا وأنا محرم , فذكرت ذلك لعمر , فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك ! فأتيت عبد الرحمن وسعدا , فحكما علي تيسا أعفر . قال أبو جعفر : الأعفر : الأبيض . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن منصور بإسناده عن عمر , مثله . 9814 - حدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن أشعث بن سوار , عن ابن سيرين , قال : كان رجل على ناقة وهو محرم , فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة , فقال : لأنظر أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي ؟ فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها . فأتى عمر , فذكر ذلك له , فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء . قال : وهي البيضاء . 9815 - يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن محمد : أن رجلا أوطأ ظبيا وهو محرم . فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف , فأقبل على عبد الرحمن فكلمه , ثم أقبل على الرجل , فقال : أهد عنزا عفراء ! 9816 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة , استقبل به , فيحكم فيه ذوا عدل . 9817 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن يعلى , عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال : فيه ولد ماعز فيما أرى أنا . ثم قال لي : أكذاك ؟ فقلت : أنت أعلم مني . فقال : قال الله تعالى : { يحكم له ذوا عدل منكم } . 9818 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , وسهل بن يوسف , عن حميد , عن بكر : أن رجلين أبصرا ظبيا وهما محرمان , فتراهنا , وجعل كل واحد منهما لمن سبق إليه . فسبق إليه أحدهما , فرماه بعصاه فقتله . فلما قدما مكة , أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرحمن بن عوف . فذكرا ذلك له , فقال عمر : هذا قمار , ولا أجيزه ! ثم نظر إلى عبد الرحمن , فقال : ما ترى ؟ قال : شاة . فقال عمر : وأنا أرى ذلك . فلما قفى الرجلان من عند عمر , قال أحدهما لصاحبه : ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل ! فردهما عمر فقال : إن الله تعالى لم يرض بعمر وحده فقال : { يحكم به ذوا عدل منكم } وأنا عمر , وهذا عبد الرحمن بن عوف . وقال آخرون : بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول فيقومانه قيمته دراهم , ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا . فالحاكمان في قول هؤلاء بالقيمة , وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه . وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته , وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين . وأما قوله : { هديا } فإنه مصدر على الحال من الهاء التي في قوله : { يحكم به } , وقوله : { بالغ الكعبة } من نعت الهدي وصفته . وإنما جاز أن ينعت به وهو مضاف إلى معرفة ; لأنه في معنى النكرة , وذلك أن معنى قوله : { بالغ الكعبة } يبلغ الكعبة , فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين ; لأنه بمعنى الاستقبال , وهو نظير قوله : { هذا عارض ممطرنا } فوصف بقوله : " ممطرنا " عارضا ; لأن في " ممطرنا " معنى التنوين ; لأن تأويله الاستقبال , فمعناه : هذا عارض يمطرنا , فكذلك ذلك في قوله : { هديا بالغ الكعبة } .الكعبة أو كفارة طعام
القول في تأويل قوله تعالى : { أو كفارة طعام مساكين } يقول تعالى ذكره : أو عليه كفارة طعام مساكين . والكفارة معطوفة على " الجزاء " في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } واختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة : { أو كفارة طعام مساكين } بالإضافة . وأما قراء أهل العراق , فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفارة ورفع الطعام : { أو كفارة طعام مساكين } وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب , قراءة من قرأ بتنوين الكفارة ورفع الطعام , للعلة التي ذكرناها في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { أو كفارة طعام مساكين } فقال بعضهم : معنى ذلك أن القاتل وهو محرم صيدا عمدا , لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى من مثل المقتول هديا بالغ الكعبة , أو طعام مسكين كفارة لما فعل , أو عدل ذلك صياما ; لأنه مخير في أي ذلك شاء فعل , . أنه بأيها كان كفر فقد أدى الواجب عليه ; وإنما ذلك إعلام من الله تعالى عباده أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثلاثة . قالوا : فحكمه إن كان على المثل قادرا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النعم , لا يجزيه غير ذلك ما دام للمثل واجدا . قالوا : فإن لم يكن له واجدا , أو لم يكن للمقتول مثل من النعم , فكفارته حينئذ إطعام مساكين . ذكر من قال ذلك : 9819 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره } قال : إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه , فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة . فإن لم يجدها , فإطعام ستة مساكين . فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . وإن قتل أيلا أو نحوه , فعليه بقرة . فإن لم يجد , أطعم عشرين مسكينا , فإن لم يجد صام عشرين يوما . وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه , فعليه بدنة من الإبل . فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا , فإن لم يجد صام ثلاثين يوما . والطعام مد مد يشبعهم . 9820 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } إلى قوله : { يحكم به ذوا عدل منكم } فالكفارة من قتل ما دون الأرنب إطعام . 9821 - حدثنا هناد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم , فإن وجد جزاء ذبحه فتصدق به , وإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم , ثم قومت الدراهم حنطة , ثم صام مكان كل صاع يوما . قال : إنما أريد بالطعام : الصوم , فإذا وجد طعاما وجد جزاء . 9822 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن زهير , عن جابر , عن عطاء ومجاهد وعامر : { أو عدل ذلك صياما ليذوق } قال : إنما الطعام لمن لم يجد الهدي . 9823 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم أنه كان يقول : إذا أصاب المحرم شيئا من الصيد عليه جزاؤه من النعم , فإن لم يجد قوم الجزاء دراهم , ثم قومت الدراهم طعاما , ثم صام لكل نصف صاع يوما . 9824 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , قال : إذا أصاب المحرم الصيد فحكم عليه , فإن فضل منه ما لا يتم نصف صاع صام له يوما , ولا يكون الصوم إلا على من لم يجد ثمن هدي فيحكم عليه الطعام . فإن لم يكن عنده طعام يتصدق به , حكم عليه الصوم , فصام مكان كل نصف صاع يوما . { كفارة طعام مساكين } قال : فيما لا يبلغ ثمن هدي . { أو عدل ذلك صياما } من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديا , أو ما يتصدق به , مما لا يبلغ ثمن هدي , حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما . 9825 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال مجاهد : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : عليه من النعم مثله هديا بالغ الكعبة , ومن لم يجد ابتاع بقيمته طعاما , فيطعم كل مسكين مدين , فإن لم يجد صام عن كل مدين يوما . 9826 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ومن قتله منكم متعمدا } إلى قوله : { ومن عاد فينتقم الله منه } قال : إذا قتل صيدا فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النعم , فإن لم يجد ما حكم عليه قوم الفداء كم هو درهما , وقدر ثمن ذلك بالطعام على المسكين , فصام عن كل مسكين يوما , ولا يحل طعام المسكين ; لأن من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء . 9827 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قال لي الحسن بن مسلم : من أصاب الصيد مما جزاؤه شاة , فذلك الذي قال الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } وما كان من كفارة طعام مسكين مثل العصفورة يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي { أو عدل ذلك صياما } قال عدل النعامة أو العصفور , أو عدل ذلك كله . فذكرت ذلك لعطاء , فقال : كل شيء في القرآن " أو أو " , فلصاحبه أن يختار ما شاء . 9828 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا سفيان بن حسين , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , في قوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد جزاء , قوم عليه الجزاء طعاما ثم صاع لكل صاع يومين . وقال آخرون : معنى ذلك : أن للقاتل صيدا عمدا وهو محرم الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث وهي الجزاء بمثله من النعم والطعام والصوم . قالوا : وإنما تأويل قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } فعليه أن يجزي بمثله من النعم , أو يكفر بإطعام مساكين أو بعدل الطعام من الصيام . ذكر من قال ذلك : 9829 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , عن عطاء , في قول الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم له ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال : إن أصاب إنسان محرم نعامة , فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما . قال : كل شيء في القرآن " أو أو " , فليختر منه صاحبه ما شاء . 9830 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء , في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : " ما كان في القرآن أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار , أي ذلك شاء فعل . 9831 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أسباط وعبد الأعلى , عن داود , عن عكرمة , قال : ما كان في القرآن " أو أو " , فهو فيه بالخيار , وما كان " فمن لم يجد " فالأول , ثم الذي يليه . 9832 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن عمرو , عن الحسن , مثله . 9833 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ليث , عن عطاء ومجاهد , أنهما قالا في قوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قالا : ما كان في القرآن " أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار أي ذلك شاء فعل . 9834 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك : ما كان في القرآن " أو كذا أو كذا " , فصاحبه فيه بالخيار , أي ذلك شاء فعل . 9834 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو حمزة , عن الحسن . قال : وأخبرنا عبيدة , عن إبراهيم قالا : كل شيء في القرآن " أو أو " , فهو بالخيار , أي ذلك شاء فعل . 9836 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص , عن ليث , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : كل شيء في القرآن " أو أو " فصاحبه مخير فيه , وكل شيء فمن لم يجد فالأول , ثم الذي يليه . واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي , فقال بعضهم : إذا اختار التكفير بذلك , فإن الواجب عليه أن يقوم المثل من النعم طعاما , ثم يصوم مكان كل مد يوما ذكر من قال ذلك : 9837 - حدثنا هناد , قال : أخبرنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : ما { أو عدل ذلك صياما } ؟ قال : إن أصاب ما عدله شاة أقيمت الشاة طعاما , ثم جعل مكان كل مد يوما يصومه . وقال آخرون : بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم , أن يقوم الصيد المقتول طعاما , ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصدقة , وإن اختار الصوم صام . ثم اختلفوا أيضا في الصوم , فقال بعضهم : يصوم لكل مد يوما . وقال آخرون : يصوم مكان كل نصف صاع يوما . وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما . ذكر من قال : المتقوم لإطعام هو الصيد المقتول : 9838 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن قتادة : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد } الآية , قال : كان قتادة يقول : يحكمان في النعم , فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك , نظروا ثمنه فقوموه طعاما , ثم صام مكان كل صاع يومين . وقال آخرون : لا معنى للتكفير بالإطعام ; لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام , فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا , ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره . قالوا : وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع ليدل على صفة التكفير بالصوم لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد , وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل . وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله الله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } أن يكون مرادا به : فعلى قاتله متعمدا مثل الذي قتل من النعم , لا القيمة إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم ; وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل , والله تعالى إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم . وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله . { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } أن يكون تخييرا , وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأي هذه الكفارات الثلاث شاء ; لأن الله تعالى جعل ما أوجب في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله , وتكفيرا لذنبه في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراما عليه إتلافه في حال إحرامه , وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه , كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه , وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه , ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد , ثم جعل عليه إن حلقه جزاء من حلقه إياه , فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير في تكفيره , فعليه ذلك بأي الكفارات الثلاث شاء , فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين , وأنه مخير في تكفيره قتله الصيد بأي الكفارات الثلاث شاء , لا فرق بين ذلك . ومن أبى ما قلنا فيه , قيل له : حكم الله تعالى على قاتل الصيد بالمثل من النعم , أو كفارة طعام مساكين ; أو عدله صياما , كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك , فزعمت أن أحدهما مخير في تكفير ما جعل منه , عوض لأي الثلاث شاء , وأنكرت أن يكون ذلك للآخر , فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيار فيه حيث أبيت وأبى حيث جعلته له فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا , إلا ألزم في الآخر مثله . ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام , فقال بعضهم : يقوم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه , وهو قول إبراهيم النخعي , وحماد , وأبي حنيفة , وأبي يوسف , ومحمد , وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك , وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال آخرون : بل يقوم ذلك بسعر الأرض التي يكفر بها . ذكر من قال ذلك : 9839 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا إسرائيل , عن جابر , عن عامر , قال في محرم أصاب صيدا بخراسان , قال : يكفر بمكة أو بمنى , وقال : يقوم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها . 9840 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو يمان , عن إسرائيل , عن جابر , عن الشعبي , في رجل أصاب صيدا بخراسان , قال : يحكم عليه بمكة . والصواب من القول في ذلك عندنا , أن قاتل الصيد إذا جزاه بمثله من النعم , فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبها من الأنعام , فإذا جزاه بالإطعام قومه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه ; لأنه هنالك وجب عليه التكفير بالإطعام , ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه وإن شاء بمكة وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء ; لأن الله تعالى إنما شرط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه , فللجازي بغير الهدي أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم . ذكر من قال ذلك : 9841 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم قال : ما كان من دم فبمكة , وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء . وقد خالف ذلك مخالفون , فقالوا : لا يجزئ الهدي والإطعام إلا بمكة , فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض . ذكر من قال ذلك : 9842 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حماد بن سلمة , عن قيس بن سعد , عن عطاء , قال : الدم والطعام بمكة , والصيام حيث شاء . 9843 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مالك بن مغول , عن عطاء , قال : كفارة الحج بمكة . 9844 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : أين يتصدق بالطعام إن بدا له ؟ قال : بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي , قال : { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو هديا بالغ الكعبة } من أجل أنه أصابه في حرم - يريد البيت - فجزاؤه عند البيت . فأما الهدي , فإنه جراء ما قتل من الصيد , فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة طيبا , وينحره أو يذبحه , ويتصدق به على مساكين الحرم . ويعني بالكعبة في هذا الموضع : الحرم كله , ولمن قدم بهديه الواجب من جزاء الصيد أن ينحره في كل وقت شاء قبل يوم النحر وبعده , ويطعمه ; وكذلك إن كفر بالطعام فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب , وإن كفر بالصوم فكذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل , خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى . ذكر من قال ذلك : 9845 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { أو عدل ذلك صياما } هل لصيامه وقت ؟ قال : لا , إذ شاء وحيث شاء , وتعجيله أحب إلي . 9846 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : رجل أصاب صيدا في الحج أو العمرة , فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرم أو غيره من الشهور , أيجزئ عنه ؟ قال : نعم ثم قرأ : { هديا بالغ الكعبة } قال هناد : قال يحيى : وبه نأخذ . 9847 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم , عن عطاء , قال : إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره , فإن الله تعالى يقول : { هديا بالغ الكعبة } إلا أن يقدم في العشر , فيؤخر إلى يوم النحر . 9848 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا ابن جريج , عن عطاء , قال : يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة , فإن الله تعالى يقول : { هديا بالغ الكعبة } .مساكين أو عدل ذلك
القول في تأويل قوله تعالى : { أو عدل ذلك صياما } يعني تعالى ذكره بذلك : أو على قاتل الصيد محرما عدل الصيد المقتول من الصيام , وذلك أن يقوم الصيد حيا غير متقول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم , ثم يصوم مكان كل مد يوما ; وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل المد من الطعام بصوم يوم في كفارة المواقع في شهر رمضان . فإن قال قائل : فهلا جعلت مكان كل صاع في جزاء الصيد صوم يوم قياسا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في نظيره , وذلك حكمه على كعب بن عجرة , إذ أمره أن يطعم إن كفر بالإطعام فرقا من طعام وذلك ثلاثة آصع بين ستة مساكين , فإن كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام , فجعل الأيام الثلاثة في الصوم عدلا من إطعام ثلاثة آصع , فإن ذلك بالكفارة في جزاء الصيد أشبه من الكفارة في قتل الصيد بكفارة المواقع امرأته في شهر رمضان ؟ قيل : إن القياس إنما هو رد الفروع المختلف فيها إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها , ولا خلاف بين الجميع من الحجة , أنه لا يجزئ مكفرا كفر في قتل الصيد بالصوم , أن يعدل صوم يوم بصاع طعام . فإن كان ذلك كذلك , وكان غير جائز خلافها فيما حدث به من الدين مجمعة عليه صح بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعام في قتل الصيد مخالف حكم معادلته إياه في كفارة الحلق , إذا كان غير جائز , وداخل على آخر قياسا ; وإنما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل , وسواء قال قائل : هلا رددت حكم الصوم في كفارة قتل الصيد على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطعام ; وآخر قال : هلا رددت حكم الصوم في الحلق على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يعدل به من الطعام , فتوجب عليه مكان كل مد , أو مكان كل نصف صاع صوم يوم . وقد بينا فيما مضى قبل أن العدل في كلام العرب بالفتح , وهو قدر الشيء من غير جنسه , وأن العدل هو قدره من جنسه . وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : العدل مصدر من قول القائل : عدلت بهذا عدلا حسنا . قال : والعدل أيضا بالفتح : المثل , ولكنهم فرقوا بين العدل في هذا وبين عدل المتاع , بأن كسروا العين من عدل المتاع , وفتحوها من قولهم : { ولا يقبل منها عدل } وقول الله عز وجل : { أو عدل ذلك صياما } كما قالوا : امرأة رزان , وحجر رزين . وقال بعضهم : العدل : هو القسط في الحق , والعدل بالكسر : المثل , وقد بينا ذلك بشواهد فيما مضى . وأما نصب " الصيام " فإنه ع
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩٦﴾
أحل لكم صيد البحر
القول في تأويل قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } يقول تعالى ذكره : { أحل لكم } أيها المؤمنون { صيد البحر } وهو ما صيد طريا . كما : 9876 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد منه . 9877 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر . قال : فصيده : ما أخذ . 9878 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد منه . 9879 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده الطري . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال , قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر } قال : صيده : ما صيد . * - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس { أحل لك صيد البحر } قال : الطري . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن عكرمة بن الجعفي - أو الحسين , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس يقول : صيد البحر : ما اصطاده . 9880 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لك صيد البحر } قال : الطري . 9881 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن الحجاج , عن العلاء بن بدر , عن أبي سلمة , قال : صيد البحر : ما صيد . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لكم صيد البحر } قال : الطري . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير مثله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { أحل لكم صيد البحر } قال : السمك الطري . 9882 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أحل لكم صيد البحر } أما صيد البحر : فهو السمك الطري , هي الحيتان . 9883 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , قال : صيده : ما اصطدته طريا . قال معمر : وقال قتادة : صيده : ما اصطدته . 9884 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { أحل لك صيد البحر } قال : حيتانه . 9885 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة , قال : سئل سعيد عن صيد البحر , فقال : قال مكحول : قال زيد بن ثابت : صيده : ما اصطدت . 9886 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : { أحل لك صيد البحر وطعامه متاعا لك وللسيارة } قال : يصطاد المحرم والمحل من البحر , ويأكل من صيده . 9887 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : قال أبو بكر : طعام البحر : كل ما فيه . وقال جابر بن عبد الله : ما حسر عنه فكل . وقال : كل ما فيه ; يعني : جميع ما صيد . 9888 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر : { وطعامه متاعا لك وللسيارة } قال : هو كل ما فيه . وعنى بالبحر في هذا الموضع : الأنهار كلها ; والعرب تسمي الأنهار بحارا , كما قال تعالى ذكره : { ظهر الفساد في البر والبحر } . فتأويل الكلام : أحل لكم أيها المؤمنون طري سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حلكم وحرمكم , وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رمى به إلى ساحله .وطعامه
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { وطعامه } فقال بعضهم : عنى بذلك : ما قذف به إلى ساحله ميتا , نحو الذي قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : 9889 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم , وطعامه : ما قذف . 9890 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : كنت بالبحرين , فسألوني عما قذف البحر , قال : فأفتيتهم أن يأكلوا . فلما قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه , ذكرت ذلك له , فقال لي : بم أفتيتهم ؟ قال : قلت : أفتيتهم أن يأكلوا , قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة . قال : ثم قال : إن الله تعالى قال في كتابه : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } فصيده : ما صيد منه , وطعامه : ما قذف . 9891 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما قذف . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : طعامه : ما قذف . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , مثله . 9892 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن زائدة , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : طعامه : كل ما ألقاه البحر . 9893 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن علي - أو الحسين بن على الجعفي , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما لفظ من ميتته . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال . قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال . طعامه : ما وجد على الساحل ميتا . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما قذف به . 9894 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر رضي الله عنه : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : هو كل ما فيه . 9895 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار عن عكرمة مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ميتته . قال عمرو : وسمع أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : . { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ميتته . 9896 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن عثمان , عن عكرمة : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما قذف . 9897 - حدثنا بن عبد الأعلى , قال : ثنا معمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , قال : جاء عبد الرحمن إلى عبد الله , فقال : البحر قد ألقى حيتانا كثيرة ؟ قال : فنهاه عن أكلها , ثم قال : يا نافع هات المصحف ! فأتيته به , فقرأ هذه الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : قلت : طعامه : هو الذي ألقاه . قال : فالحقه , فمره بأكله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر , فقال : إن البحر قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها ؟ قال : لا تأكلوها ! فلما رجع عبد الله إلى أهله , أخذ المصحف , فقرأ سورة المائدة , فأتى على هذه الآية : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : اذهب , فقل له فليأكله , فإنه طعامه . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , عن ابن عمر , بنحوه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , عن عكرمة , مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : { وطعامه متاعا لكم } قال : ميتته , قال عمرو : سمعت أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه : إلا مالحه . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر , أميتة هي ؟ قال : نعم ! فنهاه عنها . ثم دخل البيت , فدعا بالمصحف , فقرأ تلك الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : كل شيء أخرج منه فكله فليس به بأس , وكل شيء فيه يؤكل ميتا أو بساحله . 9898 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , قال قتادة : طعامه : ما قذف منه . 9899 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن ليث , عن شهر , عن أبي أيوب , قال : ما لفظ البحر فهو طعامه , وإن كان ميتا . 9900 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن ليث , عن شهر , قال : سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا } قال : هو ما لفظ البحر . وقال آخرون : عنى بقوله : { وطعامه } المليح من السمك . فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم : أحل لكم سمك البحر ومليحه في كل حال , إحلالكم وإحرامكم . ذكر من قال ذلك : 9901 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس : { وطعامه } قال : طعامه المالح منه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم } يعني بطعامه : مالحه , وما قذف البحر من مالحه . * - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لك } وهو المالح . 9902 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن مجمع التيمي , عن عكرمة , في قوله : { متاعا لكم } قال : المليح . 9903 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سالم الأفطس وأبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : المليح . 9904 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { وطعامه متاعا لكم } قال : المليح وما لفظ . 9905 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن سالم , عن سعيد بن جبير , في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : " أطعموني " , فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : " أطعموني من طعامكم " , أطعموه من سمكهم المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل : عن عطاء , عن سعيد : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : المنبوذ , السمك المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { وطعامه } قال : المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { وطعامه } قال : هو مالحه . ثم قال : ما قذف . 9906 - حدثنا ابن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وطعامه } قال : مملوح السمك . * - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني الثوري , عن منصور , قال : كان إبراهيم يقول : طعامه : السمك المليح . ثم قال بعد : ما قذف به . * - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : { طعامه } المليح . 9907 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا إسرائيل , عن عبد الكريم , عن مجاهد , قال : { طعامه } السمك المليح . 9908 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { وطعامه متاعا لكم } قال : الصير . قال شعبة : فقلت لأبي بشر : ما الصير ؟ قال : المالح . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هشام بن الوليد , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قوله : { وطعامه متاعا لكم } قال : الصير . قال : قلت : ما الصير ؟ قال : المالح . 9909 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وطعامه متاعا لكم } قال : أما طعامه فهو المالح . 9910 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : { وطعامه متاعا لكم } قال : طعامه : ما تزودت مملوحا في سفرك . 9911 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي , قالا : ثنا سفيان عن عمرو , قال : قال جابر بن زيد : كنا نتحدث أن طعامه مليحه , ونكره الطافي منه . وقال آخرون : { طعامه } ما فيه ذكر من قال ذلك : 9912 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : طعام البحر : ما فيه . 9913 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حريث , عن عكرمة : { وطعامه متاعا لكم } قال : ما جاء به البحر بوجه . 9914 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد , قال : طعامه : كل ما صيد منه . وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا , قول من قال : طعامه : ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتا على ساحله . وذلك أن الله تعالى ذكر قبله صيد الذي يصاد , فقال : { أحل لكم صيد البحر } فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه , فقال : أحل لكم صيد ما صدتموه من البحر وما لم تصيدوه منه . وأما المليح , فإنه ما كان منه ملح بعد الاصطياد , فقد دخل في جملة قوله : { أحل لكم صيد البحر } فلا وجه لتكريره , إذ لا فائدة فيه . وقد أعلم عباده تعالى إحلاله ما صيد من البحر بقوله { أحل لكم صيد البحر } فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك : ومليحه الذي صيد حلال لكم ; لأن ما صيد منه فقد بين تحليله طريا كان أو مليحا بقوله : { أحل لكم صيد البحر } والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا خبر , وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقله عنه من الصحابة , وذلك ما : 9915 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو سلمة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قال : " طعامه : ما لفظه ميتا فهو طعامه " . وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة . 9916 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن محمد بن عمرو , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة في قوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : طعامه : ما لفظه ميتا .متاعا لكم وللسيارة
القول في تأويل قوله تعالى : { متاعا لكم وللسيارة } يعني تعالى ذكره بقوله : { متاعا لكم } منفعة لمن كان منكم مقيما أو حاضرا في بلده يستمتع بأكله وينتفع به . { وللسيارة } يقول : ومنفعة أيضا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض , ومسافرين يتزودونه في سفرهم مليحا . والسيارة : جمع سيار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 9917 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني أبو إسحاق , عن عكرمة , أنه قال في قوله : { متاعا لكم وللسيارة } قال : لمن كان بحضرة البحر , { وللسيارة } السفر . 9918 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , في قوله : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } ما قذف البحر , وما يتزودون في أسفارهم من هذا المالح . يتأولها على هذا . * - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع عن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } مملوح السمك ما يتزودون في أسفارهم . 9919 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا مسكين بن بكير , قال : ثنا عبد السلام بن حبيب النجاري , عن الحسن في قوله : { وللسيارة } قال : هم المحرمون . 9920 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } أما طعامه : فهو المالح منه , بلاغ يأكل منه السيارة في الأسفار . 9921 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : طعامه : مالحه وما قذف البحر منه يتزوده المسافر . وقال مرة أخرى : مالحه وما قذف البحر , فمالحه يتزوده المسافر . 9922 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } يعني المالح فيتزوده . وكان مجاهد يقول في ذلك بما : 9923 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وطعامه متاعا لكم } قال : أهل القرى , { وللسيارة } أهل الأمصار . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله : { متاعا لكم } قال لأهل القرى , { وللسيارة } قال : أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم . وهذا الذي قاله مجاهد من أن السيارة هم أهل الأمصار لا وجه له مفهوم , إلا أن يكون أراد بقوله هم أهل الأمصار : هم المسافرون من أهل الأمصار , فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى , فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم .وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما
القول في تأويل قوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } يعني تعالى ذكره : وحرم عليكم أيها المؤمنون صيد البر ما دمتم حرما , يقول : ما كنتم محرمين لم تحلوا من إحرامكم . ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : { وحرم عليكم صيد البر } فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرم علينا كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك . ذكر من قال ذلك : 9924 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث , عن نوفل , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج علي معه . قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه ولم يأكل علي , فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا ! فقال علي : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . 9925 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن سماك , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض , فنزل قديدا , فمر به رجل من أهل الشام معه باز وصقر , فاستعاره منه , فاصطاد به من اليعاقيب , فجعلهن في حظيرة . فلما مر به عثمان طبخهن , ثم قدمهن إليه , فقال عثمان : كلوا ! فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب . فلما جاء فرأى ما بين أيديهم , قال علي : إنا لن نأكل منه ! فقال عثمان : مالك لا تأكل ؟ فقال : هو صيد , ولا يحل أكله وأنا محرم . فقال عثمان : بين لنا ! فقال علي : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما } . 9926 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد , قالا : أخبرنا أبو إسحاق الأزرق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض . ثم ذكر نحوه , وزاد فيه : . قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث , ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه ! فأرسل إليه عثمان وسأله عن أكل الصفيف , فقال : أما أنت فتأكل , وأما نحن فتنهانا ؟ فقال : إنه صيد عام أول , وأنا حلال , فليس علي بأكله بأس , وصيد ذلك - يعني اليعاقيب - وأنا محرم , وذبحن وأنا حرام . 9927 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا يونس , عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم , وكرهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه . 9928 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال . 9929 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليا أتيا بلحم , فأكل عثمان ولم يأكل علي , فقال عثمان : أنحن صدنا أو صيد لنا ؟ فقرأ علي هذه الآية : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . 9930 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج معه علي , فأتي بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه وهو محرم , ولم يأكل منه علي , فقال عثمان : إنه صيد قبل أن نحرم . فقال له علي : ونحن قد بدا لنا وأهالينا لنا حلال , أفيحللن لنا اليوم . 9931 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن عبد الكريم , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليا أتي بشق عجز حمار وهو محرم , فقال : إني محرم . 9932 - حدثنا ابن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن يعلى بن حكيم , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ما كان محرما . 9933 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام , أخذ له أو لم يؤخذ له , وشيقة وغيرها . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , عن عبد الله , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيد وهو محرم وإن صاده الحلال . 9934 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أن طاوسا كان ينهى الحرام عن أكل الصيد وشيقة وغيرها صيد له أو لم يصد له . 9935 - حدثنا عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , قال : قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرم لم يأكل من لحمه حتى يحل . فإن أكل منه وهو محرم لم ير الحسن عليه شيئا . 9936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام وهارون عن عنبسة , عن سالم , قال : سألت سعيد بن جبير , عن الصيد يصيده الحلال , أيأكل منه المحرم ؟ فقال : سأذكر لك من ذلك , إن الله تعالى قال : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فنهى عن قتله , ثم قال : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } ثم قال تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : أطعموني ! فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : أطعموني من طعامكم ! أطعموه من سمكهم المالح . ثم قال : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وهو عليك حرام , صدته أو صاده حلال . وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه , أو استحدث له ذلك في تلك الحال . فأما ما ذبحه حلال وللحلال فلا بأس بأكله للمحرم , وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه فغير محرم عليه إمساكه . ذكر من قال ذلك : 9937 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , قال : ثنا قتادة , أن سعيد بن المسيب حدثه , عن أبي هريرة , أنه سئل عن صيد صاده حلال أيأكله المحرم ؟ قال : فأفتاه هو بأكله , ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره , فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك ! 9938 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : ثنا أبو عوانة , عن عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : نزل عثمان بن عفان العرج وهو محرم , فأهدى صاحب العرج له قطا , قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد على اسمي ! قال : فأكلوا ولم يأكل . 9939 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالربذة , فسألوه عن لحم صيد صاده حلال . ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , عن عمر , نحوه . 9940 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يهديه الحلال إلى الحرام , فقال : أكله عمر , وكان لا يرى به بأسا . قال : قلت : تأكله ؟ قال : عمر خير مني . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن شعبة , قال : ثنا أبو إسحاق . عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ؟ قال : كان عمر يأكله . قال : قلت : فأنت ؟ قال : كان عمر خيرا مني . 9941 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن هشام , عن يحيى , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال : استفتاني رجل من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم , فأمرته أن يأكله . فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم . قال : فما أفتيته ؟ قال : قلت : أفتيته أن يأكله . قال : فوالذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة ! وقال عمر : إنما نهيت أن تصطاده . 9942 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا خارجة عن زيد بن أسلم , عن عطاء , عن كعب , قال : أقبلت في أناس محرمين , فأصبنا لحم حمار وحش , فسألني الناس عن أكله , فأفتيتهم بأكله وهم محرمون . فقدمنا على عمر , فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون , فقال عمر : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا . 9943 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , قال : مررت بالربذة , فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال , فأفتيتهم أن يأكلوه . فلقيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , قال : فبم أفتيتهم ؟ قال : أفتيتهم أن يأكلوا . قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك . 9944 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , عن يونس , عن أبي الشعثاء الكندي , قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد , فإما باعوهم وإما أطعموهم ؟ فقال : حلال . 9945 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا محمد بن سعيد , قال : ثنا هشام , يعني ابن عروة , قال : ثنا عروة , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى نزلوا بالروحاء , فقرب إليهم طير وهم محرمون , فقال لهم عثمان : كلوا فإني غير آكله ! فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا ؟ فقال عثمان : إني لولا أظن أنه صيد من أجلي لأكلت . فأكل القوم . 9946 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن هشام بن عروة , عن أبيه : أن الزبير كان يتزود لحوم الوحش وهو محرم . 9947 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال , وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام , وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال . 9948 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله ما دام حراما , وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال , وإن صاده حرام لحلال فلا يحل له أكله . 9949 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال , قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يحرم أكل منه , وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه . 9950 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : كان عطاء يقول إذا سئل في العلانية أيأكل الحرام الوشيقة والشيء اليابس ؟ يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبين لك في مجلس , إن ذبح قبل أن يحرم فكل , وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع . وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وحرم عليكم اصطياده . قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله بعد أن يكون ملكه إياه على غير وجه الاصطياد له وبيعه وشراؤه جائز . قالوا : والنهي من الله تعالى عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني ذكر من قال ذلك : 9951 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا يحيى بن أيوب , قال : أخبرني يحيى , أن أبا سلمة اشترى قطا وهو بالعرج وهو محرم ومعه محمد بن المنكدر , فأكله . فعاب عليه ذلك الناس . والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم تحريم كل معاني صيد البر على المحرم في حال إحرامه من غير أن يخص من ذلك شيئا دون شيء , فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حراما بيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانيه , إلا أن يجده مذبوحا قد ذبحه حلال لحلال , فيحل له حينئذ أكله , للثابت من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي : 9952 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج . وحدثني عبد الله بن أبي زياد , قال : ثنا مكي بن إبراهيم , قال : ثنا عبد الملك بن جريج , قال : أخبرني محمد بن المنكدر , عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان , عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان , قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم , فأهدي لنا طائر , فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل . فلما استيقظ طلحة وفق من أكل , وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جثامة : أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش يقطر دما , فرده فقال : " إنا حرم " . وفيما روي عن عائشة : " أن وشيقة ظبي أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , فردها " , وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد من ذلك ما رد وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه , وهو حلال لحلال , ثم أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فرده وقال : إنه لا يحل لنا لأنا حرم ; وإنما ذكر فيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد فرده , وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , وقد بين خبر جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لحم صيد البر للمحرم حلال , إلا ما صاد أو صيد له " . معنى ذلك كله . فإن كان كلا الخبرين صحيحا مخرجهما , فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه , وأن يقال رده ما رد من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله , وإذنه في كل ما أذن في أكله منه من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم , فيصح معنى الخبرين كليهما . واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : { وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما } فقال بعضهم : صيد البر : كل ما كان يعيش في البر والبحر ; وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه ذكر من قال ذلك : 9953 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } قال : ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده , وما كان حياته في الماء فذاك 34 . 9954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء , قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه , نحو السلحفاة والسرطان والضفادع . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن الحجاج , عن عطاء , قال : كل شيء عاش في البر والبحر , فأصابه المحرم فعليه الكفارة . 9955 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا يزيد بن أبي زياد , عن عبد الملك , عن سعيد بن جبير , قال : خرجنا حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء , فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا ! 9956 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت يزيد بن أبي زياد , قال : ثنا حجاج , عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ; لأن له أصلا في البر . وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر ذكر من قال ذلك : 9957 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ابن جريج : أخبرناه , قال : سألت عطاء عن ابن الماء , أصيد بر , أم بحر ؟ وعن أشباهه , فقال : حيث يكون أكثر فهو صيده . 9958 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن عطاء بن أبي رباح , قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ , فهو منه .واتقوا الله الذي إليه تحشرون
القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه , يقول تعالى : واخشوا الله أيها الناس , واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام , وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم , وفي غيرها , فإن لله مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إياه , ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له .
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿٩٧﴾
القول في تأويل قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، (94) ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم=" والشهر الحرام والهدي والقلائد "، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض, إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره, وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم.
* * *
و " الكعبة "، سميت فيما قيل " كعبة " لتربيعها.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
12780 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إنما سميت " الكعبة "، لأنها مربعة.
12781 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هاشم بن القاسم, عن أبي سعيد المؤدب, عن النضر بن عربي, عن عكرمة قال : إنما سميت " الكعبة "، لتربيعها. (95)
* * *
وقيل " قيامًا للناس " بالياء, وهو من ذوات الواو, لكسرة القاف، وهي" فاء " الفعل, فجعلت " العين " منه بالكسرة " ياء ", كما قيل في مصدر: " قمت "" قيامًا " و " صمت "" صيامًا ", فحوّلت " العين " من الفعل: وهي" واو "" ياء " لكسرة فائه. وإنما هو في الأصل: " قمت قوامًا ", و " صمت صِوَامًا "، وكذلك قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، فحوّلت، واوها ياء, إذ هي" قوام ". (96)
وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله قال الراجز: (97)
قَِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين (98)
فجاء به بالواو على أصله.
* * *
وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهرَ الحرام والهديَ والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظّمه، (99) بمنـزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تُبَّاعه.
وأما " الكعبة "، فالحرم كله. وسمّاها الله تعالى " حرامًا "، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها، أو يُعْضد شجرها، (100) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. (101)
* * *
وقوله: " والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يقول تعالى ذكره: وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضًا قيامًا للناس, كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قيامًا.
* * *
و " الناس " الذين جعل ذلك لهم قيامًا، مختلفٌ فيهم.
فقال بعضهم: جعل الله ذلك في الجاهلية قيامًا للناس كلهم.
* * *
وقال بعضهم: بل عنى به العربَ خاصة.
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل " القوام "، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، القوام، على نحو ما قلنا.
12782 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا من سمع خُصَيفًا يحدث، عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قوامًا للناس.
12783 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن خصيف, عن سعيد بن جبير: " قيامًا للناس "، قال: صلاحًا لدينهم.
12784- حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا داود, عن ابن جريج, عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: حين لا &; 11-92 &; يرْجون جنة ولا يخافون نارًا, فشدّد الله ذلك بالإسلام.
12785- حدثني هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جبير قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: شدةً لدينهم.
12786- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جيير, مثله.
12787 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قيامها، أن يأمن من توجَّه إليها.
12788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يعني قيامًا لدينهم, ومعالم لحجهم.
12789 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، جعل الله هذه الأربعةَ قيامًا للناس, هو قوام أمرهم.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، (102) فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن " القوام " للشيء، هو الذي به صلاحه, كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، (103) لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية, وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
12790 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، (104) فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس. وكان إذا نفر تقلَّد قلادة من الإذْخِر أو من لِحَاء السمُر, فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، (105) حواجزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.
12791- حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، قال: كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض, فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به, والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد. قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ.
12792 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والقلائد "، كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ, فيعرفون بذلك.
* * *
وقد أتينا على البيان عن ذكر: " الشهر الحرام "= و " الهدي"= و " القلائد "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (106)
* * *
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم, علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم, ولتعلموا أنه بكل شيء " عليم ", لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم, وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته. (107)
-----------------
الهوامش :
(94) انظر تفسير"جعل" فيما سلف 3: 18.
(95) الأثر: 12781-"هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي""أبو النضر" الإمام الحافظ مضى برقم: 184 ، 8239.
و"أبو سعيد المؤدب" هو: "محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي" ثقة مأمون مضى برقم 8239 ، 12310.
(96) انظر تفسير"قيام" فيما سلف 7: 568 ، 569.
(97) هو حميد الأرقط.
(98) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 177.
(99) في المطبوعة: "يحترم ذلك" وصوابه من المخطوطة وفي المخطوطة: "ويعطيه" وصوابه ما في المطبوعة.
(100) "الخلي": الرطب الرقيق من النبات. و"اختلى الخلي": جزه وقطعه ونزعه. و"عضد الشجرة" قطعها.
(101) انظر ما سلف 3: 45- 51.
(102) في المخطوطة والمطبوعة: "من قائلها" بالإفراد وما أثبته أولى بالصحة.
(103) في المطبوعة: "كالملك" والصواب الجيد ما في المخطوطة.
(104) عندي أن الصواب"ألقاها الله" باللام في هذا الموضع ، والذي يليه ، ولكن هكذا هي في المخطوطة.
(105) "الإذخر": حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ويطحن فيدخل في الطيب. و"اللحاء" قشر الشجر. و"السمر" (بفتح السين وضم الميم): شجر من الطلح.
(106) انظر تفسير"الشهر الحرام" فيما سلف 3: 575- 579/4: 299 ، 300 وما بعدها/9: 466= وتفسير"الهدي" فيما سلف 4: 24 ، 25/9: 466/11: 22= وتفسير"القلائد" فيما سلف 9: 467- 470.
(107) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩٨﴾
القول في تأويل قوله : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض, ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها, وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها, شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه= وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها= رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. (108)
-----------------
الهوامش :
(108) انظر تفسير"شديد العقاب" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿٩٩﴾
القول في تأويل قوله : مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)
قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم= إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا, ثم إلينا الثواب على الطاعة، (109) وعلينا العقاب على المعصية =" والله يعلم ما تبدون وما تكتمون "، يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به= من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، (110) لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه=" وما تكتمون "، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. (111)
يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس, مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب= فحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى.
--------------------
الهوامش :
(109) انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف 10: 575.
(110) في المطبوعة: "من المعاصي التارك العمل" أسقط ما كان في المخطوطة ، وكان فيها: "من المعاصي التي ، رسالتنا" هكذا كتبت وبين الكلام بياض ورسم" ، " بالحمرة. فآثرت قراءتها كما أثبتها.
(111) انظر تفسير"تبدون" و"تكتمون" في فهارس اللغة"بدا" و"كتم".
قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠٠﴾
القول في تأويل قوله : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد, والصالح والطالح, والمطيع والعاصي (112) = ولو أعجبك كثرة الخبيث "، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم, لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته= وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم، كما:-
12793 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي،" لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة " الخبيث "، قال: الخبيث، هم المشركون= و " الطيب "، هم المؤمنون.
* * *
وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فالمراد به بعض أتباعه, يدل على ذلك قوله: " فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون "
* * *
القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم, واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث, فتصيروا منهم=" يا أولي الألباب "، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى, الذين عقلوا عن الله آياته, وعرفوا مواقع حججه. (113) =" لعلكم تفلحون " ، يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده. (114)
----------------
الهوامش :
(112) انظر تفسير: "استوى" فيما سلف 9: 85= وتفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 558 ، 559/7: 424 ، 527= وتفسير"الطيب" فيما سلف 10: 513 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(113) انظر تفسير"أولي الألباب" فيما سلف 3 : 383/ 4 : 162 /5 : 580 /6 : 211 وفي التعليق على المواضع السالفة خطأ ، يصحح من هنا.
(114) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 10: 564 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.