تفسير الطبري
· البقرةافتح في القارئوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٠﴾
القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " ومن حَيثُ خرجت فول وَجهك شطر المسجد الحرام ": من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد, فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شَطره.
ويعني بقوله: " وحيث ما كنتم فولُّوا وُجوهكم "، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم تُجاهه وقِبَله وقَصْدَه. (27)
القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
قال أبو جعفر: فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى ب " الناس " في قوله: " لئلا يكون للناس "، أهلَ الكتاب.
* ذكر من قال ذلك:
2292- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة "، يعني بذلك أهلَ الكتاب. قالوا -حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
2293- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " لئلا يكونَ للناس عليكم حجة "، يعني بذلك أهلَ الكتاب, قالوا -حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
* * *
فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟
قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! (28) فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم, والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين. (29)
وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه: " لئلا يكون للناس عليكم حجة "، يعني ب " الناس "، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
* * *
وأما قوله: " إلا الذين ظَلموا منهم "، فإنهم مُشركو العرب من قريش، فيما تأوَّله أهلُ التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2294- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إلا الذين ظَلموا منهم "، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم.
2295- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي, قال: هم المشركون من أهل مكة.
2296- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع: " إلا الذين ظلموا منهم "، يعني مشركي قريش.
2297- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, وابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " إلا الذين ظلموا منهم " قال، هم مشركو العرب.
2298- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: " إلا الذين ظلموا منهم "، و " الذين ظلموا ": مشركو قريش.
2299- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء: هم مشركو قريش - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقولُ مثل قول عطاء.
* * *
فإن قال قائل: وأيّةُ حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين -فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه- حُجة؟ (30)
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبتَ إليه. وإنما " الحجة " في هذا الموضع، الخصومة والجدال. (31) ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خُصُومةٌ ودعوى باطلٌ غيرَ مشركي قريش, فإن لهم عليكم دعوى بَاطلا وخصومةً بغير حق، (32) بقيلهم لكم: " رَجَع محمدٌ إلى قبلتنا, وسيرجع إلى ديننا ". فذلك من قولهم وأمانيّهم الباطلة، هي" الحجة " التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره " الذين ظلموا " من قريش من سائر الناس غيرهم, إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجّههم إليها حُجة.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2300- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " لئلا يكون للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم "، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: يقول: حُجتهم, قولهم: قد راجعتَ قبلتنا!
2301- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: قولهم: قد رَجَعت إلى قبلتنا!
2302- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة وابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم "، قالا هم مشركو العرب, قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) .
2303- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: " إلا الذين ظلموا منهم "، و " الذين ظلموا ": مشركُو قريش. يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم =انصرافَهُ إلى البيت الحرام= (33) أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك كله. (34)
2304- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
2305- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي فيما يذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني, عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما صُرف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نحوَ الكعبة، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه! فتوجّه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ويُوشك أن يدخل في دينكم! فأنـزل الله جل ثناؤه فيهم: " لئلا يَكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني". (35)
2306- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله: " لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " قال، قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمِر بها:- ما كان يستغني عنا! قد استقبل قبلتنا! فهي حُجتهم, وهم " الذين ظلموا " - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول مثل قول عطاء, فقال مجاهد: حُجتهم، قولهم: رجعت إلى قبلتنا!
* * *
فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله: " إلا الذين ظلموا منهم "، عن صحّة ما قلنا في تأويله، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. (36) كما قولُ القائل (37) " ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك "، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله: " لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم "، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش, فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا: (38) إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل, فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله: " إلا الذين ظلموا منهم ": ولا الذين ظلموا منهم, وأن " إلا " بمعنى " الواو ". (39) لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد, ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك: " إلا الذين ظَلموا منهم " إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به. (40)
هذا مع خروج معنى الكلام =إذا وجّهت " إلا " إلى معنى " الواو ", ومعنى &; 3-205 &; العطف= من كلام العرب. وذلك أنه غيرُ موجودة " إلا " في شيء من كلامها بمعنى " الواو "، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل: " سار القوم إلا عمرًا إلا أخاك ", بمعنى: إلا عمرًا وأخاك, فتكون " إلا " حينئذ مؤدّية عما تؤدي عنه " الواو "، لتعلق " إلا " الثانية ب " إلا " الأولى. (41) ويجمع فيها أيضًا بين " إلا " و " الواو " فيقال: " سار القوم إلا عمرًا وإلا أخاك ", فتحذف إحداهما، فتنوب الأخرى عنها, فيقال: (42) " سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلا عمرًا إلا أخاك ", لما وصفنا قبل.
وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لمدَّعٍ من الناس أن يدَّعي أنّ" إلا " في هذا الموضع بمعنى " الواو " التي تأتي بمعنى العطف.
* * *
وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم، فإنهم لا حجة لهم، فلا تخشوْهم. كقول القائل في الكلام: (43) " الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [لك] المعتدي عليك ", فإن ذلك لا يعتدّ بعُدوَانه ولا بتركه الحمد، (44) لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له, وقد سُمي ظالمًا = (45) لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدًا على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئتها.
* * *
وظاهر بُطُول قول من زَعَم: (46) أنّ" الذين ظلموا " هاهنا، ناسٌ من العرب &; 3-206 &; كانوا يَهودًا ونصارَى, فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأما سائرُ العرب، فلم تكن لهم حجة, وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته: " إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة, وإنك لتحتج بلا حجة, وحجتك ضعيفة ". ووَجَّه معنى: " إلا الذين ظَلموا منهم " إلى معنى: إلا الذينَ ظلموا منهم، منْ أهل الكتاب, فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة.
* * *
ووَهْيُ قَولِ من قال: " إلا " في هذا الموضع بمعنى " لكن ".
وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم. (47)
لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم: أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا, ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة -وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة- وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.
2307- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال، قال الربيع: إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال: إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجدُ صالح، فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام. قال الربيع: وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين، وقِبلتُه إلى الكعبة.
* * *
وأما قوله: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) ، يعني: فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون (48) في أنّ محمدًا صلى &; 3-207 &; الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا! - أو أن يَقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدِّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق، ولكن اخشوني, فخافوا عقابي، في خلافكم أمري إن خالفتموه.
وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلى عباده المؤمنين، (49) بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها, وبالنهي عن التوجُّه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوْني أيها المؤمنون، في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شَطرَ المسجد الحرام.
وقد حكي عن السدي في ذلك ما:-
2308- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فلا تخشوْهم واخشوْني"، يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم (50)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولأتمَّ نعمتي عليكم "، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض، وإلى أيّ بقعة شخصت (51) فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام, وحيثُ كنت، يا محمد والمؤمنون, فولُّوا وجوهكم في صلاتكم شَطرَه, &; 3-208 &; واتخذوه قبلة لكم, كيلا يكون لأحد من الناس -سوى مشركي قريش- حجةٌ, ولأتمّ بذلك =من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام، الذي جعلته إمامًا للناس= نعمتي، فأكمل لكم به فضلي عليكم, وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيتُ بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم. وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمُّها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه.
* * *
وقوله: " ولعلكم تهتدون "، يعني: وكي ترشدوا للصواب من القبلة. (52) و " لعلكم " عطف على قوله: " ولأتم نعمتي عليكم "،" ولأتم نعمتي عليكم " عطف على قوله: لِئَلا يَكُونَ .
-----------
الهوامش :
(27) في المخطوطة : "فولوا في صلاتكم" ، أسقط"وجوهكم" .
(28) انظر ما سلف في هذا الجزء رقم : 2234 ، 2235 .
(29) في المطبوعة : "وأهل العناد من المشركين" ، والصواب من المخطوطة .
(30) في المطبوعة : " . . . على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به ، أو نهاهم عنه" ، قدم"حجة" وزاد الثناء على الله .
(31) انظر ما سلف في تفسير : "أتحاجوننا" ، في هذا الجزء 3 : 121 .
(32) في المطبوعة : "دعوى باطلة" في الموضعين ، ولا بأس بها . يقال : "دعوى باطل وباطلة"
(33) في المطبوعة والدر المنثور 1 : 148"بانصرافه" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير 1 : 358 ، وقوله : "انصرافه" منصوب على الظرفية أي عند انصرافه .
(34) الأثر : 2303- في تفسير ابن كثير 1 : 358 ، والدر المنثور 1 : 148 . والذي في المخطوطة والمطبوعة سواء"فأنزل الله في ذلك كله" . أما في الدر المنثور : "فأنزل الله في ذلك كله : "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين" . والذي في الطبري يكاد لا يستقيم ، والذي في الدر المنثور لا يستقيم ، وكأن صواب العبارة : "فأنزل الله في ذلك ، ذلك كله إلى قوله : "يا أيها الذين آمنوا . . . " .
(35) الأثر : 2305- انظر الأثر السالف : 2204 .
(36) في المطبوعة : "الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيًا عما قبلهم" ، وهو خطأ صرف ، والصواب ما في المخطوطة .
(37) في المطبوعة : "كما أن قول القائل" ، زادوا"أن" لتكون دارجة على نهجهم ، والصواب ما في المخطوطة .
(38) في المطبوعة : "ودعوى باطلة" في الموضعين . وانظر ما سلف : 201 تعليق : 3 .
(39) زاعم هذا القول هو أبو عبيدة في مجاز القرآن : 60-61 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 89-90 .
(40) رد الطبري على أبي عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم .
(41) في المخطوطة : "إلى الأول" ، وكأنه غير صواب .
(42) في المخطوطة : "ويجمع أيضًا فيها إلا والواو فيها فيقول : " ولم أستبن ما يقول ، والذي في المطبوعة سياق صحيح .
(43) في المطبوعة : "في كلامه" ، والصواب من المخطوطة ، ومعاني القرآن للفراء ، فهو نص كلامه .
(44) في المطبوعة ، وفي معاني القرآن للفراء : "بعداوته" ، والصواب ما في المخطوطة .
(45) السياق : "وواضح فساد قول من زعم . . . لإجماع جميع أهل التأويل" .
(46) في المطبوعة : "بطلان" صحيحة المعنى ، وفي المخطوطة : "دخول" تصحيف وتحريف لما أثبت . والبطول والبطلان مصدران من الباطل . وهما سواء في المعنى ، وقد سلف أن استعملها الطبري مرارًا . انظر ما سلف 2 : 426 ، تعليق : 1 / 439 س : 11/479 س : 13 .
(47) قوله"ووهي قول . . . " ، و"وضعف قول . . . " معطوف على قوله آنفًا : "وظاهر بطول قول من زعم . . . " .
(48) في المطبوعة : "من الظلم في حجتهم" ، والصواب من المخطوطة . ثم فيها : "وقولهم ما يقولون من أن محمدًا" ، وصوابه من المخطوطة .
(49) تقدم إليه بكذا : أمره به .
(50) إلى هنا انتهى ما عثرنا عليه من الأوراق التي ذكرناها في ص : 189 تعليق : 1 ، وفي آخره ما نصه :
"تَمَّ المجلد الثاني بعون الله تعالى ، والصلاة على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلم . يتلوهُ في الثالث إن شاء الله تعالى ، القول في تأويل قوله تعالى : (ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) إن شاء الله تعالى ، وهو بقية الجزء السادس والعشرون؟؟"
(51) في المطبوعة : "إلى أي بقعة" ، بحذف الواو ، والصواب ما أثبت .
(52) انظر ما سلف في معنى"لعل" بمعنى"كي" 1 : 364 / ثم 2 : 69 ، 72 ، 161 .
كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ﴿١٥١﴾
القول في تأويل قوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " كما أرسلنا فيكم رسولا "، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية, وأهديَكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام, فأجعل لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة: 128]، كما جعلت لكُم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو &; 3-209 &; عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة البقرة: 129]، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل، أنْ أبعثه من ذرّيتهما.
ف " كما " -إذ كان ذلك معنى الكلام- صلةٌ لقول الله عز وجل: وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ . ولا يكون قوله: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، متعلقًا بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .
* * *
وقد قال قوم: إنّ معنى ذلك: فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، (53) فأغرقوا النـزع، (54) وبعدوا من الإصابة, وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسِوَى وجهه المفهوم.
وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض: " كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن " - أن لا يَشترطوا للآخر, لأن " الكاف " في" كما " شرطٌ معناه: افعل كما فعلت. ففي مجيء جواب: " اذكروني" بعده، وهو قوله: أَذْكُرْكُمْ ، أوضحُ دليل على أن قوله: " كما أرسلنا " من صلة الفعل الذي قبله, وأن قوله: " اذكروني أذكركم " خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول, وأنه =من سبب قوله: " كما أرْسلنا فيكم "= بمعزل.
* * *
وقد زعم بعض النحويين أن قوله: فَاذْكُرُونِي -إذا جُعل قوله: " كما أرسلنا فيكم " جوابًا له، مع قوله: أَذْكُرْكُمْ - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين, كقول القائل: إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه ", فيصير قوله: " فأته " و " ترضه " جوابين لقوله: " إذا أتاك ", وكقوله: " إن تأتني أحسِن إليك أكرمك ". (55)
وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهب, فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجِّه إليه من اللغات، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب، دون الأنكر الأجهل من منطقها. هذا، مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.
* * *
ذكر من قَال: إنّ قوله: " كما أرسلنا "، جوابُ قوله: " فاذكروني".
2309- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل: " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم "، كما فعلتُ فاذكروني.
2310- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
* * *
قوله: " كما أرسلنا فيكم رَسولا منكم "، فإنه يعني بذلك العرب, قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العربُ طاعتي, وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجُّه إليها, لتنقطع حُجة اليهود عنكم, فلا تكون لهم عليكم حجَة, ولأتم نعمتي عليكم، وتهتدوا, كما ابتدأتكم بنعمتي، فأرسلت فيكم رسولا منكم. وذلك الرسول الذي أرسلَه إليهم منهم: محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-
2311- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " كما أرْسلنا فيكم رسولا منكم "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأمّا قوله: " يتلو عليكم آياتنا "، فإنه يعني آيات القرآن, وبقوله: " ويزكيكم " ويطهّركم من دَنَس الذنوب, و " يعلمكم الكتاب " وهو الفرقان, يعني: أنه يعلمهم أحكامه. ويعني: ب " الحكمة " السننَ والفقهَ في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده. (56)
* * *
وأمّا قوله: " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون "، فإنه يعني: ويعلمكم من أخبار الأنبياء, وقَصَص الأمم الخالية, والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها, فعلِموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله صلى الله عليه وسلم.
-----------------------
الهوامش :
(53) هو الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .
(54) أغرق النازع في القوس : إذا شدها ، وجاوز الحد في مد القوس ، وبلغ النصل كبد القوس ، فربما قطع يد الرامي . ونزع الرامي في قوسه نزعًا : جذب السهم بالوتر . وقولهم : "أغرق في النزع" ، مثل في الغلو والإفراظ .
(55) هو من قول الفراء أيضًا ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .
(56) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 86-88 والمراجع .
فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾
القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه, أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم، كما:-
2312- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير: " فاذكروني أذكركم " قال، اذكروني بطاعتي, أذكركم بمغفرتي.
* * *
وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح.
* ذكر من قال ذلك:
1313- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون "، إن الله ذاكرُ من ذكره, وزَائدُ من شكره, ومعذِّبُ من كفَره.
2314- حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " اذكروني أذكركم " قال، ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برَحمةٍ, ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي،" ولا تكفرون "، يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم, فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم, ولكن اشكروا لي عليها, وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم, وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي, فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته, ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه.
* * *
والعرب تقول: " نَصحتُ لك وشكرتُ لك ", ولا تكاد تقول: " نصحتك ", وربما قالت: " شكرتك ونصحتك ", من ذلك قول الشاعر: (57)
هُـمُ جَـمَعُوا بُؤْسَـى ونُعْمَـى عَلَيْكُـمُ
فَهَــلا شَـكَرْتَ القَـوْمَ إذْ لَــمْ تُقَـاتِلِ (58)
وقال النابغة في" نصحتك ":
نَصَحْـتُ بَنِـي عَـوَفٍ فَلَـمْ يَتَقَبَّلُـوا
رَسُـولِي ولَـمْ تَنْجَـحْ لَـدَيْهِمْ وسَـائِلِي (59)
* * *
وقد دللنا على أن معنى " الشكر "، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة, وأن معنى " الكفر " تغطية الشيء, فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (60)
------------------
الهوامش :
(57) نسبه أبو حيان في تفسيره 1 : 447 لعمر بن لجأ ، ولم أجد الشعر في مكان .
(58) معاني القرآن للفراء : 1 : 92 . وكان في المطبوعة : "إن لم تقاتل" ، وأثبت ما في الفراء والبؤسى والبأساء : البؤس . والنعمى والنعماء : النعمة .
(59) ديوانه : 89 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 92 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 362 ، وهي في غزو عمرو بن الحارث الأصغر لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان . ورواية ديوانه : "فلم يتقبلوا وصاتي" . الوصاة : الوصية . وقوله : "رسولي" . الرسول : الرسالة . والوسائل جمع وسيلة : وهي ما يتقرب به المرء إلى غيره من حرمة أو آصرة .
(60) معنى"الشكر" 1 : 135-138 وتفسير معنى"الكفر" فيما سلف 1 : 255 ، 382 ، 522 ، ومواضع كثيرة . اطلبها في فهرس اللغة .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٥٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
قال أبو جعفر: وهذه الآية حضٌّ من الله تعالى ذكره على طاعته، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال, فقال: " يا أيها الذينَ آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " على القيام بطاعتي، وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي، والانصراف عَما أنسخه منها إلى الذي أحدِثه لكم من فرائضي، وأنقلكم إليه من أحكامي, والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه, والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه -وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل, أو مشقةٌ على أبدانكم في قيامكم به، أو نقصٌ في أموالكم- (61) وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي, بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومَشقته عليكم, واحتمال عنائه وثقله, ثم بالفزع منكم فيما يَنوبكم من مُفظِعات الأمور إلى الصلاة لي, فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتي, وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبَلي، وتدركون حاجاتكم عندي, فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصيَّ, أنصرهُم وأرعاهم وأكلَؤُهم، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلوا قِبَلي.
* * *
وقد بينت معنى " الصبر " و " الصلاة " فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته، (62) كما:
2315- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " واستعينوا بالصبر والصلاة "، يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.
2316- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة "، اعلموا أنهما عَونٌ على طاعة الله.
* * *
وأما قوله: " إن الله مع الصابرين "، فإن تأويله: فإن الله نَاصرُه وظَهيرهُ وراضٍ بفعله, كقول القائل: " افعل يَا فلان كذا وأنا معك ", يعني: إني ناصرُك على فعلك ذلك ومُعينك عليه.
* * *
---------------------------
الهوامش :
(61) هذه جمل متداخلة ، والعطف سياقه في هذه الجملة : استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي ، وأداء فرائضي . . والانصراف عما أنسخه . . والتسليم لأمري . . والتحول عنه . . وعلى جهاد أعدائكم . . بالصبر . . " .
(62) انظر فيما سلف تفسير"الصلاة" 1 : 242-243 / ثم 2 : 11 . وتفسير"الصبر" في 2 : 11 ، 124 ، وانظر فهرس اللغة .
وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ﴿١٥٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوّكم، وترك معاصيَّ، وأداء سائر فرائضي عليكم, ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت, فإن الميت من خَلقي مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسَّه, فلا يلتذّ لذة ولا يُدرك نعيما، فإنّ من قُتل منكم ومن سائر خَلقي في سبيلي، أحياءٌ عندي، في حياة ونعيم، وعيش هَنِيّ، ورزق سنيّ, فَرحين بما آتيتهم من فضلي، وَحبوتهم به من كرامتي، كما:-
2317- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " بل أحياء " عند ربهم، يرزقون من ثمر الجنة، ويَجدون ريحها، وليسوا فيها.
2318- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2319- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تقولوا لمن يقتل في سَبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون "، كنَّا نُحَدَّثَ (1) أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة, وأن مساكنهم سِدرة المنتهى, وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاثُ خصال من الخير: مَن قُتل في سبيل الله منهم صار حيًّا مرزوقًا, ومن غُلب آتاه الله أجرًا عظيمًا, ومن مات رَزَقه الله رزقًا حسنًا.
2320- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء " قال، أرواحُ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ.
2321- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء "، في صُوَر طير خضر يطيرون في الجنه حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا.
2322- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن غياث. قال، سمعت عكرمة يقول في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون " قال، أرواح الشهداء في طير خُضر في الجنة.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء "، من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعمَّ به غيره؟ وقد علمت تظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم, فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها, ويستعجلون الله قيام الساعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها = وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار يَنظرون إليها، ويصيبهم من نَتنها ومكروهها, ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها, ويسألون الله فيها تأخيرَ قيام الساعة، حِذارًا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها، مع أشباه ذلك من الأخبار. وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما الذي خُصَّ به القتيل في سبيل الله، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البرزخ, أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك, وأما المؤمنون فمنعَّمون بالروح والريحان ونَسيم الجنان؟
قيل: إنّ الذي خَصّ الله به الشهداء في ذلك، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم, ومنعَّمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم, والفائدة التي أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم, فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [سورة آل عمران: 169-170]، وبمثل الذي قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2323- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, وَعَبدة بن سليمان, عن محمد بن إسحاق, عن الحارث بن فضيل, عن محمود بن لبيد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهداءُ على بَارق، نهر بباب الجنة، في قبة خضراء -وقال عبدة: في روضة خضراء- يخرُج عليهم رزقهم من الجنه بُكرة وَعشيًّا. (2)
2324- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح عن الإفريقي, عن ابن بشار السلمي -أو أبي بشار, شكّ أبو جعفر- قال: أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان, رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس ثَورٌ وحُوت, فأما الثور، ففيه طعم كلّ ثمرةٍ في الجنة, وأما الحوت ففيه طَعمُ كل شراب في الجنة. (3)
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإنّ الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكرُه أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصّهم بها في البرزخ غيرُ موجود في قوله: " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء "، وإنما فيه الخبرُ عن حَالهم، أمواتٌ هم أم أحياءٌ.
قيل: إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم، إنما هو الخبر عَمَّا هم فيه من النِّعمة, ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عبادَه عما خَصّ به الشهداء في قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران: 169]، وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: " ولا تقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء "، نَهْيُ خَلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موتى (4) = تَرَك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم.
* * *
وأما قوله: " ولكنْ لا تَشعرُون "، فإنه يعني به: ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ, وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به.
* * *
وإنما رفع قوله: " أمواتٌ" بإضمار مكنيّ عن أسماء " من يُقتل في سبيل الله "، ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات. ولا يجوز النصب في &; 3-219 &; " الأموات ", لأن القول لا يعمل فيهم، وكذلك قوله: " بل أحياء ", رفعٌ، بمعنى: هُمْ أحياء. (5)
-------------------
الهوامش :
(1) في المطبوعة : "كما يحدث" ، والصواب ما أثبت .
(2) الحديث : 2323- عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي : ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 272 ، وابن أبي حاتم 3/1/89 .
الحارث بن فضيل الأنصاري المدني : ثقة ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/277 ، وابن أبي حاتم 1/2/86 .
محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشهلي ، الأوسي ، الأنصاري : صحابي على الراجح الذي جزم به البخاري ، مات سنة 96 أو 97 . قال الواقدي : مات وهو ابن 99 سنة . قال الحافظ في التهذيب : "على مقتضى قول الواقدي في سنة ، يكون له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم 13 سنة . وهذا يقوي قول من أثبت الصحبة" . وروى البخاري في الكبير 4/1/402 ، بإسناد صحيح : "عن محمود بن لبيد قال ، أسرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت نعالنا ، يوم مات سعد بن معاذ" . وهذا حجة كافية في إثبات صحبته . فقال ابن أبي حاتم 4/1/289-290 : "قال البخاري : له صحبة . فخط أبي عليه ، وقال لا يعرف له صحبة"! وهو نفي دون دليل ، لا يقوم أمام إثبات عن دليل صحيح . ولذلك قال ابن عبد البر - كما في التهذيب : "قول البخاري أولى" . وهو مترجم أيضًا في ابن سعد 5 : 55-56 . والإصابة 6 : 66-67 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 2390 ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه 7 : 69 (من مخطوطة الإحسان) ، من طريق يعقوب ، به . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 74 ، من طريق يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق . وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 292 ، عن رواية المسند . قال : "تفرد به أحمد" . ثم أشار إلى رواية الطبري هذه ، وقال : "وهو إسناد جيد" . وهو في مجمع الزوائد 5 : 298 ، ونسبه لأحمد ، والطبراني ، وقال : "ورجال أحمد ثقات" .
وذكره السيوطي 2 : 96 . وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر والبيهقي في البعث .
وقوله : "وقال عبدة . . . " ، يريد أن"عبدة بن سليمان" قال : "في روضة" بدل"في قبة" . ووقع في المطبوعة"أو قال عبدة" . ووضع"أو" هنا بدل واو العطف - خطأ غير مستساغ . ونرجح أنه من ناسخ أو طابع .
(3) الخبر : 2324- هذا خبر لا أدري ما هو؟! ورأسه"ابن بشار السلمي؛ أو أبو بشار" - الذي شك فيه ابن جرير : لم أهتد إلى شيء يدل عليه . وقد ذكره السيوطي 2 : 96 ، عن هذا الموضع من الطبري ، ثم لم يصنع شيئًا!
(4) سياق الكلام : ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده . . . ترك أعادة ذكر . . . " .
(5) في المطبوعة : "إنهم أحياء" ، والسياق يقتضي ما أثبت . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 93-94 ، فقد استوفى ما اختصره الطبري .
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٥٥﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مبتليهم وممتحنهم بشدائد من الأمور، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه, كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة, وكما امتحن أصفياءَه قَبلهم. ووَعدهم ذلك في آية أخرى فقال لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214]، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيرُه يقول.
2325- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع "، ونحو هذا, قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء, وأنه مبتليهم فيها, وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال: " وبشر الصابرين "، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا .
* * *
ومعنى قوله: " وَلنبلونكم "، ولنختبرنكم. وقد أتينا على البيان عن أن معنى " الابتلاء " الاختبار، فيما مضى قبل. (6)
* * *
وقوله: " بشيء من الخوف "، يعني من الخوف من العدو، وبالجوع -وهو القحط- يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسَنة تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم، (7) فتنقص لذلك أموالكم, وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار, فينقص لها عددكم, وموتُ ذراريكم وأولادكم, وجُدوب تحدُث, فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم, فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه, ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب.
كل ذلك خطابٌ منه لأتباع رَسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما:
2326- حدثني هارون بن إدريس الكوفيّ الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع " قال، هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. (8)
* * *
وإنما قال تعالى ذكره: " بشيء من الخوف " ولم يقل بأشياء، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت " مِن " تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر " شيء "، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر " الشيء " في أوله، من إعادته مع كل نوع منها.
ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن، كما:-
2327- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, &; 3-221 &; عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات " قال، قد كان ذلك, وسيكونُ ما هو أشد من ذلك.
قال الله عند ذلك: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
* * *
ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، (9) والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْيي عما أنهاهم عنه, والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم به، (10) القائلين إذا أصابتهم مصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . فأمره الله تعالى ذكره بأن يخصّ -بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد- أهلَ الصبر، الذين وصف الله صفتهم.
* * *
وأصل " التبشير ": إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره (11)
-----------------
الهوامش :
(6) انظر ما سلف 2 : 48 ، 49 ، ثم هذا الجزء 3 : 7 .
(7) في المطبوعة : "وتعذر المطالب" والصواب ما أثبت .
(8) الخبر : 2326- سبق هذا الإسناد : 1455 ، ولما نعرف شيخ الطبري فيه .
(9) في المطبوعة : "بما امتحنتهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(10) في المطبوعة : "بما ابتليتهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(11) انظر ما سلف 1 : 383/2 : 393 .
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴿١٥٦﴾
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وبشّر، يا محمد، الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنّي, فيُقرون بعبوديتي, ويوحِّدونني بالربوبية, &; 3-222 &; ويصدقون بالمعاد والرجوع إليّ فيستسلمون لقضائي, ويرجون ثَوابي، ويخافون عقابي, ويقولون -عند امتحاني إياهم ببعض مِحَني, وابتلائي إياهم بما وعدتهم أنْ أبتليهم به من الخوف والجوع ونَقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك من المصائب التي أنا مُمتحنهم بها-: إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مَماتنا صائرون = تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي.
أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾
القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، هؤلاء الصابرون، الذين وصفهم ونَعتهم -" عليهم ", يعني: لَهم،" صلوات "، يعني: مغفرة." وصلوات الله " على عباده، غُفرانه لعباده, كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
2328-" اللهم صَلِّ على آل أبي أوْفى ". (12)
* * *
يعني: اغفر لَهم. وقد بينا " الصلاة " وما أصلها في غير هذا الموضع. (13)
وقوله: " ورحمة "، يعني: ولهُم مع المغفرة، التي بها صَفح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمة من الله ورأفة.
ثم أخبر تعالى ذكره -مع الذي ذكر أنه مُعطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليمًا منهم لقضائه، من المغفرة والرحمة- أنهم هم المهتدون، المصيبون طريق الحقّ، والقائلون مَا يُرْضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب.
وقد بينا معنى " الاهتداء "، فيما مضى، فإنه بمعنى الرشد للصواب. (14)
* * *
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2329- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " الذين إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه رَاجعون أولئكَ عليهم صَلوات من ربهم وَرحمة وأولئك هم المهتدون " قال، أخبر الله أنّ المؤمن إذا سَلّم الأمرَ إلى الله، ورَجع واسترْجع عند المصيبة, كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاةُ من الله, والرحمة, وتحقيق سَبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن استرْجع عند المصيبة، جبر الله مُصيبته, وأحسن عُقباه, وَجعل له خَلفًا صالحًا يرضاه. (15)
2330- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة "، يقول: الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا.
2331- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان العُصفُريّ, عن سعيد بن جبير قال: مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السلام, ألم تسمعْ إلى قوله: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [سورة يوسف: 84]. (16)
-----------------------
الهوامش :
(12) الحديث : 2328- هو جزء من حديث صحيح . رواه البخاري 3 : 286 (من الفتح) . ومسلم 1 : 297- كلاهما من طريق شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال ، "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم ، فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته ، فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى" .
قال الحافظ : "يريد أبا أوفى نفسه ، لأن الآل يطلق على ذات الشيء . . . وقيل لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر" .
وهذه فائدة نفيسة ، من الحافظ ابن حجر ، رحمه الله .
(13) انظر ما سلف 1 : 242 / ثم 2 : 505 / ثم 2 : 37 ، 213 ، 214 .
(14) انظر ما سلف 1 : 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551 / ثم 2 : 211/ ثم هذا الجزء 3 : 101 ، 140 ، 141 .
(15) الحديث : 2329- ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 330-331 ، وقال : "رواه الطبراني في الكبير ، وفيه علي بن أبي طلحة ، وهو ضعيف" .
وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 156 ، وزاد نسبته لابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وعلي بن أبي طلحة : سبق في : 1833 أنه ثقة ، وأن علة هذا الإسناد -وهو كثير الدوران في تفسير الطبري- : انقطاعه ، لأن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، ولم يره .
(16) الخبر : 2331- سفيان العصفري : هو سفيان بن زياد العصفري ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة . مترجم في التهذيب 4 : 111 ، برقم : 198 . وابن أبي حاتم 2/1/221 ، برقم : 966 . والكبير للبخاري 2/2/93 ، برقم : 2076 ، لكن لم يذكر نسبته"العصفري" . وهو يشتبه على كثير من العلماء بآخر ، هو"سفيان بن دينار ، أبو الورقاء الأحمري" . فقد ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/220-221 ، برقم : 695 ، وثبت في بعض نسخه زيادة"العصفري" في نسبته . والبخاري ترجم"الأحمري" 2/2/92 ، برقم : 2073 . ولم يذكر فيه"العصفري" أيضًا . وترجم في التهذيب 4 : 109 ، برقم : 193- مع شيء من التخليط في الترجمتين ، يظهر بالتأمل . ومع هذا التخليط فقد رجح الحافظ أنهما اثنان ، وقال في ترجمة"سفيان بن دينار"- : "والتحقيق فيه : أن سفيان بن دينار التمار هذا ، يقال له : العصفري ، أيضًا ، وأن سفيان بن زياد العصفري : آخر ، بينه الباحي" . وقال في ترجمة الآخر : "والصحيح أنهما اثنان ، كما قال ابن معين وغيره" . وأيا ما كان فالاثنان قتان .
۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٥٨﴾
إن الصفا والمروة من شعائر الله
القول في تأويل قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } والصفا : جمع صفاة , وهي الصخرة الملساء , ومنه قول الطرماح : أبى لي ذو القوى والطول ألا يؤبس حافر أبدا صفاتي وقد قالوا إن الصفا واحد , وأنه يثنى صفوان ويجمع أصفاء وصفيا وصفيا ; واستشهدوا على ذلك بقول الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي وقالوا : هو نظير عصا وعصي ورحا ورحي وأرحاء . وأما المروة فإنها الحصاة الصغيرة يجمع قليلها مروات , وكثيرها المرو مثل تمرة وتمرات وتمر . قال الأعشى ميمون بن قيس : وترى بالأرض خفا زائلا فإذا ما صادف المرو رضح يعني بالمرو : الصخر الصغار . ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي : حتى كأن للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع ويقال " المشقر " . وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : { إن الصفا والمروة } في هذا الموضع : الجبلين المسميين بهذين الاسمين اللذين في حرمه دون سائر الصفا والمرو ; ولذلك أدخل فيهما الألف واللام , ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الصفا والمرو . وأما قوله : { من شعائر الله } فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها , إما بالدعاء وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها ; ومنه قول الكميت : نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بهم يتقرب وكان مجاهد يقول في الشعائر بما : 1935 - حدثني به محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال : من الخبر الذي أخبركم عنه * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . فكأن مجاهدا كان يرى أن الشعائر إنما هو جمع شعيرة من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم في الطواف بهما , فمعناه إعلامهم ذلك ; وذلك تأويل من المفهوم بعيد . وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم , وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم , إذ سأله أن يريه مناسك الحج . وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر , فإنه مراد به الأمر لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام فقال له : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } 16 123 وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده . فإذا كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج , فمعلوم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد عمل به وسنه لمن بعده , وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أمته باتباعه فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .فمن حج البيت أو اعتمر
القول في تأويل قوله تعالى : { فمن حج البيت أو اعتمر } يعني تعالى ذكره : { فمن حج البيت } فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء , وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه ; ومنه قول الشاعر : وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا يعني بقوله يحجون : يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته . وإنما قيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت قبل التعريف ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف , ثم ينصرف عنه إلى منى , ثم يعود إليه لطواف الصدر , فلتكراره العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج . وأما المعتمر فإنما قيل له معتمر لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه . وإنما يعني تعالى ذكره بقوله : { أو اعتمر } أو اعتمر البيت , ويعني بالاعتمار الزيارة , فكل قاصد لشيء فهو له معتمر ومنه قول العجاج : لقد سما ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدا من بعيد وضبر يعني بقوله " حين اعتمر " : حين قصده وأمه .فلا جناح عليه أن يطوف بهما
القول في تأويل قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } . يعني تعالى ذكره بقوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يقول : فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما . فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام , وقد قلت لنا إن قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما ؟ فكيف يكون أمرا بالطواف , ثم يقال : لا جناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج والأمر بالطواف بهما , والترخيص في الطواف بهما غير جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟ قيل : إن ذلك بخلاف ما إليه ذهب , وإنما معنى ذلك عند أقوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا : وكيف نطوف بهما , وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك ؟ ففي طوافنا بهذين الحجرين أحد ذلك , لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما , وقد جاء الله بالإسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له . فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } يعني أن الطواف بهما , فترك ذكر الطواف بهما اكتفاء بذكرهما عنه . وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه : من معالم الله التي جعلها علما لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر , فمن حج البيت أو اعتمر فلا يتخوفن الطواف بهما , من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما , من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما , فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا , وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي وطاعة لأمري , فلا جناح عليكم في الطواف بهما . والجناح : الإثم . كما : 1936 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يقول : ليس عليه إثم ولكن له أجر . وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين . ذكر الأخبار التي رويت بذلك : 1937 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا داود , عن الشعبي : أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إسافا , ووثنا على المروة يسمى نائلة ; فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين ; فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان , قال المسلمون : إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين , وليس الطواف بهما من الشعائر . قال : فأنزل الله : إنهما من الشعائر { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1938 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر , قال : كان صنم بالصفا يدعى إسافا , ووثن بالمروة يدعى نائلة . ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب وزاد فيه , قال : فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه , وأنث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا . 1939 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي , وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب , عن يزيد , وزاد فيه قال : فجعله الله تطوع خير . 1940 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني عاصم الأحول , قال : قلت لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية ؟ فقال : نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة , فقال : كانتا من مشاعر الجاهلية , فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما , فنزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1941 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث , قال : حدثني أبو الحسين المعلم , قال : ثنا سنان أبو معاوية , عن جابر الجعفي , عن عمرو بن حبشي , قال : قلت لابن عمر : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : انطلق إلى ابن عباس فاسأله , فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ! فأتيته فسألته , فقال : إنه كان عندهما أصنام , فلما حرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1942 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وذلك أن ناسا كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة , فأخبر الله أنهما من شعائره , والطواف بينهما أحب إليه , فمضت السنة بالطواف بينهما . 1943 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : زعم أبو مالك عن ابن عباس أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة , وكانت بينهما آلهة , فلما جاء الإسلام وظهر قال المسلمون : يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة , فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية ! فأنزل الله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1944 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال : قالت الأنصار : إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية . فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد نحوه . 1945 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما ; فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين , فقال الله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وقرأ : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } 22 32 وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , قال قلت لأنس : الصفا والمروة أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نهيتم عنها ؟ قال : نعم حتى نزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , قال : أخبرنا عاصم , قال : سمعت أنس بن مالك يقول : إن الصفا والمروة من مشاعر قريش في الجاهلية , فلما كان الإسلام تركناهما . وقال آخرون : بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية في سبب قوم كانوا في الجاهلية لا يسعون بينهما فلما جاء الإسلام تخوفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوفونه في الجاهلية . ذكر من قال ذلك : 1946 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية , فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما , فأخبرهم الله أن الصفا والمروة من شعائر الله , وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطواف بينهما . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1947 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث , قال : حدثني عقيل , عن ابن شهاب , قال : حدثني عروة بن الزبير , قال : سألت عائشة فقلت لها : أرأيت قول الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ؟ وقلت لعائشة : والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ! فقالت عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي , إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما , ولكنها إنما أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالمشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة , فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ; أنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } . قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما , فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما 1948 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قالت : كان رجال من الأنصار ممن يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة , قالوا : يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة , فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة , قال الله : { فلا جناح عليه } قالت : يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ؟ قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام , فقال : هذا العلم ! قال أبو بكر : ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة , قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة , وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت , ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية كلها . قال أبو بكر : فأسمع أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف . 1949 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا معمر عن قتادة , قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله , كما جعل الطواف بالبيت من شعائره . فأما قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فجائز أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي , وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية على ما روي عن عائشة . وأي الأمرين كان من ذلك فليس في قول الله تعالى ذكره : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } الآية , دلالة على أنه عنى به وضع الحرج عمن طاف بهما , من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإجماع الجميع , على أن الله تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقت , ثم رخص فيه بقوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } . وإنما الاختلاف في ذلك بين أهل العلم على أوجه ; فرأى بعضهم أن تارك الطواف بينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه , كما لا يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإفاضة إلا قضاؤه بعينه , وقالوا : هما طوافان أمر الله بأحدهما بالبيت , والآخر بين الصفا والمروة . ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية , ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الجمرات , والوقوف بالمشعر , وطواف الصدر , وما أشبه ذلك مما يجزي تاركه من تركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه . ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوع , إن فعله صاحبه كان محسنا , وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء . والله تعالى أعلم . ذكر من قال : إن السعي بين الصفا والمروة واجب ولا يجزي منه فدية ومن تركه فعليه العودة . 1950 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة قالت : لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة , لأن الله قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1951 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال مالك بن أنس : من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة فليرجع فليسع , وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي . وكان الشافعي يقول : على من ترك السعي بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك . حدثنا بذلك عنه الربيع . ذكر من قال : يجزي منه دم وليس عليه عود لقضائه : قال الثوري بما : 1952 - حدثني به علي بن سهل , عن زيد بن أبي الزرقاء عنه , وأبو حنيفة , وأبو يوسف , ومحمد : إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن , وإن لم يعد فعليه دم . ذكر من قال : الطواف بينهما تطوع ولا شيء على من تركه , ومن كان يقرأ : { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } 1953 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : قال عطاء : لو أن حاجا أفاض بعدما رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت ولم يسع , فأصابها - يعني امرأته - لم يكن عليه شيء , لا حج ولا عمرة ; من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود : " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " فعاودته بعد ذلك , فقلت : إنه قد ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم , قال : ألا تسمعه يقول : فمن تطوع خيرا فأبى أن يجعل عليه شيئا ؟ 1954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك , عن عطاء , عن ابن عباس أنه كان يقرأ : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية , { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } 1955 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , قال سمعت أنسا يقول : الطواف بينهما تطوع . * - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عاصم الأحول , قال : قال أنس بن مالك : هما تطوع . 1956 - حدثني محمد بن عمرو : قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد نحوه . 1957 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : فلم يحرج من لم يطف بهما . 1958 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حجاج قال : ثنا أحمد , عن عيسى بن قيس , عن عطاء , عن عبد الله بن الزبير , قال : هما تطوع * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , قال : قلت لأنس بن مالك : السعي بين الصفا والمروة تطوع ؟ قال : تطوع . والصواب من القول في ذلك عندنا أن الطواف بهما فرض واجب , وأن على من تركه العود لقضائه ناسيا كان أو عامدا لأنه لا يجزيه غير ذلك , لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما . ذكر الرواية عنه بذلك : 1959 - حدثني يوسف بن سلمان , قال : ثنا حاتم بن إسماعيل , قال : ثنا جعفر بن محمد , عن أبيه , عن جابر قال : لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه , قال : " { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ابدءوا بما بدأ الله بذكره " فبدأ بالصفا فرقي عليه . 1960 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا محمود بن ميمون أبو الحسن , عن أبي بكر بن عياش , عن ابن عطاء عن أبيه , عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } , فأتى الصفا فبدأ بها , فقام عليها ثم أتى المروة فقام عليها وطاف وسعى . فإذا كان صحيحا بإجماع الجميع من الأمة أن الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم وعمله في حجه وعمرته , وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمته جمل ما نص الله في كتابه وفرضه في تنزيله , وأمر به مما لم يدرك علمه إلا ببيانه لازما العمل به أمته كما قد بينا في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " إذا اختلفت الأمة في وجوبه , ثم كان مختلفا في الطواف بينهما هل هو واجب أو غير واجب ; كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر لما وصفنا , وكذلك وجوب العود لقضاء الطواف بين الصفا والمروة , لما كان مختلفا فيما على من تركه مع إجماع جميعهم , على أن ذلك مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علمهم مناسك حجهم , كما طاف بالبيت وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم , إذ علمهم مناسك حجهم وعمرتهم , وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تجزي منه فدية ولا بدل , ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه ; كان نظيرا له الطواف بالصفا والمروة , ولا تجزي منه فدية ولا جزاء , ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه , إذ كانا كلاهما طوافين أحدهما بالبيت والآخر بالصفا والمروة . ومن فرق بين حكمهما عكس عليه القول فيه , ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما , فإن اعتل بقراءة من قرأ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " قيل : ذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين غير جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها . وسواء قرأ ذلك كذلك قارئ , أو قرأ قارئ : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } 22 29 فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا به . فإن جاءت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف كانت الأخرى نظيرتها وإلا كان مجيز إحداهما إذا منع الأخرى متحكما , والتحكم لا يعجز عنه أحد . وقد روي إنكار هذه القراءة وأن يكون التنزيل بها عن عائشة . 1961 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مالك بن أنس , عن هشام بن عروة , عن أبيه قال : قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله عز وجل : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فما نرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما ؟ فقالت عائشة : كلا لو كانت كما تقول كانت وفلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " , إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد , وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ; فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وقد يحتمل قراءة من قرأ : { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } أن تكون " لا " التي مع " أن " صلة في الكلام , إذ كان قد تقدمها جحد في الكلام قبلها , وهو قوله : { فلا جناح عليه } فيكون نظير قول الله تعالى ذكره : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } 7 12 بمعنى ما منعك أن تسجد , وكما قال الشاعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهما والطيبان أبو بكر ولا عمر ولو كان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه لمحتج حجة مع احتمال الكلام ما وصفنا لما بينا أن ذلك مما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم على ما ذكرنا , ولدلالة القياس على صحته , فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين , ومما لو قرأه اليوم قارئ كان مستحقا العقوبة لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه ؟ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم
القول في تأويل قوله تعالى : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } اختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : { ومن تطوع خيرا } على لفظ المضي بالتاء وفتح العين . وقرأته عامة قراء الكوفيين : { ومن يطوع خيرا } بالياء وجزم العين وتشديد الطاء , بمعنى : ومن يتطوع . وذكر أنها في قراءة عبد الله : " ومن يتطوع " . فقرأ ذلك قراء أهل الكوفة على ما وصفنا اعتبارا بالذي ذكرنا من قراءة عبد الله سوى عاصم فإنه وافق المدنيين , فشددوا الطاء طلبا لإدغام التاء في الطاء . وكلتا القراءتين معروفة صحيحة متفق معنياهما غير مختلفين , لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل , فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب . ومعنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه , فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به , عليم بما قصد وأراد بتطوعي بما تطوع به وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله : { فمن تطوع خيرا } هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به : فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة ; لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل ; وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة . وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب , فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم : فمن تطوع بالطواف بهما فإن الله شاكر ; لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف , فيكون معنى الكلام على تأويلهم : فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة , فإن الله شاكر تطوعه ذلك , عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك . كما : 1962 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } قال : من تطوع خيرا فهو خير له , تطوع رسول الله فكانت من السنن . وقال آخرون : معنى ذلك : ومن تطوع خيرا فاعتمر . ذكر من قال ذلك : 1963 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } من تطوع خيرا فاعتمر فإن الله شاكر عليم ; قال : فالحج فريضة , والعمرة تطوع , ليست العمرة واجبة على أحد من الناس .
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ ﴿١٥٩﴾
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله: (58) " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا منَ البينات ", علماءَ اليهود وأحبارَها، وعلماءَ النصارى, لكتمانهم الناسَ أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم, وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
* * *
و " البينات " التي أنـزلها الله: (59) ما بيّن من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته، في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أنّ أهلهما يجدون صفته فيهما.
* * *
ويعني تعالى ذكره ب " الهدى " ما أوضح لَهم من أمره في الكتب التي أنـزلها على أنبيائهم, فقال تعالى ذكره: إنّ الذين يكتمون الناسَ الذي أنـزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وصحة الملة التي أرسلته بها وحقِّيَّتها، فلا يخبرونهم به، ولا يعلنون من تبييني ذلك للناس وإيضاحِيه لهم، (60) في الكتاب الذي أنـزلته إلى أنبيائهم أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا الآية. كما:-
2370- حدثنا أبو كريب قال، وحدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير, أو عكرمة, عن ابن عباس قال: سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج, نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة, وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه, وأبوْا أن يُخبروهم عنه, فأنـزل الله تعالى ذكره فيهم: " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون ". (61)
2371- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى " قال، هم أهل الكتاب.
2372- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2373- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع في قوله: " إنّ الذين يكتمون ما أنـزلنا من البينات والهدى " قال، كتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم, فكتموه حسدًا وبغيًا.
2374- حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب "، أولئكَ أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله, وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم, وهم يَجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
2374م- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنّ الذين يَكتمونَ ما أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب "، زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديقٌ من الأنصار يُقال له ثَعلبة بن غَنَمة، (62) قال له: هل تجدون محمدًا عندكم؟ قال: لا! = قال: مُحمد: " البينات ". (63)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ
[قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " من بعد ما بيناه للناس "]، (64) بعضَ الناس، لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومَبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم, وإياهم عَنى تعالى ذكره بقوله: " للناس في الكتاب "، ويعني بذلك: التوراة والإنجيل.
* * *
وهذه الآية وإن كانت نـزلت في خاصٍّ من الناس, فإنها معنيٌّ بها كل كاتمٍ علمًا فرضَ الله تعالى بيانه للناس.
وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
2375- من سُئل عَن علم يَعلمهُ فكتمه, ألجِمَ يوم القيامة بلجام من نار." (65)
* * *
وكان أبو هريرة يقول ما:-
2376- حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حاتم بن وردان قال، حدثنا أيوب السختياني, عن أبي هريرة قال، لولا آيةٌ من كتاب الله ما حدَّثتكم! وتلا " إنّ الذين يكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون "، (66)
2377- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وَهْب الله بن راشد، عن يونس قال، قال ابن شهاب, قال ابن المسيب: قال أبو هريرة: لولا آيتان أنـزلهما الله في كتابه ما حدَّثت شيئًا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ إلى آخر الآية، والآية الأخرى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى آخر الآية [سورة آل عمران: 187]. (67)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك يَلعنهم الله "، هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزلهُ الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفَته وأمر دينه، أنه الحق -من بعد ما بيَّنه الله لهم في كتبهم- يلعنهم بكتمانهم ذلك، وتركهم تَبيينه للناس.
* * *
و " اللعنة "" الفَعْلة ", من " لعنه الله " بمعنى أقصاه وأبعده وأسْحَقه. وأصل " اللعن ": الطرْد، (68) كما قال الشماخ بن ضرار, وذكر ماءً ورَد عليه:
ذَعَــرْتُ بِـهِ القَطَـا وَنَفَيْـتُ عَنْـهُ
مَقَــامَ الـذِّئْبِ كَـــالرَّجُلِ الَّلعِيـــنِ (69)
يعني: مقامَ الذئب الطريد. و " اللعين " من نعت " الذئب ", وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل. (70)
* * *
فمعنى الآية إذًا: أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته, ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم، لأن لعنةَ بني آدم وسائر خَلق الله مَا لَعنوا أن يقولوا: " اللهم العنه " إذْ كان معنى " اللعن " هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد.
وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا: من مسألتهم رَبَّهم أن يَلعَنهم, وقولهم: " لعنه الله " أو " عليه لعنة الله "، لأن:-
2378- محمد بن خالد بن خِداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون "، البهائم, قال: إذا أسنَتَتِ السَّنة، (71) قالت البهائم: هذا من أجل عُصَاة بني آدم, لعنَ الله عُصَاة بني آدم!
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب " اللاعنين ". فقال بعضهم: عنى بذلك دوابَّ الأرض وهَوامَّها.
* ذكر من قال ذلك:
2379- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاءَ الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعَ القطرَ بذنوبهم.
2380- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون " قال، دواب الأرض، العقاربُ والخنافس، يقولون: مُنِعنا القطرَ بخطايا بني آدم.
2381- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو، عن منصور, عن مجاهد: " ويلعنهم اللاعنون " قال، تلعنهم الهوامّ ودواب الأرض، تقول: أمسك القطرُ عنا بخطايا بني آدم.
2382- حدثنا مُشرف بن أبان الحطاب البغدادي قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن خصيف, عن عكرمة في قوله: " أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون " قال، يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ، يقولون: مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم. (72)
2383- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ويلعنهم اللاعنون " قال، اللاعنون: البهائم.
2383م- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، البهائمُ، تلعن عُصاةَ بَني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر، فتخرج البهائم فتلعنهم.
2384- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " أولئك يَلعنهم الله &;ويَلعنهم اللاعنون "، البهائم: الإبل والبقرُ والغنم, فتلعن عُصاةَ بني آدم إذا أجدبت الأرض.
* * *
فإن قال لنا قائل: ومَا وَجْهُ الذين وجَّهوا تأويلَ قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، إلى أن اللاعنين هم الخنافسُ والعقارب ونحو ذلك من هَوامِّ الأرض, وقد علمتَ أنّها إذا جَمعتْ مَا كان من نَوع البهائم وغير بني آدم، (73) فإنما تجمعه بغير " الياء والنون " وغير " الواو والنون ", وإنما تجمعه ب " التاء ", وما خالفَ ما ذكرنا, فتقول: " اللاعنات " ونحو ذلك؟
قيل: الأمر وإن كان كذلك, فإنّ من شأن العرَب إذا وصفت شيئًا من البهائم أو غيرها - مما حُكم جَمعه أن يكون ب " التاء " وبغير صورة جمع ذُكْرَانِ بني آدم - بما هُو منْ صفة الآدميين، أن يجمعوه جمع ذكورهم, كما قال تعالى ذكره: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [سورة فصلت: 21]، فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم، إذ كلَّمتهم وكلَّموها, وكما قال: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [سورة النمل: 18]، وكما قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [سورة يوسف: 4].
* * *
وقال آخرون: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " ويَلعنهم اللاعنون "، الملائكة والمؤمنين.
* ذكر من قال ذلك:
2385- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ويَلعنهم اللاعنون "، قال، يَقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين. (74)
2386- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، الملائكة.
2387- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: " اللاعنون "، من ملائكة الله والمؤمنين.
* * *
وقال آخرون: يعني ب " اللاعنين "، كل ما عدا بني آدم والجنّ.
* ذكر من قال ذلك:
2388- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويلعنهم اللاعنون " قال، قال البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وُضع في قبره أتته دَابة كأن عينيها قِدْران من نُحاس، معها عمود من حديد, فتضربه ضربة بين كتفيه، فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه, ولا يبقى شَيء إلا سمع صوته, إلا الثقلين الجن والإنس.
2389- حدثنا المثنى قال, حدثنا إسحاق قال, حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " قال، الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق (75) فيصيح صيحةً، يسمع صَوْته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شَيء إلا لعنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: " اللاعنون "، الملائكةُ والمؤمنون. لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين, فقال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، (76) فكذلك &; 3-258 &; اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر: الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، (77) هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، (78) وهم " اللاعنون ", لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر.
* * *
وأما قول من قال إن " اللاعنين " هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهَوامِّها، (79) فإنه قول لا تدرك حَقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تَقوم به الحجة, ولا خبرَ بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم, فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك.
وإذْ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال: إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجودٌ بخلاف [قول] أهل التأويل، (80) وهو ما وصفنا. فإنْ كان جائزًا أن تكون البهائم وسائرُ خلق الله، تَلعن الذين يَكتمون ما أنـزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته, بعد علمهم به, وتلعن معهم جميع الظَّلمة - فغير جائز قطعُ الشهادة في أن الله عنى ب " اللاعنين " البهائمَ والهوامَّ ودَبيب الأرض, إلا بخبر للعذر قاطع. ولا خبرَ بذلك، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دالٌّ على خلافه. (81)
-------------
الهوامش :
(58) في المطبوعة : يقول : "إن الذين يكتمون . . . " ، وهو خطأ ناسخ ، صوابه ما أثبت .
(59) في المطبوعة : "من البينات" ، كأنه متصل بالكلام قبله ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت .
(60) كان في المطبوعة"ولا يعلمون من تبييني ذلك للناس وإيضاحي لهم" ، وهي عبارة لا تستقيم وسياق معنى الآية يقتضي ما أثبت ، من جعل"يعلمون""يعلنونه" ، وزيادة"بعد" ، وجعل"إيضاحي""إيضاحيه" .
(61) الأثر رقم : 2370- في سيرة ابن هشام 2 : 200 كما في رواية ابن حميد .
(62) في سيرة ابن هشام ، وغيرها بالغين المعجمة غير مضبوط باللفظ ، ولكن ابن حجر ضبطه في الإصابة ، وقال : "بفتح المهملة والنون" ، ولم يذكر شكًا ولا اختلافًا في ضبطه بالغين المعجمة .
(63) قوله : "قال : محمد البينات" من تفسير السدي ، ليس من الخطاب بين ثعلبة بن غنمة واليهودي . ويعني أن البينات التي يكتمونها هي محمد صلى الله عليه وسلم ، أي صفته ونعته في كتابهم .
(64) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وقد استظهرتها من نهج أبي جعفر في جميع تفسيره . وهذا سقط من الناسخ بلا ريب .
(65) الحديث : 2375- هذا حديث صحيح . ذكره الطبري هنا معلقًا دون إسناد . وقد رواه أحمد في المسند : 7561 ، من حديث أبي هريرة . وخرجناه في شرح المسند ، وفي صحيح ابن حبان بتحقيقنا ، رقم : 95 .
(66) الحديث : 2376- نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي : ثقة ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/106 ، وابن أبي حاتم 4/1/471 .
حاتم بن وردان السعدي : ثقة ، روى له الشيخان . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/260 .
أيوب السختياني : مضى في : 2039 . ولكن روايته هنا عن أبي هريرة منقطعة ، فإنه ولد سنة 66 ، وأبو هريرة مات سنة 59 أو نحوها . ومعنى الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة ، بروايات أخر متصلة ، كما سنذكر في الحديث بعده .
(67) الحديث : 2377- محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : الإمام الحافظ المصري ، فقيه عصره ، قال ابن خزيمة : "ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين - منه" . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/300-301 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 115-116 .
أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري ، مؤذن الفسطاط : ثقة ، قال أبو حاتم : "محله الصدق" . ترجمه ابن أبي حاتم 4/2/27 ، وقال : "روى عنه عبد الرحمن ، ومحمد ، وسعد ، بنو عبد الله بن عبد الحكم" . وترجم أيضًا في لسان الميزان 6 : 235 ، ونقل عن ابن يونس ، أنه مات في ربيع الأول سنة 211"وكانت القضاة تقبله" ، وروى عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم . في فتوح مصر مرارًا ، منها في ص : 182 س 3-4 : "حدثنا وهب الله بن راشد ، أخبرنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب . . . " . وهذا الإسناد ثابت في تاريخ ولاة مصر للكندي ، ص 33 ، عن علي بن قديد ، عن عبد الرحمن : "حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد" . وذكره الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 182 ، وروى : "حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع بن سليمان الجيزى ، قالا : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، إلخ" . ورواية الربيع الجيزى عنه ، ثابتة في كتاب الولاة ، ص 313 ، أيضًا .
وهذا الاسم"وهب الله" : من نادر الأسماء ، لم أره -فيما رأيت- إلا لهذا الشيخ ، ولم يذكره أصحاب المشتبه ، بل لم يذكره الزبيدي في شرح القاموس ، على سعة اطلاعه . واشتبه أمره على ناسخي الطبري أو طابعيه ، فثبت في المطبوعة هكذا : "ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد"؛ فحرفوا"وهب الله" إلى"وعبد الله" - فجعلوه راويين!
يونس : هو ابن يزيد الأيلي ، وهو ثقة ، عرف بالراوية عن الزهري وملازمته . قال أحمد بن صالح : "نحن لا نقدم في الزهري أحدًا على يونس" ، وقال : "كان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس ، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس" . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/406 ، وابن أبي حاتم 4/2/247-249 ، وابن سعد 7/2/206 .
وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، رواه مسلم 2 : 261-262 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب -فذكر حديثًا عن عائشة- ثم : "قال ابن شهاب : وقال ابن المسيب : إن أبا هريرة قال . . . " .
ورواه عبد الرزاق في تفسيره ، ص 14-15 ، عن معمر ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، بنحوه مطولا . ورواه أحمد في المسند : 7691 ، عن عبد الرزاق .
ورواه البخاري 5 : 21 (فتح) ، بنحوه ، من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن الأعرج . ورواه البخاري أيضًا 1 : 190-191 (فتح) من رواية مالك ، عن الزهري ، عن الأعرج وكذلك رواه ابن سعد 2/2/118 ، وأحمد في المسند : 7274- كلاهما من طريق مالك .
وروى الحاكم في المستدرك 2 : 271 ، نحوه مختصرًا ، من طريق أبي أسامة ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .
(68) انظر ما سلف 2 : 328 .
(69) سلف تخريجه وشرحه في 2 : 328 . وفي التعليق هناك خطأ صوابه"مجاز القرآن : 46" .
(70) كان في المطبوعة : "الطريد واللعين" ، والصواب طرح الواو .
(71) أسنتت الأرض والسنة : أجدبت ، وعام مسنت مجدب . والسنة : القحط والجدب . وكان في المطبوعة : "أسنت" ، والصواب ما أثبت . وفي الدر المنثور 1 : 162 : "إذا اشتدت السنة" .
(72) الخبر : 2382- مشرف بن أبان الحطاب البغدادي : ثبت هنا على الصواب ، كما ظهر في : 1951 . وقد مضى ذلك مغلوطًا"بشر بن أبان" : 1383 .
(73) الضمير في قوله : "أنها إذا جمعت" ، للعرب ، وإن لم يجر لها ذكر في الكلام .
(74) في المطبوعة : "يزيد بن زريع عن قتادة" بإسقاط"قال حدثنا سعيد" ، والصواب ما أثبته ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 2374 .
(75) المطرق والمطرقة : وهي أداة الحداد التي يضرب بها الحديد .
(76) هي الآية رقم : 161 ، تأتي بعد قليل .
(77) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو سهو ناسخ .
(78) في المطبوعة : "هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة . . . " ، والصواب ما أثبت .
(79) كل ماش على وجه الأرض يقال له : دابة ودبيب .
(80) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون سقطت من ناسخ .
(81) في المطبوعة : "وكتاب الله الذي ذكرناه" ، وهو كلام لا يقال . والصواب ما أثبت . والذي ذكره آنفًا : "إن الدليل من ظاهر كتاب الله . . . " .
هذا ، ورد قول هؤلاء القائلين بما قالوه ، مبين لك عن نهج الطبري وتفسيره ، وكاشف لك عن طريقته في رد الأخبار التي رواها عن التابعين ، في كل ما يحتاج إلى خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطع بالبيان عما ذكروه . والطبري قد يذكر مثل هذه الأخبار ، ثم لا يذكر حجته في ردها ، لأنه كره إعادة القول وتريده فيما جعله أصلا في التفسير ، كما بين ذلك في"رسالة التفسير" ، ثم في تفسيره بعد ، ورد أشباهه في مواضع متفرقة منه . أما إذا كان في شيء من ذلك خبر قاطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يدع ذكره ، فإذا لم يذكر -فيما أشبه ذلك- خبرًا عن رسول الله ، فاعلم أنه يدع لقارئ كتابه علم الوجه الذي يرد به هذا القول .
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾
القول في تأويل قوله تعالى : إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله واللاعنين يَلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنـزله الله وبَيَّنه للناس, إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم؛ ورَاجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, والإقرار به وبنبوّته, وتصديقه فيما جاء به من عند الله، وبيان ما أنـزل الله في كتبه التي أنـزل إلى أنبيائه، من الأمر باتباعه؛ وأصلح حالَ نفسه بالتقرب إلى الله من صَالح الأعمال بما يُرضيه عنه؛ وبيَّن الذي عَلم من وَحي الله الذي أنـزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه، وأظهرَه فلم يُخفِه =" فأولئك ", يعني: هؤلاء الذين فَعلوا هذا الذي وصفت منهم, هم الذين أتوب عليهم, فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي، والإنابة إلى مَرضَاتي.
ثم قال تعالى ذكره: " وَأنا التواب الرحيم "، يقول: وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنّى إليَّ, والرادُّها بعد إدبارها عَن طاعتي إلى طلب محبتي, والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إليَّ، أتغمدهم مني بعفو، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم، بفضل رحمتي لهم.
* * *
فإن قال قائل: وكيف يُتاب على من تاب؟ وما وَجه قوله: " إلا الذينَ تابوا فأولئك أتوب عليهم "؟ وهل يكون تائبٌ إلا وهو مَتُوب عليه، أو متوب عليه إلا وهو تائب؟
قيل: ذلك مما لا يكون أحدُهما إلا والآخر معه, فسواء قيل: إلا الذين تِيبَ عليهم فتابوا - أو قيل: إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم. وقد بيَّنا وَجه ذلك &; 3-260 &; فيما جاء من الكلام هذا المجيء، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا, فكرهنا إعادته في هذا الموضع. (82)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
2390- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبَيَّنوا "، يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله, وبيَّنوا الذي جاءهم من الله, فلم يكتموه ولم يجحدوا به: أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.
2391- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إلا الذين تَابوا وأصلحوا وبَينوا " قال، بيّنوا ما في كتاب الله للمؤمنين, وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كله في يهود.
* * *
قال أبو جعفر: وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: " وبيَّنوا "، إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنـزيل بخلافه. لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية، (83) على كتمانهم ما أنـزلَ الله تعالى ذكره وبينه في كتابه، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان, فأخرجهم من عِداد مَنْ يَلعنه الله ويَلعنه اللاعنون (84) = ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل.
والذين استثنى اللهُ من الذين يكتمون ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد &; 3-261 &; ما بيَّنه للناس في الكتاب، (85) عبدُ الله بن سلام وذَووه من أهل الكتاب، (86) الذين أسلموا فحسن إسلامهم، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-----------
الهوامش :
(82) انظر ما سلف 2 : 549 .
(83) في المطبوعة : "في مثل هذه الآية" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(84) في المطبوعة : "فأخرجهم من عذاب من يلعنه الله" ، وهو تصحيف ، صوابه ما أثبت .
(85) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو خطأ وسهو .
(86) قوله : "وذووه" ، أي أصحابه وأهل ملته ، بإضافة"ذو" إلى الضمير ، وللنحاة فيه قول كثير ، وزعموا أن ذلك يكون في ضرورة الشعر ، وليس كذلك ، بل هو آت في النثر قديمًا ، بمثل ما استعمله الطبري .