تفسير الطبري
· ابراهيمافتح في القارئوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴿٢٦﴾
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: ( يثبت الله الذين آمنوا ) ، يحقق الله أعمالَهم وإيمانهم (22) ( بالقول الثابت ) ، يقول: بالقول الحق ، وهو فيما قيل: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمدًا رسول الله.
* * *
وأما قوله: ( في الحياة الدنيا ) ، فإن أهل التأويل اختلفُوا فيه ، فقال بعضهم: عنى بذلك أن اللهَ يثَبتهم في قبورهم قبلَ قيام الساعة.
* ذكر من قال ذلك:
20758 - حدثني أبو السائب سَلْم بنُ جُنَادة قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن سَعْد بن عُبَيْدَة ، عن البَراء بن عازب ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: التثبيت في الحياة الدنيا إذا أتاه المَلكان في القبر فقالا له: مَن ربك؟ فقال: ربّي الله . فقالا له: ما دينك؟ قال: دينيَ الإسلام . فقالا له: مَن نبيك؟ قال: نبيِّي محمدٌ صلى الله عليه وسلم. فذلك التثبيت في الحياة الدنيا. (23)
20759 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن الأعمش ، عن سعد بن عُبَيْدة ، عن البراء بن عازب ، بنحو منه في المعنى. (24)
20760 - حدثني عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطي قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مَرْثَد ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء قال ، ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم المؤمنَ والكافرَ ، فقال: إن المؤمن إذا سئل في قبره قال: رَبّي الله ، فذلك قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة). (25)
20761 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا هشام بن عبد الملك قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عُبيدة ، عن البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا سئل في القبر فيشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله . قال: فذلك قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة). (26)
20762 - حدثني الحسين بن سَلَمة بن أبي كَبْشة ، ومحمد بن معمر البَحْراني واللفظ لحديث ابن أبي كبشة قالا حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال ، حدثنا عبَّاد بن راشد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: يا أيها الناس ، إن هذه الأمة تبتلى في قُبورها ، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه ، جاءه ملك بيده مِطْراقٌ فأقعده فقال: ما تقولُ في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبدُه ورسوله . فيقول له: صدقْتَ . فيفتح له بابٌ إلى النار فيقال: هذا منـزلك لو كفرتَ بربّك ، فأما إذْ آمنت به ، فإن الله أبدَلك به هذا. ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة ، فيريد أن ينْهَضَ له ، فيقال له: اسكُنْ. ثم يُفْسَح له في قبره. وأما الكافِر أو المنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما أدري ! فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَدَرّيتَ ولا اهتديتَ! ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة فيقال له: هذا كان منـزلك لو آمنت بربك ، فأما إذْ كفرت ، فإن الله أبدَلك هذا. ثم يفتح له بابٌ إلى النار ، ثم يَقْمَعُه المَلَكُ بالمطراق قَمْعَةً يسمعه خَلْقُ الله كُلهم إلا الثقلين. قال ، بعضُ أصحابه ، يا رسولَ الله ، ما مِنَّا أحدٌ يقوم على رأسه مَلَكٌ بيده مِطْراق إلا هِيلَ عند ذلك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضِلُّ الله الظالمين ويفعلُ الله ما يشاء ) . (27)
20763 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وذكر قَبْضَ روح المؤمن: فتُعاد روحُه في جسده ، ويأتيه مَلَكان فيجلسانه ، يعني في قبره ، فيقولان: مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربيَ الله . فيقولان: ما دينُك؟ فيقول ديني الإسلام . فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله . فيقولان: ما يدرِيك؟ فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنت به وصدَّقْتُ. فينادِي مُنادٍ من السماء أنْ صَدَق عبدي. قال: فذلك قول الله عز وجل ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) . (28)
20764 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية قال ، حدثنا الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه. (29)
20765 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه. (30)
20766 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير قال ، حدثنا الأعمش قال ، حدثنا المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بنحوه. (31)
20767 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو بن قيس ، عن يونس بن خبّاب ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه. (32)
20768 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر وحدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا سعيد بن منصور قال ، حدثنا مهدي بن ميمون جميعًا ، عن يونس بن خباب ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر قبضَ رُوح المؤمن! قال : فيأتيه آتٍ في قبره فيقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربيَ الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمد صلى الله عليه وسلم. فينتهره فيقول: مَنْ ربُّك ؟ وما دينك؟ فهي آخر فتنة تُعْرَض على المؤمن ، فذلك حين يقول الله عز وجل: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، ، فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فيقال له: صدقت- واللفظ لحديث ابن عبد الأعلى. (33)
20769 - حدثنا محمد بن خَلف العسقلاني قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال ، تلا رسُول الله صلى الله عليه وسلم : ( يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: ذاك إذا قيل في القبر: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، جاء بالبينات من عِنْد الله فآمنتُ به وصدَّقت . فيقال له: صَدَقْتَ ، على هذا عشت ، وعليه مِتَّ ، وعليه تُبْعَث. (34)
20770 - حدثنا مجاهد بن موسى ، والحسن بن محمد قالا حدثنا يزيد قال ، أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال ، إن الميت ليسمعَ خَفْقَ نِعالهم حين يُوَلُّون عنه مدبرين. فإذا كان مؤمنًا ، كانت الصلاة عند رأسه ، والزكاةُ عن يمينه ، وكان الصيام عن يساره ، وكان فِعْلُ الخيرات من الصّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه ، فيؤتَى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلي مَدخلٌ . فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قِبَلي مَدخلٌ . فيؤتي عن يساره فيقول الصيام: ما قِبَلي مَدخلٌ . فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخلٌ . فيقال له: اجلسْ . فيجلسُ ، قد تمثّلتْ له الشمس قد دنت للغروب ، فيقال له: أخبرنَا عمَّا نسألك . فيقول: دعُوني حتى أصلِّي . فيقال: إنك ستفعل ، فأخبرنا عما نسألك عنه! فيقول: وعمَّ تسألون؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فِيكم ، ماذا تقول فيه ، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم. فيقول أشهد أنَّه رسول الله ، وأنه جَاء بالبينات من عند الله ، فصدّقناه . فيقال له: على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك ، مِتَّ ، وعلى ذلك تُبْعث إن شاء الله. ثم يُفْسح له في قبره سبعون ذراعًا ويُنوَّر له فيه ، ثم يُفْتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى ما أعدّ الله لك فيها ، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا ، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر ما صَرَف الله عنك لو عصيتَه ! فيزداد غبْطةً وسرورًا. ثمّ يجعل نَسَمُه في النَّسَم الطَّيب ، وهي طيْرٌ خُضْرٌ تُعَلَّق بشجر الجنة ، ويعاد جسده إلى ما بُدئ منه من التراب ، وذلك قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) . (35)
20771 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا أبو قطن قال ، حدثنا المسعودي ، عن عبد الله بن مخارق ، عن أبيه ، عن عبد الله قال ، إنّ المؤمن إذا مات أُجْلِس في قبره ، فيقال له: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك؟ فيثبّته الله فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيّي محمد. قال: فقرأ عبد الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ) . (36)
20772 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا أبو خالد القرشي ، عن سفيان ، عن أبيه وحدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن خيثمة ، عن البراء ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: عذاب القبر. (37)
20773 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، في قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال شعبةُ شيئًا لم أحفظه ، قال : في القبر. (38)
20774 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) ، إلى قوله: ( ويضل الله الظالمين ) ، قال: إن المؤمن إذا حضَره الموت شهدته الملائكة ، فسلموا عليه وبشروه بالجنة ، فإذا ماتَ مشَوْا في جنازته ثم صلوا عليه مع الناس ، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربّيَ الله . ويقال له: منْ رسولك؟ فيقول: محمد . فيقال له: ما شهادَتُك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله. فيوسَّع له في قبره مَدّ بَصَره (39) .
20775 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج ، سمعت ابن طاوس يخبر عن أبيه قال ، لا أعلمه إلا قال: هي في فِتنَةِ القبر ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) .
20776 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، هي في صاحب القبر.
20777 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن العوّام ، عن المسيب بن رافع: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: نـزلت في صاحب القبر.
20778 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا عباد بن العوّام ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه المسيَّب بن رافع ، نحوه.
20779 - حدثني المثنى قال ، أخبرنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، في قول الله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسْأل في قبورها ، فيثبّت الله المؤمن في قبره حين يُسْأل.
20780 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو ربيعة فَهْدٌ قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر قبضَ روح المؤمن ، قال : فترجع روحُه في جسده ، ويبعث الله إلَيه مَلكين شديدي الانتهار ، فيجلسانه وينتهرانه ، يقولان: من رَبك؟ قال: فيقول: الله . وما دينك؟ قال: الإسلام. قال : فيقولان له: ما هذا الرجل ، أو النبيّ ، الذي بُعث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله. قال ، فيقولان له: وما يُدْريك؟ قال: فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنتُ به وصدّقت ! فذلك قول الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) (40) .
20781 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: نـزلت في الميت الذي يُسْأل في قبره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
20782 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: في قول الله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، قال: بلغنا أن هذه الأمة تُسأل في قبورها ، فيثبت الله المؤمنَ حيث يُسْأَل.
20783 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: هذا في القبر مُخَاطبته ، وفي الآخرة مثل ذلك.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: يثبت الله الذين آمنوا بالإيمان في الحياة الدنيا ، وهو " القول الثابت " " وفي الآخرة " ، المسألةُ في القبر.
* ذكر من قال ذلك:
20784 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، قال: لا إله إلا الله( وفي الآخرة ) ، المسألة في القبر.
20785 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ) ، أما " الحياة الدنيا " فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ، وقوله ( وفي الآخرة ) ، أي في القبر.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ما ثبتَ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وهو أنّ معناه: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) ، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (وفي الآخرة) بمثل الذي ثبَّتهم به في الحياة الدنيا ، وذلك في قبورهم حين يُسْألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما قوله: ( ويضلُّ الله الظالمين ) ، فإنه يعني ، أن الله لا يوفِّق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المُسَاءَلة في القبر ، (41) لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم (42) .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
20786 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : أما الكافرُ فتنـزل الملائكة إذا حضره الموت ، فيبسُطون أيديهم " والبَسْط" ، هو الضرب يضربون وجوههم وأدبارَهم عند الموت. فإذا أدْخِل قبره أقعد فقيل له: من ربك؟ فلم يرجِع إليهم شيئًا ، وأنساه الله ذكر ذلك . وإذا قيل له: من الرسول الذي بُعِث إليك؟ لم يهتد له ، ولم يرجع إليه شيئًا ، يقول الله: ( ويضل الله الظالمين ) (43) .
20787 - حدثني المثنى قال ، حدثنا فهْد بن عوف ، أبو ربيعة قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذَكَر الكافر حين تُقْبض روحه ، قال : فتعاد روحُه في جسده. قال ، فيأتيه ملكَان شديدَا الانتهار ، فيجلسانه فينتهرانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري؟ قال فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: لا أدري ، قال : فيقال له: ما هذا النبيّ الذي بُعِث فيكم؟ قال: فيقول: سمعت الناس يقولون ذلك ، لا أدري. قال ، فيقولان: لا دريتَ . قال: وذلك قول الله: ( ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) . (44)
* * *
وقوله: ( ويفعل الله ما يشاء ) ، يعني تعالى ذكره بذلك: وبيدِ الله الهداية والإضلال ، فلا تنكروا ، أيها الناس ، قدرتَه ، ولا اهتداءَ من كان منكم ضالا ولا ضلالَ من كان منكم مهتديًا ، فإنّ بيده تصريفَ خلقه وتقليبَ قلوبهم ، يفعل فيهم ما يشاء.
------------------------
الهوامش :
(22) انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف 15 : 539 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(23) الأثر : 20758- حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، رواه أبو جعفر بأربعة عشر إسنادًا في هذا الموضع ، فأحببت أن أجمعها ، وأفصلها ، لتسهل مراجعتها ، ولا يتبعثر القول فيها ، ويسهل تخريجها ويستبين . فالحديث عن البراء مروي من ثلاث طرق :
1 - طريق سعد بن عبيدة ، عن البراء .
2 - طريق زاذان ، عن البراء .
3 - طريق خيثمة ، عن البراء .
فعند بدء كل طريق ، أذكر طرق إسناده مفصلة إن شاء الله ، وهذه أوان بيان الطريق الأولى :
(1)
طريق سعد بن عبيدة عن البراء .
رواه أبو جعفر من طريقين :
1 - من طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة .
2 - من طريق علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة .
(1) طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة .
1 - من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش برقم : 20758 .
2 - من طريق جابر نوح ، عن الأعمش برقم : 20759 .
(1) وطريق أبي معاوية ، هو هذا الإسناد الأول ، وهذا بيانه :
" أبو السائب " ، " سلم بن جنادة بن خالد السوائي " ، شيخ أبو جعفر ، روى عنه البخاري خارج الصحيح ، شيخ صدوق ، قال البرقاني : " ثقة حجة لا شك فيه ، يصلح للصحيح " ، مضى مرارًا آخرها رقم : 8395 .
و " أبو معاوية " ، هو " محمد بن خازم التميمي السعدي " ، روى له الجماعة ، ثقة في حديث الأعمش ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17722 .
و " سعد بن عبيدة " ، كان في المخطوطة في جميع مواضعه " سعيد " ، وهو خطأ .
فهذا حديث صحيح الإسناد ، لم أجده عند غير أبي جعفر ، من هذه الطريق .
(24) الأثر : 20759 - الإسناد التالي انظر التعليق السالف .
(2) طريق جابر بن نوح ، عن الأعمش
و " جابر بن نوح الحماني " ، ضعيف الحديث ، قال ابن معين ليس حديثه بشيء .
فالخبر من هذه الطريق ضعيف الإسناد ، ولم أجده عند غير أبي جعفر ، والصحيح هو الإسناد السالف .
(25) الأثر : 20760 - هذه هي الطريق الثانية ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء .
(2) طريق علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة .
1 - طريق شعبة ، عن علقمة بن مرثد .
رواه أبو جعفر ، من ثلاث طرق ، هذا أولها ،
(1) عن وهب بن جرير، عن شعبة ، 20760 ،(2) وعن هشام بن عبد الملك ، عن شعبة : 20761 . (3) وعن عفان ، عن شعبة : 20773 .
وهاك بيان الطريق الأولى في هذا الخبر .
" عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطي " ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، وقد روى عنه في تاريخ الصحابة ( انظر ذيل المذيل تاريخ الطبري 13 : 61 ) .
و " وهب بن جرير بن حازم الأزدي " ، الحافظ ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 2858 ، 4346 ، 5418 ، 14157 . ولم أجد الخبر فيما بين يدي من طريق وهب بن جرير ، عن شعبة . ولكن حديث شعبة ، عن علقمة ، رواه الأئمة :
فرواه أحمد في مسنده 4 : 282 عن طريق عفان، عن شعبة ، وهو الذي رواه أبو جعفر برقم : 20773 . ثم رواه في مسنده 4 : 91 ، من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة . وسيأتي في رواية أصحاب الكتب .
رواه البخاري في صحيحة ( الفتح 3 : 184 ) من طريق حفص بن عمر ، عن شعبة ، من طريق محمد بن جعفر ، غندر ، عن شعبة . ثم رواه ( الفتح 8 :/ 286 ) ، من طريق أبي الوليد الطيالسي ، هشام بن عبد الملك الباهلي ، وهو الذي رواه أبو جعفر برقم : 20761 ، كما سيأتي .
ورواه مسلم في صحيحة ( 17 : 204 ) من طريق محمد بن جعفر ، غندر ، عن شعبة .
ورواه أبو داود في سننه 4 : 329 . من طريق أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة .
ورواه النسائي في سننه 4 : 101 ، من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة .
ورواه الترمذي في سننه في التفسير ، من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة .
ورواه ابن ماجه في سننه : 1427 من طريق محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة .
وهو حديث صحيح .
(26) الأثر : 20761 - هو مكرر الأثر السالف .
" هشام بن عبد الملك الباهلي " ، " أبو الوليد الطيالسي " ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة.
ومن طريق أبو الوليد ، عن شعبة رواه البخاري ، وأبو داود ، كما سلف في تخريج الذي قبله .
وكان في المطبوعة : " إذا سئل في القبر يشهد " ، كما في رواية البخاري ، ورواية أبي داود : " فشهد " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكل صواب .
وكان في المخطوطة هنا " سعيد " ، مكان " شعبة " ، وهو تصحيف فاحش .
(27) الأثر : 20762 - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي ، الطحان " شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 17608 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحسن بن سلمة " ، وهو خطأ .
و " محمد بن معمر البحراني " ، شيخ الطبري ، ثقة ، روى له الجماعة . مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم : 16885 .
و " عبد الملك بن عمرو القيسي " ، و " أبو عامر العقدي " ، ثقة من شيوخ أحمد ، مضى مرارًا ، آخرها : 17608 .
و " عباد بن راشد التميمي " ، ثقة ، وليس بالقوي ، روى له البخاري مقرونًا بغيره ، مضى مرارًا ، آخرها : 17608
و " داود بن أبي هند " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة .
و " أبو نضرة " ، " المنذر بن مالك بن قطعة العبدي " ، تابعي ، ثقة ، كثير الحديث ، مضى مرارًا آخرها رقم : 15797 - 15801 .
فهذا حديث صحيح الإسناد ، رواه أحمد في مسنده 3 : 3 ، عن أبي عامر العقدي ، بإسناده. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 47 ، وقال : " رواه أحمد والبزار ، ورجاله رجال الصحيح " ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 80 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت ، وابن أبي عاصم في السنة ، وابن مردويه ، والبيهقي في عذاب القبر ، وقال: " بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري " . وفي لفظ الخبر بعض الخلاف .
" المطراق " ، مما لم تذكره كتب اللغة ، وهو ثابت ، في جميع روايات الخبر، في المواضع التي ذكرتها ، وهو صحيح في العربية ، ومثله " المطرق " بكسر فسكون ، ومضى في الخبر رقم : 2389 ، و " المطرقة " ، ، وهي مضربة الحداد التي يطرق بها الحديد .
وقوله : " لا دريت ، ولا تدريت " ، هكذا هو في المخطوطة ، فأثبته على ذلك، وكان في المطبوعة : " لا دريت ولا تليت " ، كما جاء في جميع المراجع الآنفة . والذي في المخطوطة مكتوب بوضوح ، لا أجده سائغا أن يكون الناسخ صحف " تليت " إلى " تدريت " . مع شهرة الخبر . فإن صحت هذه رواية في الخبر رواها أبو جعفر ، فإنه تكون " تَفَعَّلَ " من " دَرَى " أي طلبت الدراية ، كما تقول " علم " ، وهما سواء في المعنى . وهي جيدة المعنى جدًا .
وأما " لا دريت ولا تليت " ، فقد اختلف في معناها . قالوا : هي من " تلوت " أي لا قرأت ولا درست من " تلا يتلو " فقالها بالياء ليعاقب بها " الياء " في " دريت " . وكان يونس يقول : " إنما هو : " ولا أَتليت " في كلام العرب ، معناه : أن لا تتلى إبله ، أي لا يكون لها أولاد " تتلوها ". وقال غيره : " إنما هو : لا دريت ولا اتَّليت ، على افتعلت ، من " ألوت " أي أطقت واستطعت ، فكأنه قال : لا دريت ولا استطعت " . وقال ابن الأثير : " المحدثون يرون هذا الحديث : ولا تليت ، وصوابه : " ولا ائتَليْت " .
وقال الزمخشري في الفائق ( تلا ) ، وذكر الخبر : " أي ، ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه . ويجوز أن يكون من قولهم : " تلا فلان تِلْوَ غير عاقِل " ، إذا عمل عمل الجهال ، أي لا علمت ولا جهلت يعني : هلكت فخرجت من القبيلتين .
وأحسب أن الذي في التفسير ، إن صحت روايته ، أبين دلالة على المعنى مما ذهبوا إليه . هذا ، وفي رواية الخبر عند جمعهم زيادة في هذا الموضع : " فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئًا " . وهذه رواية أحمد .
(28) الأثر : 20763 - هذه هي الطريق الثانية ، كما ذكرت في التعليق على رقم : 20758 .
(2) طريق زاذان ، عن البراء .
رواه أبو جعفر من طريقين مختصرًا .
1 - طريق الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان .
2 - طريق يونس بن خباب ، عن المنهال ، عن زاذان .
ثم رواه عن الأعمش من خمس طرق : عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش : 20763 ، وعن أبي معاوية ، عن الأعمش : 20764 ، وعن جرير ، عن الأعمش : 20765 ، وعن ابن نمير ، عن الأعمش : 20766 ، وعن أبي عوانة ، عن الأعمش : 20780 ، 20787 .
و" المنهال بن عمرو الأسدي " . تكلموا فيه ، ووثقه جماعة ، ورجح أخي السيد أحمد رحمه الله توثيقه في المسند 714 ، وفي الطبري : 337 . وقال أبو الحسن بن القطان : " كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال ، ورد من روايته حديث البراء " ، يعني هذا الحديث ، ولم يخرج له البخاري ولا مسلم في الصحيح شيئًا . وروى ابن أبي خيثمة : أن المغيرة ، صاحب إبراهيم ، ( وهو المغيرة بن مقسم الضبي ) ، وقف على يزيد بن أبي زياد فقال : ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق ، إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو ، وعن عباية ، ففارقني على أن لا يفعل ، ثم هو يروي عنهما ، نشدتك بالله تعالى ، هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين ؟ قال : اللهم لا " ، فهذا من أشد ما يقال فيه ، ولكنه محمول إن شاء الله على مقالة المتعاصرين ، يقول بعضهم في بعض .
و " زاذان " ، " أبو عبد الله أو أبو عمر الكندي " الضرير البزار ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا .
وقد أفاض أبو عبد الله الحاكم في المستدرك 1 : 37 - 40 في جمع طرق هذا الحديث ، وجاء بالشواهد من الأخبار على شرط الشيخين ، يستدل بها على صحة خبر المنهال ، عن زاذان .
وزاد الحاكم رواية سفيان ، عن الأعمش 1 : 38 ، وهي في المسند 4 : 297 ، ، ورواية شعبة ، عن الأعمش 1 : 38 ، وفي مسند أحمد رواية زائدة عن الأعمش 4 : 288 .
وزاد أبو جعفر الطبري رواية أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش في هذا الإسناد ، وفيما سلف مختصرًا رقم : 14614 . وانظر الكلام على الآثار التالية من هذه الطريق ، وما سلف في التعليق على رقم : 14614 . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 49 - 51 ، وقال : " هو في الصحيح وغيره ، باختصار ، رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح "
(29) الأثر : 20764 - من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، رواه أحمد في المسند 4 : 287 ، والحاكم في المستدرك 1 : 37 ، وأبو داود في سننه 4 : 330 .
(30) 20765 - من طريق جرير ، عن الأعمش ، رواه أبو داود مختصرًا في سننه 3 : 289 .
(31) الأثر : 20766 - من طريق عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، رواه أحمد في المسند 4 : 288 ، وأبو داود في سننه 4 : 331 ، والحاكم في المستدرك 1 : 37 .
(32) الأثر : 20768 - هذه طريق يونس بن خباب ، عن المنهال ، كما ذكرت في التعليق على رقم : 20763 ، رواها أبو جعفر من طريق عمرو بن قيس ، عن يونس : 20768 . ومن طريق معمر ، عن يونس : 20769 ، ومهدي بن ميمون ، عن يونس : 20769 أيضًا .
و " يونس بن خباب الأسيدي " ، ضعيف جدًا ، قال يحيى القطان : " ما تعجبنا الرواية عنه " ، وقال ابن معين : " رجل سوء ، وكان يشتم عثمان " . وقال البخاري : " منكر الحديث " ، وقال : ابن حبان : " لا تحل الرواية عنه " . وقال أبو حاتم : " مضطرب الحديث ، ليس بالقوي " ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/404 ، وابن أبي حاتم 4/2/238 ، وميزان الاعتدال 3 : 337 .
وهذا حسبك في ضعفه من هذه الطريق . وقد زاد أحمد في مسنده 4 : 296 ، روايته من طريق حماد بن زيد ، عن يونس . وزاد الحاكم في المستدرك روايته من طريق شعيب بن صفوان عن يونس . وعباد بن عباد ، عن يونس 1 : 39 .
(33) الأثر : 20768 - مكرر الأثر السالف .
وحديث معمر ، عن يونس بن خباب ، رواه أحمد في المسند 4 : 295 ، والحاكم في المستدرك 1 : 39 .
وحديث مهدي بن ميمون ، عن يونس ، رواه الحاكم في المستدرك 1 : 39.
(34) الأثر : 20769 - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني " ، شيخ الطبري ، ثقة مضى مرارًا . آخرها رقم : 20633 .
و " آدم " ، هو " آدم بن أبي إياس العسقلاني " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 16944 .
و " حماد بن سلمة " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة .
و " محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة.
و " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري " ، تابعي ثقة ، كثير الحديث ، مضى مرارًا .
فهذا خبر صحيح الإسناد ، ولم أجده عند غير أبي جعفر ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 81 ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه ، وكأنه مختصر الخبر التالي .
(35) الأثر : 20770 - لعله مطول الخبر السالف .
" مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 510 ، 3396 .
و " الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها : 20411 .
و " يزيد " هو " يزيد بن هارون السلمي الواسطي " ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير ، مضى مرارًا كثيرة آخرها : 15348 .
فهذا خبر صحيح الإسناد ، أخرجه الحاكم في المستدرك 1 : 379 من طريق سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، ثم من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو 1 : 380 ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " ، وتابعه الذهبي .
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 51 ، 52 ، مطولا وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وإسناده حسن " ، ثم قال : " روى البزار طرفًا منه " ، ثم انظر حديثًا آخر عنده عن أبي هريرة 3 : 53 ، 54 .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 80 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبه ، وهناد بن السري في الزهد ، وابن المنذر ، وابن حبان ، وابن مردويه ، والبيهقي .
وكان في المطبوعة : " فيجلس قد مثلت له الشمس " ، كما في مجمع الزوائد ، والدر المنثور . وفي المستدرك : " فيقعد ، وتمثل له الشمس " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(36) الأثر : 20771 - " أبو قطن " " عمرو بن الهيثم الزبيدي القطعي " ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 20599 .
و " المسعودي " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي " ، كان ثقة ، واختلط بأخرة ، رواية المتقدمين عنه صحيحة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17982 .
و " عبد الله بن مخارق " ، مشكل أمره جدًا . فقد ترجم له البخاري في الكبير 3/1/208 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/179 ، وقالا جميعًا واللفظ هنا لابن أبي حاتم : " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي كوفي ، روى عن أبيه مخارق ، روى عنه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ، وأبو العميس عتبة بن عبد الله ، وعبد الملك بن أبي غنية " ، ثم ذكر ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه سئل عن " عبد الله بن مخارق بن سليم فقال : مشهور " .
وقال البخاري في ترجمته : " روى سماك ، عن قابوس بن مخارق الشيباني ، وروى أيضًا سليمان الشيباني ، عن مخارق بن سليم الشيباني ، فلا أدري ما بينهما " . فشك البخاري في نسبة أبيه أهو " سلمي " أو " شيباني " ، كما ترى .
فلما ترجم في فصل " مخارق " ، الكبير 4/1/430 ترجم " مخارق " أبو قابوس ، عن علي ، روى عنه ابنه قابوس ، وهو ابن سليم ، قاله ابن طهمان " . ثم ترجم بعده " مخارق بن سليم الشيباني " وقال : " يعد في الكوفيين " ، وأغفل " مخارق بن سليم السلمي " ، الذي ذكر في ترجمة ابنه " عبد الله بن مخارق بن سليم السلمي " ، أنه روى عن أبيه ، وهو صحابي ، كما هو ظاهر . وكذلك فعل ابن أبي حاتم 4/1/352 ، اقتصر أيضًا على " مخارق بن سليم الشيباني " ، وأغفل " السلمي " الذي ذكره في باب " عبد الله " .
وأما الحافظ ابن حجر في التهذيب ، وفي الإصابة ، فإنه قال : " مخارق بن سليم الشيباني " ، أبو قابوس ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وعلي بن أبي طالب . روى عنه ابناه قابوس ، وعبد الله . ذكره ابن حبان في الثقات " .
فهذا لفظ جامع ، يدل على أن " عبد الله بن مخارق " هذا إنما هو " الشيباني " ، وأن " السلمي " ، نسبة لا يكاد يعرف صاحبها ، وتزيد أباه في الصحابة جهالة ، وهذا مستبعد .
و " عبد الله بن مخارق بن سليم الشيباني " ، هو نابغة بني شيبان ، الشاعر المشهور ، وهو أخو " قابوس بن مخارق بن سليم الشيباني " ، المترجم في التهذيب ، وفي الكبير 4/1/193 ، غير منسوب إلى " شيبان " أو " سليم " وفي ابن أبي حاتم 3/2/145 ، فيما أرجح . وقد كنت قرأت قديمًا في كتاب غاب عني مكانه اليوم : أن قابوسًا كان شاعرًا ، وأن أخاه عبد الله ، نابغة بني شيبان ، كان محدثًا ، ثم رأى أحدهما رؤيا ، أو كلاهما ، فترك " قابوس " الشعر وطلب الحديث ، وترك " عبد الله " الحديث وأخذ في الشعر ، فصار نابغة بني شيبان . وقد كان عبد الله بن مخارق نابغة بني شيبان ، ينشد الشعر فيكثر ، حتى إذا فرغ قبض على لسانه فقال : والله لأسلطن عليك ما يسوءك : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " ( جاء هذا في كتاب المنتقى من أخبار الأصمعي : 6 ) ، فهذا كأنه مؤيد للرواية التي غاب عني مكانها ، وأسأل من وجدها أن يدلني على مكانها .
فهذا الخبر مضطرب جدًا ، ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 54 وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وإسناده حسن " ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن جرير ، والطبراني ، والبيهقي في عذاب القبر .
(37) الأثر : 20772 - هذه هي الطريق الثالثة ، لحديث البراء مختصرًا .
(3) طريق خيثمة ، عن البراء .
من طريق واحدة ، بإسنادين .
1 - سفيان ، عن أبيه ، عن خيثمة .
أما الأول ، فعن " أبي خالد القرشي " ، وهو " عمرو بن خالد القرشي " ، وهو منكر الحديث . كذاب ، غير ثقة ولا مأمون ، مترجم في التهذيب ، والكبير 3/2/328 ، وابن أبي حاتم 3/1/230 وميزان الاعتدال 2 : 286 ، فهو بإسناد أبي خالد متروك لا يشتغل به .
وأما " أبو أحمد " ، فهو الزبيري " محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي " ، ثقة روى له الجماعة مضى مرارًا ، آخرها : 20470 .
و " سفيان " هو الثوري الإمام .
وأبوه " سعيد بن مسروق الثوري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 13766 .
و " خيثمة " ، هو " خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة مضى مرارًا آخرها : 11145 .
ومن طريق سفيان عن أبيه ، رواه مسلم في صحيحه ( 17 : 204 ) ، والنسائي في سننه 4 : 101 ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان .
(38) الأثر : 20773 - هو مكرر الأثر السالف : 20760 ، مع زيادة .
و " عفان " ، هو " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار " ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 20331 .
ومن طريق عفان رواه أحمد في المسند 4 : 282 ، كما سلف في تخريج الخبر رقم 20760 .
(39) الأثر : 20774 - هذا إسناد ضعيف جدًا ، وإن كثر دورانه في التفسير ، وسلف بيانه وشرحه في أول التفسير رقم : 305 .
(40) الأثر : 20780 - حديث البراء بن عازب ، من طريق زاذان عن البراء ، كما سلف في التعليق علي : 20758 ، ثم من طريق الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، كما سلف في التعليق على: 20763 .
" أبو ربيعة " ، " فهد " ، متكلم فيه ، كما سلف بيانه رقم : 5623 ، وقد مضى مرارًا آخرها : 15905 .
و " أبو عوانة " ، هو " الوضاح بن عبد الله اليشكري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 17010 .
ومن طريق أبي عوانة ، عن الأعمش رواه أبو داود الطيالسي في مسنده مطولا : 102 ، وقد سلف ما قلناه في هذا الإسناد في شرح الأثر رقم : 20763 ، وانظر ما سيأتي رقم : 20787 ، بهذا الإسناد نفسه .
(41) في المطبوعة : " المسألة " ، وكتب في رسم المخطوطة : " المسايلة " ، وهي صحيحة.
(42) في المطبوعة قدم وأخر : ، " لما هدي له من الإيمان المؤمن بالله " ، وليست بشيء .
(43) في المطبوعة : " يقول : ويضل الله الظالمين ، والصواب ما في المخطوطة .
(44) الأثر : 20787 - هذا آخر حديث البراء بن عازب . وانظر التعليق السالف على الأثر : 20780 .
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴿٢٧﴾
يقول تعالى ذكره: ألم تنظر يا محمد ( إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) يقول: غيروا ما أنعم الله به عليهم من نعمه ، فجعلوها كُفرا به، وكان تبديلهم نعمة الله كفرا في نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم الله به على قريش ، فأخرجه منهم ، وابتعثه فيهم رسولا رحمة لهم ، ونعمة منه عليهم ، فكفروا به ، وكذّبوه ، فبدّلوا نعمة الله عليهم به كفرا. وقوله: ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) يقول: وأنـزلوا قومهم من مُشركي قريش دار البوار ، وهي دار الهلاك ، يقال منه: بار الشيء يبور بورا: إذا هلك وبطل ؛ ومنه قول ابن الزِّبعرى ، وقد قيل إنه لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
يــا رَسُــولَ الملِيــكِ إِنَّ لِسـانِي
رَاتِــقٌ مــا فَتَقْـتُ إذْ أنـا بُـورُ (45)
-----------------------------
الهوامش :
(45) البيت ( في اللسان : بور ) منسوب إلى عبد الله بن الزبعري السهمي قال : رجل بور ، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث ، وأنشد البيت شاهدا عليه . وفي سيرة ابن هشام أنشد البيت ونسبه إلى ابن الزبعري ، قاله من أبيات حين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان هاربا منه في نجران. والراتق الذي يصلح ما بلي أو تمزق من الثوب ، وفتقت يعني ما أحدث في الدين من مقاومة النبي وهجائه بشعره ، وهو إثم يشبه الفتق في الثوب ، والتوبة رتق له ، وبور هالك : يقال رجل بور وبائر ، وهو محل الشاهد عند المؤلف ، وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ، " دار البوار " أي الهلاك والفناء ، ويقال منه بار يبور ، ومنه قول عبد الله ابن الزبعرى البيت .
۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ﴿٢٨﴾
ثم ترجم عن دار البوار ، وما هي ؟ فقيل ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) يقول: وبئس المستقرّ هي جهنم لمن صلاها. وقيل: إن الذين بدّلوا نعمة الله كفرا: بنو أمية ، وبنو مخزوم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار وأحمد بن إسحاق ، قالا ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عليّ بن زيد ، عن يوسف بن سعد ، عن عمر بن الخطاب ، في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ ) قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة ، وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ؛ وأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين.
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : أخبرنا حمزة الزيات ، عن عمرو بن مرّة ، قال : قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين ، هذه الآية ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ؟ قال: هم الأفجران من قريش أخوالي وأعمامك ، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر ، وأما أعمامك فأملى اللَّه لهم إلى حين.
حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق (46) عن عمرو ذي مرّ ، عن عليّ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: الأفجران من قريش.
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مرّ ، عن عليّ ، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان وشريك ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ذي مرّ ، عن عليّ ، قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة ، فقطع الله دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت عمرا ذا مرّ ، قال : سمعت عليا يقول في هذه الآية ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: الأفجران من بني أسد وبني مخزوم.
حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شعبة ، عن القاسم بن أبي بزّة ، عن أبي الطفيل ، عن عليّ ، قال : هم كفار قريش. يعني في قوله ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ ) .
حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن القاسم بن أبي بزّة ، عن أبي الطفيل أنه سمع عليّ بن أبي طالب ، وسأله ابن الكوّاء عن هذه الآية ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم كفار قريش يوم بدر.
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، عن شعبة ، عن القاسم بن أبي بزّة ، قال : سمعت أبا الطفيل ، قال : سمعت عليا ، فذكر نحوه.
حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي أرطأة ، عن عليّ في قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: هم كفَّار قريش ، هكذا قال أبو السائب مسلم البطين ، عن أبي أرطأة.
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : ثنا أبو معاوية الضرير ، قال : ثنا إسماعيل بن سميع ، عن مسلم بن أرطأة ، عن عليّ ، في قوله تعالى ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: كفار قريش.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يعقوب بن إسحاق ، قال : ثنا شعبة ، عن القاسم بن أبي بزّة ، عن أبي الطفيل ، عن عليّ ، قال في قول الله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم كفار قريش.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا شعبة ، عن القاسم بن أبي بزّة ، قال : سمعت أبا الطفيل يحدّث ، قال : سمعت عليا يقول في هذه الآية ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: كفار قريش يوم بدر.
حدثنا الحسن ، قال : ثنا الفضل بن دكين ، قال : ثنا بسام الصَّيرفيّ ، قال : ثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة ، ذكر أن عليا قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني ، ولن تسألوا بعدي مثلي ، فقام ابن الكوّاء فقال ، من ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ؟ قال: منافقو قريش.
حدثنا الحسن ، قال : ثنا محمد بن عبيد ، قال : ثنا بسام ، عن رجل قد سماه الطنافسيّ ، قال : جاء رجل إلى عليّ ، فقال: يا أمير المؤمنين: من ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ؟ قال: في قريش.
حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا بسام الصيرفيّ ، عن أبي الطفيل ، عن عليّ أنه سئل عن هذه الآية ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: منافقو قريش.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عفان ، قال : ثنا حماد ، قال : ثنا عمرو بن دينار ، أن ابن عباس قال في قوله ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم المشركون من أهل بدر.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الجبار ، قال : ثنا سفيان ، عن عمرو ، قال : سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول: هم والله أهل مكة ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا صالح بن عمر ، عن مطرف بن طريف ، عن أبى إسحاق قال: سمعت عمرا ذا مرّ يقول: سمعت عليا يقول على المنبر ، وتلا هذه الآية ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) . قال: هما الأفجران من قريش ، فأما أحدهما فقطع الله دابرهم يوم بدر ، وأما الآخر فمُتِّعوا إلى حين.
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال: حدثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: كفار قريش.
حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا عبد الوهاب ، عن مجاهد ، قال : كفار قريش.
حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) كفار قريش.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، قال : سمعت ابن عباس يقول: هم والله ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قريش. أو قال: أهل مكة.
حدثنا ابن وكيع وابن بشار ، قالا حدثنا غُنْدر ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: قتلى يوم بدر.
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثني عبد الصمد ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم كفار قريش.
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا هشيم ، عن حُصَين ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، قالا هم قتلى بدر من المشركين.
حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس في ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم والله أهل مكة. قال: أبو كريب: قال سفيان: يعني كفارهم.
حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، في قوله ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم المشركون من أهل بدر.
حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، عن بعض أصحاب عليّ ، عن عليّ ، في قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: هم الأفجران من قريش من بني مخزوم وبني أمية ، أما بنو مخزوم فإن الله قطع دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين.
حدثني المثنى ، قال : ثنا معلى بن أسد ، قال : أخبرنا خالد ، عن حصين ، عن أبي مالك ، في قول الله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) قال: هم القادة من المشركين يوم بدر.
حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، قالا هم كفار قريش من قُتل ببدر.
حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : هم كفار قريش ، من قُتل ببدر.
حُدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك ، يقول في قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) ... الآية ، قال : هم مشركو أهل مكة.
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : أخبرني محمد بن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار ، قال : نـزلت هذه الآية في الذين قُتلوا من قريش ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ... الآية.
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) كنا نحدّث أنهم أهل مكة: أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر ، قال الله: ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هم قادة المشركين يوم بدر ، أحلوا قومهم دار البوار ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ) .
حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: هؤلاء المشركون من أهل بدر. وقال آخرون في ذلك ، بما حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي عن ابن عباس ، قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ) فهو جبلة بن الأيهم ، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن عباس ( دَارَ الْبَوَارِ ) قال: الهلاك. قال ابن جريج ، قال مجاهد ( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) قال: أصحاب بدر.
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( دَارَ الْبَوَارِ ) النار. قال: وقد بَيَّن الله ذلك وأخبرك به ، فقال ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ) هي دارهم في الآخرة.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴿٢٩﴾
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء الذين بدّلوا نعمة اللَّه كفرا لربهم أندادا ، وهي جماع نِدّ ، وقد بيَّنت معنى الندّ ، فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته ، وإنما أراد أنهم جعلوا لله شركاء .
كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) والأنداد: الشركاء. وقوله ( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفيين ( لِيُضِلُّوا ) بمعنى: كي يضلوا الناس عن سبيل الله بما فعلوا من ذلك. وقرأته عامَّة قرّاء أهل البصرة: " ليَضَلُّوا " بمعنى: كي يضلّ جاعلو الأنداد لله عن سبيل الله. وقوله ( قُلْ تَمَتَّعُوا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدا من الله لهم ، لا إباحَة لهم التمتع بها ، ولا أمرا على وجه العبادة ، ولكن توبيخا وتهددا ووعيدا ، وقد بَيَّن ذلك بقوله ( فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا ، فإنها سريعة الزوال عنكم ، وإلى النار تصيرون عن قريب ، فتعلمون هنالك غبّ تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به.
------------------------------
الهوامش :
(46) لعله هو عمرو بن مرة ، كما في ابن كثير في هذا الأثر .
وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ﴿٣٠﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم ( قُلْ) يا محمد ( لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بك ، وصدّقوا أن ما جئتهم به من عندي ( يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) يقول: قل لهم: فليقيموا الصلوات الخمس المفروضة عليهم بحدودها ، ولينفقوا مما رزقناهم، فخوّلناهم من فضلنا سرّا وعلانية ، فليؤدّوا ما أوجبت عليهم من الحقوق فيها سرّا وإعلانا( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ) يقول: لا يقبل فيه فدية وعوض من نفس وجب عليها عقاب الله بما كان منها من معصية ربها في الدنيا ، فيقبل منها الفدية ، وتترك فلا تعاقب. فسمى الله جل ثناؤه الفدية عوضا ، إذ كان أخذ عوض من معتاض منه. وقوله ( وَلا خِلالٌ ) يقول: وليس ، هناك مخالة خليل ، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته ، بل هنالك العدل والقسط ، فالخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلالا ومنه قول امرئ القيس:
صـرفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَهِ الرَّدَى
وَلَسْــتُ بِمَقْـلِيَ الخِـلالِ ولا قـالي (47)
وجزم قوله ( يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) بتأويل الجزاء ، ومعناه: الأمر يراد قل لهم ليقيموا الصلاة.
حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس ( قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) يعني الصلوات الخمس ( وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) يقول: زكاة أموالهم.
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة ، في قوله ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ) قال قتادة: إن الله تبارك وتعالى قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالُّون بها في الدنيا ، فينظر رجل من يخالل وعلام يصاحب ، فإن كان لله فليداوم ، وإن كان لغير الله فإنها ستنقطع.
-------------------------
الهوامش :
(47) البيت لامرئ القيس ( مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي ص 40 ) قال : الردى هنا : الفضيحة ، أي لم أنصرف عنهن لأني قليّهن ، ولا لأنهن قلينني ، ولكن خشية الفضيحة والعار. والخلال هنا : مصدر خاله يخاله خلال ومخالة ، بمعنى المصادقة ، وبه استشهد المؤلف على هذا المعنى وفي ( اللسان : خلل ) وقوله تعالى : " لا بيع فيه ولا خلال " : قيل : هو مصدر خالك ، وقيل : هو جمع خلة ( بضم الخاء ) كجلة وجلال ، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة : مجازة : مبايعة فدية ، ولا مخالة خليل ، وله موضع آخر أيضا ، تجعله جمع خلة بمنزلة جلة ، والجمع : جلال ؛ وقلة ، والجمع : قلال .
قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَـٰلٌ ﴿٣١﴾
يقول تعالى ذكره: الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء أيها الناس ، وأنـزل من السماء غيثا أحيا به الشجر والزرع ، فأثمرت رزقا لكم تأكلونه ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) وهي السفن ( لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) لكم تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ) ماؤُها شراب لكم ، يقول تعالى ذكره: الذي يستحقّ عليكم العبادة وإخلاص الطاعة له ، من هذه صفته ، لا من لا يقدر على ضرّ ولا نفع لنفسه ولا لغيره من أوثانكم أيها المشركون وآلهتكم.
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن بن محمد ، يعني الزعفرانيّ ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ) قال: بكل بلدة.
ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ ﴿٣٢﴾
يقول تعالى ذكره اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وفعل الأفعال التي وصف ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) يتعاقبان عليكم أيها الناس بالليل والنهار ، لصلاح أنفسكم ومعاشكم (دَائِبَيْنِ) في اختلافهما عليكم. وقيل: معناه: أنهما دائبان في طاعة الله.
حدثنا خلف بن واصل ، عن رجل ، عن مقاتل بن حيان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ) قال: دءوبهما في طاعة الله.
وقوله ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) يختلفان عليكم باعتقاب ، إذا ذهب هذا جاء هذا بمنافعكم وصلاح أسبابكم ، فهذا لكم لتصرّفكم فيه لمعاشكم ، وهذا لكم للسكن تسكنون فيه ، ورحمة منه بكم.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ﴿٣٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
يقول تعالى ذكره: وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كل شيء سألتموه ، ورغبتم إليه شيئا ، وحذف الشيء الثاني اكتفاء بما التي أضيفت إليها كلّ ، وإنما جاز حذفه ، لأن من تُبعِّض ما بعدها ، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول ، فلذلك جاز حذفه ، ومثله قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا ، وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير ، نحو قول القائل: فلان يعلم كل شيء ، وأتاه كل الناس ، وهو يعني بعضهم ، وكذلك قوله فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ . وقيل أيضا: إنه ليس شيء إلا وقد سأله بعض الناس ، فقيل ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) أي قد أتى بعضكم منه شيئا ، وأتى آخر شيئا مما قد سأله. وهذا قول بعض نحويّي أهل البصرة.
وكان بعض نحويِّي أهل الكوفة يقول: معناه: وآتاكم من كلّ ما سألتموه لو سألتموه ، كأنه قيل: وآتاكم من كلّ سؤلكم ، وقال: ألا ترى أنك تقول للرجل ، لم يسألك شيئا: والله لأعطينك سُؤْلك ما بلغت مسألتك ، وإن لم يسأل .
فأما أهل التأويل ، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معناه: وآتاكم من كلّ ما رغبتم إليه فيه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء ، وحدثني الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ورغبتم إليه فيه.
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وحدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) قال: من كلّ الذي سألتموه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا خلف ، يعني ابن هشام ، قال : ثنا محبوب ، عن داود بن أبي هند ، عن رُكانة بن هاشم ( مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) وقال: ما سألتموه وما لم تسألوه.
وقرأ ذلك آخرون " وآتاكُمْ مِنْ كُلٍّ ما سألْتُمُوهُ" بتنوين كلّ وترك إضافتها إلى " ما " بمعنى: وآتاكم من كلّ شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه ، وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار . وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني أبو حُصَين ، عبد الله بن أحمد بن يونُس ، قال : ثنا بَزِيع ، عن الضحاك بن مُزاحم في هذه الآية: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " قال: ما لم تسألوه.
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك أنه كان يقرأ: " مِنْ كُلِّ ما سألْتُمُوه " ويفسره: أعطاكم أشياء ما سألتموها ولم تلتمسوها ، ولكن أعطيتكم برحمتي وسعتي. قال الضحاك: فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه ولا طلبناه.
حُدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " يقول: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها ، صدق الله كم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطر لنا على بال.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: " وآتاكم من كلّ ما سألتموه " قال: لم تسألوه من كلّ الذي آتاكم.
والصواب من القول في ذلك عندنا ، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار ، وذلك إضافة " كلّ " إلى " ما " بمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئا . على ما قد بيَّنا قبل ، لإجماع الحجة من القرّاء عليها ورفضهم القراءة الأخرى.
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿٣٤﴾
يقول تعالى ذكره: وإن تعدّوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها.( إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) يقول: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكر غير من أنعم عليه ، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه ، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق عليه إخلاص العبادة له ، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضلّ عن سبيله ، وذلك هو ظلمه ، وقوله ( كَفَّارٌ ) يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه ، وتركه طاعة من أنعم عليه.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا مِسْعَر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن طلق بن حبيب ، قال : إن حقّ الله أثقل من أن تقوم به العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيَها العباد ، ولكن أصبِحوا تَوّابين وأمسُوا توّابين.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾
يقول تعالى ذكره: ( و) اذكر يا محمد (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) يعني الحَرَم ، بلدا آمنا أهله وسكانه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) يقال منه: جَنَبْته الشرّ فأنا أَجْنُبُه جَنْبا وجَنَّبته الشر ، فأنا أجَنِّبُه تجنيبا ، وأجنبته ذلك فأنا أُجْنِبه إجنابا ، ومن جَنَبْتُ قول الشاعر:
وَتَنْفُــضُ مَهْــدَهُ شَــفَقا عَلَيْــه
وَتَجْنِبُـــهُ قَلائِصَنـــا الصِّعابَــا (1)
ومعنى ذلك: أبعدْني وبنيّ من عبادة الأصنام ، والأصنام: جمع صنم ، والصنم: هو التمثال المصوّر ، كما قال رُؤبة بن العجَّاج في صفة امرأة:
وَهْنانَــةٌ كــالزُّونِ يُجْـلَى صَنَمُـهْ
تَضْحَـكُ عـن أشْـنَبَ عَـذْبٍ مَلْثَمُـهْ (2)
وكذلك كان مجاهد يقول:حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده ، قال : فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته. والصنم: التمثال المصوّر ، ما لم يكن صنما فهو وثَن ، قال: واستجاب الله له ، وجعل هذا البلد آمنا ، ورزق أهله من الثمرات ، وجعله إماما ، وجعل من ذرّيته من يقيم الصلاة ، وتقبَّل دعاءه ، فأراه مناسِكَة ، وتاب عليه.
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : كان إبراهيم التيميّ يقصُّ ويقول في قَصَصه: من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم ، حين يقول: ربّ( اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) .
وقوله ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) يقول: يا ربّ إن الأصنام أضللن: يقول: أزلن كثيرا من الناس عن طريق الهُدى وسبيل الحق حتى عبدوهنّ ، وكفروا بك.
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) يعني الأوثان.
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة ( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) قال: الأصنام.
وقوله ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) يقول: فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان ، فإنه مني: يقول: فإنه مستنّ بسنَّتِي ، وعامل بمثل عملي ( وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه ، وأشرك بك ، فإنه غفور لذنوب المذنبين الخَطائين بفضلك ، ورحيم بعبادك تعفو عمن تشاء منهم .
كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم لا والله ما كانوا طَعَّانين ولا لعَّانين ، وكان يقال: إنّ من أشرّ عباد الله كلّ طعان لعان ، قال نبيّ الله ابن مريم عليه السلام إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
------------------------
الهوامش:
(1) البيت في ( مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 342 ) قال : جنبت الرجل الأمر ، وهو يجنب أخاه الشر ، وجنبته ( بتشديد النون ) واحد ، وأنشد البيت ، وشدده ذو الرمة فقال :
وشــعر قــد أرقــت لـه بليـل
أجنبـــه المســـاند والمحـــالا
يريد أن المرأة تشفق على طفلها ، فتنفض فراشه خوفا عليه مما يؤذيه ، ولا تركب به النوق الفتية ، وهي القلائص ، لأن نشاطها في السير يؤذيه ، وقال الفراء في معاني القرآن ، ( الورقة 164 ) أهل الحجاز يقولون : جنبني ، خفيفة ، وأهل نجد يقولون : أجنبني شره ، وجنبني شره .
(2) البيت لرؤبة من . أرجوزة له مطلعها : " قلت لزير لم تصله مريمة " ، وقوله " وهنانة " : صفة لأروى في البيت قبله وهو : " إذا حب أروى همه وسدمه ". والزون : الصنم . وملثمة : مقبلة . وقد شبه أروى بالصنم المجلو في البهاء والحسن . والوهنانة كما في اللسان : الكسل عن العمل تنعما . قال أبو عبيدة : الوهنانة التي فيها فترة .
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٦﴾
حدثني المثنى ، قال : ثنا أصبغ بن الفرج ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : ثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سؤادة ، حَدثه عن عبد الرحمن بن جُبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، وقال عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فرفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ أُمَّتِي ، اللَّهُمَّ أُمَّتِي ، وبكى ، فقال اللَّه تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد ، وربك أعلم ، فاسأله ما يُبكيه؟ فأتاه جبرئيل فسأله ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ، قال: فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك .
رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾
وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ -فيما ذُكِر- مكة .
كما حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، قال : نبئت عن سعيد بن جبير ، أنه حدث عن ابن عباس ، قال : إنّ أوّل من سَعى بين الصَّفا والمروة لأمُّ إسماعيل ، وإن أوّل ما أحدث نساء العرب جرّ الذيول لمن أمّ إسماعيل ، قال: لما فرّت من سارة ، أرخت من ذيلها لتعفي أثرها ، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت ، فوضعهما ثم رجع ، فاتبعته ، فقالت: إلى أيِّ شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ فجعل لا يردّ عليها شيئا ، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم ، قالت: إذن لا يضيعنا. قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَدَاء ، أقبل على الوادي فدعا ، فقال ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) قال: ومع الإنسانة شَنَّة فيها ماء ، فنفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها ، فعطش الصبيّ ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت بالصفا ، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا ؟ فلم تسمع ، فانحدرت ، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي ، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض ، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا ، أو ترى أنيسا ، فسمعت صوتا ، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه: صه ، حتى استيقنت ، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني ، فقد هلكتُ وهلك من معي ، فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عينا ، فعجلت الإنسانة فجعلت في شَنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا (3) ". وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد ، فإنما هي عين لشرب ضِيفان الله ، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء ، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه ، قال: ومرّت رفقة من جرهم تريد الشام ، فرأوا الطير على الجبل ، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء ، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة ، فأتوها فطلبوا إليها أن ينـزلوا معها ، فأذنت لهم ، قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت ، فماتت ، وتزوج إسماعيل امرأة منهم ، فجاء إبراهيم فسأل عن منـزل إسماعيل حتى دُل عليه ، فلم يجده ، ووجد امرأة له فظة غليظة ، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وإنه يقول لك: إني لا أرضى لك عَتَبة بابك فحوِّلها ، وانطلق ، فلما جاء إسماعيل أخبرته ، فقال: ذلك أبي وأنت عتبة بأبي ، فطلقها وتزوّج امرأة أخرى منهم ، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منـزل إسماعيل ، فلم يجده ، ووجد امرأة له سهلة طليقة ، فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلى الصيد ، قال : فما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء ، قال : اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم ، اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا ، وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه ، قولي: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وإنه يقول لك: قد رضيت لك عتبة بابك ، فأثبتها ، فلما جاء إسماعيل أخبرته. قال: ثم جاء الثالثة ، فرفعا القواعد من البيت.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جاء نبيّ الله إبراهيم بإسماعيل وهاجر ، فوضعهما بمكة في موضع زمزم ، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضَرْع ولا زرع ، ولا أنيس ، ولا زاد ولا ماء؟ قال: ربي أمرني ، قالت: فإنه لن يضيِّعنا قال: فلما قفا إبراهيم قال رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ يعني من الحزن وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . فلما ظمئ إسماعيل جعل يَدْحَض الأرض بعقبه ، فذهبت هاجر حتى علت الصفا ، والوادي يومئذ لاخ ، يعني عميق ، فصعدت الصفا ، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا ؟ فلم تر شيئا ، فانحدرت فبلغت الوادي ، فسعت فيه حتى خرجت منه ، فأتت المروة ، فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا ، فلم تر شيئا. ففعلت ذلك سبع مرّات ، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل ، وهو يَدْحَض الأرض بعقبه ،وقد نبعت العين وهي زمزم. فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء ، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها ، وأفرغته في سقائها. قال: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : يَرْحَمُها اللهُ لَوْ تَرَكَتْها لَكانَتْ عَيْنا سائِحَةً تَجْرِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ". قال: وكانت جُرهُمُ يومئذ بواد قريب من مكة ، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء ، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي ، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء ، فجاءوا إلى هاجرَ ، فقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك ، قالت: نعم. فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل ، وماتت هاجر فتزوّج إسماعيل امرأة منهم ، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي ، هاجر ، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينـزل ، فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر ، فذهب إلى بيت إسماعيل ، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ههنا ذهب يتصيد ، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع ، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة ، هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي ، وما عندي أحد. فقال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه ! وذهب إبراهيم ، وجاء إسماعيل ، فوجد ريح أبيه ، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا ، كالمستخفة بشأنه ، قال : فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه ، فطلقها وتزوج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل ، فأذنت له ، وشرطت عليه أن لا ينـزل ، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل ، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يصيد ، وهو يجيء الآن إن شاء الله ، فأنـزل يرحمك الله قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم ، قال : هل عندك خبز أو بر أو تمر أو شعير؟ قالت: لا. فجاءت باللبن واللحم ، فدعا لهما بالبركة ، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ، فقالت له: أنـزل حتى أغسل رأسك ، فلم ينـزل ، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن ، فوضع قدمه عليه ، فبقي أثر قدمه عليه ، فغسلت شق رأسه الأيمن ، ثم حوّلت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر ، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام ، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك ، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه ، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: نعم ، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا ، فقال لي كذا وكذا ، وقلت له كذا وكذا ، وغسلتُ رأسه ، وهذا موضع قدمه على المقام. قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك ، قال : ذاك إبراهيم ، فلبث ما شاء الله أن يلبث ، وأمره الله ببناء البيت ، فبناه هو وإسماعيل ، فلما بنياه قيل: أذن في الناس بالحجّ ، فجعل لا يمرّ بقوم إلا قال: أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه ، فجعل لا يسمعه أحد ، صخرة ولا شجرة ولا شيء ، إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وبين قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ كذا وكذا عاما ، لم يحفظ عطاء.
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وإنه بيت طهَّره الله من السُّوء ، وجعله قبلة ، وجعله حَرَمه ، اختاره نبيّ الله إبراهيم لولده.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: مكة لم يكن بها زرع يومئذ.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني ابن كثير ، قال القاسم في حديثه: قال: أخبرني عمرو بن كثير " قال أبو جعفر ": فغيرته أنا فجعلته: قال أخبرني ابن كثير ، وأسقطت عمرا ، لأني لا أعرف إنسانًا يقال له عمرو بن كثير حدّث عنه ابن جريج ، وقد حدَّث به معمر عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير ، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلا فقال سعيد بن جبير للقوم: سلوني قبل ألا تسألوني ، فسأله القوم فأكثروا ، وكان فيما سُئل عنه أن قيل له: أحقّ ما سمعنا في المقام ، فقال سعيد: ماذا سمعتم؟ قالوا: سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام ، كان حلف لامرأته أن لا ينـزل مكة حتى يرجع ، فقرب له المقام ، فنـزل عليه ، فقال سعيد: ليس كذاك: حدثنا ابن عباس ، ولكنه حدثنا حين كان بين أم إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل ، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه ، قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : طَلَبُوا النـزولَ مَعَهَا وَقَدْ أَحَبَّتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ الأنْسَ ، فَنـزلُوا وبَعَثَوُا إلى أَهْلِهِمْ فَقَدِمُوا ، وَطَعَامُهُمُ الصَّيْدُ ، يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ وَيخْرُجُ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُمْ يَتَصَيَّدُ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَنْكَحُوهُ ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ قَبْلَ ذَلكَ". قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَمَّا دَعا لَهُما أنْ يُبَارِكَ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ والماء ، قال لَهَا هَلْ منْ حَبٍّ أوْ غيرِهِ منَ الطَّعامِ ؟ قالَتْ: لا وَلَوْ وَجَدَ يَوْمَئذٍ لَهَا حَبًّا لَدَعا لَهَا بالبَركَةِ فيهِ". قال ابن عباس: ثم لبث ما شاء الله أن يلبث ، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دَوْحة إلى ناحية البئر يبرى نبلا له ، فسلم عليه ونـزل إليه ، فقعد معه وقال: يا إسماعيل ، إن الله قد أمرني بأمر ، قال إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك ، قال إبراهيم: أمرني أن أبني له بيتا ، قال إسماعيل: ابنِ ، قال ابن عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها ، ولا يركبها. قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء ، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته ، والشيخ إبراهيم يبني. فلما ارتفع البنيان وشق على الشيخ تناوله ، قرب إليه إسماعيل هذا الحجَر ، فجعل يقوم عليه ويبني ، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى ، يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه.
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: أسكن إسماعيل وأمه مكة.
حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) قال: حين وضع إسماعيل.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذ ماء ، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه.
وكان تحريمه إياه فيما ذكر كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: إن هذا البيت أوّل من وليه أناس من طسْم ، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته ، واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله. ثم وليهم أناس من جُرهم فَعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه ، فأهلكهم الله. ثم وليتموه معاشر قريش ، فلا تعصوا ربه ، ولا تستحلوا حرمته ، ولا تستخفوا بحقه ، فوالله لصلاة فيه أحبّ إليّ من مئة صلاة بغيره ، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك. وقال ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ولم يأت بما وقع عليه الفعل ، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة ، أو رجلا أو قوما ، وذلك غير (4) جائز مع " من " لدلالتها على المراد من الكلام ، والعرب تفعل ذلك معها كثيرا ، فتقول: قتلنا من بني فلان ، وطعمنا من الكلأ وشربنا من الماء ، ومنه قول الله تعالى أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ .
فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة ( إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) وقد رويت في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة. قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة ، منها أن معناه: عند بيتك المحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان ، ومنها عند بيتك المحرم من استحلال حرمات الله فيه ، والاستخفاف بحقه. وقوله ( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم. وقوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنـزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرَّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام .
كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ( أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) ولو قال أفئدة الناس تهوي إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس ، ولكنه قال: أفئدة من الناس تهوي إليهم فهم المسلمون.
حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: لو كانت أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم ، ولكنه أفئدة من الناس.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: لو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم ، لازدحمت عليهم فارس والروم.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عليّ ، يعني ابن الجعد ، قال : أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله.
حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سألت عكرمة عن هذه الآية ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) فقال: قلوبهم تهوي إلى البيت.
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عكرمة وعطاء وطاوس ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه.
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا سعيد ، عن الحكم ، قال : سألت عطاء وطاوسا وعكرمة ، عن قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قالوا: الحج.
حدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة وعليّ بن الجعد ، قالا أخبرنا سعيد ، عن الحكم ، عن عطاء وطاوس وعكرمة في قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: هواهم إلى مكة أن يحجوا.
حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سألت طاوسا وعكرمة وعطاء بن أبي رباح ، عن قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) فقالوا: اجعل هواهم الحجّ.
حدثنا الحسن ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم ، ولكنه قال ( أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: تنـزع إليهم.
حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قالا أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله.
وقال آخرون: إنما دعا لهم أن يهووا السكنى بمكة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال: إن إبراهيم خليل الرحمن سأل الله أن يجعل أناسا من الناس يَهْوون سكنى أو سَكْن مكة.
وقوله ( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار ، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء. فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك .
كما حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : قرأت على محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لما دعا للحرم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ نقل الله الطائف من فلسطين.
وقوله ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) يقول: ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم.
------------------------
الهوامش:
(2) البيت لرؤبة من . أرجوزة له مطلعها : " قلت لزير لم تصله مريمة " ، وقوله " وهنانة " : صفة لأروى في البيت قبله وهو : " إذا حب أروى همه وسدمه ". والزون : الصنم . وملثمة : مقبلة . وقد شبه أروى بالصنم المجلو في البهاء والحسن . والوهنانة كما في اللسان : الكسل عن العمل تنعما . قال أبو عبيدة : الوهنانة التي فيها فترة .
(3) معينا : جارية سائحة على وجه الأرض .
(4) يريد أن من إذا كان معناها التبعيض . كما في الآية ، لم يجز ذكر المفعول بعدها ، لأنها حينئذ بمعنى المفعول ، أي أسكنت بعض ذريتي بواد غير ذي زرع .
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ﴿٣٨﴾
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استشهاد خليله إبراهيم إياه على ما نوى وقصد بدعائه وقيله رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ... الآية ، وأنه إنما قصد بذلك رضا الله عنه في محبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله ، وإخلاص العبادة له على مثل الذي هو له ، فقال: ربنا إنك تعلم ما تخفي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك ، وفي غير ذلك من أحوالنا ، وما نعلن من دعائنا ، فنجهر به وغير ذلك من أعمالنا ، وما يخفى عليك يا ربنا من شيء يكون في الأرض ولا في السماء ، لأن ذلك كله ظاهر لك متجل باد ، لأنك مدبره وخالقه ، فكيف يخفى عليك.
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴿٣٩﴾
يقول: الحمد لله الذي رزقني على كبر من السنّ ولدا إسماعيل وإسحاق ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) يقول: إن ربي لسميع دعائي الذي أدعوه به ، وقولي اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ وغير ذلك من دعائي ودعاء غيري ، وجميع ما نطق به ناطق لا يخفى عليه منه شيء.
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن ضرار بن مرّة ، قال : سمعت شيخا يحدّث سعيد بن جبير ، قال : بُشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومئة سنة.
رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ﴿٤٠﴾
يقول: ربّ اجعلني مؤدّيا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها عليّ من الصلاة.( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) يقول: واجعل أيضا من ذريتي مقيمي الصلاة لك.( رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) يقول: ربنا وتقبل عملي الذي أعمله لك وعبادتي إياك. وهذا نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العبادَةُ" ثم قرأ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ .
رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴿٤١﴾
وهذا دعاء من إبراهيم صلوات الله عليه لوالديه بالمغفرة ، واستغفار منه لهما. وقد أخبر الله عز ذكره أنه لم يكن اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ .
وقد بيَّنا وقت تبرّئه منه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته.
وقوله ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وللمؤمنين بك ممن تبعني على الدين الذي أنا عليه ، فأطاعك في أمرك ونهيك. وقوله ( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) يعني: يقوم الناس للحساب ، فاكتفى بذكر الحساب من ذكر الناس ، إذ كان مفهوما معناه.
وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿٤٢﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ ) يا محمد ( غَافِلا ) ساهيا( عَمَّا يَعْمَلُ ) هؤلاء المشركون من قومك ، بل هو عالم بهم وبأعمالهم محصيًا عليهم ، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أن يجزيهم فيه.
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عليّ بن ثابت ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران في قوله ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) قال: هي وعيد للظالم وتعزية للمظلوم.
( إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ )
يقول تعالى ذكره: إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين الذين يكذّبونك ويجحَدون نبوّتك ، ليوم تشخص فيه الأبصار. يقول: إنما يؤخِّر عقابهم وإنـزال العذاب بهم ، إلى يوم تشخص فيه أبصار الخلق ، وذلك يوم القيامة .
كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ ) شخصت فيه والله أبصارهم ، فلا ترتدّ إليهم.