تفسير الطبري
· يوسفافتح في القارئفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴿٣١﴾
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن ،
* * *
وكان مكرهنَّ ما: -
19164 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (فلما سمعت بمكرهن) ، يقول: بقولهن.
19165 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما أظهر النساء ذلك، من قولهن ": تراود عبدها!" مكرًا بها لتريهن يوسف , وكان يوصف لهن بحُسنه وجماله ;(فلما سمعت بمكرهن (1) أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ).
19166 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فلما سمعت بمكرهن) : ، أي بحديثهن ,( أرسلت إليهن) ، يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف.
* * *
(وأعتدت ) ،" أفعلت " من العتاد , ، وهو العدَّة، (2) ومعناه: أعدّت لهن ، " متكأ "، يعني: مجلسًا للطعام , وما يتكئن عليه من النمارق والوَسائد:
* * *
، وهو " مفتعل " من قول القائل: " اتَّكأت " , يقال: " ألق له مُتَّكأ " , يعني: ما يتكئ عليه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19167 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن اليمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد: (وأعتدت لهن متكأ) قال: طعامًا وشرابًا ومتكأ.
19168 - .... قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: يتكئن عليه.
19169 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية عن علي , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: مجلسًا.
19170 - .... قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن أبي الأشهب , عن الحسن أنه كان يقرأ: (مُتَّكَآءً)، ويقول: هو المجلس والطعام. (3)
19171 - .... قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: " مُتْكَأً" ، خفيفة , يعني طعامًا. ومن قرأ (مُتَّكَأً) ، يعني المتكأ.
* * *
فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه تأويل هذه الكلمة , هو معنى الكلمة، وتأويل " المتكأ " , وأنها أعدّت للنسوة مجلسًا فيه متكأ وطعام وشراب وأترج . ثم فسر بعضهم " المتكأ " بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعدّ من أجله المتكأ ، وبعضهم عن الخبر عن الأترج. إذ كان في الكلام: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا )، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به ، وبعضهم على البزماورد.
19172 - حدثني هارون بن حاتم المقرئ , قال: حدثنا هشيم بن الزبرقان , عن أبي روق , عن الضحاك , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: البزماورد.
* * *
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: " المتكأ ": هو النُّمْرُق يتكأ عليه. وقال: زعم قوم أنه الأترج. قال: وهذا أبطل باطل في الأرض , ولكن عسى أن يكون مع " المتكأ " أترج يأكلونه. (4)
* * *
وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة , ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه . ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب , فإنّ الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله.
* * *
قال أبو جعفر: والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، كما قال أبو عبيد لا شك فيه , غير أن أبا عبيدة لم يُبْعد من الصواب في هذا القول , بل القول كما قال: مِن أن مَن قال للمتكأ: هو الأترج، إنما بيَّن المعدَّ في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين , لأن السكاكين معلومٌ أنها لا تعدُّ للمتكأ إلا لتخريقه! (5) ولم يعطين السكاكين لذلك.
* * *
ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس , من أن " المتكأ " هو المجلس .
ثم رُوي عن مجاهد عنه، ما: -
19173 - حدثني به سليمان بن عبد الجبار , قال، حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكّينًا.
* * *
فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه، ما أعطت النسوة , وأعرض عن ذكر بيان معنى " المتكأ " , إذ كان معلومًا معناه.
* * *
* ذكر من قال في تأويل " المتكأ " ما ذكرنا:
19174 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال: حدثنا فضيل بن عياض , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: التُّرُنْج.
19175 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: حدثنا هشيم , عن عوف , قال: حدثت عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: " مُتْكًا " مخففة , ويقول: هو الأترُجّ.
19176 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن عطية: " وأعتدت لهن متكأ " ، قال الطعام.
19177 - حدثني يعقوب والحسن بن محمد , قالا حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: طعامًا.
19178 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , مثله .
19179 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع , قالا حدثنا غندر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , في قوله: (وأعتدت لهن مُتَّكأ) ، قال: طعامًا.
19180 - حدثنا ابن المثنى , قال: حدثنا وهب بن جرير , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير، نحوه .
19181 - حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ (مُتَّكَأ) فهو الطعام , ومن قرأها " مُتْكًأ " فخففها , فهو الأترجّ.
19182- حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: (متكأ) ، قال: طعامًا
19183- حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19184 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ،
19185 - وحدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19186 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو خالد القرشي , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ: " مُتْكًا " ، خفيفة , فهو الأترجّ.
19187 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , بنحوه .
19188 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن ليث , قال سمعت بعضهم يقول: الأترج .
19189 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (وأعتدت لهن متكأ) : ، أي طعامًا.
19190 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , مثله .
19191 - .... قال: حدثنا يزيد , عن أبي رجاء , عن عكرمة , في قوله: (متكأ) ، قال: طعامًا.
19192 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتْكًا) ، يعني الأترج.
19193 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وأعتدت لهن متكأ) ، والمتكأ، الطعام.
19194 - .... قال: حدثنا جرير عن ليث , عن مجاهد: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: الطعام.
19195 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: طعامًا.
19196 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , قال: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (مُتَّكَأً) ، فهو كل شيء يجزّ بالسكين.
* * *
قال أبو جعفر: قال الله تعالى ذكره، مخبرًا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدَّثن بشأنها في المدينة: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها، سكينًا لتقطع به من الطعام ما تقطع به. وذلك ما ذكرت أنَّها آتتهن إما من الأترج , وإما من البزماورد , أو غير ذلك مما يقطع بالسكين، كما:-
19197 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا)، وأترجًّا يأكلنه.
19198 - حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكينًا.
19199 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، ليحتززن به من طعامهنّ.
19200 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وآتت كل واحدة منهن سكينا) ، وأعطتهن تُرنجًا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين , ويأكلن بالعسل.
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الكلمة بيانُ صحة ما قلنا واخترنا في قوله (6) (وأعتدت لهن متكأ) . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوةَ السكاكينَ , وترك ما لَهُ آتتهن السكاكين , إذ كان معلومًا أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها. فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين، عن ذكر ما له آتتهن ذلك. فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ، عن ذكر ما يعتدُّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء ; لفهم السامعين بالمراد من ذلك , ودلالة قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، عليه . فأما نفس " المتكأ " فهو ما وصفنا خاصةً دون غيره.
* * *
وقوله: (وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه) ، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: (اخرج عليهن) ، فخرج عليهن يوسف ، (فلما رأينه أكبرنه) ، يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللْنه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19201 - حدثنا الحسن بن محمد , قال، حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (أكبرنه) ، أعظمنه.
19202 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .
19203 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح . قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19204 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (فلما رأينه أكبرنه) : ، أي: أعظمنه.
19205 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وقالت اخرج عليهن) ، ليوسف ، (فلما رأينه أكبرنه) : ، عظَّمنه.
19206 - حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، قال: أعظمنه. (7)
19207 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (اخرج عليهن) ، فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن.
19208 - حدثنا إسماعيل بن سيف . قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي , عن أبيه , عن جده , في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، قال: حِضْن. (8)
19209 - حدثنا علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، يقول: أعظمنه.
19210 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة , عن ابن جريج , عن مجاهد، مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول ، أعني القول الذي روي عن عبد الصمد , عن أبيه , عن جده , في معنى (أكبرنه) ، أنه حِضْن ، إن لم يكن عَنَى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال , ولما يجد من مثل ذلك النساءُ عند معاينتهن إياه ، فقولٌ لا معنى له. لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه , فالهاء التي في" أكبرنه "، من ذكر يوسف , ولا شك أن من المحال أن يحضنَ يوسف. ولكن الخبر، إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما روي , فخليقٌ أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لِمَا أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.
* * *
وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في" أكبرن " بمعنى حضن , بيتًا لا أحسب أنَّ له أصلا لأنه ليس بالمعروف عند الرواة , وذلك:
نَـأْتِي النِّسَـاءَ عَـلَى أَطْهَـارِهِنَّ وَلا
نَــأْتِي النِّسَــاءَ إِذَا أَكْـبَرْنَ إِكْبَـارَا (9)
وزعم أن معناه: إذا حضن (10) .
* * *
وقوله: (وقطعن أيديهن) ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: معناه: أنهن حَززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ .
* ذكر من قال ذلك:
19211 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (وقطعن أيديهن) ، حزًّا حزًّا بالسكين.
19212 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقطعن أيديهن) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.
19213 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ،
19214 - .... قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقطعن أيديهن) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكين.
19215 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وقطعن أيديهن) قال: جعل النسوة يحززن أيديهن , يحسبن أنهن يقطعن الأترج.
19216 - حدثنا إسماعيل بن سيف , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول: كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج , فقطعن أيديهنّ , وسالت الدماء , فقلن: نحن نلومك على حبّ هذا الرجل , ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء !
19217 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد: جعلن يحززن أيديهن بالسكين , ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج , قد ذهبت عقولهن مما رأين!
19218 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (وقطعن أيديهن) ، وحززن أيديهن.
19219 - حدثني سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج.
19220 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (وقطعن أيديهن) ، قال: جعلن يحززن أيديهن , ولا يشعرن بذلك.
19221 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قالت ليوسف: ( اخرج عليهن )، فخرج عليهن ، ( فلما رأينه أكبرنه ) , وغلبت عقولهن عجبًا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، ما يعقلن شيئًا مما يصنعن ، (وقلن حاش لله ما هذا بشرًا).
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنَّها، وهن لا يشعرن.
* ذكر من قال ذلك:
19222 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: قطعن أيديهن حتى ألقينَها.
19223 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة , في قوله: (وقطعن أيديهن) ، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعًا بإبانة ، وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش ، ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنـزيل.
* * *
19224 - حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. (11)
19225 - حدثنا محمد بن المثنى , قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , مثله .
19226 - .... وبه عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن.
19227 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق.
19228 - حدثني أحمد بن ثابت , وعبد الله بن محمد الرازيّان , قالا حدثنا عفان , قال: أخبرنا حماد بن سلمة , قال: أخبرنا ثابت , عن أنس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: أعطي يوسف وأمه شَطْرَ الحسن (12) .
19229 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن أبي معاذ , عن يونس , عن الحسن , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطي يوسف وأمه ثلث &; 16-81 &; حُسن أهل الدنيا , وأعطي الناس الثلثين ، أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين , وأعطي الناس الثلث.
19230 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن , والنصف الآخر بين سائر الخلق.
19231 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف , والنصف لسائر الناس.
19232 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فجعل ليوسف وسارَة النصف , وجعل لسائر الخلق نصف. (13)
19233 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن عيسى بن يزيد , عن الحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا , وأعطي الناس الثلثين.
* * *
وقوله: (وقلن حاش لله) ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الكوفيين: (حَاشَ لِلّهِ) بفتح الشين وحذف الياء.
* * *
وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء " حَاشَى لله ".
* * *
وفيه لغات لم يقرأ بها: " حَاشَى اللهِ" ، كما قال الشاعر: (14)
حَاشَــى أَبِــي ثَوْبَــانَ إِنَّ بِــهِ
ضَنًّــا عَــنِ المَلْحَــاةِ وَالشَّــتْمِ (15)
* * *
وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة: " حَشَى اللهَ"، و " حاشْ اللهَ"، (16) بتسكين الشين والألف، يجمع بين الساكنين.
* * *
وأما القراءة فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين , فمن قرأ: (حَاشَ لله) بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال: " حاشى لله " , بإثبات الياء , ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب , كما حذفت العرب الألف من قولهم: " لا أب لغيرك " , و " لا أب لشانيك " , وهم يعنون: " لا أبا لغيرك ". و " لا أبا لشانيك ".
* * *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: " حاشى لله " , موضعين في الكلام:
أحدهما: التنـزيه.
والآخر: الاستثناء. وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنـزيه لله , كأنه قيل: معاذ الله.
* * *
قال أبو جعفر: وأما القول في قراءة ذلك. فإنه يقال: للقارئ الخيار في قراءته بأي القراءتين شاء , إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين , وهو: (حَاشَ لله) و " حَاشَى لله "، لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد , وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها , لأنا لا نعلم قارئًا قرأ بها.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19234 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقلن حاش لله) ، قال: معاذ الله.
19235 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: (حاش لله)، معاذ الله.
19236 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقلن حاش لله) : معاذ الله.
19237 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (حاش لله) : معاذ الله.
19238 - .... قال: حدثنا عبد الوهاب , عن عمرو , عن الحسن: (حاش لله) : معاذ الله.
19239 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله.
* * *
وقوله: (ما هذا بشرًا) ، يقول: قلن ما هذا بشرًا , لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدًا , فقلن: لو كان من البشر، لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر , ولكنه من الملائكة لا من البشر، كما:-
19240 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وقلن حاش لله ما هذا بشرا) : ما هكذا تكون البشر!
* * *
وبهذه القراءة قرأ عامة قرأة الأمصار . وقد: -
19241 - حدثت عن يحيى بن زياد الفراء , قال: حدثني دعامة بن رجاء التيمي ، وكان غَزَّاءً (17) ، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ: " ما هذا بِشِرًى "، أي ما هذا بمشتري. (18)
* * *
، يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثلُه مستعبدًا يشترى ويُبَاع.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع قرأة الأمصار على خلافها. وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافُها فيه.
* * *
وأما " نصب " البشر , فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا " الباء " من الخبر نصبوه , فقالوا: " ما عمرو قائمًا " . وأما أهل نجد , فإن من لغتهم رفعه , يقولون: " ما عمرو قائم " ; ومنه قول بعضهم حيث يقول: (19)
لَشَـتَّانَ مَـا أَنْـوِي وَيَنْـوِي بَنُـو أَبِي
جَمِيعًــا , فَمَــا هَـذَانِ مُسْـتَوِيَانِ
تَمَنَّـوْا لِـيَ المَـوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى
وَكُــلُّ فَتًــى وَالمَــوْتُ يَلْتَقِيَـانِ (20)
وأما القرآن , فجاء بالنصب في كل ذلك , لأنه نـزل بلغة أهل الحجاز.
* * *
وقوله: (إن هذا إلا مَلَك كريمٌ) ، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: -
19242 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (إن هذا إلا ملك كريم) ، قال: قلن: ملك من الملائكة.
* * *
----------------------
الهوامش:
(1) انظر تفسير" المكر" فيما سلف 15 : 49 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير" أعتد" فيما سلف 8 : 103 ، 355 / 9 : 353 ، 392 .
(3) قراءة الحسن بالمد ، آخره همز ، ذكر هذه القراءة ابن خالويه في شواذ القراءات ص : 63 عن الحسن ، وذكرها أبو حيان في تفسيره 5 : 302 ، ونسبها إلى الحسن وابن هرمز ، وقال :" بالمد والهمز . وهي مفتعل ، من الاتكاء ، إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف كما قالوا" :
وَأَنْـتَ مِـنَ الغَـوَائِل حَـيْثُ تُـرْمَى
ومِـــنْ ذَمِّ الرِّجـــالِ بِمُنْــتَزَاحِ
أي : بمنتزح ، فأشبع .
(4) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 309 .
(5) يقول : إلا إذا أعطين السكاكين لكي يمزقن النمارق والوسائد ، وهي المتكأ .
(6) في المطبوعة :" وأخبرنا في قوله" ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
(7) الأثر : 19206 -" إسماعيل بن سيف العجلي" ، شيخ برقم الطبري مضى : 3843 ، وذكر أخي هناك أنه لم يجد له ترجمة ، وظنه" إسماعيل بن سيف ، أبو إسحاق" ، بل قطع بذلك . والله أعلم .
و" علي بن عابس الأسدي" ، ضعيف ، مضى برقم : 11233 .
(8) الأثر : 19208 -" إسماعيل بن سيف العجلي" ، انظر رقم : 19206
و" عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي" ، كان أميرًا بمكة ، وذكره العقيلي في الضعفاء . مترجم في ميزان الاعتدال 2 : 132 ، ولسان الميزان 4 : 21 .
(9) لسان العرب ( كبر ) .
(10) ذكر أبو منصور الأزهري ، عن أبي الهيثم أنه قال :" سألت رجلا من طيئ فقلت : يا أخا طيئ ، ألك زوجة ؟ قال : لا والله ما تزوجت ، وقد وعدت في ابنة عم لي . قلت : ما سنها ؟ قال : قد أكبرت ، أو : كبرت ، قلت : ما أكبرت ؟ قال : حاضت" . قال : الأزهري :" وإن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض ، فلها مخرج حسن . وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر ، فقيل لها : أكبرت ، أي : حاضت فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي .
(11) الآثار 19224 - 19227 - حديث موقوف صحيح الإسناد ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 17 من طرق وبألفاظ مختلفة ، وخرجه الهيثمي بهذا اللفظ ، في مجمع الزوائد 8 : 203 . وبغير هذا اللفظ مطولا . وقال :" رواه الطبراني موقوفًا ، ورجاله رجال الصحيح" ثم ذكر هذا المختصر ، فقال : رواه الطبراني ، والظاهر أنه وهم" . وذلك أن نص الأول المطول :" أعطى يوسف وأمه ثلثي حسن الناس" .
(12) الأثر : 19228 -" أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي" ،" فرخويه" ، شيخ الطبري كذاب ، مضى برقم : 2055 .
و" عبد الله بن محمد الرازي" ، شيخ الطبري ، لم أعرفه ، وفي التاريخ :" حدثني عبد الله بن محمد ، وأحمد بن ثابت الشيان .." ، ولا أدري ما هذا ؟
و" عفان" ، هو" عفان بن مسلم الصفار" ، ثقة من شيوخ أحمد والبخاري ، مضى برقم : 5392 ، أخرج له الجماعة .
و" حماد بن سلمة" ، ثقة ، مضى مرارًا .
و" ثابت" هو" ثابت بن أسلم الناني" تابعي ثقة ، مضى مرارًا .
وهذا خبر صحيح الإسناد ، ولا يضره كذب" أحمد بن ثابت" ، فالثقات قد رووه ، رواه أحمد في مسنده 3 : 286 ، عن عفان نفسه ، بهذا اللفظ .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 570 ، من طريق محمد بن إسحاق الصغاني ، ومحمد بن غالب بن حرب ، وإسحاق بن الحسن بن ميمون ، جميعًا عن عفان بن مسلم . بمثله ، وقال :" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .
ورواه الطبري في تاريخه من هذا الطريق نفسه 1 : 173 .
(13) الآثار : 19230 - 19232 -" ربيعة الجرشي" ، مختلف في اسم أبيه ، وفي صحبته . فقيل في اسم أبيه" ربيعة بن عمرو" ، و" ربيعة بن الغاز" ، انظر ترجمته في الإصابة ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 256 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 472 ، وابن سعد في الطبقات 7 / 2 / 150 ، وقال :" وفي بعض الحديث أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه ، قال : وكان ثقة ، وقتل يوم مرج راهط في ذي الحجة سنة 64".
(14) هو الجميح ، منقد بن الطماح الأسدي ، ونسب لسبرة بن عمرو الأسدي .
(15) المفضليات 718 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 310 ، والخزانة 2 : 150 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 4 : 129 ، واللسان ( حشى ) في موضعين ، بروايتين ، وهو من شعر له هجا فيه بني رواحه بن قطيعة بن عبس ، ويستثنى منهم عمرو بن عبد الله أبا ثوبان ، يقول :
وَبَنُـــو رَوَاحَـــةَ يَنْظُــرُونَ إذَا
نَظَـــرَ النَّــدِيُّ بِــآنُفٍ خُــثْمِ
حَاشَـــا أبِــي ثَوْبَــانَ إنّ أبَــا
ثَوْبَـــان لَيْسَ بِبُكْمَـــةٍ فَـــدْمِ
عَمْــرُو بــنَ عَبْــدِ اللـهِ إنَّ بِـهِ
ضَنًّــا عَــنِ المَلْحَــاةِ والشَّــتْمِ
وخلط في الشعر أبو عبيدة وغيره ، وفي المخطوطة" أبي ثروان" ، وفي اللسان في أحد الموضعين" أبي مروان" ، كأنه نقل محرف عن رواية" ثروان" ، إن صحت ، رواه المفضل" حاشى أبا ثوبان" بالنصب .
و" الندى" المجلس ، واراد أهله . و" الآنف" جمع" أنف" ،" الخثم" جمع" أخثم" ، وهو الأنف العظيم الكثير اللحم ، ليس برقيق ولا أشم ، وهو ذم .
و" البكمة" ، الأبكم ، و" الفدم" العيي الثقيل الفهم . و" الملحاة" مصدر ميمي من" لحوت الرجل ولحيته" ، إذا ألححت عليه باللائمة ، وكأنه يعني المشاغبة .
(16) في المطبوعة ، أسقط" حشى الله" ، وأثبتها منها .
(17) كان في المطبوعة :" غرا" ، والصواب ما أثبت ، وهو كذلك في معاني القرآن .
(18) الأثر : 19241 - هو في معاني القرآن للفراء في تفسير الآية .
(19) لم أعرف قائله .
(20) رواهما الفراء في معاني القرآن , في تفسير الآية .
قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿٣٢﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن , فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، (21) هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين! ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه , وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق (22) فقالت: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) ، مما راودته عليه من ذلك (23) كما: -
19243 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قالت: (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) : ، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى , لا أدري ما بَدَا له.
19244 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فاستعصم) ، أي: فاستعصى.
19245 - حدثني علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: (فاستعصم) ، يقول: فامتنع.
* * *
وقوله: (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونَن من الصاغرين) ، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه ، ( ليسجنن )، تقول: ليحبسن (24) ، وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن , ولأهينَنَّه (25)
* * *
والوقف على قوله: " ليسجنن " ، بالنون، لأنها مشددة , كما قيل: لَيُبَطِّئَنَّ ، [سورة النساء: 72]
* * *
وأما قوله: ( وليكونَن ) فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة , وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل: " رأيت رجلا عندك " , فإذا وقف على " الرجل " قيل: " رأيتُ رجلا " , فصارت النون ألفًا. فكذلك ذلك في: " وليكونًا " , ومثله قوله: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ ، [سورة العلق: 15، 16] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ; ومنه قول الأعشي:
وَصَـلِّ عَـلَى حَينِ العَشَيَّاتِ والضُّحَى
وَلا تَعْبُــدِ الشَّـيْطَانَ وَاللـهَ فَـاعْبُدَا (26)
وإنما هو: " فاعبدن " , ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف.
* * *
----------------------
الهوامش:
(21) في المطبوعة :" وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن .." ، وأثبت الصواب من المخطوطة . و" عزوب الفهم" ، ذهابه . يقال :" عزب عنه حلمه يعزب عزوبًا" ، ذهب . وقوله :" ألهتن" من" أله يأله ألهًا" ، إذا تحير ، وأصله" وله ، يوله ، ولهًا" ، بمعنى واحد ، وإنما قلبت الواو همزة .
(22) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 62 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(23) انظر تفسير" العصمة" فيما سلف 15 : 331 ، تعليق 2 : ، ولمراجع هناك .
(24) انظر تفسير" السجن" فما سلف ص : 52 ."
(25) انظر تفسير" الصغار" فيما سلف 14 : 200 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) ديوانه : 103 ، وغيره كثير ، قاله عند إقباله على الإسلام ، ثم مات ميتة جاهلية والخبر مشهور ، ورواية ديوانه :
وَذَا النُّصُــبَ المَنْصُـوبَ لا تَنْسُـكَنَّهُ
وَلا تَعْبُــدِ الأَوْثَــانَ وَاللـهَ فَـاعْبُدَا
وَصَـلِّ عَـلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى
وَلا تَحْــمَدِ الشَّـيْطَانَ وَاللـهَ فـاحْمَدا
وهي أجود الروايتين .
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿٣٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)
قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله يدلُّ على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه , وتوعَّدته بالسّجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه , فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك ; لأنها لو لم تكن عاودته وتوعَّدته بذلك , كان محالا أن يقول: (ربّ السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه) ، وهو لا يدعَى إلى شيء، ولا يخوَّف بحبس.
* * *
و " السجن " هو الحبس نفسه , وهو بيت الحَبْس.
* * *
وبكسر السين قرأه قرأة الأمصار كلها. والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال (27) . فتقول: " طلعت الشمس مطلعًا , وغربت مغربًا " , فيجعلونها، وهي أسماء، خلفًا من المصادر , فكذلك " السجن " , فإذا فتحت السين من " السَّجن " كان مصدرًا صحيحًا.
* * *
وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرأه: " السَّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ" ، بفتح السين . ولا أستجيز القراءة بذلك، لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.
* * *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قال يوسف: يا رب، الحبس في السجن أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه من معصيتك، ويراودنني عليه من الفاحشة، كما: -
19246 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه) : من الزنا.
19247 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نـزل به (28) ( رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه) ، أي: السجن أحبّ إليّ من أن آتي ما تكره.
* * *
وقوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن) ، يقول: وإن لم تدفع عني، يا رب، فعلهن الذي يفعلن بي، في مراودتهن إياي على أنفسهن (29) ، " أصب إليهن " , يقول: أمِلْ إليهن , وأتابعهن على ما يُرِدن مني ويهوَيْن.
* * *
، من قول القائل: " صَبا فلان إلى كذا " , ومنه قول الشاعر: (30)
إِلَـــى هِنْـــدٍ صَبَـــا قَلْبِــي
وَهِنْــــدٌ مِثْلُهَــــا يُصْبِـــي (31)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19248 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (أصب إليهن) ، يقول: أتابعهن.
19249 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وإلا تصرف عني كيدهن) ، أي: ما أتخوَّف منهن ، ( أصب إليهن).
19250 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ، قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة , لا يكن منّي ولا عندي.
* * *
وقوله: (وأكن من الجاهلين) ، يقول: وأكن بصبوتي إليهن، من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك، (32) كما: -
19251 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وأكن من الجاهلين) ، أي: جاهلا إذا ركبت معصيتك.
----------------------
الهوامش:
(27) " الأفعال" يعني" المصادر" ، وانظر ما سلف من فهارس المصطلحات .
(28) في المخطوطة :" وأحاف إلى ربه واستغاثه" ، والصواب في الأولى ما في المطبوعة ، وفي المطبوعة" استعانه" ، فأثبت ما في المخطوطة ." أضاف إلى ربه" ، خاف وأشفق ، فلجأ إليه مستجيرًا به .
(29) انظر تفسير" الصرف" فيما سلف ص : 49 ، تعليق 1 : ، والمراجع هناك .
، وتفسير" الكيد" فيما سلف ص : 60 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(30) هو يزيد بن ضبة الثقفي" .
(31) الأغاني 7 : 102 ( دار الكتب ) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 311 ، من أبيات له هو مطلعها ، وبعده :
وهِنْــــدٌ غَـــــادَةٌ غَيْــــدَا
ءُ مِــــنْ جُرْثُومَـــةٍ غُلْـــبِ
وَمَــــا إنْ وَجَــــدَ النَّـــاسُ
مِــــــنَ الأدْوَاءِ كـــــالحُبِّ
.
(32) انظر تفسير" الجهل" فيما سلف 13 : 332 ، تعليق : 1 ، 2 ، والمراجع هناك .
فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٣٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)
قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما وجه قوله: (فاستجاب له ربه) ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه , وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟
قيل: إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ، وفي قوله: وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ , ولذلك قال الله تعالى ذكره: (فاستجاب له ربه) ، وذلك كقول القائل لآخر: " إن لا تزرني أهنك " , فيجيبه الآخر: " إذن أزورَك "، لأن في قوله: " إن لا تزرني أهنك " , معنى الأمر بالزيارة.
* * *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه , فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، كما: -
19252 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) ، أي: نجاه من أن يركب المعصية فيهن , وقد نـزل به بعض ما حَذر منهنَّ.
* * *
وقوله: (إنه هو السميع) ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاءَ كل داع من خلقه ، (العليم) ، بمطلبه وحاجته , وما يصلحه , وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم. (33)
----------------------
الهوامش:
(33) انظر تفسير" السميع" و" العليم" فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٣٥﴾
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بدا للعزيز، زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه.
* * *
وقيل: " بدا لهم " , ، وهو واحد , لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه , وذلك نظير قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، [سورة آل عمران: 173]، وقيل: إن قائل ذلك كان واحدًا.
* * *
وقيل: معنى قوله: (ثم بدا لهم) في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقًا , ورأوا أن يسجنوه (من بعد ما رأوا الآيات) ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز.
* * *
وتلك " الآيات "، كانت قدَّ القميص من دُبُر , وخمشًا في الوجه , وقَطْعَ أيديهن , كما:-
19253 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن نصر بن عوف , عن عكرمة , عن ابن عباس: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) ، قال: كان من الآيات: قدٌّ في القميص، وخمشٌ في الوجه. (34)
19254 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي وابن نمير , عن [نصر] , عن عكرمة , مثله. (35)
&; 16-92 &; 19255 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) ، قال: قدُّ القميص من دبر.
19256 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (من بعد ما رأوا الآيات) ، قال: قدُّ القميص من دبر.
19257 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ،
19258 - .... قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
19259 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (من بعد ما رأوا الآيات) ، قال: " الآيات ": حزُّهن أيديهن , وقدُّ القميص.
19260 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال: قدُّ القميص من دبر.
19261 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) ، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دُبر ، (ليسجننه حتى حين).
19262 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: (من بعد ما رأوا الآيات) ، القميصُ , وقطع الأيدي.
* * *
وقوله: (ليسجننه حتى حين) ، يقول: ليسجننه إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم. (36)
* * *
وجعل الله ذلك الحبس ليوسف، فيما ذكر، عقوبةً له من همِّه بالمرأة، وكفارة لخطيئته .
19263 - حدثت عن يحيى بن أبي زائدة , عن إسرائيل , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس: (ليسجننه حتى حين) ، عثر يوسف عليه السلام ثلاثَ عثرات: حين همَّ بها فسجن. وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه. وقال لهم: إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، فقالوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ .
* * *
وذكر أن سبب حبسه في السجن، كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها أمرَه وأمرَها، كما: -
19264 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) ، قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري , فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر , وإما أن تحبسه كما حبستَني. فذلك قول الله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين).
* * *
وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول هذه " اللام " في: (ليسجننه) .
فقال بعض البصريين: دخلت ههنا، لأنه موضع يقع فيه " أيّ" , فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه دخلته النون , لأن النون تكون في الاستفهام , تقول: " بدا لهم أيّهم يأخذنّ"، أي: استبان لهم.
* * *
وأنكر ذلك بعض أهل العربية فقال: هذا يمين، وليس قوله: " هل تقومن " بيمين , و " لتقومن "، لا يكون إلا يمينًا.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: " بدا لهم " , بمعنى ": القول " , و " القول " يأتي بكل الكلام، بالقسم وبالاستفهام , فلذلك جاز: " بدا لهم قام زيد " , و " بدا لهم ليقومن ".
* * *
وقيل: إن " الحين " في هذا الموضع معنِيٌّ به سبع سنين.
* ذكر من قال ذلك:
19265 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن داود , عن عكرمة: (ليسجننه حتى حين) ، قال: سبع سنين.
* * *
----------------------
الهوامش:
(34) الأثر : 19253 -" نصر بن عوف" ، لم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، والذي عندي أنه" نضر بن عربي الباهلي" ، فهو الذي يروي عن عكرمة ، ويروي عنه وكيع ، وقد سلف مرارًا وانظر رقم : 1307 ، 5864 ، وسلف التحريف في اسمه كثيرًا .
(35) الأثر : 19254 -" نصر بن عوف" ، انظر التعليق السالف ، هو" نضر بن عربي" .
(36) انظر تفسير" الحين" فيما سلف 1 : 540 / 12 : 359 .
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان ، فدل بذلك على متروكٍ قد ترك من الكلام، وهو: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، فسجنوه وأدخلوه السجن ، ودخل معه فتيان , فاستغنَى بدليل قوله: (ودخل معه السجن فتيان) ، على إدخالهم يوسف السجن، من ذكره.
* * *
وكان الفتيان، فيما ذكر، (37) غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحبُ شرابه , والآخر صاحبُ طعامه، كما: -
&; 16-95 &; 19266 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: فطرح في السجن ، يعني يوسف ، ( ودخل معه السجن فتيان ) , غلامان كانا للملك الأكبر الرّيان بن الوليد , كان أحدهما على شرابه , والآخر على بعض أمره , في سَخْطَةٍ سخطها عليهما , اسم أحدهما " مجلث " والآخر " نبو " , و " نبو " الذي كان على الشراب.
19267 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (ودخل معه السجن فتيان) ، قال: كان أحدهما خبازًا للملك على طعامه , وكان الآخر ساقيه على شرابِه.
* * *
وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر، ما: -
19268 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: إن الملك غضب على خبَّازه , بلغه أنه يريد أن يسمّه , فحبسه وحبس صاحب شرابه , ظنَّ أنه مالأه على ذلك. فحبسهما جميعًا ; فذلك قول الله: ( ودخل معه السجن فتيان ).
* * *
وقوله: (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا) ، ذكر أن يوسف صلوات الله عليه لما أدخل السجن , قال لمن فيه من المحبَّسين , وسألوه عن عمله: إني أعبُرُ الرؤيا: فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه، كما: -
19269 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبُرُ الأحلام . فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ نجرّب هذا العبد العبرانيّ فتراءَيَا له ! فسألاه، (38) من غير أن يكونا رأيا شيئًا . فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرًا؟ (39)
19270 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن عمارة بن القعقاع , عن إبراهيم , عن عبد الله , قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا , وإنما كانا تحالما ليجرِّبا علمه.
* * *
وقال قوم: إنما سأله الفَتَيان عن رؤيا كانا رأياها على صحةٍ وحقيقةٍ , وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها .
* ذكر من قال ذلك:
19271 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما رأى الفتيان يوسف , قالا والله، يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك.
19272 - .... قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن عبد الله , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحدٌ قط إلا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء , ثم لقد أحبني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء , ثم لقد أحبتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء , فلا تحباني بارك الله فيكما ! قال: فأبيا إلا حبه وإلفه حيث كان , وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا , فرأى " مجلث " أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه , ورأى " نبو " أنه يعصر خمرًا , فاستفتياه فيها، وقالا له: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، إن فعلت.
* * *
وعني بقوله: (أعصر خمرًا) ، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبًا . وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه .
19273 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن أبي سلمة الصائغ , عن إبراهيم بن بشير الأنصاري , عن محمد بن الحنفية قال في قراءة ابن مسعود: " إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا. (40)
* * *
وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان , وأنهم يسمون العنب خمرًا .
* ذكر من قال ذلك:
19274 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: حدثنا عبيد , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (إني أراني أعصر خمرًا) ، يقول: أعصر عنبًا , وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرًا.
19275 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك: (إني أراني أعصر خمرًا) ، قال: عنبًا , أرضُ كذا وكذا يدعُون العنب " خمرًا ".
19276 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: ثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس: (إني أراني أعصر خمرًا) ، قال: عنبًا.
19277 - حدثت عن المسيب بن شريك , عن أبي حمزة , عن عكرمة , قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حَبَلة من عنب، (41) فنبتت , فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ , ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام , ثم تخرج فتسقيه خمرًا.
* * *
وقوله: (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله) ، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفَتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزًا ; يقول: أحمل على رأسي ، فوضعت " فوق " مكان " على " (42) ، (تأكل الطير منه) ، يعني: من الخبز.
* * *
وقوله: (نبئنا بتأويله) ، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنَّا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه، (43) كما: -
19278 - حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا يزيد , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (نبئنا بتأويله) ، قال: به ، قال الحارث , قال أبو عبيد: يعني مجاهد أن " تأويل الشيء "، هو الشيء . قال: ومنه: " تأويل الرؤيا "، إنما هو الشيء الذي تؤول إليه.
* * *
وقوله: (إنا نراك من المحسنين) اختلف أهل التأويل في معنى " الإحسان " الذي وصف به الفتيان يوسف. (44)
فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم , ويعزي حزينهم , وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له .
* ذكر من قال ذلك:
19279 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا سعيد بن منصور , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك بن مزاحم , قال: كنت جالسًا معه ببلخ , فسئل عن قوله: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، قال: قيل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق أوْسَع له.
19280 - حدثنا إسحاق , عن أبي إسرائيل , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك , قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: (إنا نراك من المحسنين) ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قامَ عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق عليه المكان وسَّع له.
19281 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن أبي بكر بن عبد الله , عن قتادة , قوله: (إنا نراك من المحسنين) ، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم , ويعزِّي حزينهم , ويجتهد لربه . وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم , فطال حزنهم , فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجَروا , إن لهذا أجرًا , إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك , لقد بورك لنا في جوارك , ما نحبُّ أنَّا كنا في غير هذا منذ حبسنا، لما تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطَّهارة , فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانت عليه محبَّة. وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخلَّيت سبيلك , ولكن سأحسن جِوارك، وأحسن إسارك , فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.
19282 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن خلف الأشجعي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك في: (إنا نراك من المحسنين) ، قال: كان يوسع للرجل في مجلسه , ويتعاهد المرضى.
* * *
وقال آخرون: معناه: (إنا نراك من المحسنين) ، إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه.
* ذكر من قال ذلك:
19283 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: استفتياه في رؤياهما , وقالا له: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) ، إن فعلت.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.
* * *
فإن قال قائل: وما وجهُ الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت , وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبَر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه، ويحسن إلى من احتاج في شيء , وإنما يقال للرجل: " نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم " , وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم، لا بغيره؟
قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك , كما نراك تحسن في سائر أفعالك: ( إنا نراك من المحسنين).
* * *
----------------------
الهوامش:
(37) انظر تفسير" الفتى" فيما سلف 8 : 188 / 16 : 62 .
(38) في المطبوعة :" نتراءى له" ، والصواب من المخطوطة ، والتاريخ .
(39) الأثر : 19269 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 176 .
(40) الأثر : 19273 -" أبو سلمة الصائغ" هو" راشد ، أبو سلمة الصائغ الفزاري" ، روى عن الشعبي ، وزيد الأحمسي ، وغيرهما . مترجم في الكبير 2 / 1 / 272 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 485 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .
و" إبراهيم بن بشير الأنصاري" ، روى عن ابن الحنفية ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 274 زابن أبي حاتم 1 / 1 / 89 .
وهذا الخبر ، ذكره البخاري في ترجمة" إبراهيم بن بشير" .
(41) " الحبلة" ( بفتح الحاء والباء ) ، القضيب من شجر الأعناب ، يغرس فينبت .
(42) انظر تفسير" فوق" فيما سلف 13 : 430 .
(43) انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .
، وتفسير" التأويل" فيما سلف ص : 20 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(44) انظر تفسير" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿٣٧﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (قال) يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا: (لا يأتيكما) ، أيها الفتيان في منامكما ، (طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله) ، في يقظتكما ، (قبل أن يأتيكما).
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19284 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: قال يوسف لهما: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) ، في النوم ، (إلا نبأتكما بتأويله) ، في اليقظة.
19285 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال يوسف لهما: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) ، يقول: في نومكما ، (إلا نبأتكما بتأويله).
* * *
ويعنى بقوله (بتأويله) : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه.
* * *
وقوله: (ذلكما مما علمني ربي) ، يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربى فعلمته ، (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ، وجاء الخبر مبتدأ، أي: تركت ملة قوم , والمعنى: ما ملت، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه.
* * *
وقوله: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ، يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله , ويقرّ بوحدانيته (45) ، (وهم بالآخرة هم كافرون) ، يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله ، لا يقرّون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.
* * *
، وكُررت " هم " مرتين , فقيل: (وهم بالآخرة هم كافرون) ، لما دخل بينهما قوله: (بالآخرة) ، فصارت " هم " الأولى كالملغاة , وصار الاعتماد على الثانية , كما قيل: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [سورة النمل: 3/ سورة لقمان: 4 ]، وكما قيل: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [سورة المؤمنون: 35]
* * *
فإن قال قائل: ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف؟ وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما، من هذا الكلام؟
قيل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم من مكروه ذلك على أحدهما , فأعرض عن ذكره، وأخذ في غيره، ليعرضا عن مسألته الجوابَ عما سألاه من ذلك.
* * *
وبنحو ذلك قال أهل العلم.
* ذكر من قال ذلك:
19286 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ، قال: فكره العبارة لهما , وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علمًا . وكان الملك إذا أراد قتل إنسان , صنع له طعامًا معلومًا , فأرسل به إليه , فقال يوسف: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) ، إلى قوله: يَشْكُرُونَ ، فلم يدَعَاه , فعدل بهما , وكره العبارة لهما. فلم يدعاه حتى يعبر لهما , فعدل بهما وقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، إلى قوله: يَعْلَمُونَ ، فلم يدعاه حتى عبر لهما , فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ . قالا ما رأينا شيئًا , إنما كنا نلعب ! قال: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .
* * *
قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج، فقوله: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) ، في اليقظة لا في النوم، . وإنما أعلمهما على هذا القول أنَّ عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره , لأنه قد علم النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقتل من أتاه ذلك منهما , والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك , فأخبرهما أنه عنده علم ذلك .
----------------------
الهوامش:
(45) انظر تفسير" الملة" فيما سلف 12 : 561 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٣٨﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38)
قال أبو جعفر : يعني بقوله: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب)، واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك ، (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء)، يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته ، بل الذي علينا إفراده بالألُوهة والعبادة ، (ذلك من فضل الله علينا)، يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام ، وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ، من فضل الله الذي تفضّلَ به علينا ، فأنعم إذ أكرمنا به ، (وعلى الناس)، يقول: وذلك أيضًا من فضل الله على الناس ، إذ أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته ، (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)، يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه ، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضِّل به .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك:
19287 - حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (ذلك من فضل الله علينا)، أن جعلنا أنبياء ، (وعلى الناس) ، يقول: أن بعثنا إليهم رسلا.
19288 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس)، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةِ غيرِ منعم عليه لا يدري، وربّ حامل فقه غيرِ فقيه.
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾
القول في تأويل قوله تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)
قال أبو جعفر : ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن ، لأن أحدهما كان مشركًا ، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان ، فقال: (يا صاحبي السجن)، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما " صاحبيه " لكونهما فيه ، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وكذلك قال لأهل النار ، وسماهم " أصحابها " لكونهم فيها . (1)
* * *
وقوله: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) ، يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه ، الذي قهر كل شي فذلـله وسخره، فأطاعه طوعًا وكرهًا . (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك:
19289 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، &; 16-105 &; قوله: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون) إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ ، لما عرف نبيُّ الله يوسف أن أحدهما مقتولٌ، دعاهما إلى حظّهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما.
19290 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (يا صاحبي السجن) يوسفُ يقوله.
19291-... قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19292 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام ، فقال: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا ، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟
* * *
----------------------
الهوامش:
(1) انظر تفسير" الصاحب" ، فيما سلف من فهارس اللغة ( صحب ) .
(2) انظر تفسير" القهار" فيما سلف 13 : 42 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٠﴾
القول في تأويل قوله تعالى : مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)
قال أبو جعفر : يعنى بقوله: (ما تعبدون من دونه)، ما تعبدون من دون الله .
وقال: (ما تعبدون) وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ لأنه قصد المخاطب به، ومن هو على الشرك بالله مقيمٌ من أهل مصر ، فقال للمخاطَب بذلك: ما تعبد أنتَ ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبادة الأوثان ، (إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابًا ، &; 16-106 &; شركًا منهم، وتشبيهًا لها في أسمائها التي سمَّوها بها بالله ، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه ، (ما أنـزل الله بها من سلطان)، يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها ، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها، دلالةً ولا حجةً ، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء . (3)
* * *
وقوله: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء ، كما:-
19293- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ، في قوله: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا أياه)، قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له.
* * *
وقوله: (ذلك الدين القيم)، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار ، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه ، والحقُّ الذي لا شك فيه (4) (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ، فلا يعلمون حقيقته .
----------------------
الهوامش:
(3) انظر تفسير" السلطان" فيما سلف 15 : 465 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير" القيم" فيما سلف 14 : 237 .
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿٤١﴾
القول في تأويل قوله تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا)، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا ، فيسقي ربَّه ، يعني سيده، وهو ملكهم (5) ، " خمرا " ، يقول: يكون صاحب شرابه .
* * *
19294 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ، في قوله: (فيسقي ربه خمرًا)، قال: سيده.
* * *
، وأما الآخر ، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه " فيصلب فتأكل الطير من رأسه "، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما ، قالا له: ما رأينا شيئًا ! فقال لهما: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما ، (6) ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به . (7)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم .
*ذكر من قال ذلك:
19295 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا ! فقال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19296- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، ، عن سفيان ، عن عمارة بن القعقاع ، عن إبراهيم ، عن عبد الله: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما ، فقالا ما رأينا شيئا ! فقال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19297- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب ! قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان).
19298- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا ، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا! وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ! قال: ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه). فلما عبَّر ، قالا ما رأينا شيئًا! قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، على ما عبَّر يوسف.
19299 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك ، فيرضى عنك صاحبك، (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) ، أو كما قال.
19300 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،قال ابن جريج........... فيه تستفتيان. (8)
19301 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب ! قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.
19302- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله: (الذي فيه تستفتيان)، فذكر مثله.
* * *
----------------------
الهوامش:
(5) انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص : 32 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير" قضى" فيما سلف 15 : 151 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(7) انظر تفسير" الاستفتاء" فيما سلف 9 : 253 ، 430 .
(8) هذا خبر سقط منه شيء كثير ، فوضعت النقط مكان السقط .
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: (9) (اذكرني عند ربك) يقول: اذكرني عند سيدك ، (10) وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم ، كما:-
19303 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ،قال ، يعني لنبو ، (اذكرني عند ربك) : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي وحبسي في غير شيء، قال: أفعل.
19304 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله: (اذكرني عند ربك) قال للذي نجا من صاحبي السجن ، يوسف يقول: اذكرني عند الملك.
19305- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه .
19306 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أسباط: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، قال: عند ملك الأرض.
19307 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (اذكرني عند ربك)، يعني بذلك الملك.
19308- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، الذي نجا من صاحبي السجن ، يقول يوسف: اذكرني للملك.
19309 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال أخبرنا العوّام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي: أنه لما انتهى به إلى باب السجن، قال له صاحبٌ له: حاجتَك أوصني بحاجتك ! قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك ، سوى الربِّ ، قال يوسف. (11)
* * *
وكان قتادة يوجِّه معنى " الظن " في هذا الموضع، إلى " الظنِّ"، الذي هو خلاف اليقين .
19310 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، وإنما عبارة الرؤيا بالظن ، فيحقُّ الله ما يشاءُ ويُبْطِل ما يشاء.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن ، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء . فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون ، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها. وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه . فإذا كان ذلك كذلك، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق . فمعلومٌ، إذ كان الأمر على ما وصفت، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن ، فيقول لأحدهما: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ، ثم يؤكد ذلك بقوله: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ، عند قولهما: ( لم تر شيئا) ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه. وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: (اذكرني عند ربك) . فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) .
* * *
وقوله: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه ، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه، وأوجع لها عقوبته، كما:-
19311 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن بسطام بن مسلم ، عن مالك بن دينار قال: لما قال يوسف للساقي: (اذكرني عند ربك)، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك! فبكى يوسف وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ، فويل لإخوتي.
19312 - حدثنا الحسن قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنه ، يعني يوسف ، قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث.
19313 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا يونس ، عن الحسن قال: قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طولَ ما لبث ، يعني قوله: (اذكرني عند ربك)، قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نـزل بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس .
19314- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قوله: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك)، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا كلمة يوسُف، ما لبث في السجن طولَ ما لبث .
19315 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو لم يقل يوسف ، يعني الكلمة التي قال ، ما لبث في السجن طول ما لبث ، يعني حيث يبتغي الفرج من عند غير الله. (12)
19316 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يستعن يوسف على ربّه، ما لبث في السجن طول ما لبث. .
19317 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لولا أنّ يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث ، ولكن إنما عوقب باستشفاعه على ربّه .
19318 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: قال له: (اذكرني عند ربك)، قال: فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكرَ ربه ، وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين) بقوله: (اذكرني عند ربك).
19319- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه ، غير أنه قال: فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: (اذكرني عند ربك).
19320- ... قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو، سواء .
19321- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث المثنى ، عن أبي حذيفة .
* * *
وكان محمد بن إسحاق يقول: إنما أنسى الشيطانُ الساقي ذكر أمر يوسف لملكهم .
19322 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: لما خرج ، يعني الذي ظنّ أنه ناج منهما ، رُدّ على ما كان عليه ، ورضي عنه صاحبه ، فأنساه الشيطان ذكر ذلك للملك الذي أمره يوسف أن يذكره ، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين . يقول جل ثناؤه: فلبث يوسف في السجن، لقيله للناجي من صاحبي السجن من القيل: " اذكرني عند سيدك "، بضع سنين ، عقوبةً له من الله بذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في قدر " البضع " الذي لبث يوسف في السجن.
فقال بعضهم: هو سبع سنين .
*ذكر من قال ذلك:
19323 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد أبو عثمة قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: لبث يوسف في السجن سبعَ سنين. (13)
19324- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (فلبث في السجن بضع سنين)، قال: سبع سنين.
19325 - حدثنا الحسن قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال: سمعت وهبًا يقول: أصاب أيُّوب البلاء سبع سنين، وترك في السجن يوسف سبع سنين ، وعذب بختنصر، فحُوِّل في السباع سبع سنين. (14)
19326- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال: زعموا أنها ، يعني" البضع " ، سبع سنين ، كما لبث يوسف.
* * *
وقال آخرون: " البضع "، ما بين الثلاث إلى التسع .
*ذكر من قال ذلك:
19327 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال قال: سمعت قتادة يقول: " البضع "، ما بين الثلاث إلى التسع.
19328 - حدثنا وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن منصور ، عن مجاهد: (بضع سنين)، قال: ما بين الثلاث إلى التسع.
* * *
وقال آخرون: بل هو ما دون العشر .
*ذكر من قال ذلك:
19329 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،قال ابن جريج ، قال ابن عباس: (بضع سنين)، دون العشرة.
* * *
وزعم الفراء أن " البضع " لا يذكر إلا مع " عشر " ، ومع " العشرين " إلى التسعين ، وهو " نَيِّفٌ" ما بين الثلاثة إلى التسعة . (15) وقال: كذلك رأيت العرب تفعل. ولا يقولون: " بضع ومئة " (16) ولا " بضع وألف " ، وإذا كانت للذكران قيل: " بضع " .
* * *
قال أبو جعفر :-
والصواب في" البضع " من الثلاث إلى التسع، إلى العشر ، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المئة ، وما زاد على المئة فلا يكون فيه " بضع " .
----------------------
الهوامش:
(9) انظر تفسير" الظن" فيما سلف من فهارس اللغة ( ظنن ) .
(10) انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص : 107 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(11) في المطبوعة :" أن تذكرني عند ربك ، ينوي الرب الذي ملك يوسف" ، غير ما في المخطوطة ، وأثبت ما فيها ، إلا أنه كان هنا" أن تذكرني عند رب" بغير كاف ، والصواب ما أثبت .
(12) الأثر : 19315 -" إبراهيم بن يزيد الخوزي القرشي" ، متروك منكر الحديث ، ليس بثقة ، كان يتهم بالكذب . مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17313 .
فهذا خبر ضعيف الإسناد جدًا ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 39 ، مطولا ، قال :" رواه الطبراني ، وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي ، وهو متروك" . ورواه الطبري في تاريخه 1 : 177 .
أما سائر الأخبار قبله وبعده ، فهي مرسلة لا حجة في شيء منها .
(13) الأثر : 19323 -" محمد ، أبو عثمة" ، هو :" محمد بن خالد بن عثمة" ، سلف مرارًا ، آخرها رقم : 10142 ، وانظر رقم : 5314 ، 5483 ، ورواية محمد بن بشار عنه ، وروايته هو عن" سعيد بن بشير" ، عن قتادة .
(14) الأثر : 19325 -" عمران أبو الهذيل الصنعاني" ، هو :" عمران بن عبد الرحمن بن مرثد" ،" أبو الهذيل" ثقة سمع وهب بن منبه ، وزياد بن فيروز ، والقاسم بن تنخسره . مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 301 .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 177 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة :" يجول في السباع" والمخطوطة غير منقوطة . والصواب من التاريخ ، وعنى بقوله" حول في السباع" . أي : مسخ سبعًا من السباع .
(15) الأثر : 19327 - :" ابن بشار" ، هو" محمد بن بشار" مضى مرارًا . و" سلمان" هو" وسليمان بن داود بن الجارود" ، أبو داود الطيالسي الإمام المشهور ، مضى مرارًا .
و" أبو هلال" هو" محمد بن سليم الراسبي" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 15351 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة" سمعت أبا قتادة" ، وهو خطأ ، فإن أبا هلال الراسبي ، يروي عن" قتادة" .
(16) هذه عبارة غير واضحة . وقد نقل صاحب اللسان عن ابن بري قال :" وحكى عن الفراء في قوله :" بضع سنين" ، أن" البضع" لا يذكر إلا مع العشر والعشرين إلى التسعين . ولا يقال فيما بعد ذلك ، يعني أنه يقال : مئة ونيف" . اللسان ( بضع ) .
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٤٣﴾
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
قال أبو جعفر : يعني جل ذكره بقوله: وقال ملك مصر: إني أرى في المنام سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبعٌ من البقر عجاف . (17) وقال: " إني أرى " ، ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره ، لتعارف العرب بينها في كلامها إذا قال القائل منهم: " أرى أني أفعل كذا وكذا "، أنه خبر عن رؤيته ذلك في منامه، وإن لم يذكر النوم . وأخرج الخبر جلّ ثناؤه على ما قد جرى به استعمال العرب ذلك بينهم .
* * *
، (وسبع سنبلات خضر)، يقول: وأرى سبع سُنْبلات خضر في منامي ، (وأخر) يقول: وسبعًا أخر من السنبل ، (يابسات يا أيها الملأ)، (18) يقول: يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي (19) ، (أفتوني في رؤياي)، فاعبروها، (إن كنتم للرؤيا) عَبَرَةً . (20)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك:
19330- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي قال ،إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته ، فرأى سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة والقافة ، (21) فقصَّها عليهم ، فقالوا : أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ . (22)
19331 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته ، وعرف أنها رؤيا واقعة ، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: (إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف) إلى قوله: بِعَالِمِينَ .
----------------------
الهوامش:
(17) لم يفسر" العجاف" في هذه الآية ، وسيفسرها فيما بعد في الآيات التالية .
(18) انظر تفسير" السنبلة" فيما سلف 5 : 512 - 515 .
(19) انظر تفسير" الملأ" فيما سلف 15 : 466 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(20) " عبرة" جمع" عابر" ، وهو الذي يعبر الرؤيا ، ويفسرها .
(21) " الحزأة" جمع" حاز" ، وهو المتكهن ، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه ، ويقال للذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب :" الحزاء" . وجاء في تاريخ الطبري" الحازة والقافة" ، كأنه جمع آخرها على غير القياس . وفي جمعه أيضًا" الحوازي" .
و" القافة" جمع" قائف" ، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه .
(22) الأثر : 19330 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 177 ، مطولا .
قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ ﴿٤٤﴾
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ (44)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه " أضغاث أحلام " ، يعنون أنها أخلاطٌ، رؤيا كاذبةٌ لا حقيقة لها .
* * *
، وهي جمع " ضغث " ، و " الضغث " أصله الحزمة من الحشيش ، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها ، و " الأحلام "، جمع حلم ، وهو ما لم &; 16-118 &; يصدق من الرؤيا ، ومن " الأضْغَاث " قول ابن مقبل:
خَـوْدٌ كَـأَنَّ فِرَاشَـهَا وُضِعَـتْ بِـهِ
أضْغَــاثُ رَيْحَــانٍ غَـدَاةَ شَـمَالٍ (1)
ومنه قول الآخر: (2)
يَحْــمِي ذِمَـارَ جَـنِينٍ قَـلَّ مَانِعُـهُ
طَـاوٍ كَـضِغْثِ الخَلا فِي البَطْنِ مُكْتَمِن (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك:
19332 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام) يقول: مشتبهة.
19333 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام)، كاذبة.
19334 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ،لما قصّ الملك رؤياه التي رأى على أصحابه ، قالوا: ( أضغاث أحلام)، أي فعل الأحلام.
19335 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (أضغاث أحلام)، قال: أخلاط أحلام ، (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
19336 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أبي مرزوق ، عن جويبر ، عن الضحاك قال ،" أضغاث أحلام "، كاذبة.
19337 - ... قال، حدثني المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك: " قالوا أضغاث " قال : كذب.
19338- حدثت عن الحسين بن الفرج قال ،سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أضغاث أحلام)، هي الأحلام الكاذبة.
* * *
وقوله: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)، يقول: وما نحن بما تئول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين . (4)
* * *
والباء الأولى التي في" التأويل " من صلة " العالمين " ، والتي في" العالمين "" الباء " التي تدخل في الخبر مع " ما " التي بمعنى الجحد ، ورفع " أضغاث أحلام " ، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء، إنما هي أضغاث أحلام .
* * *
----------------------
الهوامش:
(1) لم أجده في غير هذا المكان . و" الخود" ، الفتاة الناعمة الشابة . و" الشمال" هي الريح المعروفة ، وهي الباردة . وما أطيب ما وصف ابن مقبل وما أبصره !
(2) لم أعرف قائله .
(3) هذا بيت لم أجده ، ولا أحسن تفسيره مفردًا .
(4) انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص : 98 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .