تفسير البغوي
· يوسفافتح في القارئفَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾
( فلما أن جاء البشير ) وهو المبشر عن يوسف قال ابن مسعود : جاء البشير بين يدي العير . قال ابن عباس : هو يهوذا .
قال [ السدي : قال يهوذا ] أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي فأفرحه كما أحزنته .
قال ابن عباس : حمله يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه ، وكانت المسافة ثمانين فرسخا .
وقيل : البشير مالك بن ذعر .
( ألقاه على وجهه ) يعني : ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب ( فارتد بصيرا ) فعاد بصيرا بعدما كان عمي وعادت إليه قوته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم ، وسروره بعد الحزن .
( قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا .
وروي أنه قال للبشير : كيف تركت يوسف قال : إنه ملك مصر فقال يعقوب : ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال : على دين الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿٩٧﴾
( قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) مذنبين .
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾
( قال سوف أستغفر لكم ربي ) قال أكثر المفسرين : أخر الدعاء إلى السحر ، وهو الوقت الذي يقول الله تعالى : " هل من داع فأستجيب له " فلما انتهى يعقوب إلى الموعد قام إلى الصلاة بالسحر ، فلما فرغ منها رفع يديه إلى الله عز وجل وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه ، واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين .
وعن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : سوف أستغفر لكم [ ربي يعني ليلة الجمعة . قال وهب : كان يستغفر لهم كل ] ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة .
وقال طاوس : أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء . وعن الشعبي قال : سوف أستغفر لكم ربي ، قال : أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي ( إنه هو الغفور الرحيم ) .
روي أن يوسف كان قد بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازا كثيرا ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده ، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر فخرجوا وهم اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة . وقال مسروق : كانوا ثلاثة وتسعين ، فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه ، فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجنود وركب أهل مصر معهما يتلقون يعقوب ، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال : يا يهوذا ، هذا فرعون مصر قال : لا هذا ابنك ، فلما دنا كل واحد من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام ، فقال جبريل : لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام ، فقال يعقوب : السلام عليك يا مذهب الأحزان .
وروي أنهما نزلا وتعانقا . وقال الثوري : لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا ، فقال يوسف : يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا قال : بلى يا بني ، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك .
فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿٩٩﴾
فذلك قوله تعالى : ( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ) أي : ضم إليه ( أبويه ) قال أكثر المفسرين : هو أبوه وخالته ليا وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين .
وقال الحسن : هو أبوه وأمه ، وكانت حية .
وفي بعض التفاسير أن الله عز وجل أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر .
( وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) فإن قيل : فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه فكيف قال ادخلوا مصر [ إن شاء الله آمنين ] بعدما أخبر أنهم دخلوها وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول
قيل : إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر . وفي الآية تقديم وتأخير ، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله .
وقيل : الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبله إلا بجواز من ملوكهم ، يقول : آمنين [ من الجواز إن شاء الله تعالى ، كما قال : ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) ( الفتح - 27 ) ] .
وقيل : " إن " ها هنا بمعنى إذ ، يريد : إذ شاء الله ، كقوله تعالى : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ( آل عمران - 139 ) . أي : إذ كنتم مؤمنين .
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١٠٠﴾
( ورفع أبويه على العرش ) أي : على السرير : أجلسهما . والرفع : هو النقل إلى العلو . ( وخروا له سجدا ) يعني : يعقوب وخالته وإخوته .
وكانت تحية الناس يومئذ السجود ، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض ، وإنما هو الانحناء والتواضع .
وقيل : وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم ، لا على طريق العبادة . وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة .
وروي عن ابن عباس أنه قال : معناه : خروا لله عز وجل سجدا بين يدي يوسف . والأول أصح .
( وقال ) يوسف عند ذلك : ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) وهو قوله : " إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " .
( وقد أحسن بي ) [ ربي ، أي ] : أنعم علي ( إذ أخرجني من السجن ) ولم يقل من الجب مع كونه أشد بلاء من السجن ، استعمالا للكرم ، لكيلا يخجل إخوته بعدما قال لهم : " لا تثريب عليكم اليوم " ، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم ، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق ، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته ، وفي السجن مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه .
( وجاء بكم من البدو ) والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم ، وكانوا أهل بادية ومواش ، يقال : بدا يبدو إذا صار إلى البادية . ( من بعد أن نزغ ) أفسد ( الشيطان بيني وبين إخوتي ) بالحسد .
( إن ربي لطيف ) أي : ذو لطف ( لما يشاء ) وقيل : معناه بمن يشاء .
وحقيقة اللطيف : الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق ( إنه هو العليم الحكيم ) . قال أهل التاريخ : أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال وأهنإ عيش ، ثم مات بمصر فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق ، ففعل يوسف ذلك ، ومضى به حتى دفنه بالشام ، ثم انصرف إلى مصر .
قال سعيد بن جبير : نقل يعقوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فدفنا في قبر واحد ، وكانا ولدا في بطن واحد ، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة .
فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله على أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله تعالى حسن العاقبة ، فقال :
۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١٠١﴾
( رب قد آتيتني من الملك ) يعني : ملك مصر والملك : اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير . ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) يعني : تعبير الرؤيا . ( فاطر ) أي : يا فاطر ( فاطر السماوات والأرض ) أي : خالقهما ( أنت وليي ) أي : معيني ومتولي أمري ( في الدنيا والآخرة توفني مسلما ) يقول : اقبضني إليك مسلما ( وألحقني بالصالحين ) يريد بآبائي النبيين .
قال قتادة : لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف .
وفي القصة : لما جمع الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه عز وجل فقال هذه المقالة .
قال الحسن : عاش بعد هذا سنين كثيرة . وقال غيره : لما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي .
واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه ، فقال الكلبي : اثنتان وعشرون سنة .
وقيل : أربعون سنة .
وقال الحسن : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .
وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين ، وولد ليوسف من امرأة العزيز ثلاثة أولاد : أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام .
وقيل : عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة . وقيل : أكثر . واختلفت الأقاويل فيه .
وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام ، وذلك أنه لما مات تشاح الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته ، حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجري الماء عليه وتصل بركته إلى جميعهم .
وقال عكرمة : دفن في الجانب الأيمن من النيل ، فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ، [ فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ] ، فدفنوه في وسطه وقدروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان جميعا إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام .
ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾
( ذلك ) الذي ذكرت ( من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم ) أي : ما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب ( إذ أجمعوا أمرهم ) أي : عزموا على إلقاء يوسف في الجب ( وهم يمكرون ) بيوسف .
وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾
( وما أكثر الناس ) يا محمد ( ولو حرصت بمؤمنين ) على إيمانهم .
وروي أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا ، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : إنهم لا يؤمنون وإن حرصت على إيمانهم .
وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٠٤﴾
( وما تسألهم عليه ) أي : على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله تعالى ( من أجر ) جعل وجزاء ( إن هو ) ما هو يعني القرآن ( إلا ذكر ) عظة وتذكير ( للعالمين ) .
وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾
( وكأين ) وكم ( من آية ) عبرة ودلالة ( في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها .
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١٠٦﴾
( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فكان من إيمانهم إذا سئلوا : من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، وإذا قيل لهم : من ينزل القطر ؟ قالوا : الله ، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون .
وعن ابن عباس أنه قال : إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون في تلبيتهم ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .
وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، كما قال الله تعالى : ( وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) الآية ( يونس - 22 ) ، وقال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ( العنكبوت - 65 ) ، وغير ذلك من الآيات .
أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٠٧﴾
( أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ) أي : عقوبة مجللة . قال مجاهد : عذاب يغشاهم ، نظيره قوله تعالى : " يوم يغشاهم العذاب من فوقهم " الآية ( العنكبوت - 55 ) . قال قتادة : وقيعة . وقال الضحاك : يعني الصواعق والقوارع . ( أو تأتيهم الساعة بغتة ) فجأة ( وهم لا يشعرون ) بقيامها . قال ابن عباس : تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم .
قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٨﴾
( قل ) يا محمد ( هذه ) الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها ( سبيلي ) سنتي ومنهاجي . وقال مقاتل : ديني ، نظيره قوله : ( ادع إلى سبيل ربك ) ( النحل - 125 ) أي : إلى دينه . ( أدعو إلى الله على بصيرة ) على يقين . والبصيرة : هي المعرفة التي تميز بها بين الحق والباطل ( أنا ومن اتبعني ) أي : ومن آمن بي وصدقني أيضا يدعو إلى الله . هذا قول الكلبي ، وابن زيد قالوا : حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ، ويذكر بالقرآن .
وقيل : تم الكلام عند قوله : ( أدعو إلى الله ) ثم استأنف : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يقول : إني على بصيرة من ربي ، وكل من اتبعني .
قال ابن عباس : يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية ؛ معدن العلم ، وكنز الإيمان ، وجند الرحمن .
قال عبد الله بن مسعود : من كان مستنا فليستن بمن قد مات [ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ] أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة ، وأبرها قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه ، [ فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ] ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم .
قوله تعالى : ( وسبحان الله ) أي : وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا به . ( وما أنا من المشركين ) .
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٠٩﴾
( وما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( إلا رجالا ) لا ملائكة ( نوحي إليهم ) قرأ حفص : ( نوحي ) بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء .
( من أهل القرى ) يعني : من أهل الأمصار دون البوادي ، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم .
[ وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من بدو ، ولا من الجن ، ولا من النساء . وقيل : إنما لم يبعث ] من أهل البادية لغلظهم وجفائهم .
( أفلم يسيروا في الأرض ) يعني : هؤلاء المشركين المكذبين ( فينظروا كيف كان عاقبة ) آخر أمر ( الذين من قبلهم ) يعني : الأمم المكذبة فيعتبروا .
( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) يقول جل ذكره : هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا; أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء ، لدلالة الكلام عليه .
قوله تعالى : ( ولدار الآخرة ) قيل : معناه ولدار الحال الآخرة .
وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : ( إن هذا لهو حق اليقين ) ( الواقعة - 95 ) وكقولهم : يوم الخميس ، وربيع الآخر ( أفلا تعقلون ) فتؤمنون .
حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١١٠﴾
( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) اختلف القراء في قوله : ( كذبوا ) .
فقرأ أهل الكوفة ، وأبو جعفر : ( كذبوا ) بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه القراءة .
وقرأ الآخرون بالتشديد .
فمن شدد قال : معناه حتى استيأس الرسل من إيمان قومهم .
[ روي عن مجاهد أنه قرأ : وقد كذبوا بفتح الكاف والذال مخففة ، ولها تأويلان : أحدهما معناه : أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كذبوا . والثاني : معناه : أن الرسل ظنوا - أي : علموا - أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان قومهم ] .
وظنوا : أي أيقنوا - يعني الرسل - أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعد إيمانهم .
والظن بمعنى اليقين : وهذا معنى قول قتادة .
وقال بعضهم : معناه : حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر . ومن قرأ بالتخفيف قال : معناه : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي : ظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب .
وروي عن ابن عباس : معناه ضعف قلوب الرسل يعني : وظنت الرسل أنهم كذبوا فيما وعدوا من النصر . وكانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أخلفوا ثم تلا ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) ( البقرة - 214 ) أي : جاء الرسل نصرنا .
( فنجي من نشاء ) [ قرأ العامة بنونين أي : نحن ننجي من نشاء ] . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة فيكون محل ( من ) رفعا على هذه القراءة . وعلى القراءة الأولى يكون نصبا فنجي من نشاء عند نزول العذاب وهم المؤمنون المطيعون .
( ولا يرد بأسنا ) عذابنا ( عن القوم المجرمين ) يعني : المشركين .
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾
( لقد كان في قصصهم ) أي : في خبر يوسف وإخوته ( عبرة ) عظة ( لأولي الألباب ما كان ) يعني : القرآن ( حديثا يفترى ) أي : يختلق ( ولكن تصديق الذي ) أي : ولكن كان تصديق الذي ( بين يديه ) من التوراة والإنجيل ( وتفصيل كل شيء ) مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي ( وهدى ورحمة ) بيانا ونعمة ( لقوم يؤمنون ) .